islamaumaroc

خطاب العرش.

  الحسن الثاني

العدد 274 رمضان/ أبريل 1989

ترأس صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني الذي كان محفوفا بصحاب السمو الملكي ولي العهد الأمير سيدي محمد وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد يوم الجمعة 3 مارس 1989 م برحاب القصر الملكي بمراكش حفل استقبال تقبل خلاله جلالته التهاني والتبريك بمناسبة عبد العرش.
وبعد تحية العلم على نغمات النشيد الوطني التي أداها صاحب الجلالة من المنصة الشرفية قام صاحب الجلالة بتوشيح السيد محمد الفاسي عضو أكاديمية المملكة المغربية بالحمالة الكبرى من وسام العرش ثم وشح جلالته السيد ألبير راس متصرف مدير عام الأمن العام البلجيكي بالحمالة الكبرى بالوسام العلوي.
وإثر ذلك تقدم للسلام على جلالة الملك وتهنئته عدد من سامي الشخصيات الأجنبية ومن بينها على الخصوص الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودي والأمير عبد الله الفيصل ووفد أمريكي عام يضم من بين أعضائه الجنرال وولترز والجنرال طوماس ريتشارد مساعد القوات الأمريكية بأوروبا ووزير الدولة الأمين العام للحكومة في الغابون ووزير الصحة الغابوني.
كما قدم التهاني لصاحب الجلالة العديد من الشخصيات من بينها وزراء العمل العرب وممثلو أرباب العمل والعمال في الوطن العربي والفائز بجائزة المغرب للكتاب والأمراء وأصهار جلالة الملك وأعضاء الحكومة يتقدمهم الوزير الأول ورئيس مجلس النواب وأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد بالرباط وكبار ضباط القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية ورؤساء الأحزاب السياسية.
كما تقدم للسلام على جلالته النواب والمنتخبون المحليون وعامل صاحب الجلالة على إقليم مراكش وباشا المدينة ورئيسا المجلسين البلدي والإقليمي ورجال السلطة المحلية ورؤساء المصالح الإقليمية وعدد من سامي الشخصيات المدنية والعسكرية.
وفي نهاية هذا الحفل الكبير سلم السيد أحمد عصمان رئيس مجلس النواب لصاحب الجلالة رسالة رفعها المجلس لجلالته في أعقاب الجلسة الاستثنائية التي تدارس وصادق خلالها من حيث المبدأ على معاهدة اتحاد المغرب العربي تبريكا وتهنئة للعاهل الكريم,
كما سلم السيد أحمد عصمان بنفس المناسبة لجلالة الملك أربع رسائل رفعها مجلس النواب إلى باقي قادة دول اتحاد المغرب العربي والتمس من جلالته أن يسلمها للقادة المغاربيين.
ثم وجه صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني إثر ذلك خطابا ساميا إلى شعبه الوفي بمناسبة الذكرى الثامنة والعشرين لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين.
وفيما يلي النص الكامل لخطاب العرش:
الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه

o عيد العرش..
عيد الوفاء الثابت:

