islamaumaroc

احتفال المغرب بعيد العرش.

  مصطفى العلوي

273 العدد

نشأ العرش المغربي في الربع الأخير من القرن الثاني للهجرة وكان نابعا من قوة الإيمان، وصدق الجمهور المغربي في اختيارهم عقيدة الوحيدة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وشدة تعلق المسلمين المغاربة بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحب الناشئ عن حب الله عملا بقول الله سبحانه (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله ويغفر لكم من ذنوبكم إن الله غفور رحيم، قل أطيعوا الله والرسول).
والمغاربة عندما بشروا الإسلام وفهموه اعتنقوه جميعا ولم يبق من بينهم إلا أقلية غير مسلمة كما كان عليه حال شعوب أخرى وهكذا بلغت محبتهم لعقيدة الإسلام ودين التوحيد أن ظلوا يتلهفون لمعرفة من كانت له علاقة برسول الله – علاقة صحبة أو علاقة قرابة – وعندما استفحل الخلاف بين بني على وبني العباس في جزيرة العرب والشرق الأوسط وبلغ الأمر منتهاه في وقعة فخ على بعد ثلاثة أميال من مكة سنة 169هـ، وقتل فيها كثير من بني علي وفر إدريس ومعه مولاه راشد إلى مصر ومنها إلى المغرب فماذا وجد المولى إدريس وهو ابن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى ابن الحسن السبط بن علي وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
إنه وجد حب الرسول وآله وحبه فما إن عرف المغاربة إدريس بأنه سليل المصطفى حتى أجمع زعماء القبائل وقادتهم على اختياره رئيا وزعيما وقائدا على شعب مؤمن مخلص، اختار المنهج الإسلامي عقيدة وعبادة ونظاما له إلى أن يشاء الله.
                                                   ***
وهكذا تأسس العرش المغربي من هذا التاريخ على تقوى من الله ورضوان..لاجئ غريب ينصب على عرش عظيم تنقاد له قبائل كبيرة وعظيمة عرفت بالبطولة والشجاعة الفريدة، ولا تزال إلى اليوم وبعد اثني عشر قرنا من الزمن لا تزيدها الأيام إلى قوة وتماسكا وعظمة..نعم تداول هذا العرش من بعد إدريس وبنيه رجال آخرون من غير السلالة المحمدية ولكنهم خلدوا أمجادا ومآثر في الصحراء المغربية على حدود نهر السنيغال وبسطوا نفوذهم على شمال إفريقيا، وقاموا برعاية هذا الجزء الكبير من أمة الإسلام وتخطوا مضيق جبل طارق لحماية الأندلس من هجمات الصليبية الحاقدة بقيادة يوسف بن تاشفين العظيم ونجله علي من بعد وأسسوا عاصمة مراكش في منتصف القرن الخامس والتي لا تزال تشهد بعظمة مؤسسيها وجليل أعمالهم.
وهكذا دول الموحدين من بعدهم والتي نشأت بين قمم الأطلس الكبير على مقربة من مدينة مراكش ولا تزال مآثرهم بين الجبال تتجلى في المسجد الذي تربى فيه رجالهم بزعامة المهدي بن تومرت ووارث زعامته عبد المومن بن علي الذي بسط سيادة العرش المغربي إلى حدود مصر شرا وشعوب إفريقيا غربا..ومن أهم الأحداث التي سجلها الأخ لعبد المومن غزوة الأرك بالأندلس في شعبان عام 591.
                                                    ***
ثم تأتي دول بن مرين ومن بعدها دولة الأشراف السعديين ثم العلويين، والعرش المغربي بجميع فضائل المتربعين فوقه يحرسون هذا الجزء الغربي من العالم الإسلامي من هجمات الصليبيين المتتالية والمتسلطة على شواطئه في الشمال والغرب في شواطئ البحر الأبيض المتوسط في تونس، بجاية، والجزائر ووهران، وفي مليلية وسبتة، وفي طنجة والعرائش والمهدية والجديدى والصورية وأكادير، والجزر الخالدات في شواطئ المحيط الأطلسي إلى مصب نهر السينغال....وقد سجل التاريخ أعمالا مجيدة في مجال الحفاظ على استقلال المغرب وكرامته وحريته للأشراف السعديين، وخصوصا المنصور السعدي، ثم العلويين ممن إسماعيل العظيم ومحمد بن عبد الله، وسليمان، والحسن الأول الذي سجل له التاريخ أن عرشه كان على صهوة فرشه لكثرة رحلاته وجولاته التي قام بها في أرجاء مملكته إبان جلوسه على هذا العرش المتنقل نظرا لما كان يشعر به من خطورة الأوضاع في الأقطار المجاورة لمملكته في الجنوب والشرق وفي الشمال ففي شرق بلاده كان الاستعمار الغربي قد احتل القطر الجزائري سنة 1930 يحاول توسيع مستعمرته وهو يظن أنها أصبحت امتداد لفرسنا في جنوب الأبيض المتوسط،ومعلوم أن قائد الاحتلال يومئذ رفع على صومعة كنشاسا بعاصمة الجزائر، وقال كلمته الصليبية:"الآن انتصر الصليب على الهلال، وقد ظل نفوذه على القطر الشقيق مائة وثلاثين سنة إلى أن قامت الثورة التي طردته م ربع قرن وذلك بتحالف قوة الخير والكفاح والنضال الإسلامي من لدن شباب الشمال الإفريقي الذي عقد عدة تجمعات ومؤتمرات وفي مقدمتها مؤتمر طنجة المعهود سنة 1947.
