islamaumaroc

غارة أبي عنان على "لاقش" (عام 756هـو 1355م) والسفارة المتبادلة لإبرام الصلح بين المغرب والبرتغال.

  عبد الهادي التازي

العدد 274 رمضان/ أبريل 1989

شاهدت أيام أبي عنان بعض الأحداث التي تتصل بالعلاقات المغربية البرتغالية، والتي لم يتعرض لها – على ما في علمنا – أي مصدر من المصادر المغربية باستثناء ابن الحاج النميري في كتابه (فيض العباب) (1).
والجدير بالذكر أن هذه المعركة لم تتعرض لها كذلك المصادر البرتغالية، حسب علمنا أيضا، وربما كان سبب هذا الإهمال استسلام البلاد لحروبها الأهلية، في أعقاب إجهار ملك البرتغال ألفونصو الرابع على إينيش (INES) بعد أن اكتشف صلتها الغرامية بابنه الأمير دون بيدور !
ويتعلق الأمر بالمعركة التي حملت في إفادة النميري اسم معركة لاقش (Lagos) (2)، وقد كانت من أكبر المعارك التي عرفها التاريخ الدولي بين السلطان أبي عنان والملك ألفونس الرابع.
لا يمكن أن يأخذنا الشك فيما استأثر بذكره ابن الحاج النميري بالرغم من أنه لا يوجد – كما قلنا – في مصدر آخر...لأن مركز أبي عنان على ذلك الوقت كان من القوة والعظمة، على نحو ما قرأنا عند دراسة علاقاته ليس فقط مع مملكة قشتالة ومملكة أرغون وصقلية وجمهورية جنوة، ولكم كذلك مع مملكة البرتغال ولو أن الأستاذ عنان أهل ذكر البرتغال كدولة لها على هذا العهد شأن مع المغرب (3)

