islamaumaroc

المسيرة الخالدة من إدريس الأول إلى الحسن الثاني [افتتاحية]

  دعوة الحق

273 العدد

من بوادر اليمن والإقبال، ودلائل الرضا التوفيق، ودواعي الفخر والاعتزاز أن يحتفل الشعب المغربي الشكور، كل عام، وفي اليوم الثالث من شهر مارس بعيد العرش المجيد، الذي يخلد ذكرى تربع أمير المومنين وحامي حمى الوطن والدين على عرش أجداده المقدسين، هذا العيد الذي كتب الله له، في الأزل، أن يكون في مستهل فصل الربيع الريان، الذين تعلن فيه الطبيعة عن حبها بالعطر والريحان، ومواكب الزهور والياسمين، والألوان والألحان، وحيث تستيقظ تلك الطبيعة الأنيقة الخلابة من فصل متجهم عابس باسر، إلى فصل رائق ناضر، بشوش، ينعم بالدفء والصفاء والبهاء، ويبعث الحركة والنشاط والحرارة في جميع الأحياء التي تنتشي ابتهاجا وسرورا، وتفيض غبطة وحبورا، وتأخذ الأرض زخرفها، وتزدان الرياض بألوانها، وتنتعش الغياض بعبير خمائلها، وتمرح الطيور بين أفنان الدوح، وناضر الشجر، وتبتهج النفوس بالجمال، ويفتر البشر على الشفاه، وتشرق البيوت بالأنس، لأن الأمة المغربية تستقبل في طلائع هذا الشهر، وفي عصرها الطموح الطائر، وبهذه المناسبة السعيدة يعدها الوطني الخالد الذي تعتبره من أجل أعيادها قدرا، وأرفعها ذكرا، وأبلجها أثرا..
إن عيد العرش السعيد الذي يحل كل عام في اليوم الثالث من شهر مارس، وفي مستهل فصل الربيع الذي جعله الله نشورا للحياة، ومتاعا للحي، ومعادا للفتوة والشباب، وانتعاشا للأعشاش اللدنة الناعمة المغردة التي تمتاز الطهارة والغضارة والنضارة، البركة والإنتاج، ليشير إلى هذه المعاني كلها... وما احتفال الشعب المغربي بهذه الذكرى الغالية، ذكرى جلوس سيد البلاد، وتتويج صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله على عرش أسلافه المنعمين، إلا تمجيد للتاريخ الحافل الذي تضافر على تسطيره وتحبيره شعب طموح ناهض، وملوك لهم في سجل التاريخ الخالد أياد، استيقظ في عهدهم المجد، وعقد النصر المؤزر في حياتهم لواء، لأنهم أقاموا قواعد المجتمع على أساس من الخير، وعمموا العدالة والإحسان، وهدوا بسلوكهم، النفوس الشاردة إلى المقصد النبيل، والهدف الأسمى، والسبيل القويم، والنهج اللاحب.
                                                      ***
لقد وجد الشعب المغربي، وما يزال في العرش المجيد الذي قوي بقوة الله، وثبت ثبوت الحق، ملاذا لتوثيق العقدة، وجمع الشتات، وتحقيق الوحدة، وتأليف القلوب، كما كان هذا العرش العتيد – وما يزال – رمزا للحيوية الثائرة، والوطنية القويمة، والتضحية المومنة، والإرادة الحكيمة، والاستبسال الشجاع في درس الأخطار المهددة للوطن، ودفع المكاره الكالحة التي ترمي إلى عرقلة سيره، وتعويق حركته، وشل نشاطه مما كان يأخذ بالألباب، ويثير الدهش ويبعث الإعجاب..
إنه الحب المكين المتبادل الذي ربط العرش بالشعب برباط وثيق يعلو على تيارات الأغراض ونزواتها، والأهواء وتقلباتها، والسياسة واهتزازاتها، وكل من اتبع هواه وكان أمره فرطا، من أجل ذلك ظفرت الدولة المغربية في مختلف الحقب والأزمان، بجمال الذكر، وحسن الأحدوثة، فقد عرفت بنضالها المستمر، وجهادها وكفاحها المستميت، في سبيل المبدأ والعقيدة، وتميزت، إلى ذلك، بمظاهر علمية، وأثر خالد في تاريخ الفكر العربي والإسلامي في دنيا الحياة، وصت مرنان في ربوع العالم، وحضارة يانعة، استقامت معها الموازين، وتعادلت فيها القوة، وتعاونت فيها المواهب والعقول.
                                                      ***
والمغرب ذو التاريخ الأزلي، والتراث الخالد، والأمجاد العريقة، والبطولات الفائقة الرائعة، والحضارات اليانعة، والدين المتين، والعقيدة السليمة، والخلق الصحيح، كتب تاريخه منذ العهد القديم، ولا سيما منذ تأسيس الدولة المغربية، بدماء شهدائه، وسجل كفاحه بمداد التضحية والفداء، في سبيل نصرة الحق والعدل والكرامة...وقد أملى على التاريخ صفحات مشرقة من ألوان البطولة والفداء، واختار الطرق الواضحة التي لا ينكص عنها ولا يضل، تحفزه عقيدة سليمة، ونفسية كريمة، وانضباط مخلص، وطاعة وقول معروف..لأنه عقد النية على أن يعيش كريما، أو يموت كريما، ونذر دماءه الزكية للدين والوطن المحبوب، لا يطمع في شيء، ولا يحشر نفسه في شؤون الغير، ولا ينغض رأسه ممن غام عليهم الأفق في مهب الرياح الهوج، واستعجم عليهم المسلك في مضطرب الموج، بل ما عرف عشه عنه إلا إنجاد الصريخ، وإغاثة اللهفان، ورفد المحروم، وإغاثة المكروب، ونجدة المغلوب، ثم هو بعد ذلك يخرج من محنه وأزماته، وهو أشد توهجا، وأكثر تألقا، وأعمق إيمانا، وأغلى هامة.
