islamaumaroc

مقاومة إنسانية

  دعوة الحق

31 العدد

المقاومة ضرورة، إنسانية فطرية، بقدر ما هي حاجة ماسة للذود عن الكيان وحماية الوجود الحي والمعنوي للإنسان المتحضر، ولا تكون المقاومة إلا وليدة الحيوية واليقظة، ودليل الإحساس والشعور في الأفراد والجماعات والشعوب.
ولا سبيل لتحقيق العزة القومية وحفظ الكرامة الوطنية، إلا باستكمال وسائل المقاومة في شتى الميادين، والاستعداد الدائم لخوض غمارها عندما تدعو الحاجة وتلح الضرورة، ويغدو المرء مهددا في بقائه، وقديما قال أحد الحكماء:" إذا أردت الصلاح والإصلاح فكن مستعدا دائما للكفاح".
وقبل هذا وبعده هناك قانون إنساني عام تفرضه طبيعة الكون، وينسجم مع حب المحافظة على البقاء في الإنسان، لأن الذي سنه هو خالق الكون والإنسان، ذلك قوله عز وجل: "وأعدوا لهم ما استطعتم عن قسوة".
وبديهي أن المقاومة تنبعت عن شدة البغي، ومواصلة العدوان، ويخلقها الإمعان في فرض السيطرة والاستبداد والإسراف في الاستغلال والاستحواذ وهذا ما حدا بشعبنا الجريح في عزته وكرامته أن يرفع لواء المقاومة المسلحة للإحلال لدخيل.. بعد أن أعيته جميع الوسائل السلمية، ولم يعد في الوسع غير الالتجاء إلى اللغة التي يفهمها المستعمرون المعتدون، ولا يفهمون غيرها، وهي لغة القوة الفعالة.
نعم لقد هب الشعب الجزائري للمقاومة المسلحة، بدافع إنساني فطري، حفاظا على البقاء وتشبثا بالوجود الكريم، وذودا عن كيانه المهدد بالأساليب الصليبية المتعصبة.. بعد أن تحقق هذا الشعب أن الاستعمار البغيض يعمل بكل قواه على إبادته ومحوه، وإزالة آثاره من خريطة العالم الإنساني، وليس من الطبيعي ولا من المعقول أن يتحمل شعبنا الحر أكثر مما تحمل من جور الاستعمار وبغيه، دون أن يهب للمقاومة، ويندفع في ميدان الجهاد المقدس، وليس من داب الأحرار أن يصبروا على حياة الذلة والهوان، دون أن يتحاكموا مع عدوهم إلى شريعة السنان، وقد بات الشعب من الوعي والنضوج بالقدر الذي يؤهله -عن جدارة- لتولي شؤون سيادته وتقرير مصيره بنفسه، بعد أن أدى المهر الغالي، والثمن الباهض من أجل استرداد حريته
وللحرية الحمراء باب               بكل يد مضرجة يدق
ولكنه يدرك أن الاستعمار يأبى أن يعترف بالحق لدويه إلا إذا أكره عليه إكراها، ولم يجد مناصا من التسليم بالأمر الواقع، كما سبق ووقع.. مع غيره من الشعوب التي تقدمته في ميدان النضال.
الجزائرية –إذن- قائمة وتقوم على دعائم إنسانية، وأصول شرعية منطقية، لأنها جاءت نتيجة طبيعة لامعان المستعمرين في تسليطهم الفاحش، واستبدادهم الفظيع بجميع المرافق الحيوية في البلاد وأهل البلاد، فهل يعقل -بعد هذا- ألا يهب الشعب الجزائري للدفاع عن نفسه، ودفع الظلم والعدوان عن وطنه ؟ وهل -بعد هذا- يلام أن أستمر في المقاومة وواصل الجهاد ما دامت أسباب العدوان والطغيان قائمة في بلاده، تتحدى العدالة، وتهزأ بالشرائع الإنسانية ؟