شعبي العزيز
توافي طلعة عيدنا الوطني هذا وتحل بيننا وضاءة مشرقة كما تحل كل عام بصاحبها الفرح والاستبشار ويستحثها الشوق والانتظار ذلك أن عيدنا هذا وإن كان عبد الإشادة شباب تاريخنا المتجدد فإنه عيد الإشادة بجملة من المعاني السامية وطائفة منم القيم المثلى. فهو عيد الوفاء الثابت الذي دأبنا كما دأبت عليه شعبي العزيز وعبد الإخلاص المتين المتبادل بيننا وبينك وعيد المحبة العميقة المكينة التي شاءت إرادة الله المنعم المتفضل أن تجعلها منطلقا مشتركا لما أقمناه نحن وأنت من صروح وأعليناه من نبيان ومددناه من وسائل وأسباب. وإن ممن فضائله أنه يذكي في نفوسنا الاعتزاز بما تيسر لبلادنا من عصور لامعات وبما كتبه أجدادنا على امتداد الأحقاب والقرون من صفحات مشرقات. وإذا كنا نوهى في هذا اليوم المبارك المرموق بما تلقيناه من تراث حضاري ثرى فاخر تضافر على توفيره كفاح طويل وجهاد بطوني مديد وتفكير واسع عميق فإننا نزهى إلى ذلك بتراثنا الحديث الذي هو وليد نضالنا الدؤوب وجهادنا الموصول صيانة لكرامتنا ودفاعا عن سياداتنا وتحريرا لأرضنا واسترجاعا لاستقلالنا وتوحيدا لترابنا وحفظا لقيمنا المقدسة وسعيا حثيثا في سبيل صنع الغد الهني الأفضل والمستقبل الرخي الأمثل. وبين التراثين ثراتنا القديم وتراثنا الحديث تماثل وتشابه مردمها إلى ما يطبع من استرسال واستمرار سلوك أجيالنا المتعاقبة ومواقفها من الأحداث ومصالح البلاد العليا.
لقد من الله علينا وعليك شعبي العزيز، بأن أرسخ في ضمائرنا رعاية ما قلدنا من واجبات ووكل إلينا من مسؤوليات. لفم نخل لا نحن ولا أنت بما فرضه علينا بموجب البيعة من أحكام وشروط بل سرنا نحن وأنت بحمد الله علة النهج الواضح والطريق المستقيم احتراما لما نص عليه ميثاق البيعة من التزامات وأوجبه من فروض وتبعات نهضنا ولله الحمد والمنة بما ألقى إلينا من أعباء والحماسة تحرك الإرادات وحب البلاد يشحذ العزائم. فما أكثر ما واجهنا من تحديات و ذللنا من عقبات وحققنا من مطامح وأهداف وكسبنا في الزمن القصير من معارك ومكاسب.
ولقد كان من عناية الله بنا وبك شعبي العزيز وتوفيقه لناولك أن عزز احترامنا للالتزمات المفروضة بما وثقه بين مشاعرنا ومشاعرك من وشائج وأواصر حتى صرنا نصدر فيما نتخذه من مبادرات ونقفه من مواقف وننجزه من أعمال لا عن حكم الالتزام المجرد فحسب ولكن عن حكم ذلك المزيج الذي يلتقي فيه ويتحد عامل الواجب وعامل الامتزاج ويضفي على الأداء البعد العاطفي الدي يخلق الاستحقاق بالعقبات والاستهانة بالصعاب ويجري حرارة الحماسة في شرايين الإقدام على الممارسات.
وهكذا شعبي العزيز كبت الله لنا أن تتحد الإرادات وتتوافق المقاصد والغايات وتجتمع كلمة الراعي والرعية على ما فيه خير البلاد والعباد وصلاح الجماعات والأفراد.
وبفضل ما أنار الله لعقولنا من مسالك وأوضح لبصائرنا من مناهج أخذنا أنفسنا بانتشال البلاد من السير الوئيد الذي طبع خطى المغرب الحديث طوال العقود الأولى من القرن العشرين وأمسكنا بزمام الوطن العزيز إمساك الحريص على تدارك ما فات وتلافى النقص وعلى مواكبة الركب الحضاري ومسايرة الأقطار المندمجة في حركة التطور المعاصر. وفي ظرف الأعوام الثلاثين الماضية تمت الطفرة المباركة التي صرفنا من أجلها جهودا مختلفة دائبة وبلغت بلادنا في ميادين التجهيز والتكوين والتربية والتثقيف ومزاولة الحقوق الخاصة والعامة وممارسة الديمقراطية وبصورة عامة في سائر ساحات المعاصرة والحداثة حظا جاذبا للأنظار مما قصدنا إليه من المرامي والأغراض. كل هذا تهيأ لنا وتيسر والحمد لله دون أن تصاب شخصيتنا بسوء أو مكروه بل جعلنا من أهدافنا الأساسية أن تبرز ملامح هذه الشخصية في أبهى مظاهرها وأن يحاط تراثنا الحضاري على اختلاف وجوهه وأشكاله بأكبر عناية وأجل رعاية.
هدنا أن يصبح بلدنا بلدا لامعا متألقا.
إن هدفنا الأسمى شعبي العزيز أن يصبح بلدنا بين أقطار الدنيا بلدا لامعا متألقا في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية وهو هدف إن لم نكن أدركناه كله فقد أدركنا نه جملة صالحة ونصيبا ملحوظا.
شعبي العزيز
إن المرحلة الحالية التي يجتازها المغرب كان إفضاؤها إليها بما والينا من تفكير وواصلناه من تخطيط وواظبنا عليه من إنجاز وتدبير وتوافقنا عليه ممن تكاثف وتآزر واتحاد. ولن تكون وسيلتنا إلى استكمال الطريق وأداتنا التي لا غنة عنها إلا ما خبرناه وجربناه وكان لاصطناعه العائدة الحسنة والأثر الحميد، فالتفكير الذي هو فريضة فعلينا أن نؤسس أعمالنا على قاعدة التفكير الصحيح الذي ننتهي إلى سلامته منفردين أو مجتمعين بعد المناقشة والتحميص وعلى التاجر والعامل والصنع ورجال الأعمال وعلى المثقفين ورجال الفكر والعلماء وعلى الذين وكلنا إلى عهدتهم مهام التأطير والتسيير  والتشريف والتدبير عليهم جميعا أن يسهموا كل واحد في الحقل الذي يهمه ويعنيه بما رزقه الله من مهارة وذكاء وأتاح له من معرفة وخيرة وتجربة في إغناء أهدافنا على اختلفا أحجامها وابتكار أهداف ومطامح جديدة. واعتقادنا متين إن المواهب والملكات والطاقات أن تيسر استجماعها وتسنى على النحو الأحسن الأكمل توظيفها في الوجوه المطلوبة وللغايات المخطوبة فإن صبحها لا يلبث أن يسفر عن المصير المشرق الذي تنشده الرغائب وتشرئب نحوه الآمال. وليس على الله بعزيز أن يكتب الظفر والنجاح بجهودنا الطامحة إلى طي المراحل الواحدة بعد الأخرى وإلى تحقيق اقتراب لبلادنا بتوالي أكبر وأوسع بتوالي الأيام والأعوام من أقطار ركب الطليعة الحضارية وإلى انتقال بلادنا حالا بعد حال في سلم الارتقاء لتلتحق إن شاء الله في نهاية المطاف بهدف الطليعة وتلازمها سائرة وفق وثيرة سيرها لا تتأخر ولا تتخلف