                                                   ***
أما المملكة المغربية ففي أوائل القرن 19 الميلادي ثم التحالف الصليبي في 1904-1906 على غزو ترابه من الجنوب والشرق ومن سائر الجهات بعد أن بدأ زحف الجيش الصليبي من غرب الجزائر على قرية عين صالح بإقليم توات الغربي وعليها قائد إسمه المهدي يحمل ظهيرا حسنيا أسندت بموجبه قيادة عين صالح وضاحيتها له، ثم تتابع الزحف على القرى المغربية في الأقاليم حيث كانوا يثيرون الفتنة بين السكان بواسطة بعض عملائهم باسم الجهاد ضد الكفر فينقصون على الحدود خصوصا في عهد السلطان عبد العزيز الذي تولى العرش بعد فواة المجاهد العظيم الحسن الأول، وكان عبد العزيز لا يزال صغيرا فاختل النظام على عهده مما جعل المسؤولين من أهل الحل والعقد والعلماء بأخيه العالم المولى عبد الحفيظ، ولم يمض علة بيعته إلا القليل حتى تعاهد الصليبيون الفرنسيون والإنجليز والإسبان على التدخل في شؤون المغرب باسم الحماية وإقرار النظام والأمن، وهكذا اضطر المولى عبد الحفيظ للتوقيع على عقد الحماية، وبعد أن اقتطعت عدة أقاليم من المغرب واحتلتها الدول الاستعمارية..فالجنوب المغربي اقتطعته فرنسا وأعطته إسما تاريخيا قديما (موريطانيا) وألغي اسمه الحقيقي الذي جرى على الألسن (شنقيط) وفرضت حمايتها على شمال المغرب بإيعاز ووفاق من بريطانيا حرصا منها على أن لا تقابلها في مضيق جبل طارق دولة في مستواها مثل: فرنسا وبذلك أيضا حافظت على وجودها في سبتة ومليلية والجزر المجاورة لها وهي كلها أراضي مغربية، وبسطت نفوذها على الصحراء المغربية بشواطئ الأطلس من الداخلة، سيدي يفني طنطان.
أما فرنسا فقد بسطت حمايتها على باقي التراب المغربي بعد أن فصلت حدوده الشرقية والجنوبية وحولت أقاليم توات وكرارة وواد الساورة إلى مستعمراتها الجزائر الشقيقة.
أما مدينة البوغاز طنجة فقد جمعت المستفيدين من تجزئة المملكة المغربية ومنحت الصبغة الدولية، ولعل المتنافسين في بسط النفوذ على أطراف المملكة اتخذوها مكانا استراتيجيا لمراقبة بعضهم بعضا.
                                                      ***
وكان أول من اتخذ موقفا مشرفا هو المولى عبد الحفيظ الذي عارض بعض السلوك من رجا الحماية الفرنسية مطالبا بتطبيق نظام الحماية القاضي بعدم تدخل الحماة في شؤون الثقافة الإسلامية وما يمس كرامة الأمة المحمدية وعندما اشتد النزاع فضل الاعتزال وقدم استقالته وأحال الأمر إلى أخيه المولى يوسف ويجب أن يسجل لمولاي حفيظ هذا الوقف الشريف حيث لم يغره البقاء على عرش يتحكم فيه الصليبيون أنه ما قبل البيعة إلا على أساس أن يعمل على إنقاذ الموقف من التدخل الأجنبي الصليبين ولما اضطر إلى قبول الأمر الواقع حاول تقييد هذا التدخل بعقد الحماية، وحينما خان العقد أصحاب القوة فضل العزلة وهكذا ظل رحمه الله يعيش في المنفى عشرات السنين إلى أن وافاه الأجل المحتوم.
والمولى يوسف أيضا رحمه الله كان به موقف مشرف عندما عرض عليه الحماة توقيع الظهير البربري فلجأ إلى التسويف والمماطلة إلى أن وافاه أجله، ويقال إنه ما شهيد موقفه رحمه الله.
أما ولده محمد الخامس والذي نسب إليه توقيع الظهير البربري في أول عهده. فإن أو تصريح له بعد بيعته يبعد عنه ذلك تماما.