لا، لا اعتقد أنه يوجد من بين الأحرار، وذوي الضمائر الحية من لا يناصر المظلوم، ولا يمقت المعتدي، ولذا فإن الجزائر ظلت وستظل فخورة، بما يتمتع به كفاحها التحريري الإنساني من تأييد وعطف لدى جميع الأحرار والديمقراطيين في جميع أطراف العالم، وسعيدة بما تبديه أكثرية الشعوب نحوها من تضامن ومؤازرة مادية ومعنوية، بالرغم من الدعاية الاستعمارية الكاذبة إلى ما فتئت تحاول عبثا تشويه سمعة هذه المقاومة البطولية العادلة، وتضليل الرأي العام العالمي عن النظر إليها بالمنظار الحقيقي المبني على العدل المجرد، والتفكير الحر، والمنطق السليم النزيه..
وفي الوقت نفسه تريد فرنسا أن تصرف أنظار العالم -من وراء دعايتها- عن رؤية ألوان القمع والتعذيب للإنسانية، إلى ابتكرها العبقرية الفرنسية في عصر( الصاروخ) واتخذت من أرض الجزائر مجالا لتجربتها.. بيد أن العالم أضحى على علم شامل بما يجري في هذا القطر من الجرائم التي تقترفها فرنسا (المتمدنة..) دون ما مراعاة لحرمه الإنسان وحقوقه...
والتاريخ العادل سوف لا يهمل تسجيل ما ترتكبه إحدى الدول الكبار.. من أعمال شنيعة، وما تلعبه من أدوار مزرية على مسرح الجزائر ضد طلاب الحرية والعدالة الإنسانية، إذا أدت الحماقة إلى أن تنتهك قوانين الحرب، وتخرق تعهدات الأمم والشعوب، فتقذف المجاهدين بقنابل (التابالم) المحرقة.. الفظيعة، إنها حقا مأساة فرنسية.. جديرة بالإشفاق.. وستبقى وصمة عار في جبين "الدولة الكبرى".. وصفحة سواء في تاريخ حربها مع شعب صغير أعزل، كما بقيت غارات الوندال والمغول وفظائعهم مضرب المثل خلال التاريخ على الوحشية والهمجية الكريهة منذ أقدم العصور.
أن المقاومة الجزائرية المباركة ستستمر في طريقها المرسوم لها حتى تحقق أهدافها النبيلة، وتنتهي إلى غايتها المحددة لها، ولن تستطيع أية قوة باغية أن تحول بينها وبين بلوغ تلك الأهداف، أو تصدها عن إدراك تلك الغاية، ألا وهي استرجاع حرية الشعب وسيادته، واسترداد كرامته واستقلاله في أرض آبائه وأجداده..
ومهما بالغت القوة الاستعمارية في القمع والتنكيل بالأبرياء، وتمادت في انتهاك الحرمات، والعبث بالمقدمات، ومهما أوغل الساسة الاستعماريون في سفك الدماء، فلن يصد كل ذلك المقاومة الجزائرية عن العمل من أجل أداء رسالتها التحريرية، وتحقيق أمانيها القومية المشروعة، وحكومة الجزائر -التي تقود تلك المقاومة- واثقة كل الوثوق من أن اعتماد فرنسا في حل المشكلة الجزائرية على القوة هو محض حمق وسفه لا يجديها نفعا، وقد جريت جميع أشكال القوة فكان مآلها الفشل، لا في الجزائر فحسب، بل في الهند الصينية، وفي المغرب وتونس، وقبل ذلك في سوريا ولبنان، ولن يكون حظها في بلادنا أسعد من حظها في تلك البلاد المناضلة، ولن يسعها إلا سلوك نفس السبيل -حبت أم كرهت- طال الزمان أم قصر- فالجزائر أرض عربية إسلامية- رغم المناورات والمؤامرات الاستعمارية -وقد عقد العزم شعبها وصمم تصميما لا رجوع فيه، على أن يفك بسواعد أبنائه وثاق حريته واستقلاله، مهما غلت التضحيات وتضاعف عدد الشهداء والشهيدات.
"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم".
هذا هو المصير الطبيعي الذي ينتظر الجزائر الحرة المجاهدة لتحتل مكانتها بين الشعوب العربية والإسلامية المتحررة في العالم.
فهل تثوب فرنسا إلى رشدها، وتكف عن غيها وضلالها...؟
ذلك ما نأمله نحن ويأمله كل إنسان مؤمن بالحق والعدل

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here