islamaumaroc

أول دولة إسلامية بالمغرب

  محمد الإدريسي

العدد 274 رمضان/ أبريل 1989

إن أول ما يتبادر إلى الذهن في هذا الصدد هو شخصية المولى إدريس الأكبر مؤسس أول دولة مغربية إسلامية، ففي هذا الجناح الغربي من أرش الإسلام فرض الدين الحق وجوده فيه بعد طول معاناة من أثار الجاهلية وألوان الاستعمار وقد كان الفتح الإسلامي بالمغرب على فترات ومراحل، ولكن كان ينقصه التمكين من النواحي السياسية والثقافية والاجتماعية إسلامية حتى جاء المؤسس الأول لدولة الإسلام في المغرب الذي بدأ المسيرة من حيث التأسيس لهذه الدولة مع تطهير باقي البقاع المغربية من جيوب الجاهلية ونوعية الناس دينيا وتفهيم الإسلام لمن هم في أمس الحاجة إلى ذلك، والإسلام إنما يعمل عمله ويترك أثره في النفوس لممن وعوه حق الوعي وهضموا مبادئه كما يجب وكان هذا هو الهدف الأسمى لدعوة المولى إدريس الأول رضي الله عنه.
وهناك حقيقية تاريخية تغيب عن الكثير منا لها علاقة بالوجود الإسلامي المتأصل في المغرب والفضل فيها يعود إلى دولة الأدارسة، فقد تحقق التمكين للإسلام وتثبيت قواعده في المغرب الأقصى لكون مملكة الأدارسة تعتبر حضرية مدنية صميمة، فهذه الدولة المغربية الأولى صمدت إسلاميا وجعلت دولة الإسلام في المغرب تعمر بفضل تأسيس عاصمتها فاس في عهد المولى إدريس الثاني، هذه المدينة التي احتفظت وما زالت تحتفظ بلونها الحضاري الأصيل بعد أكثر من ألف عام: ذلك أن لونها الحضاري هذا كان من دواعي استمراربتها بالمقارنة مع دولة سجلماسة مثلا علاوة على أن دولة الأدارسة، وهنا تكمن الروعة والعظمة، كان ظهورها مفاجئا دون تمهيد أو دعاية سابقة وإنما قامت على اكتشاف رجل واحد يمثل هبية الأسرة العلوية العظيمة كما يمثل مناقب آل البيت، وفي نظري بأنه لا يتعرض إذا قلنا بأن دولة الأدارسة تمثل بحق أقوى وجود إسلامي لأنهت جسمت الريادة السياسية لكيان الإسلام في هذا المغرب الأقصى، وهنا يكمن السر فهي عظمة المولى إدريس بن عبد الله رضي الله عنه فهو بحق مؤسس تلك الدولة، ويفخر المغرب العريق في إسلامه بذلك. وهذه العراقة ولا شك يرجع الفضل فيها إلى المولى إدريس الأكبر، أولا وأخير، أليس هو الذي ركز الحنفية السمحة في ربوع مغربنا من أجل تثبيت دعائم الدولة الإدريسية الإسلامية على أساس الحفاظ على عقيدة الإسلام راسخة في النفوس لأن هدفه الأسمى كان هو تحقيق الحكم الإسلامي. وبث الدعوة الصافية التي استشهد في سبيلها الكثير من آل النبي الأطهار.
يقول الأستاذ محمد المنوني: "يعتبر الإمام إدريس الأكبر..المؤسس لأول دولة إسلامية بالمغرب، فيحدد مبادئها في رسالته التي خاطب لها الأمازيغيين المغاربة، ...وهو يعزز هذه الدعوة بالعمل لتحقيقها، فيجاهد ضد الديانات والنحل المنحرفة، في شالة وتامسنا والأطلس المتوسط والمغرب الشرقي حتى تلمسان وما إليها وذلك ما يسجله ابن خلدون. وهو يتحدث عن المغرب الإدريسي: "محا جميع ما كان في نواحيه من بقايا الأديان والملل".
وبتحقيق هذا المكسب الإسلامي: التف حول الدولة المغربية الجديدة جماهير الأمازيغيين، فصار إدريس الأكبر يفكر في تحقيق مخطط دعوته، امتداد نحو إفريقية الأغلبية ثم مصر، كبداية لتوحيد العالم الإسلامي تحت خلافة علوية بديلا عن العباسيين الذين انحرفوا عن المبادئ الإسلامية، فعن منطقة الأغالبة يقول ابن أبي زرع: " فاتصل بالرشيد أن إدريس قد استقام له أمر المغرب...وأخبر بحربه وخيله وكثرة جنوده وشدته في الحرب وأنه قد عزم على غزو إفريقية".
وبعد وفاة إدريس الأكبر يصمم مولاه راشد على تحقيق هذه الخطة، فيذكر عنه الرقيق: "وكانت همته غزو أفريقية، لما هو فيه من القوة والكثرة".