o نبذل قصارى جهودنا لتكون برامج تعليمنا صالحة للحال
شعبي العزيز
تمر السنوات تباع الواحدة تلو الأخرى ولكن الشعوب العاملة المجدة لا ترى بينها تشابها أو تماثلا. والشعب المغربي ولله الحمد أحد هذه الشعوب العاملة المجدة، إنه يتابع عمله الدائب الشجاع وسيره المتبصر في طريق التقدم والرقي وذلك على الصعيدين الداخلي والخارجي معا..
لقد منيت بلادنا بجفاف استمر أكثر من أربع سنين متوالية، ولكن الله من علينا بعد هذه المدة العصيبة فنشر رحمته وأرسل السماء علينا مدرارا. ولم يفاجئ هذا العطاء فلاحنا الحازم البعيد النظر، فقد كان أعد له عدته واتخذ جميع التدابير الضرورية للاستفادة الكاملة من هذه النعمة العظمى. وهكذا جاءت المحاصيل وكان لأمطار الخير أطيب الآثار على حقولنا ومزارعنا.
وفي المجال الاقتصادي والمالي بصورة أعم انتهجنا شعبي العزيز سياسة أتاحت لنا أن نرسي من جهة ماليتنا على أسس سليمة ليس من السهل تناولها بالطعن والتخريج وأن نفتح من جهة أخرى آفاقا مليئة بالبشائر والآمال لجميع الذين يشاركون في ازدهار المغرب واضعين ثقتهم في مصيرنا.
ولكن ليس هناك أي ازدهار حقيقي أو نمو حقيقي بدون تكوين الفرد ولذا فإن تربية رعايانا كان لها باتصال مقام بين اهتمامات ذات الأولوية.

o صيانة قيم الإسلام الأصيلة، وقيم لغتنا:
إننا لنبذل شعبي العزيز دون انقطاع قصارى جهودنا لتكوين برامج تعليمنا مضبوطة صالحة للحال مطابقة لتطور العلم وتطور المعرفة. إلا أن هناك عنصرا قارا لا يخلوا منه مسعانا، ألا وهو صيانة قيم الإسلام الأصيلة وقيم لغتنا وجميع ما تتألف منه هويتنا.
ولا ريب أن المواطن المغربي الذي تتعزز شخصيته على هذا النحو يكون مسلحا مهيئا لامتلاك ناصية لغات أخرى تتيح له توسيع معارفه ومتابعة تطور العصر الحديث دون أن يتعرض للاستلاب. وهذا التطور الذي هو مستمر يؤدي بنا إلى مضاعفة أعمال البحث العلمي وتقوية الجهود الهادفة إلى تكوين الباحثين.

