islamaumaroc

نظرات في طبيعة الدولة المغربية.

  محمد بن علي الكتاني

273 العدد

سنحاول في هذه المقالة أن ننظر نظرة نقدية إلى التقويم التاريخي الذي كاد بعض المؤرخين الغربيين أو الغاربة أن يقطعوا بحصته فيما يتصل بقيام الدول المتعاقبة في المغرب منذ الفتح الإسلامي. وهو اعتبارها دولا قد نشأت تحت تأثير الهاجس الديني وحده وأن حركاتها المتوالية كانت حركات إيديولوجية دينية فقط وأن تاريخ المغرب كان من جوهر ديني".  
"وهناك رأي وسط يرى أن قيام الدول المغربية كان يلبي هدفا مزدوجا دينيا وسياسيا، وكان يجد وعيا متزامنا من الشعور الانقسامي والمغربي فعنصر التوسط هو بالتأكيد جد هام. (1)
وهذا التقويم لا يصدر على عن فكر يميز بين الدولة القومية، والدولة الدينية حسب التصور الغربي لمفهوم الدولة.
والإشكال المصطنع في هذا التقويم يفصل بين الدين والسياسة، ويتجاهل أو يجهل أن جوهر الفعل الديني في مجال الحياة الإنسانية هو فعل سياسي بالأساس، لأن الإسلام – وهو الدين المقصود في هذا الموضوع أو التحليل – لا يتصور حياة الفرد المسلم خارج إطار سياسي، أي نظام سياسي هو نظام الخلافة أو الإمامة أو الإمارة بالشروط المقررة لهذا النظام، التي تحدد حقوق الحكام المحكوم وواجباتهما على حد سواء، ولذلك ينبغي توضيح أن السياسة إن كان يعني بها – هنا – هي الحكم يدافع غير إيديولوجي البتة فلن تتمثل في غير النظرية الخلدونية القائلة "بالعصبية" فابن خلدون يقول: "فصل في أن الملك والدولة العامة إنما يحلان بالقبيل والعصبيــــــة".(2).
ورأي ابن خلدون يحتاج إلى توضيح في ضوء نظريته العامة من ناحية، وفي ضوء التاريخ المغاربي الذي استعد منه كل الأمثلة التي قادته إلى النتائج التي انتهى إليها لذلك يبدو لنا أنه لا بد من إعادة النظر في طائفة من الأحكام الوثوقية والمتعجلة المتعلقة بتاريخ المغرب في هذا المجال.
فعندما أخذ العلامة عبد الرحمن ابن خلدون (808هـ) يكتب مقدمته المعروفة لتاريخه العام الذي أنجزه كان يشعر بضرورة اكتشاف (القانون) أو ما يشبه القانون الفعلي في قيام الدول وانهيارها، نظير ما كان يحاول أن يكتشفه تجاه كل الزاهر الإنسانية والاجتماعية التي عرض لتحليلها في (المقدمة).
واشتغال ابن خلدون بالقانون العام للظواهر هو الذي جعله رائدا من رواد علم الاجتماع، إن لم يكن الرائد الأول من غير منازع لأنه سبق غيره من كافة المؤرخين والفلاسفة إلى اعتبار الظاهر الاجتماعية أشبه بالظواهر الطبيعية التي تخضع لمبادئ التسلسل والتعاقب العلي، الذي يمكن معه التنبؤ. وأن تلك الظاهر لا تنشأ بسبب الصدفة أو الاتفاق. كان ابن خلدون منشغلا بهذا الهاجس العلمي سواء عبر عنه أو لم يعبر عنه أو ألمح إليه مجرد إلماح.
إلا أن هذا الفكر العلمي لدى ابن خلدون كان قد اعتمد الاستقراء الناقص في مجال ظاهرة نشوء الدول العامة والعوامل الفعالة في نشوئها وانحلالها (3) فإنه كان ملما بالمحيط المغربي الذي نشأ فيه وعركته التجارب السياسية التي عرفها ووعى عن كثب ما كان يحرك ذلك المحيط من عصبيات وانقسامات.
ولذلك نزعم أن ابن خلدون كان أصح رأيا قيما يتصل بأحوال الاجتماع المغاربي وما عرض له من أطوار العمران ونشوء الدول وانحلالها. وقد تصور طبيعة ذلك الاجتماع مؤلفة من عناصر متناقضة فاعلة مؤثرة في بعضها على نحو من الجدل (الهيجلي) فثنائية التوحش والتمدن تكون في حالة تمايز وتناقض في طور، ثم نصير في حالة تفاعل (مغالية) في طورن ثم تصير في حالة انصهار (تحول المتحوش إلى متمدن) في طور أخير. وعندما يصير المتوحش متمدنا مغرقا في الترف عاريا من كل خصائص المقاومة والمطالبة يصبح واقعا على طرف النقيض من حالة توحش أخرى، صاعدة مطالبة بالسلطة، نازعة للتملك. وهذا ما يطبع العلاقة بين البدو والحضر، أي الطرفين المتفاعلين في الاجتماع الإنساني حسب تصور ابن خلدون أو حسب تحليله، وقد حصر نفسه في المجتمع المغاربي الذي كانت تتفاعل فيه قوى (البتر) و(البرانس)، والبدو الرعاة، والمتحضرين من أخل الصنائع والترف، والعصبيات القبلية هنا وهناك. ووراء ذلك تفسير جاهز, فطبيعة الاجتماع البشري تقتضي التعاون على تحصيل المعاش، فإن كان المعاش من استغلال الحيوان أو الأرض الزراعية كان مشرح هذا التعاون أو مجاله الوحيد هو البادية أو مناكب الأرض الصالحة للانتجاع. وإن كان المعاش من استثمار المهارات الصناعية والعقلية والآلية كان مسرح هذا التعاون الوحيد هو المدينة. على أنه لا للثاني من الأول (ضرورة) لتوفير الغذاء ولا بد للآل من الثاني (كمالا) لتوفير الرفاه.
