islamaumaroc

لماذا فشل النظام الاشتراكي؟

  أحمد عبد السلام البقالي

العدد 274 رمضان/ أبريل 1989

منذ الثورة البلشفية، سنة 1917، والاتحاد السوفياتي، والدول الدائرة في فلكه، تخوض معركة خاسرة، هي معركة إطعام شعوبها.
ففي محاولاتها المتكررة والفاشلة لإنتاج وتوزيع كميات كافية من الحبوب، واللحوم والفواكه، أعادت تنظيم نظامها الزارعي، وإصلاحه، وإعادة بنائه، مرات متعددة، وبطرق شتى، دون جدوى.
والآن، وبعد ثلاث سنوات من "البيريسترويكا"، ما يزال الوضع كما كان عليه، وهو أن الاتحاد السوفياتي لا يستطيع أن يطعم نفسه.
وقد صرح (غورباتشوف)، وهو آخر محاولي إصلاح النظام الزارعي، في مؤتمر، لجميع نقابات الحزب الشيوعي، في يونيوي 1988، بأن "نقص المواد الغذائية المزمن هو أكبر معضلة في المجتمع السوفياتي". و(غورباتشوف) أعرف الناس بذلك، لأنه سبق له أن كان وزير الزراعة بين 1978 و 1985 وهي أضعف الفترات إنتاجا منذ الحرب العالمية الثانية. وهو أعرف الناس، كذلك، الأخطاء الكثير وبسرعة, وقد سقط آخر مصلح، وهو (نيكيتا خروتشوف) ضحية لفشلا مخططاته الضخمة لإصلاح الزارعة.

التراجع عن الاشتراكية الزراعية
وأخيرا تحرك (غورباتشوف) بعزم نحو الجبهة الزراعية باقتراحه رسميا مد برنامج "إعادة البناء" ليشمل الخمسين ألف مزرعة، وتعاونية زراعية، في جميع أنحاء البلد.
وفي خطاب وجهه إلى مؤتمر اللجنة المركزية للزراعة، حضره مديرو المزارع، وكبار قادة الحزب، اعترف (غورباتشوف)، علانية، بما كان المواطنون السوفييت يعرفونه منذ مدة طويلة، وهو: "أن عمال المزارع اللامبالين والعاجزين أصبحوا بعيدين عن الأرض، وعن وسائل الإنتاج. فقد حولناهم من سادة أراضيهم إلى عمال يوميين".
وقد قرر (غورباتشوف)، من أجل زيادة الإنتاج وتعميم تجربة بدأت منذ ستنين، على جميع مزارع الاتحاد السوفياتي، وهو تأجير الأرض، والحيوانات، والآلات للعائلات المزارعة، والجماعات العاملة في الزراعة.
أعلن للمؤتمر بأن فكرته هي أن يسير قطاع الزارعة بأسره في هذه الطريق. وإذا تحقق هذا فسيكون أكبر انقلاب في السياسة الزراعية السوفييتية منذ 1930، حين حول الديكتاتور (جوزيف ستالين) المزارع الخاصة بالقوة إلى مزارع جماعية، وأرسل مآت الآلاف من المزارعين الموسرين، المعروفين ب (الكولاك) إلى (سيبييريا)، وغيرها، مما كان يعرف بالمنافي الداخلية. ويعتقد أن عدد الذين ماتوا أثناء هذه الهجرة القسرية، والمجاعة التي أعقبتها، يصل إلى عشرة ملايين نسمة، خلال سنة 32-1933، ويعترف استالين نفسه بأنه قتل 5 ملايين فقط:
ورغم أن برنامج الإصلاح يقف دون حل المزارع الجماعية وزراع الدولة، فإنه سيقسمها إلى وحدات صغيرة تستطيع العائلات، والجماعات العاملة في الحقوق، استئجارها ممن الدولة لمد قد تصل إلى خمسين سنة، وزرعها لفائدتها الخاصة.
وتطبيق (البيرويستروبكا) على المزارع من أصعب الأعباء التي تحملها الرئيس (غورفاتشوف). فليس عليه فقط أن يتراجع عن ستين سنة تقريبا من كوارث سوء التدبير، ولكن عليه أن يفعل ذلك في وقت يعترف فيه حتى الخبراء السوفييت بأن النظام أوشك على الانهيار ! وقد أصبح المواطن السوفييتي يجد الدكاكين التي تديرها الدولة أفرغ مما كانت عليه منذ 15 سنة، وذلك بسبب سوء التوزيع ومشاكله.
وفي نفس الوقت بدأ الاستياء يشتد بين المستهلكين من تكاثر الأسواق الخاصة، والتعاونيات التي تمتلئ رفوفها بأجود المنتوجات الزارعية، ولكن بأثمان تفوق طاقتهم الشرائية، فالإجاص، مثلا، يباع في دكاكين الجولة، حين يوجج بما يعادل 75 سنتا أميريكيا للرطل، ولكنه يصل إلى ثمانية دولارات في الأسواق الخاصة, وثمن الخيار في دكاكين الدولة دولارات للرطل الواحد، وستة عشر دولارا في الدكاكين الخاصة !

