islamaumaroc

عودة القرويين ضمان للوحدة المغربية الكبرى

  عبد السلام الهراس

273 العدد

- ما سررت في حياتي سروري بعودة الروح بجامع القرويين لقد كان الاستقلال إنجازا عظيما، وكانت المسيرة عملا فذا، إذ كان انتصارا في دوامة الصراع بين المغرب وخصمه التاريخيين، الذين جعلوا وكدهم الانتفاض من أطرافه، وتفتيت وحدته، والحيلولة بينه وبين إفريقيا، أي: محاولة الحد من رسالته الحضارية التاريخية التي تحمل مسؤوليتها خلال التاريخ.
- لكن عودة القرويين إلى الوجود الحضاري الإسلامي كان بعثا للروح التي تحقق للاستقلال أعمق مغازيه ومقاصده ويعطي للمسيرة أجمل بعدها وثمرة تحدياتها.
إن الوحدة التي ينشدها شعب المغرب العربي والتي كانت أصداؤها في الضمائر وعلى الألسنة عبر تاريخ النضال والجهاد على مدى أكثر من قرن، لا يمكن أن تتعمق بتقارب التراب، وتوافق المصالح، وتكامل الاقتصاد، ووحدة الجبال والتضاريس، إلى إذا كانت هناك وحدة ثقافية مبناها الدين ولحمتها وسداها القرآن والسنة، وغايتها أقلاع حضاري يعيد لهذه الأمة مجدها، ويمكن لها في الأرض كما مكن لها من قبل ويجعلها جديرة بأن نخاطب كأمة ذات حضارة وكيان محترم.
- ولقد جريت قيادات المغرب العربي الإسلام في مكافحة الاستعمار ومواجهة تحدياته المختلفة الشرسة منها والناعمة، فكانت العاقبة خيرا، كما رأينا، تحررا من ربقته وانعتاقا من قيوده وفرضا لإرادتنا رغم مؤامراته وعناده وإصراره !
- ولو كانت بيان تلك الروح بقيت تهيمن على شعوب المنطقة بعد استقلالها لتحقق إقلاعنا الحضاري قبل أن نداهم بكثير من المعوقات التي لا تخفى على أحد !!

- وقد لاحظنا أن التفكير في وجوب عودتنا إلى أصالتنا الثقافية يبعث الحياة في المؤسسات العلمية العظيمة في المغرب العربي كله كان متناسقا وشاملا في كل من المغرب والجزار وتونس:
فلقد بدأ المغرب بانطلاقة الكراسي العلمية التي كان لها أكبر الأثر في بعث الأمل في نفوس كثير من طلاب العلم. ولا أذيع سرا إذا ما حكيت أن الوزير الأول التونسي السيد الهادي البكوش كان قد حل ضيفا بالمغرب إبان كونه وزيرا في العهد البائد فقام بزراية خاصة للقرويين، ووقف أما بعض علمائه وهو يلقي درسه على طلابه.
فأعجب بذلك أيما إعجاب والتفت إلى بعض من رافقه وقال له: هكذا يجب أن نفعل في تونس لتعود الزيتونة كما كانت وسرعان ما تحققت الفكرة في العهد الجديد فاستردت تونس هويتها بعودة الروح إلى الزيتونة العظيمة.
- أما الجزائر التي كانت بجاية وتلمسان أهم منارتها العلمية فقد أسست معاهد إسلامية كثيرة، وتوجت ذلك بتأسيس جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية بقسنطينة وهي جامعة تعد بالكثير إدارتها الحازمة الصادقة وأساتذتها المتحفزين النشيطين وطلابها الطموحين الصالحين. وهكذا نرى تناسقا في التفكير في الإنجاز وتشابها في الاتجاه واتساقا مع التاريخ واستجابة لبعض مقتضيات الصحوة الإسلامية التي لا ترضى دون أن تكون هذه المنطقة الإسلامية دولة قوية ولن تكون كذلك إلا إذا اعتمدت على عوامل القوة والحياة والنمو والازدهار التي تكمن في البناء الثقافي الإسلامي الذي يؤاخي بين الأرواح ويوحد الإرادات وينسق الجهود ويسدد الاتجاه ويضاعف المسيرة ويحرق المسافات ويختصر الأبعاد ويعوض ما فات ويسترد ما ضاع... (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم)
                                                   ***
- إن سر تقدم اليابان هو محافظتها على تقاليدها وتقديسها لمبادئها وإخلاصها لمؤسساتها الدينية وشعورها بالعراقة والأصالة وأنها مؤهلة للقيام بمهمة حضارية تنافس الحضارة الغربية في أقوى ما تملك من وسائل التقدم التكنولوجي حتى أصبحت أمة عملاقة تتجدد في كل لحظة وتتقدم في كل برهة مما أدهش العالم المتقدم وجعله يحسب لها ألف حساب...وكذلك حال ألمانيا الغربية التي تملكتها روح أصيلة جعلتها تتجاوز جيرانها وحلفاءها الذين يتحكمون فيها مما جعلها في مقدمة الدولة المصنعة.
- إن الشعب المغربي الكبير الذي يمتد من حدود السنيغال إلى مشارف الإسكندرية ليس بأقل عبقرية من اليابان وألمانيا غير أنه يحتاج إلى استرداد ثقافته، واستعادة روحه التي تبعث الحيوية في عقله وقلبه وجوارحه وتمده بالقوة والحماس والحكمة والتنسيق والتوافق ليبدأ حركته الهادفة ومسيرته العظمى، إذ ليس له ما يربطه بأرضه وترابه ووقته وظرفه سوى ثقافته التي تنسج كيانه على البناء والتشييد والترشيد والإبداع والتجديد، ليكون قائدا رائدا وعزيزا سائدا، لأن الشخص الذي يشعر بمسؤولته أمام الله والعباد والتاريخ والمعاد عن عمره فيما أفناه وشبابه فيما أبلاه ووقته فيما قضاه، وعما سخر الله له من ثروات طبيعية وما زوده به من عقل وفكر لهو الشخص الذي يستحق خلافة الله في الأرض.
                                                      ***
- إن جامع القرويين وأصناءه بالمغرب الكبير، أسسه أجدادنا لبناء الإنسان وتكوين شخصيته في مختلف الأزمنة والعصور لينهض بأمته ويمدها بالحيوية والنشاط ويضمن لها العزة والتفوق واجتياز العقبات والتغلب على الصعاب، وبتعاقب أجيالها وتوالي عصورها لا يزداد تراثها إلا غنى وازدهار وتجددا وتطورا وانتشارا وذلك بفضل ما للجوامع العظيمة من قدرة على الجميع والتوحيد والتقوية والتسديد لذلك وصف القرآن الكريم بشدة الظلم وغايته كل من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعى في خرابها، "ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعة في خرابها"، كذلك يوصف بأجمل صفات الفضل والعدل من أحياها وسعى في تعميرها بذكر الله وأحباب الله وطلاب العلم لخدمة الأهداف التي يرضاها الله.. ومن أشرف أهدافنا وأجل مقاصدنا تحقيق الوحدة الشاملة بين أقطار مغربنا الكبير تحت لواء القرآن الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه.. )وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله(.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here