إلا أن كل مجتمع المجتمعين المذكورين، البدوي والحضري، لا بد له ممن الاستقرار لتحقيق المعاش، والاستقرار لا بد له من تحقيق الحماية للمصالح ومدافعة المغيرين والمتطاولين والطامعين. فأما البدو فالمنعة عندهم متأتية من العصبية القبلية، والشعور الغريزي بضرورة التضامن على أساس اعتقادهم بكونهم من أصل واحد، ومن أرومة واحدة. وأن بقاءهم رهين بنصراهم بعضهم لبعض. وطباعهم أقرب بحكم المجال الطبيعي للعيش إلى الخشونة والتوحش بالاعتماد على القوة والجسارة والإقدام. وأما الحضر فالمنعة عندهم مكفولة بيد غيرهم، وهي السلطة القائمة عليهم، التي يمدونها بالمال والجابية والرضوخ لأمرها ونهيها، شعورا منهم بأنهم بدون تلك السلطة عاجزون عن صيانة أنفسهم وأعرضهم ومكاسبهم تجاه المغير والطامع والمتطاول. وذلك لأنهم باستكانتهم للترف وزوال صفات الجسارة والإقدام والتوحش لديهم بفعل الترف تنزلوا منزلة النساء والولدان الذين لا بد لهم من قوة خارجية لحمايتهم.
وتلعب (العصبية) القبلية الدور الأساسي في تحقيق المنعة للبدو، وذلك لأن المجتمع البدوي يتكون من وحدات عصبية في مستوى العشائر والبطون والأسر، فتتأتى الرياسة لعشيرة يتجلى فيها الالتحام بصورة أقوى "فإذا وجب ذلك تعين أن الرياسة عليهم لا تزال في ذلك النصاب المخصوص بأهل الغلب عليهم" (4) ويعلل ابن خلدون ذلك بصورة علمية عندما يقول بأن العصية بمثابة المزاج للاجتماع، ولا يتحقق المزاج إذا تكافأت العناصر، وإنما يتحقق إذا تفاوتت، بحيث يكون لبعضها تأثير في البعض الآخر. وهكذا لأي حكم سياسي من أن يقوم على تعايش عناصر بعضها أقوى من بعض لتحقيق ذلك المزاج، والتساكن. وهو أمر ظاهر في قيام العصبية القبلية ذات الشوكة والرياسة.
" وذلك أن الرياسة على أهل العصبية لا تكون في غير نسبهم، لأن الرياسة لا تكون إلا بالغلب، والغلب إنما يكون بالعصبية كما قدمناه، فلا بد في الرياسة على القوم أن تكون من عصبية لعصبياتهم واحدة واحدة" (5) ويلح ابن خلدون على تأكيد كون العصبية للنسب لا تتحقق في الصورة التي تفضي إلى الشوكة والمنعة إلا في البدو. وكون هذه العصبية تتأسس من مكونات اعتبارية كالنسب الواحد والأرومة الواحدة. ومن مكونات مادية ونفسية هي الفقر والتوحش والجسارة واحتمال المخاطر. فإذا تكامل للعصبية القبلية ذلك تمكنت من تحقيق الشوكة والرياسة على ما دونها. ثم تمضي في اتجاه وحيد لا محيد لها عنه وهو تعميم الغلبة وفرض الرياسة على ما يتاخمها ويجاورها، وهكذا في اتساع واستطالة حتى يتحقق لها الملك الذي هو غاية العصبيات. (6)
ثم يحلل ابن خلدون حصول الغلبة للعصبية الواحدة على سائر العصبيات الأخرى الممكن تواجدها في المجتمع البدوي أو حصــول الغلبة للعصبية على الدولة القائمة في المجتمع المدني فيقول: (7)
"ثم إذا حصل التغلب بتلك العصبية على قومها طلبت بطبعها التغلب على أهل عصبية أخرى بعيدة عنها، فإن كافأتها أو ما نعتها كانوا أقتالا وأنظارا. ولكل واحدة منهما التغلب على حوزتها وقومها شأن القبائل المتفرقة في العالم, وإن غلبتها واستتبعتها التحمت بها أيضا، وزادتها قوة في التغلب إلى قوتها وطلبت غاية من التغلب والتحكم إلى من الغاية الأولى وأبعد. وهكذا دائما حتى تكافئ بقوتها قوة الدولة، فإن أدركت الدول في هرمها ولم يكن لها مانع من أولياء الدولة أهل العصبيات استولت عليها وانتزعت الأمر من يدها، وصار الملك أجمع لها، وإن انتهت إلى قوتها ولم يقارن ذلك هرم الدولة، وغنما قارن حاجتها إلى الاستظهار بأهل العصبيات انتظمتها الدول في أوليائها لتستظهر بها على ما يمن من مقاصدها، وذلك ملك آخر دون الملك المستبد وهو كما وقع للترك في دولة بني العباس، ولصنهاجة وزناتة مع كتامة، ولبني حمدان مع ملوك الشيعة من العلوية والعباسية".
ذلك هو الشأن في قيام الدول علة أساس من العصبية، وانتهاء الرياسة أو الزعامة للعصبية إلى تأسيس ملك يفرض سلطته على سائر العصبيات الأخرى أو يزيح من طريقه أي مؤسسة أخرى للسلطة، حسب ما يتهيأ للقوى المتصارعة من عوامل الهزيمة والنصر والظهور أو الزوال.
