islamaumaroc

الحسن الثاني رائد الوحدة وحدة المغرب العربي بنت الطبيعة والتاريخ والمصير المشترك

  محمد المكي الناصري

273 العدد

وحدة المغرب العربي أمنية غالية تطلع إليها وعمل على تحقيقها أبناء هذا الجزء من العالم منذ أقدم العهود، وكلما انفصمت عرى هذه الوحدة بمرور الأيام عاد الحنين إليها، وتجدد الإيمان بضرورتها، وتأكدت فائدة العمل على تحقيقها وعودتها.
ولتوضيح بعض العناصر الأساسية اللازمة لتحقيقها، والعوامل المساعدة على عودتها بشكل أوفى وأشمل وأدوم أقدم في هذا العرض جملة من الملاحظات والمسلمات، التي أعتقد أنه لا يجادل فيها أحد ممن يعنيهم أمر هذه الوحدة.
أما من "حيث الطبيعة" فقد جعل الله من هذه البلاد بقعة واحدة متشابهة المناخ، متصلة المسالك، متشابهة الطرق، لا يفصل بينها أي حاجز طبيعي حصين، حتى شبهها الجغرافيون بدرب طويل يخترقه السائر من بدايته على نهايته، دون أن يعترض سيره أدنى عارض، كما جعلها الله مقرا دائما ووطنا قوميا لنفس الشعب، الذي عمرها وسكنها وطبعها بطابعه الاجتماعي الخاص منذ أقدم العصور قبل أن يختلط بغيره، وحتى بعد أن اختلط بغيره من الشعوب، إذ لم يزل محافظا على مقوماته الأصلية، وتقاليده الموروثة، ولهجات لسانه "اللوبى" القديم، رغم اقتباسه كل ما هو نافع ومفيد من الحضارات الأخرى لغويا ودينيا وحضاريا.
وكل ما حدث في هذه البلاد من تقسيمات وتطوين وحدات سياسية منفصلة فرضتها بعض الظروف في غير ما فترة من فترات التاريخ، إنما هو إجراء مصطنع وغير طبيعي، إذ لم يعتمد في أساسه لا على اختلاف جغرافي ولا على اختلاف سلالي أو لغوي (1)، فطبيعتها الجغرافية كانت ولا تزال متصلة الحلقات، والشعب الذي نشأ بها كان ولا يزال متشابها في أكثر الخصائص والسمات، والمناخ الذي يميزها عن غيرها متماثل في مجموعه تماثلا بارزا، ولا يوجد في أي واحد منها مناخ مخالف أو معاكس لمناخ الأقسام الأخرى مخالفة تامة، والتفرقة المصلطح عليها في ميدان البحث والتأليف، عند الكتابة عن بلدان المغرب العربي ليست تفرقة جغرافية ولا سلالية، وإنما هي تفرقة اصطلاحية دعا إليها تصنيف البحث وتوزيع الدراسة لا غير (2)، وهكذا نجد بلاد المغرب العربي كتلة متجانسة كل التجانس لفضل وحدة الطبيعة التي جعلها الله قاسما مشتركا بينها، ولا شك أن وجود عنصر أساسي من هذا النوع بين أي مجموعة من المجموعات البشرية يسهل قيام الوحدة بينها إلى أقصى الحدود.
                                                   ***
وأما من "حيث التاريخ" فقد تلقت معظم البلاد المغربية في وقت واحد أو متقارب عدة إمدادات خارجية منعشة لقحت حضارتها، وطمعت ثقافتها، وطورت أنظمتها، وكان لهذه الإمدادات أعمق الأثر في تكييف عقيلتها، وتطعيم وجوه الحياة المادية والفكرية فيها، وبذلك تعرض أبناؤها لمؤثرات حضارية واحدة جعلت حضارتهم تنمو نموا متجانسا، وجعلت مجتمعهم يتطور تطورا متماثلا.
وعلى رأس تلك الإمدادات النافعة المدد الفينيقي، والمدد الإسلامي ومدد الهجرة الأندلسية ومدد الهجرة العربية، ومدد الخلافة العثمانية، ما كان لبعضه نتائج إيجابية مائة في المائة ولبعضه الآخر نتائج إيجابية وأخرى سلبية، لكن الجانب الإيجابي كان أقوى وأبقى وأجدى وأنفع:
1) ففيما يخص "المدد الفينيقي" نجد عطاءه ممتدا ومتواصلا طيلة أحد عشر قرنا، ونلاحظ أن عطاءه كان متعددا ومتنوعا في مختلف الميادين ما بين تجارية وزراعية وصناعية وعمران حضاري واقتصادي، وقد كانت العلاقة القائمة بين الجالية الفينيقية وأبناء هذه البلاد متسمة بتبادل الثقة وتبادل المنافع بين الطرفين، وزاد تلك العلاقة وثوقا ورسوخا ما نشأ بينهما من مصاهرة وصلة رحم ومعرفة باللسان الفينيقي الذي أصبح واسطة للتفاهم المشترك في الحياة اليومية، وبفضل الاحتكاك المتواصل بين قدماء المغاربة وبين الجالية الفينيقية تكنوا من معرفة فن التجارة وسك العملة وضبط الحساب التجاري، كما تمكنوا من معرفة فن الملاحة وصنع السفن وعدد غير قليل من الصناعات والزراعات الأساسية، مثل طريقة غرس شجرة الزيتون، وطريقة عصر الزيت، وطريقة استخراج المعادن ولا سيما الذهب والنحاس، وأخذوا بحظ وافر من التراث الحضاري أي عرفه جنوب الجزيرة العربية، وبلاد الرافدين، ومصر القديمة، مما حملته إليهم معها الجالية الفينيقية التي استقرت ببلادهم قرونا طوالا، وقد كان لهذه الجالية أثر خاص في استبحار العمران بالأقطار المغربية، وإقامة المراكز التجارية لسواحلها، ولا سيما بعد تأسيس حاضرة قرطاج أوائل القرن التاسع قبل الميلاد (813-814 ق م) حيث أصبحت السفه الفينيقية تنطلق منها إلى تلك المراكز بانتظام، حالمة إليها ما يجلبه الفينيقيون منها طرائف الشرق الأدنى وسواحل البحر الأبيض المتوسط وحاملة منها ما تجود به التربة المغربية أو ما يجلبه قدماء المغاربة من طرائف البلاد الإفريقية، ومن التوفيق الذي لقيته الجالبة الفينيقية بمساعدة أبناء البلاد شق طرق النقل التجارب الكبرى لفائدة الطرفين، وفي طلعتها الطريق التجاري أي ربط أقطار المغرب ببلاد السودان، مارا بليبيا والهوكار وإفريقيا الاستوائية، وهو الطريق الذي استعمله الرومان من بعد، وأطلقوا عليه زورا وافتراء اسم "الطريق الروماني".