o تسخير العلم لصلاح النمو الاقتصادي والاجتماعي.
بيد أننا لا نعتزم الاقتصار على البحث الأساسي الذي لا سبيل إلى إنكار أهميته. ذلك أننا نجتهد دون كلل أو ملل لتكون هناك صلة وثيقة بين البحث وبين الذين يطبقون نتائجه في المجال العلمي وسنحدث لهذه الغاية خلية يتلاقى فيها للتفكير والعمل باحثون ومقاولون وذلك لتسخير العلم بصورة مباشرة لصلاح النمو الاقتصادي والاجتماعي. وإننا لنأمل من وراء ذلك تقوية نسيجنا الصناعي وبالتالي تيسير أسباب ثروة أعظم, وهذه الثروة هي الشرط الأساسي لإيجاد مناصب الشغل في سوق العمل.
وليس بخاف عليك شعبي العزيز أن مؤسساتنا تكتسب كل يوم قوة إلى قوة وتتعزز باستمرار وتسير في طريق التحسن سيرا يطرد ويتوالى.
ففي الصعيد الوطني قام مجلس النواب بأعمال تشرف ديمقراطيتنا الفتية.
وتقديرا للرسالة الدستورية قر عزمنا أن يتوافر لمجلس النواب الفعالية التشريعية المناسبة لعبقريتنا الوطنية، وأن يحافظ على العادات الموروثة والمزاج المغربي الغيور على المقدسات والمتفاني في حب لوطن.
وقد مثل مجلس النواب الأمة أحسن تمثيل وخطا خطوا سديدا نحو توطيد الحوار على كل المستويات وخاصة في تفاعلات مع السلطة التنفيذية ومراقبة سيرها وأعمالها.
إننا نعتز بما تم قبة البرلمان من أخذ ورد وتعبير عن الرأي الشجاع ودفاعا عن وجهات النظر وتعلق بالمصلحة العامة.
إن المؤسسات الدستورية في اعتقادنا تعني الفضيلة التي أنعم الله بها علينا لنشكره سبحانه وتعالى على التكريم الذي نص به الإنسان كما تعني العمل اليومي الهادف إلى تربية الأجيال.

o سير ثابت في طريق اللامركزية
وقد تجلى ذلك من مجلسنا النيابي في المنتديات العالمية وفي المؤتمرات الدولية فسرنا أنه شرف المغرب وأسمع صوته وأكد وحدة الأمة من أقصاها إلى أقصاها والتحام الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والطبقات الشعبية كافة كلما كان هناك خطر على الحقوق والمكتسبات أو مس بالمقدسات أو محاولة للنيل من الوحدة الترابية.
وفي الصعيد الجهوي والمحلي – شعبي العزيز – نتابع العمل الذي شعرنا فيه الهادف إلى تحقيق اللامركزية.
إن سيرنا – شعبي العزيز – في طريق اللامركزية سير ثابت لفضل التدابير المتلاحقة المتخذة تقوية للبنيات وترقية لوسائل. لقد أدخلت على الجماعات المحلية تغييرات عميقة أدرك كل مواطن في كل أجزاء التراب الوطني أبعادها وآثارها.
إن التدابير الجديدة القاضية بمنهج الجماعات المحلية قسطا من محصل الضريبة على القيمة المضافة والمتعلقة بإحداث بنك لتنمية الجماعات المحلية والخاصة بالتقسيم الجماعي كل هذه التدابير سيترتب عليها في السنين المقبلة تحولات ستعرفها الجماعات المحلية.
وهكذا فإن بلادنا تحقق هدفا هو بالنسبة لأقطار ذات تقاليد بلدية عريقة ما زال في طور الأمنيات.

o تقسيم جماعي جديد لوثبة رقي جديدة.
وبفضل نظم التوزيع التي تؤثر التوزيع العادل للمنتوج الوطني فإن مجموع جماعات مملكتنا ستتوافر له موارد ستوقي دوره وتسمح له لنشر فوائد النمو حتى في المناطق النائية من المملكة.
لقد أصدرنا – شعبي العزيز – أوامرنا قصد مباشرة تقسيم جماعي جديد ليتسنى للديمقراطية المحلية المغربية أن تحقق وثبة إسهام ورقي جديد.