ولا ينسى ابن خلدون أن يحلل أسباب الزوال والتراجع للدولة أمام قوة أخرى آخذة في التقدم، بعد أن حلل أسباب ظهور تلك الدولة وقيامها وحيازتها للسلطة على ما عداها. وهو يعزو تلك الأسباب العاملة على الزوال إلى انغماس القائمين بالدولة في النعيم والترف والاستكثار من كل ما أسباب الراحة والرفاه فتستنكف النفوس من الأعمال الضرورية لحماية الحوزة والمنعة، وتكل ذلك إلى غيرها، وتزول الجسارة والبسالة من نفوس المتمتعين بالسلطة، كما تضعف العصبية فيهم، وعلى قدر ترفهم يكون إشرافهم على الفناء. (8)
فابن خلدون يزاوج بين العصبية والتوحش باعتبار أحدهما يكمل الآخر، فإذا تكاملا كانا قوة جديرة بالمدافعة والمقاومة والمطالبة.
كما يلح على صفتي التوحش والاستبداد اللتين يتم بهما الملك ويستتب وتحصل بهما الهيبة والغلبة على من يألفون الترف والرخاء. ويضرب المثل لذلك بدولة المرابطين التي نزعت من أعماق الصحراء وتطلعت للغلبة والزعامة فحصل لها الملك على سائر أرض المغرب والأندلس غير منازع. لأن المرابطين كانوا بذلك الوصف من العصبية والتوحش والإيغال في البداوة.
ولا معنى في نظر ابن خلدون لوجود عصبية مع انقيادها لعصبية أخرى أو عجزها عن المدافعة، لأن العاجز عن المدافعة حري بأن يكون أعجز عن المطالبة.
وبما كان أقوى مظهر للمذلة والعجز أن تنزل النفوس عند حكم الدولة في فرض الضرائب والجبايات والمغارم، ولا سيما على الزراع والفلاحين. فكأن ابن خلدون يعتبر الاشتغال بالزراعة بابا من أبواب المذلة والخضوع (9) ويغلط ابن خلدون في سياق التأكيد لما يعتقده الذين زعموا أن زناتة بالمغرب كان شارية (أهل رعي للشاء) يؤدون المغارم لمن كان على عهدهم من الملوك لأنهم لو كانوا كذلك لما قام لهم ملك ولا عصبية ولا تمت لهم دولة.
بعد عرضنا لآراء ابن خلدون يمكننا التساؤل" لماذا ركز بالذات على البدواة والحضارة بهذا القدر؟ ألم تغب عن ذهنه بعض العوامل التي كانت أهم من عاملي الحضارة والبداوة؟؟ ألم يكن واردا بالنسبة لمنهجه الاستقرائي أن يجيل الفكر في الحقل التاريخي العام الذي يستمد منه أحكامه فينظر في قيام الدول بالشرق الإسلامي. بل وقيام الدولة الإسلامية نفسها دولة المدينة المنورة ودولة دمشق وبغداد؟ من المؤكد أن كلا من هذه الدول له عوامل لم تلعب العصبية الدور الرئيسي فيها.
وحتى مع الأخذ بقانون العصبية فإنه من تجاهل الواقع التاريخي التقليل من شأن العوامل الاعتقادية والاقتصادية.
لننظر فيما تقدمه النظريات السياسية الغربية المفسرة لقيام الدولة، فبعض هذه النظريات يذهب إلى كون القوة التي تتوفر لشخص أو لجماعة تعتبر نواة الحركة السياسية التي تتطور على المدى البعيد نحو استقطاب جماعات ذات شعور قومي أو سلالي واحد، وتخصيص ذلك الشخص أو الجماعة بالولاء والنصرة. (10)
وتنتهي هذه النظرية إلى الإقرار بأن أصل المجتمعات السياسية كان دائما هو (القبيلة) أو العصبية القبلية. وكانت الحروب أهم أداة في استقطاب الجماعات وإحداث التغييرات المتعاقبة على مسرح الحكم السياسي في التاريخ. ومن العصبية القبلية تطورت لحركة السياسية في العصور الحديثة إلى العصبية القومية.
وتعزو بعض النظريات الأوربية- وهي تستمد رؤيتها من التاريخ الأوربي القديم والحديث – قيام الدولة القبلية أو القومية لأسباب، منها – قيام سلطة عسكرية قوية، بإرغام مجموعة من القبائل على الدخول في اتحاد عسكري وسياسي يوحد بينها، ويخلق منها دولة أو إمبراطورية عسكرية تعرف كيف تستعمل الكفايات العسكرية في الحفاظ على سلطتها.
- وجود عقيدة ذات انتشار قومي أو قبلي يتجاوز مفعول حدود القومية أو القبلية، وتشكل في نهاية الأمر ثقافة أي مجموعة منن الطقوس والتقاليد والعادات. ترسخها الدولة القائمة كإطار للحفاظ على المؤسسة السياسية.
- وجود لغة وانتشارها على حدودها القومية، وتحولها إلى لغة كتوبة، ومنم ثم تتحول إلى بغى تمارس تأثيرها في الفكر والثقافة ودعم السلطة.
- وجود نظام اقتصادي يدعم التبادل المنظم بين عدة قبائل وعدة منتجين ومستهلكين، يتجاوز نظام المقايضة، بفضل استحداث وسائل النقل والمواصلات، تستفيد منه السلطة وتستغله لدعم نفوذها العسكري والمادي.
هذه النظرية لا تكتفي باعتماد العصبية والشوكة للزعامة القبلية في صورة عسكرية مستبدة. كأساس وحيد لقيام الدولة. وإنما تضيف إلى ذلك عامل العقدية وعامل اللغة، وعامل الاقتصاد. وما لهذه العوامل من تأثير في استقرار السلطة وانتشارها ودمج التابعين لها في مشاعر مشتركة. أو صهرهم في بوتقة واحدة من المصالح المتبادلة والقيم السائدة. غير أن هناك من النظريات ما يعطي الأهمية القصوى للسلطة العسكرية، فيرى أن الأساس العسكري أو الغلبة لزعيم عسكري أو قائد سياسي هو الذي يقيم السلطة، ثم تأتي العوامل الأخرى لتكمل بنيانها.