ومن آثار التمازج بين الشعبين المغربي والفينيقي ما نص عليه "رينان" من أن السرعة التي انتشرت بها اللغة العربية في أقطار المغرب عند ظهور الإسلام ترجع إلى المركز الوطيد الذي كانت تحتله اللغة الفينيقية في هذه البلاد، منذ قرون حيث إن اللغة الفينيقية – كما يقول – ليست إلا ابنة عم شقيقة للغة الضاد، وبما أن اللغة الفينيقية انتشرت بين المغاربة خلال العهد الفينيقي الطويل، وحتى فيما تلاه من العهود، فقد كانت خير تمهيد لانتشار اللغة العربية في العهد الإسلامي الجديد، ويقول: كوتيى": "إن هناك قنطرة بين المدنيين الفينيقية والإسلامية، وأن الأولى كانت تمهيدا للثانية"، ويقول "كزبل" مؤكدا نفس المعنى: "إن قرطاج أعدت أهالي الشمال الإفريقي لتلقي القرآن منذ عهد طويل".
2) وفيما يخص "المدد الإسلامي" نجده يحمل إلى أبناء هذه البلاد أول دعوة مثالية متكاملة وشاملة، وأول نظام أخلاقي عالمي أكرم الله به الإنسانية، فيزودهم بعقيدة منطقية وكاملة تلائم الفطرة الأصلية، وتطهر الفكر من الجاهلية والوثنية، وبشريعة واقعية عادلة انظم أحسن تنظيم المجتمعات البشرية، إذ لا اسمح بأي استغلال واستعلاء، وترفض كل ما فيه استلاب واستيلاء، وإنما جاءت إلى هذه البلاد لتنمي الشخصية المغربية، وتبرز كل ما هو كامن فيها من مواهب وعبقرية، ولترفعها من حضيض الخضوع والتبعية إلى أوج الاستقلال والحرية، حتى تحتل مقعد الريادة الفكرية والقيادة السياسية، وبفضل الإسلام، وبتوجيه من مبادئه وتعاليمه ازداد الإنسان المغربي اعتزازا بكرامته، واستماتة في الدفاع عن حريته، وأصبح طموحا إلى احتلال أعلى المنازل والدرجات، لا يرضى أن يقف من الأحداث موقف المتفرج المبهوت، البعيد عن حمل التبعات، الأمر الذي مهد لبلاده السبيل إلى أن أصبحت تلعب أدوارا حاسمة وفاصلة في تاريخ العالم، وتبرز على المسرح الدولي بشكل ثابت ومستمر لم يتقدم له مثيل في سابق العهود، منذ ظهرت إلى الوجود، ولا عجب في ذلك، فحملة رسالة الإسلام من صحابة الرسول عليه السلام وتابيعهم بإحسان لم يقتصروا على حمل عقيدته وشريعته إلى هذه البلاد، بل حملوا معهم معطيات حضارية عريقة عرفها العرب في عهودهم القديمة بجنوب الجزيرة العربية، ثم جددها الإسلام، ونفحها وقدمها للعالم في صورة أجمل وأكمل، وأشد تألقا ولمعانا، وفتحوا في وجه أبناء المغرب أبواب المشرق على مصاريعها، بل أبواب العالم الإسلامي كله، ذلك العالم الفسيح الأرجاء الذي لا تغيب عنه الشمس والذي تلتقي فيه مختلف الحضارات في ظل الإسلام بعدما صهرها في بوتقته المنعشة، وبذلك دشنت أقطار المغرب عهدا جديدا من التعاون الإنساني المثمر، وأخذت تساهم مساهمة "مباشرة" ودائمة في حضارة الإسلام الكبرى، التي أصبحت تراثا مشتركا ينتجه الجميع ويعتز به الجميع، ولن يقف مدد الإسلام المستمر وعطاؤه الدائم بحول الله وقوته ما دام هو حجر الزاوية في كيان البلاد المغربية، وهو صمام الأمان ضد كل دعوة جاهلية.