                                                      ***
لقد جاء هذا العرش المغربي، منذ تأسيسه، في سبيل حياة الأمة المغربية واستقلالها، وكابد بُرَحاء المشاكل والصعاب في سيل وحدتها وسيادتها، وناله ما نالها من الصعاب والمعوقات، وأظهر الشعب معه التحاما والتئاما، وقوة وصمودا حيث أكد في غير ما مناسبة بأن هذا العرش من الشعب وإليه.
                                                      ***
وإن من مشاعر البهجة والسرور، وبواعث الغبطة والحبور أن تقترن هذه الذكرى المجيدة، ذكرى الثامنة والعشرين لجلوس صاحب الجلالة الحسن الثاني، على عرش أسلافه المنعمين بذكرى جليلة خالدة، لها مكانها في التاريخ، وتقديرها في القلوب، وعبرتها في الأجيال الماضية والحاضرة، وما يستقبل منها...
ففي السادس من شهر فبراير الماضي تم استكمال العرش المغربي من حياته الحافلة مرور مائتي وألف عام على تأسيس الدولة المغربية، والعرش المغربي، وتكوين الأمة المغربية على يد المولى إدريس الأول بن عبد الله الكامل بن الحسن بن المثنى بن الحسن السبط بن أمير المومنين علي بن أبي طالب، والسيدة فاطمة الزهراء بنت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
                                                      ***
جاء المولى إدريس مؤسس الدولة المغربية، من الجزيرة العربية، ومهبط الوحي فارا بدينه، وطالبا بحق جده، فوجد شعبا مغربيا أصيلا، بادله العطف، وقاسمه المحنة، فقويت نفسه، وانتعشت آماله، لا يحتاج إلى لمن يأخذ بيده، لا سيما إذا كان من النبعة النبوية وعترة الرسول...ومنذ ذلك الحين، تبلور في المغرب ولأول مرة، في تاريخه، معنى الدولة، واتضح شكلها، وأصبح المغرب يعتبر المجتمع السياسي الأعلى الذي يضم مختلف السلطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إدراكا منه رضي الله عنه بأن الدولة هي الوسيلة الوحيدة لجمع هذا الشعب، والتي يتم بواسطتها – دستوريا – جمع شمل المجتمعات البشرية المتقدمة في إطار سياسي سليم...
إن الاحتفال بعيد العرش، في هذه السنة واقترانه باستكمال الدولة المغربية مرور مائتي وألف عام على تأسيسها، وفي حياة مولانا الإمام الحسن الثاني، لمما يؤكد خلود العرش المغربي الذي تحدى القرون، وما يزال قويا ثابتا، وطيد الأركان، مرفوع القواعد، ثابت الأس، شامخ الذري، يحميه شعب بطل، داوم الكفاح والجهاد بهمة الجلد الصبور المستميت، وأشعل نار الجهاد المقدس ضد الدخيل الواغل، والحسود الماكر، وأسس عهدا مكينا مدعما بالجد النزيه، والمثابرة العاملة النشيطة، الوحدة التي ينزع إليها المغاربة بطبيعتهم، فهم في العقيدة على مذهب الأشعري، وفي الفقه على مذهب مالك، وفي التلاوة على قراءة نافع، برواية ورش...
                                                     ***
فإذا احتفل الشعب المغربي، بهاتين المناسبتين الوطنيتين الخالدتين في هذا اليوم الأبلج الذي تومض فيها العيون بالغبطة، وتفيض القلوب بالبشر والسرور، ويعبر فيه الشعب عن شديد التعلق، ومتانة الروابط، وشتى المشاعر والأحاسيس التي يختزنها في نفسه وسره طوال أيام السنة، كما تختزن الشجرة ثمارها إلى أن يحيي الموسم الموعود، لتعلن عن الحضور والوجود، فإنما يحتفل بعش مجيد طالما أسدى لهذه البلاد، منذ تأسيسه، كل خير، وحقق لها آمالها العذاب، وبوأها مقاما كريما بين الأمم والشعوب، أصبحت معه قريرة العين، حرة الإرادة، مطلقة السيادة، تواصل سعيها – وهي مومنة – لتحقيق حياة باقية صافية تشفي صدور قوم مومنين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here