ومعنى ذلك أن الدولة جهاز أساسي في خلق الأمة وليس العكس. وبالرجوع بقدر كاف إلى الوراء نجد مصداق ذلك. فالتاريخ القديم والوسيط لا يدلنا على ما يكذب هذه النظرية، أعني أسبقية السلطة الحاكمة على وجود الأمة الملتحمة، فالعامل العسكري هو الذي يمهد الطريق للطاعة والالتئام والتجانس والتضامن فيما بعد ذلك باسم الأمة أو الشعب. (11)
وهناك من النظريات ما يعطي الأهمية القصوى للعامل (الإيديولوجي) العقدي، ويرى تقدمه على العامل العسكري والعناصر العقلانية والاقتصادية الأخرى. (12)
ولكن هذه النظريات لا تستطيع أن تنكر أنه كان وراء كل قومية أو عصبية جامعة أسرة مالكة تتجسد فيها تلك العصبية كما تتجسد فيها عبقرية تلك الأمة ومطامحها. والتاريخ الغربي الحديث بذاته شاهد على هذه إثبات هذه النظرية. فالأنظمة الملكية كانت وراء خلف كل القوميات الأوروبية وتجسيدها(13) بقصد أو بغير يقصد.
وهكذا ينتهي التحليل التاريخي والسياسي الذي تقدمه مختلف النظريات الغربية عن ظهور دولة الأمة أو دولة القومية إلا أنه لكي يتم بناء أمة يجب أن يتم البناء حول محور. وهذا المحور كان يتمثل دوما بالنسبة للغرب في شخص الملك، حتى أواخر القرون الوسطى. (14) وحتى عندما ظهرت الدولة القومية الحديثة ابتداء من القرن السادس عشر كانت تعتمد في تطورها ونموها على تركيز السلطة في يد ملك يمارسها.
                                                      - 3 -
إن النظرية الخلدونية والنظريات الغربية عن قيام الدولة تختلف فيما بينها لأن كلا منها يستمد أحكامه وتحليلاته من تاريخ معين، ومن تجارب سياسية لها خصوصياتها. ولكن هل يمكن أن تتعارض التحليلات والوقائع والتجار التاريخية إلى الحد الذي يصبح معه المؤرخ عاجزا عن اكتشاف قوانينه العامة.
لا شك عندي في أن ابن خلدون قرض فرضيات مستمدو من التجربة المغربية بالذات، ولا سيما فيما يتصل بتشكيل القوى السياسية من قانون العصبية والتوحش البدوي، ولا شك أنه اصطدم بوقائع وحركات لم تنطبق لها تلك النظرية، فاضطر من أجل ذلك لإضافة عناصر أخرى لنظرية العصبية وقيام الملك.
فمن ذلك كتابته فصلا يقول في مستهله إنه إذا استقرت الدولة قد تستغني عن العصبية. (15)
فالدولة تكون محتاجة إلى العصبية في بسط سلطانها على من لم يألف ملكها ولا اعتاده من عامة الناس. فإذا استقرت الرياسة في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة وتوارثوه واحدا بعد الآخر تناست أمر الأولية، ورسخت فيهم عقيدة الانقياد والتسليم بهم وقاتلوا تحت لواء الدولة القائمة قتالهم على العقائد الإيمانية. وتستظهر الدولة حينئذ على سلطانها إما بمن تصطنعهم من الموالي وإما بالعصائب الخارجين عن نسبها الداخلين في ولايتها. (16).
مثال ذلك دولة صنهاجة (المرابطين) الذين ضعفت عصبيتهم منذ المئة الخامسة أو ما قبلها واستمرت الدولة لهم مع ذلك بالمهدية وبجاية والقلعة وسائر ثغور إفريقية، وربما انتزى بتلك الثغور من نازعهم واعتصم فيها والسلطان والملك مع ذلك مسلم لها..(17)
وكذلك أمر بني أمية في الأندلس لما فسدت عصبيتها من العرب استولى ملوك الطوائف على أمرها واقتسموا خطتها وتوزعوا ممالك الدولة..وهم ليسوا بأهل عصبية، لأن الأندلس ليست بدار عصائب ولا قبائل، ولكنهم استظهروا على أمره بالموالي والطرآء على الأندلس من أهل العداوة المغربي من قبائل البربر وزناتة وغيرهم. (18).
ومن ذلك نقضه لكلامه بالجملة عندما تحدث عن قيام دول تستغني عن العصبية. وذلك حينما واجه مثال قيام دلو الأدارسة في المغرب، وقيام دولة العبيدين بإفريقية ومصر. فالمولى إدريس الأول جاء من المشرق وأسس دولة بالمغرب في غير عصبية من قومه وأسرته، وإنما من التفاف قبيلة أوربة ومغيلة حوله وقيامها بدعوته ونصرته, وكذلك الشأن في قيام العبيديين بإفريقية بنصرة من كتامة وصنهاجة وهوارة. وتعليل ابن خلدون لهذه الظاهرة هو استغناء الطالبيين من بني هاشم عن العصبية لما وقر في نفوس الناس من توقيرهم والتسليم بشرفهم ورياستهم.