وهذا هو النص الكامل لحديث ابن الحاج النميري عن هذا الهجوم:
"....ولما خرج مولانا – أبده الله – (السلطان أبو عنان إلى المصارة (4) (شوال 757= أكتوبر 1356)، وكمل برءه الذي سر أهل البداوة والحضارة، طاشت بذلك الأخبار، وتهادت أحاديثه الأقطار، واتصل ذلك بالروم (5)، فصرف هممهم إلى الهموم، وسلب الإطراب حتى عن بنات الكروم، ونفث بالروع في كل روه، ورمى أكبادهم بانشعاب وصدوع، وغادر طعامهم كالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. وأذاق كا عين منهم نكل كراها، وسرى إلى قلوب أضمرت الفري على الله ففراها، وشاهدوا بظهر الغيب عزم مولانا الأرضى، واشتداده فيما أغمض فيه من الإرجاء  وأغضى، وعاينوا جنود الله منتشرة ذات اليمين وذات الشمال، وناهدة بأجذال الجلاء ومساعد القتال،ـ ملبية داعي النزل، قاذفة بالأبطال، لا الكشف ولا الأعدال، نافرة للجهاد الذي هو ذروة الإسلام وسهام الأعمال، من كل مثمر عن ساعد جد واعتزام، ملتزم للجهاد في سبيل الله أحن التزام، فمثله مثل الصائم القائم الذي لا يفتر عن صلاة ولا صيام، تحت رايات إمام أي إمام، مظهر لبأس وإقدام، منزه وإن كانت خلقه الحسناء، عن ذام، سام وحام سيوفه دوام، كفيلة للعز بدوام، لأبعد غاية من قصد ومرام رام، وغيث نواله عند تعاطي رؤوس وهام بهام، كما أن بحر باسه ذو التطام، وإرهابه لعداه في يقظة ومنام نام، فعند ذلك نظر ملوك الروم في عواقب أمورهم، وتغلغلت مخافة مولانا، الخائف من الله تعالى، في صدورهم، وعلموا أنهم درئة لرماحه ولحم على وضم لصفاحه، وأسماء تتغير لدخول عوامله، وأدلة تتزيف بالطعن في مقدماتها، لكن بذوابله، فأول من بادر إلى الاستخذاء، ومديد الاستجداء ملك برتغال (Roi du Portugal)، فقال من الخير ما قال، ومن عثرة أعذاره استقبال، وكان (ملك البرتغال) شيخا أحوذيا، أكل الدهر عليه وشرب ملبيا، فطلب أمانا، وخاف سنان رمح لا يزال مطعانا، ويم يمن قبله – وهو هرم – يخاف سنانا، وقد كان مولانا، أيده الله، وجه في العام الماضي إلى بلاده أسطوله، وأقدم عليه – من سلا – أجفانه، التي عرفت عرض البحر وطوله، فجاءها خضار بالمنايا الحمر، وأسمعتها الحرب أراجيز العجاج لكن من البحر، وما كان بأسرع منم فتح الأجفان لللقش (Loagos) التي كانت زمردة خضراء بتلك البلدان، لفم تنفع من سم الطعان، حين عضت حيات لكم من المران، واستولى المسلمون على ما كان فيها النساء والولدان، وسلطوا القتل على الكهول والشبان، وخلعوا ألسنة النواقيس بجم الأذان، وكسروا أصلاب الصلبان (6) وصيروا الشنت : (؟Saint) المعبود، فكيف بعابده، إلى النيران، فلا غراب في البر إلا نعق بينهم، ولا غراب (7) في البحر إلا جاء بحينهم، فكلاهما شاب صفو عيشهم بالأكدار، فأعجبوا ليوم شاب فيه الغراب يا أولي الأبصار !
وخبر هذه الحركة تقدم في هذا الديوان، وأوردناه مشروحا على قواعد الإيضاح والتبيان، فخاف ملك البرتغال أن يطرق بلاده المرة بعد المرة، وأن يخرب ملكه الراكبون تبج البحر ملوكا على الأسرة، فوجه إرساله إلى مولانا أمير المؤمنين أيده الله رابا في الصلح رغبة المتذلل الخاضع، وطالبا للمهادنة التي أغمدت السيوف فأمنت نصبة مولده منم القواطع، وأفصح أنه ما طلب ذلك إلى نظرا في المصالح لنفسه ورعيته، وأنه خاف عليهم من الحروب التي تحول بين المرء وأمنيته، كما خاف على بلاده ممن الخراب، وإقامة سوق الطعان بأسواقها والضراب، ولم يظهر في ذلك كله ناموسا، وصدق سن بكره فكان حرفه مجهورا لا مهموسا، فأعجب مولانا أيده الله ما أظهر من الذل، إذ هو للإسلام عز، وعلم أن ذلك النازل إذا لز في قرن الوفاء حسن له لز، فأسعف أيده الله قصده، ووجه من خدام بابه الكريم من يكمل الصلح معه ويتم عقده (5)، فتلقى إرسال مولانا – أيده الله – بالإكبار والإعظام، وفرح بقدومهم فرح الأرض المجدبة بواكف الغمام، وشكر نعمة المقام العلي شكر العين المسهدة للمنام، ودخل تحت ما رسم له من الأحكام، وأعاد أرساله مقررا لاغتباطه بذلك، ومعرفا بشكره الذي أنهج السبل والمسالك، فبلغ من الإبقاء عليه ما أرد، وانتجع سحائب الفضل الإمامي فمحمد المراد، وبقي في طيب عيش لا يطار غرابه، ورأى سيفه المغلوب  أوقاتا هي أحلة من العسل فسر ذبابه... !".
لقد كشف لنا ابن الحاج النميري عن معلومات جد هامة تتعلق بالصلات بين المغرب والبرتغال، وبالتحديد بين السلطان أبي عنان ملك بني مرين وبين الملك ألفونس الرابع ملك البرتغال، حيث انتصر المغرب – في هذه الغزوة – على خصمه انتصارا عظيما.. كما يكشف لنا أن خبر هذه المعركة قد تقدم في المؤلف الذي سماه "الديوان" وأورد مشروخا على قواعد الإيضاح والتبيان على حد تعير النميري.
وفد تقفيت – كما قلت – إثر هذه المعركة في المصادر المغربية، منثورها ومنظومها، وكذا المصادر الأجنبية وخاصة منها البرتغالية فلم أعثر لها على أثر... وقد زاد من حيرتنا إحالته على المصدر الذي سماه "الديوان" الذي لم نعرف ماذا يقصد به، وهل إن هناك مؤلفا خاصا للنميري. أم لأنه جانب مفقود من (فيض العباب)..؟
إن ابن الحاج النميري هو المصدر الوحيد حول هذه "المعركة" على ما قلت، وهو المصدر الوحيد الذي أخبرنا بوصول وفود الروم في شوال 757 = (30 يوليه – 27 غشا 1356) طالبة إبرام عقد الصلح مع ملك المغرب.. كان من جملة تلك الوفود وفود ملك البرتغال (ألفونس الرابع 1325-1357) الذي هزمته الجيوش المغربية في السنة الماضية 756=1355 في(لاقشLagos)...
وقد أحببت أن ألفت النظر إلى هذه اللقطة التاريخية على محو ما فعله الزميل مارتيم فيلهو Martim veltho عندما تحدث عن غزوة لتاشفين بن علي بن يوسف قرب (قصر عطية) (9) في مجلة جمعية الباحثين المستشرقين، مؤملا أن تثير إفادة ابن الحاج النميري البحث عن أسباب هذه الغارة وأثارها في المصادر البرتغالية والمغربية.

