islamaumaroc

ألا..فتعرضوا لها! [افتتاحية]

  دعوة الحق

العدد 274 رمضان/ أبريل 1989

"إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعله أن تصبيكم نفحة منها، فلا تشقون بعدها أبدا"
وليست هذه النفحات الربانية إلا تلك تنزا من حظيرة القدس، وتهبط من الملأ الأعلى، وتهب من عبير لجنة، فترطب القلوب اليابسة الجافة، وتلين الأكباد القاسية، في أيام ميزها الله بسمات وخصائص، فتعظم وتسمو، وتتفتح فيها أبواب السماء.
ومن تلك الأيام الغر البيض التي أشار إليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم شهر رمضان المعظم الذي تغل فيه الشياطين عن الأذى، وتكف المشاعر عن الشهوة، فهو طهور للنفس، وروح للقلب، وجلاء للمشاعر.
إن أيام شهر رمضان نبع فياض لا يني يتدفق بأكرم معاني الإعداد والتكوين، ومدرسة راقية لتطهير الروح، وإعلان سلطان الإرادة، والتغلب على العادات اليومية المألوفة المطردة، حتى تتمثل للصائمين الصابرين المخبتين حياة الصحراء التي كان يعيش في جوها النضالي، ومناخها البطولي خيار المسلمين الأوائل الذين ارتفعوا إلى الله بأرواحهم، واستعانوا به دون سواه في معارك التوجيه، وكفاح العقيدة، وجهاد النفس...
وليس هناك شهر كريم، يذكي خمود العزم، ويحرك ساكن الشوق إلى ملكوت الله، ويبعث الإرادة التواقة إلى المعرفة والحياة الفكرية والروحية التي تعتبر مناط التقدم عند الأمم والشعوب كشهر رمضان المعظم الذي يلهم المسلمين الصائمين معاني سامية في دنيا الإنسانية، ويوحى من بواعث العزة والكرامة، وما تشهد أيامه من منابع الخير، وعوارف الفضل، ومرابع النور، ونفحات الرب العظيم.
إنه شره النفحات الإلاهية...ومن أجل تلك النفحات التي يجليها ربنا في أيام دهرنا، أن العالم الإسلامي منم أقصاه إلى أقصاه يتحد في عبادة واحدة، ترمز وتشير إلى ما يجب أن يكون عليه هذا العالم الإسلامي الفسيح من الوقوف صفا واحدا لتقوية الجانب، وتأكدي العزة التي جاء بها الإسلام، ونادى بها الرسوب الكريم، وتثبيت الإنسية الإسلامية الكاملة التي كادت تذوب في مادية العصر الجافة، وتضيع بين الأقنعة المستوردة الزائفة.
                                                   ***
فالصوم فريضة تسمو بالروح إلى عالم اللطف والصفاء، غايته تطهير النفوس من أوضار المادة، وأدران الذنوب، وهدفه بث الطمأنينة والأمن والإيمان في القلب، وتأكيد أسباب المحبة والمودة بين أفراد المجتمع لذلك كان رمضان شهرا لتكوين الروح الصابرة، وعصيانا للنفس في طاعة الله، وحرمانا للجسم في مبرة الروح، ومدرسة على تحمل الجهاد بمشاقه ومصاعبه ما يصاحبه من استغناء عن الكثير مما ألف الإنسان ملازمته واعتياده من ملاذ الحياة وطيباتها بما يربي فيها هذا الركن الإسلامي العظيم من وعي كامل لمعنى العبادة، وفهم عميق لما يتصل بها من مدلولات الصبر والمصابرة والجهاد.