واضطر ابن خلدون حين بعرض لهذه الظواهر لإضافة العامل الديني أو العقدي في قيام الدولة. فينص بأخرى على أن الملك إنما يحصل بالتغلب، والتغلب إنما يحصل بالعصبية واتفاق الأهواء على المطالبة. وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه. ولذلك فالدول العامة الاستيلاء العظيمة الملك لا بد من أن تنبعث من دعوة دينية مصدرها نبوة أو دعوة إلى حق. لأن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس الذي في أهل العصبية وتفرد الوجهة إلى الحق. وهكذا يقر ابن خلدون بقانون كان من الأهمية بمكان بالنسبة للتاريخ الإسلامي. فالعامل الديني في نشأن الدولة عامل قوي وحاسم, وكان ابن خلدون قد قرر من قبل "أن المغرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية و أثر عظيم من الدين على الجملة. (19) ولا ندري لم خص العرب بذلك، والجماعات الإنسانية في المعهود من تاريخها بعامة تنقاد للأفكار والمعتقدات التي تلائم مطامحها وتطلعاتها في إزالة ظلم قائم أو استبداد غاشم أو تغيير أوضاع تتحيف مصالحها وتعوق تقدمها.
ولذلك كانت العقائد والأفكار التقدمية دائما من وراء كل حركة تاريخية غالبة على غيرها، وهنا نقف وقفة قصيرة لتوضيح أن الدعوة الدينية في المجال السياسي لم تكن بالنسبة لتاريخ المغرب سوى دعوة إصلاحية تنشد تغيير أوضاع أو تقويم سلوك أو تحقيق أهداف لها مساس بمصير الجماعة وحماية مقدستها. فالدعوة الدينية من منظور إيديولوجي كانت دعوة سياسية، إلى أن أردنا أن نأخذ بمنطق المؤرخ الأوربي الذي كان يتصور الدين بمفهومه الكنسي، ويؤثر أن يميز بين القومي والديني وما داما متعارضين في الحقل السياسي الأوربي.
نعم إن العامل الديني لا يمكنه أن يستغني في تأسيس الدول عن العصبية. وفي الحدث الصحيح "مع بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه" فإذا كان الأنبياء الذين يخرق لهم العوائد غير مستغنين عن قوة كقوة العصبية فما بالك بمن سواهم.
ويعزو ابن خلدون سبب فشل كثير من الحركات الإصلاحية التي كان بالإمكان أن تؤسس دولا إلى افتقار القائمين بها إلا الصبية في كل من المشرق والمغرب، ولا ندري كيف يعلل انتصار حركة مهدي الموحدين، وقد كان قال من قبل إنه لم يظهر في عصبية من قومه. صحيح أن كثيرا من الدعوات والحركات ذات الصبغة الدينية أو الإصلاحية منيت بالفشل، ولكن البعض منها حقق أهدافه، وانتهى إلى إقامة دولة إما بفضل توافر العصبية وإما بغيرها.
ضرورة العصبية في قيام الدول كضرورة المبدأ الديني أو الإصلاحي أو الإيديولوجي الذي يؤلف النفوس، ويجعلها تسخو بالتضحيات الجسيمة في سبيل نصرة ذلك المبدأ وفرضه في المجتمع, وقد تتكامل العوامل العصبية والفكرية أو الاعتقادية وقد يستقل بعها عن بعض.
                                                   -4-
يمكن إذن تأكيد فاعلية عاملي العصبية والإيديولوجيا متكاملين أو مستقلين في إنشاء الدولة. وبذلك تلتقي مع النظرية الغربية التي أشرها إليها من قبل. ويمكن المضي مع ذلك في تبين أسباب قيام الدول وزوالها بأرض المغارب خارج العاملين الآنفي الذكر. لا لكوننا نشك في أهمية العاملين السابقين، ولكن لنستظهر ما أمكن ذلك بالظروف المادية المساعدة أو غير المساعدة التي يمكن تحديدها بالعوامل أو الدوافع الاجتماعية والاقتصادية والتي يعطيها البعض الأولوية على ما عداها. وتجاهلها ابن خلدون بالمرة. فهل يمكن عزو هذا التجاهل إلى أنه كان يؤرخ للمالك العرب والبربر الذين حركتهم عوامل مشتركة لم يكن للعوامل الاقتصادية حضور هام من بينها في تشكيل حياتهم السياسية؟ ذلك مالا يقبله البعض. لا سيما وأن ابن خلدون كان يلح خلال تاريخه ومقدمته على إبراز عامل السلب والنهب والسطو على الحواضر من قبل الأعراب والبدو الرحل، الأمر الذي يجعل الصراع بين الذين يملكون وسائل العيش والذين لا يملكون صراعا دائرا وفاعلا في قيام الدول وزوالها.وكان يلح أيضا على كون الترف مفسدا للملك ومؤديا بالمترفين إلى الضعف والزوال.وكان يلح أيضا على كون الترف ويعني به الاتساع في توفير أسباب العيش واستكثار الأسباب المادية المساعدة على الأمن والاستقرار والحماية للثغور بوفرة الأموال وكثرة الجبايات كل ذلك يزيد الدولة قوة إلى قوتها. وكل ذلك يؤول إلى العوامل الاقتصادية التي لم يفرد لها ابن خلدون بابا، وكلنه ذكرها تفاريق في فصوله هنا وهناك.
                                                   -5-
نحن مهتمون حتى الآن بالدولة المغربية من حيث قيامها منذ بداية الدولة الإدريسية على أسس نريد تمحيصها، وهي نفس الأسس التي يبدو لنا أنها ظلت حاضرة في تشكيل الدول المتعاقبة انتهاء بالدول العلوية التي دخلت بالمغرب الأزمنة الحديثة. ومعنى ذلك أن تلك الدول المعاقبة كانت من حيث المبرر السياسي حلقات متصلة تشكا وجودا سياسيا ثابتا، إلى الحد الذي يمكن القول معه بأنها كانت أشبه بالشجرة الراسخة التي تغير أوراقها حسب دواعي التطور والفصول، ولكنها لا تغير جذورها ولا جذعها ولا منبتها.
