islamaumaroc

خاطرة: عيد العرش في الذاكرة المراكشية

  أحمد متفكر

273 العدد

في غمرة الاحتفالات بعيد العرش المجيد الذي تخلده مدن وقرى المملكة المغربية، توحي هذه المناسبة بأشياء وأشياء كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، المبادرة الجريئة التي قام بها سكان مدينة مراكش الحمراء – مدينة المبادرات – شيبهم وشبابهم استجابة للفكرة الطيبة التي نادى بها محمد صالح ميسة صاحب مجلة (المغرب)، والتي يدعو المغاربة إلى الاحتفال بذكرى تولية المغفور له جلالة الملك محمد الخامس، واعتبار يوم جلوسه على عرش أسلافه عيدا وطنيا، يبرهن المغاربة بجميع مستوياتهم عن ولائهم للعرش المغربي. وقد لاقت هذه الفكرة استحسان الناس، وتجاوبا تلقائيا منبعثا عن حب مكين، وإخلاص صادق للعرش والجالس ليه. فبادر أبناء مراكش الأحرار ( يتحدون الحكومة الفرنسية التي لم تستطع إيقاف رغبات الشعب المراكشي الذي وقف وقفة الصمود والتحدي في وجه قوتين كبيرتين، القوة الفرنسية، وسلطة الباشا الكلاوي – إلى تكوين لجنة من الأدباء والأعيان بعهد إليها بث هذه الفكرة في أذهان العديد من سكان مراكش، وإبراز المغزى الوطني والاجتماعي لهذا العيد الذي يعتبر عيد التلاحم بين العرش والشعب، فاستحسن الجمهور المراكشي هذه البادرة الطيبة التي سيعبرون من خلالها عن شعورهم الصادق، وحبهم الكبير للدولة العلوية. فاختارت اللجنة من يشرف على تحقيق هذه الأمنية الغالية، نذكر منهم السادة: عبد الكريم الديوري، محمد الملاخ، الحاج محمد بن داوود، الحاج عمر السنتيسي، عبد الرحمان بنشقرون، العربي بنيس.
وأجمع رأيهم أن يكون الاحتفال بقسارية السمارين لكبرها وسعتها، فزينوها أحسن زينة، وعلقوا الرايات وصور صاحب الذكرى في الواجهات، وأفرشت أرضيتها بالزرابي.
لكن الشيء الذي يلفت الأنظار في هذا الاحتفال، والذي أضفى عليه حلة ميزته عن باقي الاحتفالات الأخرى التي أقيمت في كل من سلا والرباط وفاس هو تهييء مجموعة من الملابس وتوزيعها على ما يربو على ألف مسكين ويتيم وعاجز، كما صنعوا لهم كعام الكسكس، وقد روى لي السيد العربي بنيس أحد أعضاء اللجنة الوطنية أنهم هيئوا أربعة أطنان من الكسكس، وخمسين قصعة (كصرية) لإطعامهم وإشباع جوعتهم، وإدخال السرور عليهم في هذا اليوم السعيد، وكان يطبخ كل هذا بمنزل بسوق الجلد بالطالعة.
وبعد ذلك شرعوا في قراءة القرآن الكريم، ووزعت كؤوس من الشاي والحلويات على الحاضرين، ثم انطلق الجوق الأندلسي يتحف الحاضرين بأعذب الأغاني والمعزوفات، تتخلل كل هذا أناشيد وطنية.
وفي ختام الحفل قامت جماعة من الشباب المراكشي بقراءة النشيد الملوكي، بعد ذلك ذهب وفد إلى القصر الملكي لتقديم التهاني لحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم محمد الخامس الذي كان مقيما بمراكش الزاهية.
والحقيقة أن هذا اليوم كان يوما مشهودا في تاريخ مراكش قض مضجع المستعمر، وأفقده صوابه.
وقد نوهت الصحف المغربية آنذاك بمبادرة مراكش الوطنية والاجتماعية، ودعت باقي المدن المغربية إلى الإقتداء بأبناء الحمراء.جاء في جريدة السلام العدد 5. السنة 1 صفحة 3-4: "...حري بأبناء المغرب أجمع أن يقتدوا بعمل مراكش الإنساني في هذا اليوم الخالد".