o مراجعة نظام الأجور:
شعبي العزيز..
يسرنا كثيرا أن نزف قبل الفراغ من شؤوننا الداخلية إلى موظفينا بشرى ستبتهج لها قلوبهم وقلب أفراد أسرهم..ذلك أن حكومتنا تنفيذا لأوامرنا قد وضعت اللمسات الأخيرة فيما يتصل بعملية مراجعة نظام الأجور الخاصة بمختلف فئات الموظفين المدنيين والعسكريين. وعلى هذا فسيتم خلال السنة الحالية وفي ابتداء السنة المقبلة تنفيذ الفضل الأخير من هذه العملية.
وسيستفيد من هذا الإجراء إن شاء الله أطر ومستخدمو المؤسسات العمومية في ظروف مماثلة لما تقرر بالنسبة لموظفي الدولة والجماعات المحلية.
وبالإضافة إلى ما تقدم تم في مستهل السنة الجارية تحديد معالم الإصلاح الذي سيعرفه نظام معاشات التقاعد في الوظيفة العمومية بشقيه المتعلقين بالموظفين المدنيين من جهة والعسكريين م جهة ثانية وذلك بعد دراسة معمقة استغرقت وقتا غير قصير.
شعبي العزيز...
إن اهتمامنا بكل ما يتصل بالشؤون الداخلية لا ينسينا ما التزمنا به نحو الخارج، بل الأمر على نقيض ذلك.
فبلادنا بما حباها الله به من موقع جغرافي وبما يشهد به تاريخها المديد كانت باستمرار متفتحة على غيرها من الأقطار ولم تسلك في وقت من الأوقات سياسة تقوم على العزلة والانطواء على النفس.
وقد كانت السنة الفارطة الدليل الساطع على ما أظهره المغرب من إرادة التقارب والتعاون ألدولي. فقررنا نحن والرئيس الشاذلي بنجديد بعد اتفاق تم بيننا وبينه أن نعيد ممن جديد العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب متجاوزين بذلك ما هو عارض وطارئ على الرغم مما يمكن أن يكون له من حجم ومكتفين متمسكين بما هو جوهري.
وكان هذا القرار الأساسي ذا أهمية قصوى، فقد كان العنصر الذي انطلق بفضله مسلسل مبارك سعيد لم تقتصر عائدته الحسنة على بلدينا وإنما امتدت إلى منطقتنا ولى أبعد منها ونعني بذلك مجموع العالم العربي.

o انسحابنا من منظمة الوحدة الإفريقية لم يكن معناه قطع صلاتها بإفريقيا.
فقد كان من نتائج ربط علاقاتنا الدبلوماسية كم جديد مع شقيقتنا الجزائر أن أتاح لنا هذا الربط، السفر على عاصمة الجزائر حيث كان مقررا عقد قمة عربية تكرس أعمالها على وجه الخصوص لدراسة الوسائل والطرق الخليقة بإعطاء الانتفاضة في الأراضي العربية المحتلة كامل مفعولها.
وقد كانت هذه القمة الأولى مناسبة سنحت برؤساء دول المنطقة الخمسة فاستغلوا وجودهم في عاصمة الجزائر في وقت واحد وعقدوا قمة ثانية قرروا خلالها بالإجماع إنشاء اتحاد المغرب العربي.
واستقبل المغرب ممن جهته عقب ذلك مؤتمر رؤساء دول فرنسا والقارة الإفريقية.