3) وفيما يخص "مدد الهجرة الأندلسية" نجده مددا حضريا خصبا ومتنوعا بحسب تنوع فئات المهاجرين، فقد كان من بينهم علماء مشهورون، وصناع ماهرون، وزراع مجربون، وفنانون مبدعون، وضباط مقتدون، ودعاة أكفاء بارعون، وعمال ومحترفون، وسرعان ما عززت دول المغرب جيوشها البرية والبحرية بضباط ورؤساء منهم، وعززت أطرها الإدارية بوزراء وسفراء وقضاة وكتاب منهم، وأكثر هؤلاء المهاجرين كان أصلهم من المغرب فرحلوا واستقروا بالأندلس إلى جانب عرب المشرق الذين وفدوا على تلك البلاد وكونوا معهم نبت وصهرا، وقاسموهم العيش حلوا ومرا، وعندما تدعوهم الظروف إلى مفارقة وطنهم الثاني يعودون إلى وطنهم الأول. وأول هجرة قاموا بها إلى المغرب تمت عندما أصبح للمغرب كيان مستقل بنشأة الدولة الإدريسية، ثم تتابعت هجرتهم على عهد المرابطين والموحدين والحفصيين والمرينيين والوطاسيين والسعديين، وقد اقترنت الهجرة الأندلسية في مختلف مراحلها باستبحار العمران، وتمهيد الطرق وتخطيط الأحياء والقرى والمدن لاستيعاب أولئك المهاجرين، وتسهيل إقامتهم على أكمل وجه، وبإنشاء البساتين والمزارع لضمان عيشهم (3)، وكانت سفن المغرب والجزائر وتونس وليبيا هي التي تتولى نقلهم من ضفاف الأندلس إلى ضفاف المغرب، فيستقرون على الرحب والسعة حيث يشاءون من تلك البلاد، ويزودن وطنهم الأول بما عندهم من المعارف والعلوم والصنائع والحرف، ويحذرون إخوانهم من الدسائس والمؤامرات التي تحوكها الصليبية لمحو الإسلام والقضاء على الدولة الإسلامية، وكان الدعاة الأكفاء من مهاجري الأندلس، العارفين بمخططات الصليبية وأهدافها في طليعة الذين أوقدوا شعلة الحماس الديني بالبلاد المغربية، فسادت فيها روح التحفظ والحذر من العالم المسيحي، وتعددت الأربطة لحراسة الثغور من الغزو الصليبي المفاجئ، واعترافا بفضل أولئك المجاهدين المرابطين، وتخليدا لذاكرهم حتى يكونوا قدوة لمن بعدهم، بني الأضرحة والقباب التي تحمل أسماءهم وتنقل أبناءهم. وفي الوقت الذي أحذ الإسبانيون والبرتغاليون يغزون القارة الأمريكية لنشب المسيحية، كان الجنود والضباط من مهاجري الأندلس يعملون علة نشر الإسلام في القارة الإفريقية، بقيادة الملوك السعديين (4)، وهكذا كان المدد الأندلسي عنصرا مهما عميق الأثر، دينيا وسياسيا، مدنيا وعسكريا، اجتماعيا وحضاريا، فقد طعم البيئة المغربية والمجتمع المغربي بلقاح جديد لا يزال يعطي ثماره باستمرار، وكيف العقلية المغربية تكييفا خاصا لا يزال سائدا في أقطار المغرب حتى وقتنا الحاضر.
4) وفيما يخص "الهجرة العربية" التي قام بها بنو هلال بن عامر وبن سليم بن منصور ومن تابعهم في أوائل القرن الخامس الهجري من صعيد مصر إلى أقطار المغرب بتحريض من المستنصر العبيدي ضد المعز بن باديس الصنهاجي، فقد أخذت في البداية صفة الغزو لتونس أولا، ثم وقع توزيع الوافدين معها على بقية أقطار المغرب في عهد الموحدين وعهد المرينيين، وكانت هي أول هجرة جماعية عربية من النوع الشعبي العادي إلى هذه البلاد منذ اعتنقت الإسلام، حيث إن العنصر العربي في عهد الإسلام الأول بم يقم بها إقامة استيطان، وبينما كان ظهور العرب بشرق افريقيا معروفا منذ زمن بعدي فإن ظهورهم في غرب إفريقيا إنما بدأ عند ظهور الإسلام، لكن بعدد محدود، إلى أن جاءت الهجرة الجماعية التي كان لها طابع سياسي صرف، مما أدى إلى نتائج سلبية، عمرانية واجتماعية وسياسية، لكنها بالرغم من جانبها السلبي كان بها بمرور الوقت جانب إيجابي في غاية الأهمية، فقد وجد ملوك المغرب في تلك القبائل المهاجرة مادة صالحة للتجنيد، ومادة صالحة للزراعة وتربية المواشي، كما كان لها تأثير عميق وحاسم ممن الناحية اللغوية والناحية الإتنوغرافية، فاستعرب كثير من أبناء المغرب الذين كانوا لا يتكلمون إلا اللهجات الأمازيغية، وتبربر كثير منم العرب عن طريق المصاهرة واختلاط الدماء والجوار (5)، ونشأت بفضل عملية التمازج والتقارب التي أدت إليها تلك الهجرة نماذج مغربية جديدة هي مزيج من العنصرين العربي والبربري، الأمر الذي جعل المغاربة يتميزون بسبب ذلك عن إخوانهم المشارقة في كثير من الطباع والخصال، ولو لم تتم هذه الهجرة العربية على الوجه الذي آلت إليه لكانت صورة أقطار المغرب اليوم علة عير ما هي عليه.