وليس إثبات هذه الحقيقة تاريخيا بالأمر الصعب. لأنه كان وراء قيام جميع الدول المغربية في الغالب دافع ديني أو عقدي أو وطني يبلور الفكرة أو المبدأ الذي جاءت الدولة لتحقيقه بصورة أكثر وضوحا أو جاءت لدعم استمراره إن كان قد تعرض لعوامل الزوال. نقول ذلك انطلاقا من اعتبار يجب تحكيمه في الاجتماع المغاربي في موضوع قيام الدول وزوالها وهو اعتبار التأثير الإسلامي أو الديني في نفوس المغاربة. فمنذ دخل الإسلام المغرب ونفذ إلى قلوب المغاربة أصبح فاعلا في توجيه الحياة السياسية حسب ما يراد من توظيفه من جانب الذين يخوضون غمار السياسة، لكنه كان منطقا ضروريا في جميع الأحوال. بل كان المذهب الديني فاعلا في توجيه تلك الحياة السياسية، لأنه لم يسع أحدا تجاهل المذهبية من الذين أسسوا الدول أو خاضوا غمار معارضتها على السواء.
فمنذ قيام الدولة الإدريسية بالمغرب قامت دولة المغرب الإسلامية التي استمرت حتى اليوم. وكان تداول الكتل القبلية أو الأسر الكبرى للحكم في المغرب يخضع لعوامل العصبية التي فسرها ابن خلدون باعتبارها أداة ضرورية لتحقيق السلطة واستتبابها، ولكن هذه الأداة لم تكن غاية في حد ذاتها، وكأنها كلما توفرت لقبيل من الناس تمكنوا من الاستيلاء على الحكم. كما يفهم ممن ظاهر كلا ابن خلدون.
فالدول المتعاقبة في المغرب كانت منم روائها دوافع دينية ووطنية تتفاوت ظهورا وقوة بين دولة وأخرى.
                                                   -6-

ماذا يعني بالدافع الوطني أو بالدوافع الوطنية؟
نعني بذلك ما يعني به في العادة من شعور لدى شعب من الشعوب بوحدة المصير والغيرة على الأرض التي ينتسب إليها ذلك الشعب، والوقوف بصمود في وجه ما يتهددها من غزو أو اكتساح أجنبي.
وبرغم انعدام مفاهيم الوطن والوطنية لدى القدماء من المؤرخين الذين كتبوا عن تاريخ أوطانهم، ومن بين هؤلاء المغاربة، فإن الإحساس بالانتماء للأرض والإطار الجغرافي الذي يحدد هوية المغاربة كان إحساسا حاضرا وعميقا، وإن لم يتخذ لنفسه مفهوما متداولا. وقد وجد من المؤرخين المحدثين من نفى هذا الشعور عن المغاربة بحجة عدم وجود حدود قارة عبر العصور لما سمي المغرب باستثناء ما عرف من تقسيم للشمال الإفريقي على المغرب الأدنى والمغرب الأوسط والمغرب الأقصى. وبحجة أن التاريخ كان يتحرك بدوافع العصبية القبلية والمذهبية الدينية. وأنه لا أثر للإحساس القومي الشامل في تحريك المغاربة.ولمن تصفح المصادر المتعددة التي تؤرخ للمغرب منذ أقدم العصور تقفنا على ما يغاير هذا التصور الفج أو المغرض, حسبنا أن نعلم أن هذا الإحساس الوطني كان يقوى خلال ظروف الدفاع عن الشواطئ المغربية تجاه حملات الغزو الأجنبي أو تجاه الغزو من أي ناحية أتى. وخلال ظروف التعبئة العامة لمواجهة مخاطر أو مؤامرات يدبرها خصوم المغرب، أو خلال فترات إقامة علاقات دبلوماسية مع الدول الصديقة أو المجاورة.
إن تاريخ المغرب القديم ليس مكتوبا إلا بأقلام يونانية ولاتينية كتبه جغرافيون أو كتبها حكام عسكريون أو رحالة. ولكن صراع البربر وثوراتهم ضد الرومان والوندال والبيزنطيين جعل المؤرخ المغربي يحتد غضبا على رفض المغاربة للنموذج لرومان في الحضارة والعقيدة.
ونفس الصمود نجده لدى المغاربة تجاه الفتح الإسلامي الذي دام قرابة الستين عاما. في حين لم تمض أكثر من عشرين سنة على فتح المسلمين لبلاد شاسعة في آسيا ابتداء من بلاد الشام والعراق وإيران وبلاد الهند. (20)
وعندما اعتنق المغاربة الإسلام قاموا بثورات ضد الفاتحين العرب الذي لم يسلكون السلوك الذي تقتضيه الأخوة الإسلامية أو العدالة الإسلاميــة في التسـوية بين المسلمين من غير اعتبار عنصري أو سلالي. (21)
وعندما وجد المغاربة صلتهم في الإسلام أخذوا على عاتقهم نصرة الإسلام في لاجهم ونشره بين قبائلهم من ناحية، كما أخذوا على عاتقهم نصرة الإسلام في الأندلس، من ناحية أخرى وتحقيق الدولة المغربية القوية من ناحية ثانية لكن الصراع المذهبي بين الفاطميين في المشرق وبين الأمويين في الأندلس جعل المغاربة ينقسمون إلى تيارات لكل منها نظرة وقتية محدودة إلى أن ظهر المرابطون.
ونقف عند المؤرخ الأندلسي أبي مروان ابن حيان (377-469). فمن خلال كتابه (المقتبس) نستشف تلك النزعة القومية الأندلسية التي تقف في مواجهة النزعة القومية المغربية. كما نجد تلك النزعة (المغربية) واضحة النبرة عند مؤرخ مغربي هو ابن صاحب الصلاة في كتابه (المن بالإمامة).