أما جريدة المغرب السنة 2 العدد 15 ديسمبر 1933، فقد نوهت هي الأخرى بما قامت به مراكش من أعمال البر والإحسان: "...ولأجل هذا فإنا نتمنى من بين المشاريع التي نحتاج إليها أن يؤسس بمناسبة عيد جلوس صاحب الجلالة الشريفة أيده الله وخلد ذكره على عرش المغرب (صندوق) برسم هذا العيد السعيد تعمل له الأمة جمعاء، كل على حسب مقدوره، ويكون دخله لمشاريع البر والإحسان، الأمر الذي عمل به المراكشيون في حفلتهم التي أقاموها بالقسارية..."
وقد استطاع شاعر الحمراء الأستاذ محمد بن إبراهيم أن يخلد هذه المناسبة السعيدة في قصيدة له تحت عنوان:
       عرش القلوب
ملك تربع فوق عرش قلوبنا
      قبل العروج لعرشه المنصوب
ذكر الأنام أصوله وخصالـه
      فأضاف مورثا إلى مكسـوب
إن واعدته بالوفاء قلوبنــا
      ما كان وعد الحر بالمكـذوب
انبض بعيد العرش مسـرة
      للشعب من شبانه والشـيـب
اليوم عبد التاج تاج محـمد
      ظل الأنام وسؤله المرغـوب
أكرم به عيدا تجلى طلـعة
      للقاك بالتأهيل والترحيــب
ولتفخر الحمرا ويفخر أهلـها
      من كل نــاء منهم وقريـب
بمزية السبق التي نالت بــه
      ـذا اليوم يوم فخارها المنسوب
وبهذه الأبيات يسجل شاعر الحمراء مبادرة مدينة مراكش في الاحتفال بهذا اليوم المنشود، وتخليد هذا العيد  السعيد الذي يعتبر رمز هذه الآمة.
ويقول في قصيدة أخرى تحت عنوان:
      "هكذا تسمو الملوك"
تأخرت عن صوغ القريض له قصدا
      لكي يمدحوا جمعا وأمدحه فــردا
فحبي له وحدي يعادل حبــــهم
      جميعا وشعري فاق شعرهم عــدا
بلى كل فرد لا يرى غير مـا أرى
      فليس يرى في رحب مالكه نــدا
فما نظموا فيه القــوافي لآلئــا
      بلى نظموا حبات فلبهم عقــدا
وما هتفوا باسم المليك، وإنمـــا
      بصيحاتهم ذابت عواطفهـم ودا
مليك حباه الله حب بــــلاده
      فهامت به حبا ومالت به رشـدا
ولولاه لم تبصر من النور طلعة
      والعلم والعرفان لم تبلغ القصدا
خبا نوره دهرا طويلا وإنــما
      بطلعته الغراء قد أشرقت مجـدا
فدم سيدي للشعب قرة عينــه
      وذكرك بالتقديس متخــذ وردا
سيبقيك رب العرش للعرش فخرا
      ويبقيك يا مولاي موئلنا الفـردا
                     ***
ومنذ هذا اليوم بدأ الشعراء يخلدون هذه الذكرى المجيدة في شعرهم، ويترجمون صدق عواطفهم، ونبل مشاعرهم، نحو العرش العلوي. نذكر منهم الأديب الفنان مولا أحمد النور الذي ترجم عواطف الشعب المراكشي بقصيدته التي نالت الجائزة الأولى، والتي أذيعت على أمواج الإذاعة، بعد أن وضع لها لحنا مناسبا ردده لي شكل حوار ثلاث تلميذات هن: حليمة، سعاد، وديعة.