5) وفيما يخص "الخلافة العثمانية"، التي طلع نجمها في سماء الإسلام في الوقت الذي كانت فيه مطارق المسيحية تنزل على رؤوس المسلمين بالأندلس، وهجماتها تتوالى على سواحل البلاد المغربية، نجد غرناطة – آخر معقل إسلامي بالأندلس – تترنح وتتأهب للسقوط في يد إيزابيلا الكاثوليكية وزوجها فيرناندو، ونجد القسطنطينية بيزنطة، معقل المسيحية ومركز الإمبراطورية الشرقي تتهاوى وتسقط في يد محمد الفاتح، فيكون وقع سقوطها تحت راية الهلال في العالم المسيحي كوقع سقوط غرناطة تحت راية الصليب في العالم الإسلامي، ومنذ ذلك الحين اشرأبت أعناق المسلمين المهددين في المشرق والمغرب إلى الأتراك العثمانيين، ونظرا لأن المغاربة الذين اشتهروا بالدفاع عن الإسلام والمسلمين خارج بلادهم كلما أصاب المسلمين أذى أو تعرضوا للتهديد أصبحوا هم أنفسهم مهددين داخل بلادهم باحتلال عدة شواطئ منها في الشمال والجنوب، فإنه لم يعد في إمكانهم تقديم أي عون للأسر الحاكمة المجاورة لبلادهم، عندما أصبح نجمها يؤذن بالأفول، وأصبحت مهددة بالسقوط تحت نير الاستعمار منذ أوائل القرن السادس عشر الميلادي ولذلك اتجه التفكير إلى الاستغاثة (6) بالخلافة العثمانية الاستعانة بها على الوقوف في وجه الزحف الاستعماري، فحلت وصايتها على الجزائر محل حكم بني زيان، وحلت وصايتها على تونس محل حكم آخر الأمراء الحفصيين، ومنذ ذلك التاريخ حالت الخلافة العثمانية دون سقوط الجزائر في يد الاحتلال الفرنسي، إلى أن حلت سنة 1830، كما حالت دون سقوط تونس في يد نفس الاحتلال، إلى أن حلت سنة 1881، ونفس الشيء وقع بالنسبة لليبيا، حيث لم تسقط في يد الاحتلال الإيطالي إلا في أوائل القرن العشرين، وبذلك أفلت أهالي هذه البلاد من وطأة الاستعمار الأجنبي، المعادي للعروبة والإسلام سنين طوالا،وخلال فترة الوصايا العثمانية التي تعاقب فيها "الدايات" بالجزائر و"البايات" بتونس كانت عاصمة الخلافة هي مركز التوجيهات والتوصيات، وكانت الدول المسيحية تعالج ما يهمها من شؤون هذه البلاد مع الخليفة العثماني مباشرة في أغلب الأحيان، ورغما عما عرف به المغرب من حفاظ على شخصيته وكيانه المستقل فقد كان لمولك علاقات (7) ود وإخاء مع :الباب العالي" تتجلى في تبادل المبعوثين والسفراء، وتقديم الإعانات والمساعدات، والتضامن عند حدوث الأزمات، وإذا كان المغرب لم يتأثر سياسيا بالنفوذ العثماني مباشرة فإنه بالرغم منم ذلك قد تأثر به تأثرا لا بأس له في ميادين أخرى، حيث اقتبس من دولة الخلافة بعض أنظمتها العسكرية، البرية والبحرية، وبعض ألقابها الإدارية، ومن ذلك على سبيل المثال لقب "الباشا" الذي يطلق على حكام المدن.
ومن العناصر الإيجابية التي أدى إليها احتكاك أبناء البلاد المغربية بالأتراك العثمانيين تمكنيهم من الإطلاع على تطورات السياسية الدولية وانعكاساتها المتنوعة، والتعرف على تيارات الإصلاح وحركات التجديد التي أخذت تعمل عملها في مركز الخلافة، مما كان له أثر كبير تطوير الحياة السياسية والحياة الاجتماعية ببلاد المغرب في وقت مبكر، ومن ذلك على سبيل المثال القوانين التي صدرت بتونس عندما جلس على كرسي الحكم الباي محمد الصادق (1275هـ- 1859م)، خصوصا القانون الذي حدد حقوق الراعي وواجباته، وحقوق الرعية وواجباتها، واختصاصات الوزراء، واختصاصات المجلس الكبير، إلة آخر مواد ذلك القانون الذي كان يحتوي على 124 مادة، وهكذا كان احتكام أبناء المغرب بالعثمانيين الأتراك مفيدا لهم دولياـ حيث وقف سدا منيعا في وجه الزحف الاستعماري، المبني على سياسة القمع والاستغلال والإدماج والإدارة المباشرة زمنا طويلا، ومفيدا لهم حضاريا، حيث جعلهم يطمعون في الحضارة المغربية بأطايب الحضارة الشرقية، ومفيدا لهم سياسيا، حيث جعلهم – عندما انتهى النفوذ العثماني ببلادهم – واعين بدسائس المستعمرين – عارفين بألاعيبهم، مستعدين للوقوف في وجوههم، معوقين عمل المحتلين الأوروبيين، حتى أصبح غير سهل ولا مريح.
                                                  ***
وأما من "حيث المصير المشترك" لمجموع البلاد المغربية في السراء والضراء، والشدة والرخاء، فقد أدركه أبناؤها كما أدركه الوافدون عليها ممن الشرق والغرب، وعلى هذا الأساس تعامل معها الفينيقيون، حيث رابطوا بين أجزائها بشبكة من المراكز التجارية التي أقاموها على ضفاف المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وتعامل معها الفاتحون المسلمون الذين لم يتم لهم جفن، حتى عم الفتح الإسلامي كافة أجزائها من برقة إلى مياه المحيط، واختفى منها آخر أثر للشرك والوثنية والاستعمار، وتعامل معها الرومان والفاندال والبيزنطيون من قبل على نفس الأساس، إذ اعتبروها وحدة جغرافية واقتصادية وسياسية لا ترسخ أقدامه في جزء منها إلا إذا تم لهم الاستيلاء على بقية الأجزاء، وذلك خلال أربعة قرون بالنسبة للرومان، وخلال قرن ونيف بالنسبة للفاندال، وحوالي قرن واحد بالنسبة للبيزنطيين، ونظرا ‘ليها نفس النظرة مخططوا