والعبارة الشائعة يومئذ، على ألسنة الأندلسيين أو المغاربة هي (العدوة) أو أهل العدوة، إذ كان كل فريق يمسي جاره بأهل العدوة. ونجد الاعتزاز واضحا لدى العلماء المغاربة بمغربيتهم في كتاب منها (مفاخر البربر) الذي جمع مؤلفه مادته من نقول مختلفة، من بينها ما كان الأندلسيون قد كتبوه عن المغرب أو أهل العدوة خلا ل مقاومتهم للنفوذ الأموي أو النفوذ الفاطمي. وهو نفس ما فعله ابن عذاري في (البيان المغرب). (22)
ونجد الإحساس بالمغربي قويا لدى المرابطين من خلال السفارات التي بعثوا بها إلى الخليفة العباسي ببغداد عقب معركة الزلاقة لإطلاع الحليفة على مشروع توحيد الدولة الإسلامية في الغرب الإسلامي على أساس الاعتراف بشرعية الخلافة العباسية.
ونجد الاعتزاز بأهل المغرب والغيرة على تاريخهم لدى طائفة من المؤلفين المغاربة حين ردوا أو حين انتقدوا أو حين صححوا ما ورد لدى المصنفين الأندلسيين من تجاوزات وأخطاء كإدراجهم لأعلام مغاربة ضمن أعلام الأندلسيين لاعتبار من الاعتبارات العرضية. ومن هؤلاء ابن عبد الملك في الذيل والتكملة. (23)
إلا أن هذا الحس الوطني كان يظهر ويستكن حسب الظروف، وربما كانت العصبية والمغامرات في سبيل السلطة والمساومات على الحكم والانشقاقات التي تطفح في ظروف ضعف السلطة المركزية من عوامل تغييب ذلك في ظروف ضعف السلطة المركزية من عوامل تغييب ذلك الحس الوطني. كما أن إحداق الأقطار الخارجية والغزو الأجنبي من عوامل بعث ذلك الحس من جديد. ولذلك عندما اختل ميزان القوى لصالح الغرب، وأصبح المغرب يواجه أطماع الغزو الإيبيري باستمرار تغيرت مشاعر المغاربة فقد تحولت أهدا الحروب الصليبية نحو الغرب الإسلامي، ونحو المغرب بالذات. وبدأت سلسلة من الهجمات على الموانئ المغربية، كما شرع الأوربيون في تحويل طرق التجارة وصار المغرب بصفة عامة هدافا لسياسة معينة تحالف فيها الإبيريون والصليبيون وإمارات المدن المتوسطية في إيطاليا. وفي هذا المناخ ازداد المغاربة تحسسا بالأخطار التي تتهددهم كما ازدادوا تحسسا للمشاعر الوطنية والدينية التي تجعل منهم أمة واحدة. ومن غير شك، فإن الوازع الديني أو المشاعر الدينية كانت تستجيب بسرعة لتلك التحديات. فظهرت زوايا صوفية متعددة قام بعضها بدور أساسي في التثقيف والتعبئة للجهاد في نفس الوقت. وبقدر ما كانت المخاطر الأجنبية تزداد دنوا بقدر ما كانت تلك الزوايا تخامرها طموحات سياسية لملء الفراغ أو لغياب السلطة المركزية. وفي هذا المناخ أيضا قامت الدولة السعدية وجاءت معركة واد المخازن لتؤكد الكثير من حقائق التاريخ المغربي ولتضفي على المغرب هيبة دولة كبيرة ولكنها بذرت بذور القومية المغربية، تلك البذور التي أعطت أكلها في عصور لاحقة. أما فترة التجزئة والانقسامات التي ظهرت عقب ضعف الدولة السعدية فلم تكن إلى مرحلة غابرة كانت كل أسرة أو زاوية أو لإمارة مستقلة هنا وهناك تريد أن تستغلها لإعادة بناء وحدة مغربية لحسابها. ولم يقدر لواحد منها النجاح في تحقيق تلك الوحدة بقدر ما تحقق الأشراف العلويين. فماذا دفع العلويين إلى النهوض بالأمر وتأسيس دولتهم؟
نورد أولا النص الآتي للمؤرخ عبد الرحمان ابن زيدان حين تحدث عن المولى محمد بن علي الشريف مؤسس الدولة العلوية، وذلك بعد حديثه عن الخلافة وعن كونها إحدى الواجبات التي تتقلدها الأمة وتنهض بها. قال: "إذا تمهد ذلك فاعلم أن صاحب الترجمة لما رأى ظهور العجز والهرم في الدولة العباسية وعدم انتظام الأمور وكثرة وقوع الخلل في أحول الرعية والترامي على الخلافة ممن ليس من أهل منصبها ولا ينتظم به أمرها وقويت أطماع المجاورين للإيالة المغربية من الأوربيين وكثر الهرج والمرج وفسدت السابلة وعدم الأمن فيها، وتعذر على السعديين رتق ما انقتف بقيام عبد الكريم بن أبي بكر الشباني المعروف بكروم الحاج وأبي عبد اله محمد ابن أحمد المالكي الزياتي الشهير بالعياشي صاحب المواقف الشهيرة في الإسلام المتوفى شهيدا بعين القصب من بلاد الخلط تاسع عشر المحرم عام إحدى وخمسين ألف والدلائيين برابرة مجاط وبودميعة المذكور أنفا وصنوه أبي حسون كما ذلك مبسوط في غير ماديوان مطبوع. وقد أومأنا فيما مر لشذرات من ذلك على سبيل الإيجاز. وكان من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل فقتلة جاهلية كما ورد عن المعصوم عليه صلوات الله وسلامه فيما أخرجه مسلم والنسائي عن أبي هريرة، وأنس المترجم من نفسه الكفاية للقيام بأعباء الخلافة