مجد على قمم العروش وطــيد
      تعنو لباذخه الملوك الصــيد
أعلى جدودك مبتناه كمـا بنت
      قبل آباء لهم وجــــدود
يرث الهمام عن الهمام ويقتفي
      إثر المجيد إلى العـلاء مجيد
لم يبرح التاريخ يعلي شأنـهم
      صعدا ويرفع ذكرهم ويشـيد
يا حبذا المجد الذي أورثنــه
      ولخير من ورث الجدود حفيد
             ***
ما كان أعذبه حوار أفعمـت
      بالحر أقـــوال به وردود
قد دار بين ثلاث طفلات رعى
      تعليمهــن أب لهن رشـيد
فطفقن يذكرن الملـيك وإن ح
      ـب جـميعن شــــديد
رددن ذكره في الحوار فلم يقف
      بي السـير إلا ذلك الترديد
ووقفت مستمعا لهن وإنمـــا
      كلماتهن اللؤلؤ المنضــود
بعد أن عبرت كلا من حليمة وسعاد من رأيهما في مأساة البنات والبنين، وما يتخبطوا فيه من جهل، يأتي دور وديعة لتعيد الإطمئنان إلى النفوس القلقة المضطربة، والأمل بعد اليأس:
قالت وديعة: بالقول رائــع
      لو لم يشبه تشاؤم منقــود
أقوال حق قلتــما لاكنهـا
      فيها علة داحض مـردود
إن تلبسا فلشعبنا مسـتقبل
      بالعلم مزدهر الرحاب سعيد
بذر المليك نواته فليرضـه
      من شعبه الإكبار والتمجيد
افديه من ملك يحف بعرشه
      كالجند نصر الله والتأيـيد
ثم يختم هذه الرائعة بتهنئة جلالة الملك المرحوم محمد الخامس:
فليهنئ الملك الفتى بنهوضه
      بالعلم فتح في القلوب جديد
وليهنئه يوم عيد صعـوده
      يوم أغر مشهر مشـهود
يجلي ولاء الشعب فيه له كما
      تجلى بلبات النحور عقود
ويعش ولي العهد مكلوءا لـه
      في أوج آفاق العلوم صعود
وليحي اخوته الكرام يضمهم
      عيش ظليل بالهناء رغيـد
                   ***
وتستمر منافسة الشعراء في تجويد قصائدهم وسبكها في قالب يتناسب وعظمة العيد الوطني، وتتوالى القصائد تترى لنترجم للملك عن عظيم حبها للأسرة العلوية.
فالأديب الشاعر أبا أحمد بوستة المراكشي يصور بصدق الابتهاج الذي يطبع الكون وما حوى:
بشائر السعد والإقبال تقتـرب
      ومنية النفس حين القرب ترتقب
تأرج الروض وافترت أزاهره
      وانطق الطير في أدواحه الطرب
وأعين الناس قرت بالذي نظرت
      وشنف السمع ما زالت به الكرب
ما ذاك إلا اغتباط الكــون
      إقبال يوم له الأشواق تلــتهب
وعيد مغربنا الغالي وبغيـته
      لعرش مالكنا المحبوب ينتسـب
محمد بهجة الدنيا ورونقـها
      ومن له المجد أصل، والعلا حسب
يا صاحب العرش دم للعرش تسعده
      وعش سعيدا به تسـمو لك الرتب
مثواك في القلب أنة سرت أضلعنا
      تحنو عليك وتحبو نحوك الركب
                   ***
العرش عرشك لم ترحل لبغيـته
      بل كان يرنو إليك وهو منتصب
العرش وافاك ساعيا يمد يــدا
      ومنذ أنشئت وهو منك يقترب
العرش ألبسك الحسنى تبــوؤه
       ونيل حين الجلوس السؤال والطلب
العرش زادك رفعة سموت بها
      وخول الرأس تاجا ليس يكتسب
العرش عروتنا النوثقى وقبلتنا
      وللرجا والأماني الحيل والسبب
                   ***
ونلتقي مع الأديب الشاعر مولاي الصديق العلوي وهو يصور جلال العيد وما تحقق في ظل الجالس على العرش من عز وكرامة:
ردد فداك البلبـل الغـــريد
       لحن الولاء أتــاك العــيد
عيد يطوف به الجلال ومن عزا
      ثمنا يطوف بربه التأيـــيد
عيد إذا التاريخ هز صحائف ال
      عظماء كان نصيبه التمجيـد
يطوي الزمان وينشر التجديد في