الحملات (8) الصليبية التي توالت عليها بعد الإسلام خلال عدة قرون، لتحطيم سيادتها، وتفتيت وحجتها، وإبقائها في جو منم التوتر الدائم حتى لا تقوم لها قائمة، وفي طليعة الدول المسيحية التي ركزت هجماتها على الأقطار المغربية، ولا سيما بعد تمكن المسيحيين من طرد مسلمي الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي: اسبانيا (22 حملة) وفرنسا (13 حملة) والبرتغال (12 حملة) واجلترا (7 حملات) وإيطاليا (6 حملات) والولايات الأمريكية المتحدة (4 حملات) وهولاندا (3 حملات) والدانمارك –حملة واحدة)، ومن بين المدن المغربية التي تعرضت لتلك الحملة الشرسة طرابلس الغرب ودرنة في ليبيا، وصفاقس وسوسة والمهدية وقابس وجربة وتونس في القطر التونسي، وبجاية وعنابة، ووهران والجزائر في القطر الجزائري، ومليلية والحسيمة وباديس وسبتة وتطوان والقصر الصغير وطنجة وأصيلا والعرائش والقصر الكبير والمهدية وسلا والرباط والدارالبيضاء وأزمور والجديدة وآسفي وأكادير بالقطر المغربي، وتوجت الدول المسيحية حملاتها ضد أقطار المغرب، عندما اجتمعت كلها سنة 1818م في مؤتمر "إيكس لاشابيل" للنظر في مصير البحرية المغربية التي كانت لا تزال واقفة بالمرصاد، لصد تلك الحملات والرد عليها، دفاعا عن ثغور المغرب المهددة، فكان من بين قرارات ذلك المؤتمر تعهد الدول المشاركة فيه بالعمل المشترك على تحطيم القوة البحرية المغربية، التي تنطلق من ثغور المغرب والجزائر وتونس وليبيا، ولم تمض على انعقاده والشروع في تنفيذ مقرراته 12 سنة، حتى أقدمت فرنسا على احتلال الجزائر سنة 1830من ثم أتبعته باحتلال تونس سنة 1881، ثم ختمت سلسلة اعتداءاتها باحتلال المغرب، ابتداء من سنة 1907، وتبعتها إيطاليا باحتلال ليبيا أواخر سنة 1911، وبحرص فرنسا على احتلال أقطار المغرب الثلاثة أكدت نفس النظرة التي نظر بها من سبقوها إلى وحدة هذه البلاد ومصيرها المشترك، وأدرك أن الاستعمار الفرنسي لا ترسخ قدمه فيها إلى إذا نمكن من احتلالها جميعا، ولا يخفى ما درج عليه هذا الاستعمار من عقد المؤتمرات المتوالية لتنسيق خططه وتوحيد اتجاهاته في أقطار المغرب الثلاثة، من أجل استغلال ثرواتها البشرية والطبيعية على أوسع نطاق في السلم والحرب، وضمان الاستيلاء عليها وإدماجها في الكيان الفرنسي إلى الأبد، أو على الأقل لضمان بقاء ذلك الاستيلاء أطول مدة ممكنة، ومما تبجحت به العبقرية الاستعمارية الفرنسية، وعدته مكسبا استعماريا فريدا يحمي مخططاتها ممن كل خطر إحداثها لوزارة خاصة في حكومة شوطان – بلوم الاشتراكية، أطلقت عليها اسم "وزارة افريقيا الشمالية" وترشيحها ليكون على رأس تلك الوزارة وزير الدولة ألبيرسارو (9)، وبهذه المناسبة رفعت تلك الحكومة إلى رئيس الجمهورية تقريرا مما جاء فيه "إن المهمة السامية التي وكلتها الحكومة إلى "ألبير سارون" باقتراح من وزيري الخارجية والداخلية هي القيام بمراقبة إدارات افريقيا الشمالية، وتوحيد اتجاهاتها العامة المعبرة عن روح سياسة فرنسا، وإظهار اهتمامها العظيم بسكان تلك الأقطار الثلاثة جميعا، دون أي فارق في السلالة ولا في الدين، والإعلان عن عزمها الصارم على حفظ الأمن العام في جميع تلك الجهات وعلى احترام السلطة الفرنسية والسلم الفرنسي "وسرعان ما تناقلت الصحف اليومية وأسلاك البرق ذلك التقرير، ونشرته الصحف الفرنسية بالمغرب يوم 20 أكتوبر 1937، أي قبل هجمة الإقامة العامة الفرنسية على المواطنين المغاربة العزل بنحو خمسة أيام، تلك الهجمة التي تلتها بعد قليل محاكمات واعتقالات ونفي وسجن في كل من الجزائر وتونس الشقيقتين، وقبل أن نطلع على ذلك التقرير كتبنا على صفحات جريدتنا (الوحدة المغربية) في عددها الثاني والأربعيني مقالا افتتاحية تحت عنوان: (افريقيا الشمالية في قبضة م.سارو فماذا هو فاعل؟)، ولم يبطئ الجواب عن هذا السؤال، حيث بادر ألبير سارو إلى عقد مؤتمر مطول بحضور "الثالوث الاستعماري الإفريقي"، ومشاركة نواب وزارات الخارجية والداخلية والحربية والبحرية والمالية والطيران بفرنسا، درس فيه مع هؤلاء وأولئك الحالة الراهنة التي وجد عليها شمال إفريقيا، وعندما انتهى المؤتمر أصدر بلاغا رسميا يحمل توقيعه الخاص، ومما تضمنه ذلك البلاغ: اتفاق ممثلي فرنسا في المغرب والجزائر وتونس على صيانة الأمن العام، ومقاومة الدعايات المعادية لفرنسا كيفما كان أصلها، والدفاع عن بيضة الأقطار الثلاثة ضد كل اعتداء خارجي، واتخاذ تدابير اقتصادية واجتماعية وروحية وإدارية لترضيه رغبات السكان الأصليين المشروعة، وحماية جميع المصالح التي لأهالي شمال افريقيا وقبول أكبر عدد ممكن ممن نخبة الأهالي يفي الوظائف الإدارية، وإدخالهم في المجالس التمثيلية أو الاستشارية، إلى آخر ما جاء في ذلك البلاغ الاستعماري الخطير، وقد علقنا عليه في افتتاحية خاصة ضمن العدد السابع والأربعين من جريدتنا (الوحدة المغربية) تحت عنوان (حول بلاغ خطير لوزير افريقيا الشمالية – هل تريد فرنسا ترضيه المغاربة أم إنما تحاول تخديرهم؟