المشكل هو الشيوعية
فما هي مشكلة الزراعة في الاتحاد السوفييتي؟
يقول المحللون الفرنسيون أنها النظام بأسره ! ويضعون اللائحة التالية:
1- ضعف إنتاجية العامل الزراعي.
2- سوء استعمال الأسمدة ومبيدات الحشرات.
3- ندرة قطع الغيار، لدرجة أنه في سنة 1987 توقفت مائة ألف جرار عن العمل في الجمهورية الروسية وحدها.
4- نقص في شاحنات النقل
5- نقص في مستودعات الخزن
6- قلة أجهزة معالجة الإنتاج.
7- شبه انعدام كامل لشاحنات التبريد لنقل المواد السريعة الفساد مثل الحليب الفواكه.
8- شبكة طرق بدائية في الأرياف.
9- تعفن المنتوجات بمقادير هائلة بين المزارع، ومراكز البيع.
10- تدخل البيروقراطيين في شؤون المزارعين،  وفرضهم عليهم ما يجب زرعه، وثمن بيعه.
والأهم من هذا كله، هو أن الفلاح لا يكافأ على عمله الشاق، ولا علة ارتفاع مستوى إنتاجه، وذلك ما يجعل أي نظام زراعي يتدهور.  
 
البساتين الخاصة أجمل
وقد لاحظ مزارع أميريكي تجول بالسيارة داخل الاتحاد السوفييتي أن أهم ما لفت انتباهه، هو الاهتمام والعناية التي كان يوليها الفلاح لقطعة أرضه الصغيرة الخاصة.
وقد أعلم أن تلك القطع الصغيرة التي لا يتجاوز حجم الواحدة منها الفدان الواحد، تنتج سنويا أكثر من 25 في المائة من طعام الاتحاد السوفييتي، وتحتوي على أكثر من ثلث أبقاره !
ويستهلك هؤلاء الفلاحون ما ينتجونه، أما ما يفضل عنهم فيباع في الأسواق الحرة بأثمان فوق القدرة الشرائية للمواطن العادي.

مفارقات مضحكة
وأكبر مشكل تعاني منه الزارعة في الاتحاد السوفييتي هو التوزيع وقد تحدث مفارقات مضحكة في بعض الأحيان، ومنها ما لاحظه أحد زوار (لينيغراد)، في ربيع 1987، من أن البطاطس الوحيدة الموجودة في الأسواق في بطاطس (كوبا) مع أن لينيغراد) في قلب منطقة زراعة البطاطس في البلد !

حتى موسكو !
وحتى العاصمة، واجهة الاتحاد السوفييتي، (موسكو) لم تسلم من مظاهر التخلف والفساد فيما يصل سكانها التسعة ملايين مواد استهلاكية.
فنظرا لعدم كفاءة وسائل جمع المنتوج الزراعي، يتعفن 15 بالمائة منه قبل مغادرته المزارع. وتتلف 1 بالمائة في الطرق إلى المدينة. وتخزن المواد بمخازن موسكو من ثلاثة شهور إلى تسعة، قبل معالجتها، بحيث تتلف م بين 10 و 20 في المائة منها قبل توزيعها على الأربعامئة نقطة توزيع حكومية !