o لم نقطع الصلة بإفريقيا
علمك محيط – شبعي العزيز – إننا انسحبنا من منظمة الوحدة الإفريقية لأسباب اعتبرناها مسيئة ومضرة بالقانون والعدالة. ولكن انسحابنا هذا لم يكن معناه قطع صلاتها بإفريقيا.
لقد كان المغرب دائم الانتساب إلى إفريقيا وفي نيته أن يظل منتسبا إليها. ولذا فإن انسحابنا منم منظمة الوحدة الإفريقية لم يكن له أي اثر سلبي على علاقتنا بالأقطار الإفريقية بل كان الأمر على العكس من ذلك فلك يكن تعاوننا مع هذه الأقطار في وقت من الأوقات أكثر عمقا ولا أوفر خصبا وأوضح دليل على ذلك ما اتسم به مؤتمر رؤساء دول فرنسا والقارة الإفريقية من نجتح ظاهر.
وقد كان هذا النجاح في لآن واحد نجاح إفريقيا ونجاح فرنسا التي كانت ممثلة برئيس جمهوريتها صديقنا السيد فرانسوا ميتران.
وكان من أحسن حظنا أن تيسر لقاء استقبلنا خلاله في مدينة يفران شقيقنا فخامة الرئيس السيد الشاذلي بنجديد الذي زار بلادنا زيارة ود وصداقة. وفي أثناء هذه الزيارة تناولنا جميع المواضيع التي نتهم بها اهتماما مشتركا واستعرضنا جميع المشاكل التي تواجه بلدينا. كل هذا بروح الأخوة والمودة التي هي سمة من سمات الرئيس والتي كانت الطابع الذي ما فتئ يطبع علاقتنا منذ أقدم بداية. وكان من أثار هذا الاتصال أن تعززت إرادتنا المشتركة تعميق وتنويع تعاوننا لصالح شعبينا الشقيقين وإيصال هذا التعاون إلى أبعد حد ممكن. وإن تصميمنا على التقارب وعلى انتهاج سياسة تسمح باستخدام مجموع إمكاناتنا استخدام يعود بأفضل عائدة على مصالحنا.

o قررنا أن نصادق على معاهدة الحدود لسنة 1972.
وهكذا وبانتصار حتميات الجغرافيا والتاريخ فإن العلائق بين الجزائر والمغرب ستصبح من جديد علائق إخاء ووفاق متبدل وتفاهم وحسن حوار.
إن الأوقات الطويلة التي قضيناها نحن و الرئيس الشاذلي بنجديد على انفراد كانت أوقاتا خصبة وأتاحت لكل واجد من أن يحدق إحداقا أحسن باهتمامنا معالجا لها تارة في إطار علاقتنا المتبادلة وتارة في أفق أرحب لا يشتمل على مستقبل ومصير بلدينا فحسب ولكن يشتمل أيضا على مستقبل ومصير مجمل منطقتنا.
لما انتهت مدة إقامة ضيفنا الكبير ببلادنا فكرنا وكان تفكيرك حاسما أن بناء المغرب العربي يقتضي حتميا في آن واحد تنقية علاقات كل بلد مع كل واحد وتنقية علاقته مع الأقطار الأخرى.

o اتفاقية الحدود مع الجزائر.
لقد وقع المغرب والجزائر سنة 1972 معاهدة تعيين حدودهما المشتركة. وقد نفذت الجزائر هذه المعاهدة وصادقت عليها أما المغرب فإن الظروف الماضية قضت بأن يتوقف فلم يصادق لغاية الآن على معاهدة 1972 وإن كان شارك في عمليات تشخيص رسم الحدود.
إننا نعيش اليوم زمنا يختلف اختلافا كبيرا عن الزمن السالف، إن مستقبل منطقتنا مستهدف وليس لأحد الحق أن يعرضه للخطر، لقد فكرنا مليا وأدخلنا في الحساب وأخذنا بعين الاعتبار جميع العناصر المنصوص عليها آنفا وقررنا أن نصادق على معاهدة الحدود التي وقعها المغرب والجزائر سنة 1972..
وهكذا فإننا لم نهمل من جهتنا أي شيء لتكتمل مؤهلات ميلاد مغربنا الكبير. وعلى الفور عقب لقاء يفرن كانت القمة المغربية التي انعقدت بمدينة مراكش. وهذا قدر لهذه المدينة التي كانت عصمة الموحدين أولئك الذي ما زالت أصداؤهم تتردد طول شوارع مدينة جنوبنا الحمراء وعلى امتداد أسوارها.
المغرب العربي طالما تحدث عنه أباؤنا، لقد كان العلم يبدو لنا من قبيل الأوهام في تلك الأعوام الخاليات إلا أن المسافة المؤدية إلى التحرر من ربقة الاستعمار كانت تلوح لنا طويلة ولم يكن يلمع آنذاك أي وميض نور في طريق النفق.
ثم جاء جيلنا الذي ناضل والذي جاهد من أجل استقلال أقطارنا الوطني، فما لبث هذا الحلم أن أصبح مطمحا كنا نرى وجوب تحويله إلى حقيقة تلبية لرغائب وآمال شعوبنا التي اجتمعت في هذا الشأن كلمتها واتحد مطلبها.
وقاد الله خطانا ورسم لنا ما كان علينا أن نسلكه من طريق. إن ما كان لكل واحد منا من استعداد حسن واضح بين وما كنا جميعا نعلمه من أدق حساسيات شعوبنا كل هذا يسر لنا نحن ورؤساء الدول المجتمعين مراكش إحداث وتأسيس اتحاد المغرب العربي.
وإننا لموقنون بأن المجوعة التي تم ميلادها ستعرف كيف تواجه تحديات الحياة العصرية وستتيح للشعوب المتحدة المنضوية تحت لوائها بلوغ مستوى النمو والرقي الذي بلغته الدول المصنعة.