وإذا كانت سنة 1937 بالنسبة للفرنسيين سنة تحقيق أمنية استعمارية قديمة على يد "الجبهة الشعبية" اليسارية نفسها، بإنشاء "وزارة شمال إفريقيا" ووضعها في قبضة "ألبير سارو" ذى النزعة الاستعمارية المتطرفة، لتكون آلة تنكيل بالحركات الوطنية وقمع لها، وحل لمنظماتها، وتصفية لزعمائها، فإن تلك السنة نفسها كانت بالنسبة لأقطار المغرب الثلاثة سنة تصعد موجة الشعور الوطني، واشتعال لهيب الحماس القومي، وانتشار الإحساس العميق بوحدة المصير المشترك، ولأول مرة في التاريخ الحديث أذاع إخواننا الدستوريون بتونس الشقيقة بلاغا خطيرا على الشعب التونسي شرحوا فيه ما قام به الاستعمار الفرنسي من محاربة لكتلة الوطني في المغرب، واعتداء على حزب الشعب في الجزائر، ودعوا إلى التفاف الحزب الحر الدستوري حولهما، والتضامن معهما، وحثوا الشعب التونسي عامة على القيام بإضراب عام يمتد طيلة يوم السبت 20 نونبر من نفس السنة لمدة أربع وعشرين ساعة، وقد نشرت جريدة "الوحدة المغربية" نص ذلك البلاغ لكامله في الملحق الأول للعدد (46)، وما كادت الحركة الوطنية بتونس تنجح في تنظيم ذلك الإضراب العام، وتبرز بشكل قوي تضامنها التام مع المغرب والجزائر، حتى هاج الاستعمار الفرنسي وماج، فأسال الدماء، واعتقل الزعماء، وفتك بالأبرياء، وحل الحزب الحر الدستوري، عقابا له على جريمة التضامن والإضراب على غرار ما سيفعله سنة 1952 عند ما قرر أعضاء "الجبهة الوطنية:" وهم بنيويورك إعلان الإضراب العام بالمغرب، تضامنا مع تونس، واحتجاجا على اغتيال زعيمها النقابي فرحات حشاد، وكان ذلك فصلا آخر من فصول مسرحية وزارة شمال إفريقيا التي أسست للتخدير والتضليل، والقمع والتنكيل، ولما بلغت أخبر ذلك إلى المغرب لم يسع "حزب الوحدة المغربية: على أن يرد جميل التضامن التونسي مع المغرب بالتضامن المغربي مع تونس، فدعا إلى تنظيم مهرجان شعبي وطني كبير حضرته جماهير غفيرة ووفود من مختلف المدن والقرى بشمال المغرب، وألقيت فيه خطب نارية وقصائد حماسية، ووجهت إثره احتجاجات قوية تندد بمواقف الاستعمار إلى الحكومة الفرنسية، وبالأخص إلى وزير شمال إفريقيا، وقد نشرة جريدة –الوحدة المغربية) وصفا شاملا لذلك المهرجان في ملحقها الثاني للعدد (46)، لكن لم تمض بضع سنوات على ظهور المواقف التضامنية التي تبرز بين الفينة والأخرى هنا وهناك تبعا للمناسبات، حتى تحولت إلى تكتلات سياسية منظمة، وهيآت مشتركة، تجمع في صعيد واحد ممثلي الحركات الوطنية القائمة بأقطار المغرب، مثل (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) التي تأسست بالقاهرة يوم 27 مارس سنة 1945 و(مكتب المغرب العربي( الذي تأسس بالقاهرة أيضا يوم 15 أبريل 1947، وكتب شمال إفريقيا بواشنطن الذي تأسس في نفس السنة، وقد كانت (لجنة تحرير المغرب العربي)- التي حلت محل مكتب المغرب العربي – تحت رياسة بطل الريف الخالد الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي هي أول هيئة جمعت شمل جميع الأحزاب الوطنية القائمة بالأقطار الثلاثة وهي: حزب الوحدة المغربية وحزب الإصلاح الوطني وحزب الاستقلال وحزب الشورى بالمغرب، وحزبا تونس: الدستور القديم والدستور الجديد، وحزب الشعب الجزائري، وكان الإعلان عن إنشاء هذه الجنة بالقاهرة يوم 9 دجنبر 1947، واجتماع أعضائها الأول يوم 5 يناير 1948، كما انتهز زعماء الحركات الوطنية بأقطار المغرب فرصة وجودهم بفرنسا أثناء انعقاد الدورة السادسة لمنظمة الأمم المتحدة بقصر شايو بباريس، وعقدوا بينهم ميثاقا جديدا أطلقوا عليه اسم "ميثاق وحدة شمال إفريقيا" وذلك بمشاركة أحزاب المغرب الأربعة: الوحدة والإصلاح والشورى والاستقلال، ومشاركة حزبي تونس: الدستور القديم والدستور الجديد، ومشاركة حزب الشعب الجزائري، وقد جرى توقيع ذلك الميثاق في باريس بتاريخ 2 فبراير 1952، ثم جدد زعماء الهيآت الوطنية بأقطار المغرب، الموجودون بالقاهرة، ميثاق (لجنة تحرير المغرب العربي) تحت إشراف الجامعة العربية، وذلك بمشاركة الحزب الحر الدستوري القديم والبعثة السياسية التونسية، ومشاركة حزب الشعب الجزائري وحزب البيان الجزائري، ومشاركة أحزاب المغرب الأربعة: الوحدة والإصلاح والشورى والاستقلال، وقد وقعوا جميعا على نص ذلك الميثاق بحضور الأمينين المساعدين للجامعة العربية، وسجلوه بالأمانة العامة للجامعة بتاريخ 4 أبريل 1954، ومما جاء في ديباجة ذلك الميثاق:

"ممثلو الأحزاب والبعثات السياسية المغربية في الشرق العربي:
تحدوهم الرغبة الصادقة الملحة في جمع شملهم، وتوحيد جهودهم، وتوجيهها إلى ما فيه خير بلادهم قاطبة، وصلاح أحوالها، وتأمين مستقبلها، وإقرارا بضرورة التضامن في الكفاح والمسؤولية المشتركة الواقعة عليهم لإدراك أهدافهم، ولا سيما في هذه الظروف الخطيرة، التي يتحول فيها مجرى التاريخ، قد قرروا عقد ميثاق، ولهذه الغاية اجتمع بدار الأمانة العامة لجامعة الجدول العربية السادة المذكورين فيما بعد الخ".