تشجيع النقد
وقد شجعت (البيريسترويكا) الصحافة على انتقاد النظام الزراعي، وعدم خضوعه لأي منطق سليم فنشرت جريدة (الأخبار) الأسبوعية خبرا مفاده: "أن أطنا البصل، والطماطم، والتفاح، والمشمش تعفن في مخازن العاصمة، في الوقت الذي يقف فيه الناس في طوابير للانهاية لشرائها !".
وأخبرا (البراقدا) أن 35 في المائة من البيض تفسد قبل وصولها إلى المستهلك ! وأن 2900 طن من اللحوم والدجاج، و 1200 طن من السكر لم تصل قط إلى رفوف الدكاكين، لأنها سرقت من طرق موظفي المخازن، أو حولت إلى كبار المسؤولين في الحزب ! وتباع سرا ما بين 30 و 40 في المائة من المواد قبل أن تصل إلى الدكاكين.

العودة العقل
ولا يرى الرئيس (غورفاتشوف) وأعوانه مخرجا من المأزق إلا بتطبيق مبادئ السوق الحرة لعلاج نقص المواد الغذائية. ويقول (بوري لوجكوف) نائب عمدة (موسطو)، والمكلف بتزويد أسواقها بالمواد الغذائية:
"يجب علينا أن نعيد بناء نظام الحوافز المادية. ولا بد من إقامة نظام نشتري فيه كل حلقة من الحلقة التي تسبقها. فإذا استطعنا أن نفعل هذا، فبإمكاننا إعادة النظام بأسره إلى قاعدة اقتصادية سليمة".
ولكن تعميم المبدإ يتطلب إرضاء القبضة المتحكمة في الأسعار. وسوف يؤدي ذلك إلى ارتفاع الأسعار لتصل إلى المستوى الذي يجب أن تكون عليه، حسب مبدإ العرض والطلب، وسحب المساعدة التي تدفعها الدولة لتدعيم المواد الغذائية والتي تصل إلى 100 مليار دولار ! أي حوالي 15 في المائة من الميزانية العامة للدولة.

صعوبة الخلاص:
وكما في جميع الدول الاشتراكية، فإن تجربة السوق الحرة، والخوف من التضخم، ومقاومة الجمهور المستهلك للزيادة في الأسعار، تجعل منم الإصلاح موضوعا بالغ الحساسية، الأمر الذي جعل الكريملين يؤجل الزيادة في أسعار المواد الغذائية إلى ما بعد 1990 على الأقل.

الجمهور
وهنا تتمثل المعضلة الشيوعية التي تهدد مخططات (غورفاتشوف) بالفشل: فبدون رفع الأسعار كحافز للمنتجين على الزيادة في الإنتاج- مع قلة ما يمكن شراؤه في الأسواق – فإن الفلاح القلق والمنهوك سيستمر في انطوائه غير مقته بنداءات قادته له لبذل جهد أكبر، والمجازفة بإنتاج أكثر. فمنذ 1920، والفلاح الروسي يرى وضعه يعلو ثم ينخفض، والوعود الكبرى تتلوها الإجراءات الصارمة ضد المجهود الفردي. لذلك فإن عدم ثقتهم بالسياسيين عميقة، ولا يبدو أنها ستعود قريبا.
ويؤكد مستشاروا (غورفاتشوف) أنه إذا لم تحل مشكلة الزارعة، فإن إعادة البناء ستبقى حلما.
وقد لخص أحد علماء الاقتصاد السوفييت المشكلة في هذه الجملة البسيطة:
"دعنا من الجدل في النظريات الاشتراكية، إذا لم يستطع الواحد منا الحصول على أبسط المواد الغذائية، فلن تتحرك في أي اتجاه !".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here