o كان جلالة محمد الخامس الفاتح لأبواب الأمل.
إننا لا نقصد بعملنا هذا إلى إحداث سوق كبيرة أو كيان اقتصادي موحد فحسب ولكن طموحنا يترامى إلى إيجاد وحدة مصير لشعوب منطقتنا تؤمن للجميع السلم والاستقرار والمستقبل المشرق والمزدهر.
شعبي العزيز.
لا يمر احتفالنا بعيد العرش بعيد وطننا العزيز دون أن تشاركنا فيه وتستحوذ على المشاعر والخواطر روح والدنا جلالة محمد الخامس نور الله ضريحه وهي مشاركة قوية تعيد إلى ذاكرتنا طائفة من الصور والأفكار وخاصة ما كان لاحتفاله بعيد العرش منم مغزى كبير ومعان متعددة سامية وأثر بعيد في النفوس.
لقد كان الشعب يعلم حق العلم ما كان يبذله عاهله رحمه الله من جهود متواصلة ويعانيه من مشاق متلاحقة في سبيل إسعاد شعبه، لد كان يعلم أن هذه الجهود وهذه المشاق لم تكن تستهدف سوى شيء واحد وهو أن تتمتع البلاد بما كانت تتوق إليه النفوس كافة من سيادة لا يقيدها قيد ومن حرية كاملة مطلقة واستقلال عيدي إلى أصحاب البلاد حقوقهم المسلوبة تامة غير منقوصة.
لقد كان جلالة محمد الخامس كطيب الله ثراه الزعيم القائد والمناضل الرائد والملقن المقتدر المربي الماهر والفاتح لأبواب الأمل بعد انغلاقها، وكان المنارة المشعة فحاول الاستعمار أن يعاقبه أقصى عقاب وينتقم منه أشد انتقام فأبعده عن وطنه وأحبائه وأعزائه، فتجرع رحمه الله عليه مرارة المنفى والاغتراب وصير على المكروه وصمد محتملا للامتحان ثابتا في الموطن الشاق العسير بعزم لا يفل ولا ينثني وإيمان لا يكرم به الخالق البارئ إلا الصفوة من عباده.
وكافأ الله سبحانه وتعالى كفاحه وجهاده وإصراره ومصابرته أحسن مكافأة وأسنى مجازاة فرده إلى أرض آبائه وأجداده وإلى شعبه المخلص الوفي مظفرا منصورا مكللا بتاج الحرية والاستقلال متبوئا أعز وأعظم عرش: عرش المهج والقلوب.
أجزل الله لجلالة والدنا محمد الخامس الأجر والثواب وعامله بعظيم كرمه وإحسانه وبوأه دار الخلد في فسيح جناته (مع الذين أنعم الله عليهم من  النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)