وهكذا أصبح التضامن بين زعماء المغرب العربي يشكل عملا يوميا ومنظما يسدوه الانسجام والتنسيق، مما سهل عرض قضايا المغرب وتونس والجزائر أمام منظمة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية بتعاون تام وتشاور بين الجميع، وقد بلغ ذلك التعاون ذروته عندما أخذ شكل المقاومة المسلحة في أقطار المغرب الثلاثة، الأمر الذي انتهى بتحرير تلك الأقطار من نير الاستعمار، الواحد تلو الآخر، ويعود الفضل في ذلك كله إلى الإيمان بوحدة المصير المشترك الذي انطلق منه العمل المشترك، وهذه العقيدة الوحدوية هي التي سجلها مؤتمر طنجة سنة 1958 الذي شاركت فيه تونس والثورة الجزائرية وحكومة حزب الاستقلال المنسجمة التي كانت قائمة إذ ذاك، ولذلك لم تحضره بقية الأحزاب المغربية الثلاثة، وإن كانت تعمل لنفس الهدف الوحدوي منذ بداية الحركة الوطنية، ولم تتخل عنه لحظة واحدة، أنه محل إجماع بين الجميع.
وهنا يجب التنويه بجمعية تاريخية لها أثر كبير في نشر الوعي الوحدوي، ألو وهي (جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين) التي التقى فيها شباب الأقطار المغربية الثلاثة لأول مرة فوق التراب الفرنسي، على تقوى من الله ورضوان، خلال أواخر العشرينات سنة 1928، كما يحسن التنويه (بميثاق الوحدة) الذي يوجد نصه ملحقا بهذا البحث، وقد وضعته حركتنا الوطنية في بداية الثلاثينيات سنة 1934، وأقسم على الوفاء به أولئك الشباب ومن تبعهم بإحسان، وإن هذا القسم لا يزال قائما إلى أن يبر به الجميع، وتتحقق وحدة المغرب الكبير، التي هي الضمانة الوحيدة للحفاظ على حرية هذه البلاد واستقلالها، والوسيلة الوحيدة لرفاهيتها وازدهارها.
وإذا كان قدماء المغاربة قبل الإسلام أدركوا أهمية هذه الوحدة وآمنوا بمصير بلادهم المشترك، فكون "ماسينا" الذي هو من مواليد سنة 238 قبل الميلاد، وحدة تمتد من المغرب إلى ليبيا وكون "يوغورطا" (10) الذي هو من مواليد 154 قبل الميلاد، وحدة تمتد من الجزائر إلى تونس، وإذا كان ملوك المغرب المسلمون تنافسوا في إقامة هذه الوحدة، فكون إدريس الأول والمرابطون من بعد وحدة تضم المغرب والجزائر كما كون الفاطميون (العبيديون) والحفصيون وحدة امتدت من تونس إلى المغرب، وكون الموحدون والمرينيون بعدهم وحدة امتدت من المغرب إلى حدود مصر، مدمجة في عقدها المنظوم الجزائر وتونس وليبيان عندما بلغ الشعور الوحدوي منتهاه، وإذا كان المولى إسماعيل العلوي قد وضع خطة مشتركة مع باي تونس لتوحيد الأقطار المغربية، فهل نكون نحن في هذا العصر الذي تضاءلت فيه الفوارق، وقلت فيه الحواجز، وتعددت فيه الأخطار، أقل إدراكا لأهمية تلك الوحدة، وأضعف إيمانا بها، مع أن كل ما نتمتع به اليوم من حرية واستقلال إنما هو ثمرة كفاحنا الوحدوي المشترك من أجل المصير المشترك؟ أليست التحديات التي تواجهنا كل يم هي أضعاف أضعاف ما كان عليه الأمر بالأمس القريب والبعيد؟ أليست الفوائد الأدبية والمادية التي يمن أن نجنيها من تلك الوحدة إذا تحققت لا يستوفيها الحد ولا يحصرها الإحصاء؟ ألا وإن وحدة المغرب العربي المنشودة هي وحجها التي تمكنه من احتلال المكانة الرفيعة التي يطمح إليها ثقافيا واجتماعيا، سياسي واقتصاديا، وهي التي تؤهله للقيام بدوره الطلائعي عربيا وإفريقيا، وإسلاميا ودوليا، فالبوحدة لا بالفرقة يفرض المغرب العربي احترامه على الجميع، وبالوحدة لا بالفرقة ينال المقام الرفيع، والمركز القوي المنيع.
ونحمد الله على أن المغرب ملكا وحكومة وشعبا وأحزابا، كان ولا يزال متشبثا بوحدة المغرب العربي، معتزا بها، مستعدا لبذل كل التضحيات في سبيلها، وكم من مناسبة تاريخية جدد فيها المغرب النداء لكافة الأشقاء، حتى يزيلوا من طريقها جميع العقبات، وتغلبوا على كل المعوقات، ويكفي دليلا على وفاء المغرب لها، وتعلقه بها الندوة العلمية التي دعا إلى انعقادها مشكورا جلالة ملكنا المفدى الحسن الثاني حفظه الله منذ حوالي سنة في الجامعة الشتوية بمدينة يفرن، إيمانا منه بوحدة المغرب العربي، التي تلتقي عنده وعند شعبه في سياق واحد مع وحدة التراب المغربي.
فما علينا نحن رواد الفكر الوحدوي المغربي إلا أن نجند أنفسنا، ونعبئ طاقاتنا، لتحقيق هذا الهدف القومي الكبير، الذي يعد لبنة أساسية في بناء صرح الوحدة العربية الكبرى، والوحدة الإسلامية التي هي أكبر وأجل، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه
                                                                              محمد المكي الناصري


ميثاق الوحــدة المغربية الكبرى
عقيدة التوحيد
لشباب شمال افريقيا


1- آمنت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبالكعبة قبلة، وبالقرآن إماما، وبسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وبشمال افريقيا وطنا واحدا لا يتجزأ.
2- أقسم بوحدانية الله أنني أومن بوحدانية شمال افريقيا، وأعمل لها ما دام في قلب خافق، ودم دافق، ونفس عالق.
3- الإسلام ديننا – شمال افريقيا وطننا – العربية لغذتنا.
4- لست مسلما ولا مؤمنا ولا عربيا إذا لم أبذل نفسي ومالي ودمي في سبيل تحرير وطني العزيز (شمال افريقيا) من أغلال العبودية، وإخراجه من ظلمات الجهل والفاقة، إلى نور العلم والرفاهية والعيش السعيد.