لقد كان شهر رمضان العظم، وما زال، شهر النفحات الإلاهية والأسرار الربانية، حيث تحفل أيامه الغر، ولياليه البيض بخصائص كريمة حافلة بالحركة والالتزام، والذكر والعبادة والخشوع، فليله كله قرآن وتهجد ونسك، وصلاة وقيام..إنه شهر نزول القرآن وشهر الصبر والجهاد فقد خصه الله بمعركة حاسمة في تاريخ البشرية هي معركة "بدر" يوم الفرقان التي كانت فرقانا بين الحق والباطل، كما جعل الله منه وعاء زمنيا لركن من أركان الإسلام وفريضة من أعظم فرائضه وهي صيام أيامه التي تعتبر بحق "مدرسة الثلاثين" يتلقى فيها المسلم الصائم المومن دروسا في الشفقة والرحمة والتواضع والمحبة والصفاء والسلام، فيصم أذنه عن اللغو، ويصد هواه عن السوء، ويكف لشانه عن الفحش، ويغض بصره عن المنكر، وتلك، لعمري أخلاق عالية رفيعة من مستلزمات التعرض لنفحات ربنا في أيام الله.
                                                ***
كان شهر رمضان لدى أسلافنا العظام مناسبة طبية يتعرضون فيها لنفحات الله فيستقبلونه، فطاما لشهواتهم، ولجاما لغرائزهم فيجدون فيه شرها للجهاد المسلح ضد الظلم والشرك، والضلال والطغيان، وقد هبت فيه النفحات الربانية على المسلمين مما حصلوا فيه من الفتوحات والانتصارات.
ففي أيامه تمت أعظم حوادث الإسلام...وفيها تغير وجه التاريخ بانتصار المسلمين في جميع المعارك التي خاضوها، وتعرضوا فيه لنفحات الله فانتصروا في معركة "بدر الكبرى" التي كانت مطلع الأيام ورفعة الصلاة والصيام، وفرقانا بين الحق والباطل بهذا المدلول الشامل الواسع الدقيق العميق على أبعاد وآماد، حيث تحولت النظريات المجردة إلى عمل وحقيقة، والكلمة الواعية إلى حركة ونضال، والشك الحائر إلى نعي وإيمان، والنفور إلى طاعة واستقامة، فكانت التضحيات... وكان البذل والإيثار، وكان الارتفاع عن أدران التراب، وأوضار المادة والشهوات...
وفي أيام هذا الشهر المعظم علا مجد الإسلام لفتح مكة حيث حل فيها سيدنا محمد عليه السلام منصورا ظافرا الأعلام، كما خذل فيه الروم والفرس في وقعتي اليرموك والقادسية، وحقق المسلمون انتصارا ساحقا على التترفي موقعة عين جالوت، واندحر الصليبيون الغزاة على يد القائد العظيم المسلم، صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين.
                                                   ***
ولهذا التجلي، والتعرض لنفحات الله التي يصيب بها من يشاء منم عباده، كان المسلمون الأولون الماهدون في الصدر الأول وفجر الإسلام يغمر قلوبهم الإيمان بمبادئهم العليا، وقيمهم المثلى، فلا يشقون أبدا، فينطلقون في مواكب النصر إلى مواطن الجهاد والنضال، ويسترخصون أرواحهم في سبيل المبدأ والعقيدة حتى سقطوا في ساحة الجهاد، مثخنين بجراحهم، شهداء بدمائهم، فأعطوا لكلمة الحق، معنى القوة، ولكلمة القوة، معنى الحياة، ووهبوا لأمتهم، بفضل تعرضهم لنفحات الله، وثباتهم وعقيدتهم، الحياة الرائعة، وكتب لهم النصر المؤزر على الكثرة الكاثرة التي خلت قلوبها من أي مبدأ أو عقيدة أو إيمان...
ألا، فلنستعرض في أيام دهرنا، وفي هذا الشهر المبارك العظيم لنفحات الله، بتطهير القلب، وتزكيته عن الخبث والكدورة، الحاصلة من الأخلاق المذمومة، حتى لا نشقى، ولنتقبل شهر رمضان بالبشر والرضى، والغبطة والشكر، فإنه مدرسة يتلقى الصائم فيها دروسا بليغة في التعاون والتآزر، والتواصل والتعاطف والتزاور، ويجد في نفسه وازعا يحمله على أن يحبو إخوانه المعوزين الذين برحت بهم الفاقة ما يسدون بن الرمق، ويبعث في نفوسهم المحبة والرحمة والإخاء....

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here