----------------------
1) الاسم الكامل لهذا الكتاب هو: "فيض العباب وإفاضة قداح الآداب في الحركة السعيدة إلى قسنطينة والزاب" لإبراهيم بن عبد الله ابن الحاج النميري المتوفى سنة 770-1369، وهو يقع في 115 ورقة كبيرة:25_18.5. وفي الصفحة عشرون سطرا، مكتوب بخط مغربي مدون، مزخرف الترقيم...ويحمل في الخزانة الحسنية رقم 3267، فهارس الخزانة الملكية، المجلد الأول، عمل محمد عبد الله عنان – الرباط 14000- 1980.
2) لاقش: مدينة على المحيط الأطلسي في جنوب البرتغال غربي فارو وشرقي رأس فيشينطي (Vicente) التي يرد ذكرها في بعض الوثائق المغربية. ولعل رحمة الوقت حالت دون تحديد موقع هذه المدينة من لدن الزميل د. محمد بن شقرون الباحث في المعهد الجامعي للبحث العلمي الذي نشر هذا المخطوط مقدما له بدراسة جيدة..
3)ذ. التازي: الموجز في تاريخ العلاقات الدولية للمملكة المغربية مطبعة المعارف...الرباط   1404-1984 ص 75-76 التاريخ الدبلوماسي للمغرب. المجلد السابع – المحمدية فضالة، 1408-1987 عند الحديث عن علاقات بني مرين بممالك حوض البحر المتوسط وجمهورياتها...
4) تضبط بضم الميم وفتح الصاد وفتح الراء: وتعني المكان الذي تمصر وتدرب فيه الخيول والجياد  (Stadium) دوزي.
5) لم يكشف النميري عما يقصد بكلمة الروم على عادة المؤلفين المغاربة القدامي: إسبانيا؟ أو البرتغال؟ أو إحدى جمهوريات البحر المتوسط؟ ولكن القصد لم يلبث أن ظهر عندما صرح بملك البرتغال.
6) يبدو لي أن جرسا من هاته الأجراس كان من نصيب المسجد الأعظم في أزمور مولاي بوشعيب بينما الباقي كان من نصيب جامع القرويين من فاس.
د.التازي: جامع القرويين: ج2 ص 328 وما بعدها، طبعة دار الكتاب اللبناني 1973 (محاضرة حول أزمور مولا بوشعيب ربيع 1986.
7) القصد إلى المركب الخاص الذي يختص باسم الغراب (Gurapas) ويجمع على أغربة: قال أبو عمرو بن حربون: في السيد الأعلى أبي حفص الموحدي:
بحر كان أبا حفص بصهوته  لقمان والمركب الجاري به لبد
تعجبوا من غراب فوق غاربه  ثهلان ذو الهضبات الشم أو أحد !
ابن صاحب الصلاة: تاريخ السن بالأمانة، تحقيق عبد الهادي التازي طبعة أولى، بيروت 1964 صفحة 255.
8) لم نقف على أسماء أعضاء السفارة المغربية إلى ملك البرتغال على هذا العهد لا في المصادر المغربية ولا في البرتغالية....
9)Boltein de la Associaion Espagnola de Orientalistas XVII 1981 p. 167-170
.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here