وحسم مادة الشقاق وتنازع المسلمين بقمع البغاة المعتدين كما أنسه الناس فيه لما تقدم، ومن وصفهم له مع ما جمعه الله فيه من شرف المحتد وأصالة الرأي وكرم النفس زيادة على ما سبق لسلفه من الجلوس على عرش الملك كما أحكمه التاريخ من أن جده الأعلى الأخص بفرعه النفس الزكية كان ممن تربع ذلك العرش بالاستحقاق، ثم عرضت الخلافة على جده الأوسط المولى علي الشريف من أهل الحل والعقد امتنع من قبولها. وبهذه الصفة الشرعية انتصب المترجم لإحياء ذلك الموات، وطالب ملك أبيه، لا يرمي بالفتيات، ولا سيما بعد تحققه وتحقق أهل بلاده السابقين لمبايعته أنه الكفء الفذ لذلك المنصب السامي. غير أنه حيث كان الموجب الأولي لانتصابه هو ظهور الاختلال وانتشار الغاصبين للمنصب في أركان الإيالة وزواياها لم يجد بدا من تقديم الأهم الذي هو جمع الكلمة والسعي حول محو التشويش والإفساد فلذلك انصرفت أيام ولايته وإن طالت كلها في تمهيد هذا المقصد. فأنفق فيه مبلغ جهده، وإن عاقته الأقدار عن الوصول فيه لحده، ولعله لذلك لما رأى معززه في مقصده أخوه المولى الرشيد أن أخاه لم يبلغ من هذا المقصد النفيس الذي انتصب ونصب له ما يريد ويراد منه تصدى أواخر دولة أخيه في أطراف البلاد لجمع الكلمة. فكان من سعادته فتقدم تمهيده في ولاية أخيه. والمولى الرشيد وإن قصرت مدته لم ينتقل لدار الكرامة حتى جمع الكلمة في جميع أقطار المغرب فكان أخوه المترجم هو المؤسس والمقتحم لتسوية عقبات الانتظار وصنوه الرشيد هو الذي أكمل الله على يده للأمة أمر تسوية مصالح دينها ودنياها بعد أن فاز أولهما وهو المترجم برتبة الشهادة حيث قتل في حالة الدفاع عن الإمامة المنعقدة له" (24).
أظن أن هذا النص يحدد الظروف العامة التي نهضت فيها الدولة العلوية ودعت إمامها الأول إلى تأسيس دولته بدوافع دينية ووطنية. وإن ما أشرنا إليه في البداية من تداخل العامل الديني والسياسي في قيام الدول المتعاقبة في المغرب ليبدو أكثر حضورا أو زهورا عقب سقوط الدولة المرينية حين تركزت السياسة الأوربية حول تطويق دول المغرب العربي في تحالف صليبي واستعماري في آن واحد، وهذا ما استشعره المغاربة ولمسوه في معركة وادي المخازن وجاءت الأحداث اللاحقة لتؤكده إلى حين سقوط المغرب تحت الحماية.
ويبدوا لنا في الأخير لاعتبارات متعددة ومن جملتها تواف الوثائق والمعلومات وكل المواد التي يتألف منها التاريخ الوطني أن الدولة العلوية نموذج أعلى للدول المغربية منذ قيام الدول الإدريسية إلى اليوم. فتاريخ هذه الدولة نشأة وتطورا وازدهارا وما تخلله من عهود وأزمات دقيقة هي الدولة التي تداخلت في تكوينها عوامل الدين وعوامل الشعور الوطني فكرست جهودها لتحقيق الوحدة الترابية من ناحية والوحدة الدينية المذهبية من ناحية أخرى، وظلت تجد في هذه الأهداف العليا الرصيد الذي لا ينضب في استقطاب المغاربة وتحسيسهم بالتحديات وتعبئتهم في المواجهات الحاسمة التي عرفها تاريخ المغرب. وخير مثال على ذلك يمكن أن ننتهي إليه هو ما نهض به العرش العلوي في مواجهة الاستعمار ومقاومته وتحقيق الاستقلال في التحام مع إرادة الشعب المغربي ثن إنجاز العرش المغربي بقادة جلالة الملك الحسن الثاني للوحدة الترابية واختراق كل المضايق الصعبة المؤامرات الدولية الخفية والمعلنة بكل شجاعة وحكمة وصمود، فالدول المغربية في صورة الدولة العلوية دول الدين بالمعني الشامل ودولة الأمة بالمعنى الوطني الدقيق.

------------------------
1) تاريخ المغرب. عبد الله العروي: (المغرب)106.
2) المقدمة، تحقيق وافي. ج2/512.
3) وافي: المقدمة ح1/229
5) المرجع: ص/489.
6) المقدمة: 2/499
7) المقدمة: 2/500.
8) ويستشهد بحديث نبوي في هذا السياق. المقدمة 2/503.  .9) المقدمة 2/501. 
10) من التجزئة إلى الوحدة لنديم البيطار، ص20 نقلا عن  روبير هاري لوي في كتابه (أصل السلطة).
11) المرجع: ص/23.    
12) المرجع: ص/23.     
13): المرجع: ص/43.
14) المرجع: ص/23.

15) المقدمة: 2/522   
16) المرجع:     
17) المقدمة: 2/523
18) المرجع:
19) المقدمة: ج 2/512.
20) المغرب الكبير. السيد عبد العزيز سالم 2/132.
21) نقصد ثورة المدغري.
22) انظر فصله عن فضل المغرب وما ورد فيه من الأخبار والآثار. ح1/6
23) انظر (الذيل والتكملة) السفر الأول/11. والثاني/88
24) إتحاف أعلام الناس بجمال. أخبار حاضرة مكناس. ج3/183/139

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here