      شعب بأشراك الخمول مصيد
يكسو الأريكة بالجلال مطارفا
      يختال فيها الشعب كيف يريد
شاد الملوك اليد فيه مفاخرا
      أكرم بما شاد الملوك الصيد
تبني العروش على الدعاة وتنقضي
      وعلى صروح المجد هذا مشيد
ويقول في قصيدة حسنية:
      حييت عيدك بالقريض الشاعر
ونظمت فيه عواطفي ومشاعري
      في كل عام ترتدي الدنيا به
نفحات مجد من لقائك زاهــر
      خطواته شتى على نهج التقد
م مالها من جاحد أو ســاتر
      فانظر فدنيا الشعب يوم قدومه ال
ـميمون كالروض الجميل العاطر
      أبدا يقود خطى البلاد إلى العـلا
ويرد عنها الشر رد الســاهـر
                ***
مولاي هذا العرش رهم وجـودنا
      وملاذنا من حاسـد ومغامــر
عشنا وعاش جدودنا في ظلــه
      وتعيشه الأحفاد بعد كســائـر
أبقاك ربـك للبــلاد وأهلــها
      وأراك في الأمراء خير مفـاخر
                 ***
كما نلتقي مع أديب آخر كانت له مساهمات في جل المناسبات الوطنية وعبر عما يختلج نفسه من مشاعر الحب والإخلاص ذلك هو: الأديب الشاعر أبو بكر الجرموني (الجرني):
جلال في جلال وارتقـــاء
      وشعب لا يضام ولا يســاء
وآلاء من الرحمان تتـــرى
      يدون بها لملكـــكم الولاء
وآيات جلون سنا نبــــوغ
      سما به في الورى لكم ذكـاء
وأسرار معطرة تجلــــت
      يزين جلالكم منـــها رواء
وهالة قد سيات حق منــها
      علا سنا فحق لك الهنـــاء
وأخلاق من المولى خصصتم
      بهن وذلك منه لكم عطــاء
حباك الله منه ملاك خير الم
      ـزايا فامنه ملاك خير الم
زايا فازدهى الشعب الحباء
      فراح مثبتا أركان عــرش
فراقده بها الدنيا تضــاء
             ***
أبوكم قد جلا ظلم الليالـي
      ومنكم سوف ينبلج الضياء
أبوكم كان فينا وهو بــدر
      وأنتم بعده فينا ذكـــاء
أبوكم قد محا سدم الدياجي
      ومنكم سوف ينبثق الرجاء
أبوكم قد أشاد وبنى فأعلى
      وسوف يزيد بعد بك البناء
           ***
أجل يا أيها الحسن المرجى
      سلاما يزدهى به الارتقاء
رقيت العرش إذا أوتيت ملكا
      وفوق أريكه راق استواء
وبو يعتم فهب الكون طـرا
      يبارك ما استبان به الولاء
ويرفع مخلصا أعلى التهـاني
      لسدتكــم فيمليها الفنـاء
          ***
ونختم هذه الخاطرة بأبيات من قصيدة عرشية للأديب الشاعر دنيا مولاي الطيب المريني:
دعتني المعالي أن أزف لك الشعرا
      وأنشدت حبا وقد جدت الذكـرى
وما كانت الذكرى اليـوم تربعـت
      جلالتكم فيه سوى النعمة الكبرى
فهل يا ترى يستصعب الشعر شاعر
      وقد نطقت أعمالكم بالذي يـدرى
وهبني أفضت القول جهد بلاغة
      فهل أستطيع الوصف أو أدرك الحمرا
وبهذا العرض الموجز مع رحلة الكلمة الشاعرة التي ترجمت لنا مشاعر الصدق والوفاء للعرش العلوي، وخدمت القضية المغربية، وبثت الوعي الوطني في الأوساط المراكشية التي كانت تواكب مثل هذه المناسبة، وتسهر على تخليدها لتضاف إلى سجلها الحافل بالمفاخر والأمجاد. كما سجلت لهذا الجيل والأجيال التالية مبادرة مدينة مراكش، وبرهنت عن وعي أبنائها، بجسامة المسؤولية الوطنية التي حاول المستعمر أن يحيل بين العرش والشعب.
وبهذا أكون قد أعطيت صورة مصغرة عن حفاوة أبناء مراكش بعيد العرش المجيد منذ سنة 1933 إلى يومنا هذا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here