o تحية تقدير وإكبار لقواتنا المسلحة الملكية.
شعبي العزيز...
نجعل كل عام من هذا اليوم المبارك السعيد يوم عيدنا الوطني مناسبة نتوجه فيها بخواطرنا وعواطفنا إلى قواتنا المسلحة الملكية وقوات الدرك والأمن والقوات المساعدة المرابطة في صحرائنا، لقد عودتنا قواتنا هذه أن تضطلع بالأعباء الموكولة إليها أكمل اضطلاع وأحسنه كما عودتنا أن نراها مؤدية للواجبات ناهضة بالمسؤوليات لا تتهيب المسالك الوعرة ولا تحجم أمام المصاعب أو المكاره. من أجل هذا كله استحقت قواتنا المسلحة المرابطة في صحرائنا كامل رضانا وعظيم إعزازنا. وإننا إذ نجدد لها في هذا اليوم الأغر آيات تقديرنا وإكبارها ونؤكد لها ارتياحنا لقيامها بالواجب واطمئنانا إلى حزمها وسهرها ليسعدنا – شعبي العزيز – أن نعرب لها باسمك عما لها في قلبك من محبة راسخة وعما تكنه لها من إعجاب وتجلة واحترام. إن قواتنا المسلحة التي هي مناط اعتزازنا وافتخارنا لجديرة اليوم كما كانت جديرة بالأمس بالإشادة الضافية والثناء السابغ والتنويه المتجدد نسأل الله أن يديم على قواتنا نعمة عونه وتعزيزه وأن يتغمد بواسع الرحمة والغفران شهدائنا الأبرار الذي استرخصوا التضحيات وجادوا بأرواحهم في ساحة الشرف ويحلهم أعلى المنازل والدرجات في جنات النعيم.
شعبي العزيز...
لقد توجهت جهودنا منذ أنعم الله علينا بنعمة الاستقلال إلى نقل بلدنا عبر أطوار متعددة من الوضع الذي كانت عليه يوم تسلمنا مقاليد تصريف شؤوننا إلى الوضع الذي هي عليه الآن.
وكان فضل الله علينا عظيما فقد وفقنا إلى تلبية الكثير من الرغائب والمطالب ويسر لنا تحقيق ما كان يجيش به قلوبنا وقلوب شعبنا من آمان وطموح. وها هو بلدنا يتبوأ الآن بحمد الله مقاما محمودا منم صميم الزمن الحاضر,
وإذا كانت مساعينا – شعبي العزيز – قد انتهت بنا إلى إضفاء الحداثة على مغربنا وإذا كان حرصنا شديدا على مشاركة ركب الطليعة وعلى مسايرتنا للغرب وتقلبنا فيما يتقل فيه من شون اقتصادية وفكرية وعلمية وثقافية فإن هذا لا يعني بحال من الأحوال إننا نهدر في سبيل إقبالنا على الغرب واتصالنا بحضارته أعز ما تقوم عليه شخصيتنا وخصوصياتنا من قيم روحية وأخلاقية وأصالة ومقدسات.

o سنظل قائمين بحفظ ثراتنا الديني
لقد أتى علينا حين من الدهر كانت حضارتنا الإسلامية المزدهرة عنوانا للحداثة وكان الفكر الإسلامي وعرفان العلماء المسلمين نبراسا وقادا تستنير وتهتدي به الأفكار والألباب. يومذاك كنا ننقل فلسفة اليونان وعلوم الأقدمين ونشرحها ونضيف إليها من فيض عبقريتنا ونشيعها في أنحاء أوروبا التي كانت صادية إلى حياض ومناهل العرب والمسلمين.
وسنظل بحول الله قائمين بحفظ تراثنا الديني حامين لحوزة أصالتنا جادين في صيانة ذخائر هويتنا وشخصيتنا. وسيظل أبناؤها وأبناء أبنائنا بعون الله جنودا مجندين لتحصين ما نعتز به من قيم وللدفاع عن هذه القيم التي آمن بها السلف الصالح من أبائنا وأجدادنا.
نسال الله – شعبي العزيز – أن يبقى بلدنا معقلا حصينا من معاقل الإسلام يجعل إشعاعه الديني والحضاري إشعاعا يتوالى امتداده واتساعه كما نسأله أن يكلانا من المكار والمخاطر ويقود خطانا على محجة توفيقه وهدايته ويمدنا بسنده وعونه بتحقيق ما نبتغيه للوطن والمواطنين من هناء لا نضب معينه ولا يغيض، وخير عميم لا يتضاءل سببه ولا يريم.
اللهم إني متصرف على إرادتكم، متمسك بكتابك العزيز وسنة رسولك، ملتزم بهديك وشريعتك، معترف بسابغ نعمتك وإحسانك. فزدني اللهم من كريم عوارفك وألائك، بتوفيقي لقصد السبل وأقوم المسالك وأعني على ما أوليتني وأيدني فيما قلدتني واجعل خطاي مصروفة إلى مرضاتك وجهودي مقصورة على ما فيه مجد وطني وسؤدد شعبي.
اللهم أدم الآصًرة الواصلة بيني وبين شعبي صحيحة الأركان وثيقة البنيان لا تتبدل ولا تحول على تجرم الأعوام ومر الزمان. فبك اللهم التسديد والـتأييد ومنك اللهم التوفيق والتيسير وما لنا من دونك من ولي نصير.
(وقل رب أدخلني مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) صدق الله العظيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here