5- كل مسلم بشما افريقيا يؤمن بالله ورسوله ووحدة شماله هو أخي وقسيم روحي، فلا أفرق بين تونسي وجزائري ومغربي، ولا بين مالكي وحنفي وشافعي وإباضي وحنبلي، ولا بين عربي وقبائلي، ولا بين مدني وقروي، ولا بين حضري وآفاقي، بل كلهم إخواني: أحبهم وأحترمهم، وأدافع عنهم ما داموا يعملون لله وللوطن، وإذا خالفت هذا المبدأ فإنني أعتبر نفسي أعظم خائن لدينه ووطنه.
6- كل من عمل للتفرقة بين أجزاء وحدة وطني (شمال افريقيا) أعتبره أكبر عدو لي ولوطني وأحاربه بكل وسيلة ولو كان أبي الذي أنجبني أو أخي من أمي وأبي.
7- وطني شمال افريقيا – وكن ماجد له ذاتيته المقدسة، وتاريخه الباذخ، ولغته الكريمة، وجنسيته العربية الشريفة. وكل من سولت له نفسه الانسلاخ عن هذه الجنسية، أو المروق من هذه الذاتية اعتبرته آبقا من وحدة وطني، وخارجا عن جماعة المسلمين، ليدخل لقيطا ملحقا بجنسية غيره، فعليه غضب الرب ! وغضب الشعب !
8- قد تبين الرشد من الغي، فلا سياسة اندماج، ولا سياسة استجداء، نحن كلاب حق مغصوب وتراث مسلوب، فيجب أن نناله وكفى، فلا منزلة بين المنزلتين، إما وطني صميم، وإما خائن أثيم..
9- نحن لا نبغض الأجناس، فالكل عباد الله، والأجانب الذين يعيشون في بلادنا نحترمهم ما داموا يحترموننا، ولا نؤذيهم ما داموا لا يؤذوننا في حرياتنا وكرامتنا وخيرات بلادنا، فإذا راعوا حق صاحب الدار راعينا حق الضيوف، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، بهذا أمر ديننا الحنيف، وبهذا تأمر ضمائرنا الطاهرة.
10- وطننا شمال افريقيا جزء لا يتجزأ من جسم الشرق العربي، نفرح لفرحة، ونتألم لآلامه، ونتحرك لتحركه، ونسكن لسكونه تربطنا به إلى الأبد روابط اللغة والعروبة والإسلام.

أعلن هذا الميثاق خلال انعقاد المؤتمر الرابع لجمعية طلبة شمال افريقيا المسلمين سنة 1934.


--------------------------
1)les races de l’Afrique P. 113 par C.V Seligman
2) Histoire du Maroc-P. 19 par Goissac de chavrebière
3) المؤنس في أخبار افريقية وتونس ص 193.  
- الخلاصة النقية في أمراء إفريقية (مهاجرو الأندلس  بنوا نحو العشرين قرية بتونس، واغتبط بهم أهل  
الحضرة، وتعلموا حرفهم، وقلدوا ترفهم.  
- صفوة الاعتبار: (مدن الأندلسيين في تونس مؤسسة بأماكن جديدة على شكل حسن، متقابلة الطرق، واسعتها مستقيمتها، واختلط نسلهم بالقاطنين).
-نفح الطيب: (حصنوا قلعة سلا- رباط الفتح – وبنوا بها القصور والحمامات والدور، ووصل جماعة منهم إلى القسطنطينية العظمى ومصر واشلام وغيرها من بلاد الإسلام، وهم الآن بهذا الحال (عام 1030هـ سنة 1620م).
4) الاستقصاء ج 2 ص 154.
5) التبيان في تخطيط البلدان، ص 279.280
6) الأتراك دخلوا مصر سنة 1517 م وطرابلس سنة 1551 وتونس 
سنة 1574، وقراصنة الجزائر كانوا تابعين لهم.     
7) تنظرا لأن ولاة الأتراك كانوا يشجعون الاضطرابات في المغرب أحيانا فكر السلطان مولاي إسماعيل في مواجهتهم حتى وصل إلى جبل  عمور، وأخيرا أعلن الاتفاق معهم مثل أخيه السلطان  المولى الرشيد على أساس أن يكون الحد بين المغرب والجزائر هو  تافنا la tafna  (1979م) جوليان- تاريخ  إفريقيا الشمالية ص 497.
8) من بينها ثمان حملات على ليبيا – 11 حملة على تونس – 28 حملة على الجزائر – 29 حملة على المغرب
9)Albert sarrant كان وزيرا لوزارة المستعمرات قبل تكليفه بوزارة شمال إفريقيا، ووضع برنامجا لاستغلال المستعمرات الفرنسية سنة 1920 وقدم بذلك مشروع قانون أمام مكتب مجلس النواب الفرنسي تاريخ 12 أبريل 1921، ونظم في مرسيليا المعرض الوطني الاستعماري لذي ظل مفتوحا في وجه الزوار خلال سنة أشهر كاملة سنة 1922، وقدم برنامجه لمجلس الشيوخ مبينا فوائده لفرنسا،  واقترح لتمويله عدة طرق، منها إحداث "قرض وطني" للمستعمرات وثرواتها، وقدر لإنجاز برنامجه ثلاثة ملايير ونصف من الفرنك خلال 10 سنوات أو 15 سنة، ثم نشر كتابا في الموضوع للتعريف بقيمة المستعمرات وثوراتها تحت عنوان. (la sulse en valeur des colonies françaises) وطبع هذا الكتاب سنة 1923 في 656 صفحة.
10) "يوغورط" هو الذي قال عند مغادرته لروما: (روما مدينة معروضة للبيع، محكوم عليها بالهلاك، ستتلاشى عما قريب، ياليتها تجد مشتريا) وهذه الكلمة وصف بها الحالة التي وصلت إليها عاصمة الرومان على عهده-جوليان – تاريخ افريقيا الشمالية ص 126.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here