وهي فقرة تؤكد استمرار قوة الدولة الإدريسية في فترة وصاية راشد وبعد إفريقية الأغلبية نشير إلى رسالة إدريس الأول إلى أهل مصر. وهي بدورها تؤكد المخطط الإدريسي لتأسيس دولة إسلامية كبرى تنسخ دولة العباسيين بعدما تنكروا للقيم المثلى. فيمتد التصميم الإدريسي إلى مصر، حتى تكون منطلقا إلى ما وراءها وهي حقيقة يستنتجها جوليان ويقدمها في الصيغة التالية: "وقد يكون إدريس بيت النية – كما فعل الفاطميون فيما بعد – لجعل المغرب نقطة انطلاق لاسترجاع إرث أبائه".
ومن هنا يتبين أن إدريس الأول لم يكن عمه اقتطاع جزء من أقاصي الدولة الإسلامية. وإنما كان المغرب – في تصميمه – قاعدة تبدأ منها ثورته ضد العباسيين المنحرفين، واستبدالهم بدولة فسلامية تلتزم المبادئ التي شرحها الميثاق الإدريسي في شكل خطاب الإمام العلوي إلى الأمازيغيين:
-أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
- وإلى العدل في الرعية، والقسم بالسوية ورفع المظالم والأخذ بيد المظلوم.
- وإحياء السنة وإمانة البدعة وإنفاذ حكم الكتاب على القريب والبعيد.
- واعلموا – عبد الله – أن مما أوجب الله على أهل طاعته، المجاهرة لأهل عداوته ومعصيته باليد وباللسان..".
تلك لمحة جد مختصرة عن مغرب إدريس الأول الذي جاهد وصمد عبر القرون حتى وصل إلى عهد الحسن الثاني، وكما كان منذ عهد الدولة الإدريسية الرائدة سيبقى مغرب الحسن الثاني كيانا يفرض وجوده بفضل إسلامه العظيم وريادة ملوكه الكرام ورجالاته الأعلام وعلمائه الأصلاء، ولأن ما عرف عنه من عبقرية فذة وأصالة أثيلة ومبادرة فورية إلى المكرمات ومعالي الأمور يحتم استمرارية هذا الكيان الفذ.
سيظل المغرب متمسكا بالحق لأنه على الحق، شعاره وحدة الصفوف والتعاون على الخير والاعتصام بالقرآن لأن إسلامه يحث على ذلك:
(واعتصموا بحل الله جميعا ولا تفرقوا..)
(وتعاونوا على البر والتقوى...)، وفي هذا الصدد نقتطف من درر العاهل المغربي الحسن الثاني حفظه الله (منذ أن وجد المغرب فمملكته إسلامية من عهد المولى إدريس الأول، رضي الله عنه إلى يومنا هذا، وقد قرر الملوك المغاربة م الأول حفاظا على وحدة الصف وعلى وحدة الإسلام أن لا يستعملوا إلا مذهبا واحدا، فالمغرب هو الوحيد ربما في تلك الناحية التي لا يتقاضى ولا يتحاكم ولا يتعامل إلا بالمذهب المالكي محافظة وحفاظا على وحدة الصف الإسلامي..المغرب في كيان منذ أن فتحه المولى إدريس الأول وقد وقع للمولى إدريس الأول، والمولى إدريس الثاني مصائب وفوجئ بالمنية بكيفية لم تكن منتظرة، ومع ذك بقي المغرب هو المغرب. المعجزة هي أن يبقى المغرب معربا، فقط خمسين سنة بعد أن خلق، والعجب ليس أن يبقى مغربا بعد ألف سنة، فالمغرب من الدول التي حباها الله بروح الغيرة وشعور الوحدة الوطنية كما ظهر أيام المسيرة، إن المغاربة في وقت الخطر يشكلون رجلا يدا في يد سواء كان فراغا في الداخل أو خطرا جاء من الخارج، وإنني أعتقد شخصيا – ولله الحمد – أن ما يجري في دمنا نحن المغاربة من حب النظام وتشبث بالاستقرار، وما وضعناه من قوانين دستورية وما جبلت عليه جميع القوات في هذه البلاد من سياسيين ومدنيين وعسكريين وعلماء وطبقة شعبية كادحة يجعل الشعور الغريزي والبديهي عندهم هو حماية المغرب أولا وقبل كل شيء، وهذا ما وقع عبر التاريخ. ولو كان المغرب من الدول التي تعيش برجل لما دام هذه المدة الطويلة. فالمغرب ليس دولة تعيش رجلن أو حول رجل – المغرب يعيش حول عبقريته وحول أصالته، وأكثر من ذلك أنه يعيش من غيرته على مواطنته بحيث إني مطمئن ومرتاح البال على المغرب ليس لثلاثين أو أربعين سنة وإنما إلى أن تقوم الساعة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here