                                                   ***
فمنذ اعتلى عرش المغرب وهو يعمل جاهدا لفك هذا العرش من أغلال الحماية التي فرضت على البلاد بقوة الحديد والنار والذي عاش النصف الأول من القرن العشرين على أرض المغرب يعرف ماقاساه المستعمرون تحت غطاء الحماية ممن مقاومة المغاربة في كل سهل وجبل، فقد تركوا أكثر من مائة نصب تذكاري عن المواقع التي سالت فيها دماؤهم ومزقت أشلاء أعوانهم وعساكرهم.
فالمغاربة لم يتسكينوا ولم يرضخوا بمجرد عقد فرض بتآمر عدة دول صليبية كان هدفها تصفية الوجود العربي الإسلامي من أرض المغرب وشمال إفريقيا بأجمعه، وإذا كانوا قد بسطوا سلطتهم على تونس باسم الحماية سنة 1890 وعلى الجزائر الشقيقة باسم الاحتلال وإلحاقها بالتراب الفرنسي الصليبي قبل مطلع القرن العشرين فإن بسط نفوذهم على التراب المغربي كان صعبا وكان مرا فقد ظلوا يقاتلون لبسط سلطانهم أزيد من ثلث قرن قبل أن تصبح جميع أنحاء المملكة تحت نفوذهم وحمايتهم، فأول قرية احتلوها من التراب المغربي كانت قرية عين صالح في شرقي إقليم توات وآخر معاركهم مع أبطال المغرب كانت سنة 1924 في جب بوغافر بالأطلس الصغير جنوب الجزء المحمي بحمايتهم.
                                                   ***
وما أن أتموا احتلال أقاليم المملكة حتى بدأت المقاومة في شكلها السياسي بدءا من اللطيف 16 مايه سنة 1930 عمد صدور الظهير البربري الذي أريد منه تقسيم الأمة المغربية إلى عرب وبربر وإلى المس بكرامة القبائل البربرية والتنقيص من إيمانها وتدينها بإرغامها إلى التحاكم للعرف الذي يعارض في كثير من بنوده شريعة الإسلام. والله تعالي يقول: (لا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) وكثير من رجال القبائل الأمازيغية علماء بالشريعة، حافظون لكتاب الله، مقدسون لها، ولا يرضون بحكمها بديلا طاعة لله وتطبيقا لكتاب الله،وسنة رسوله، ولذلك قامت المظاهرات انطلاقا من معقل الإسلام جامعة القرويين، حيث احتشد الناس يقرؤون اللطيف المعروف (اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادير لا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر) وشاع هذا اللطيف بصيغته فقرأه في القرى والمدن، واعتقل بسببه كثير من علماء الشباب والشيوخ في الرباط وفاس وسلا ومراكش وغيرها..وكان ذلك منطلقا للعمل السياسي الذي تكونت من خلالا كتلة العمل الوطني من غريب ما سجل للتاريخ أن السنة التي تمت فيها حكومة الحماية بسط نفوذها وزنت أنها سترتاح من هم المقاومة العسكرية التي دامت ثلث قرن كامل وذلك سنة 1934 هو التاريخ الذي قدمت فيه كتلة العمل الوطني المطالب المستعجلة للملك نحمد الخامس والمقيم العام، ومن يومئذ والعمل مستمر ومتصل بين الملك الشاب والعناصر المثقفة أن الملك الشاب كان قبل مبايعته ملكا للبلاد مكان والده يدرس في ثانوية مولاي إدريس بفاس على نخبة من علماء شباب أمته وفي مقدمتهم شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي المدغري، وهو من أجل العلماء الذين كونوا جيلا من شباب جامعة القرويين والذين ظلوا على صلة مع العاهل الشاب ينسقون نعه العمل الوطني، وقد تكونت منهم فرقتان هما: الحزب الوطني بزعامة السيد علال الفاسي رحمه الله، والحركة القومية بزعامة السيد محمد بن الحسن الوزاني إلى جانب شباب منطقة الشمال الذين أسسوا حزب الإصلاح وحزب الوحدة.
ولم يمض إلا القليل حتى ترصدت حكومة الحماية لخصومها فحجزت قادة هاته الأحزاب سنة 1936 ووزعتهم على معتقلات في أطراف البلاد، وأخذت علال الفاسي إلى "الجابون" مستعمرتها في جنوب إفريقيا، حيث ظل فيها تسع سنوات، وأخذت محمد بن الحسن الوزاني إلى قرية "اتزر" بالأطلس المتوسط...ويومئذ قامت حركة احتجاج وخرج الجمهور في مظاهرات صاخبة في شوارع فاس والرباط ومراكش ووجدة وغيرها من المدن، وامتلأت البلاد بالمعتقلين والمساجين..ففي "كلميمة" قريبا من قصر السوق (الراشيدية) كان نحو 200 من شباب جامعة القرويين من بينهم على ما أذكر عبد العزيز بن إدريس الهاشمي الفلالي والشهيد محمد القري الذي مات بعذاب أعوان الحماية، والهاشمي محمد بن عبد الله، ومصطفى العلوي، محمد بن العربي وغيرهم..كثير ممن لم تحضرني أسماؤهم من طلبة القرويين، وفي قرية الريش جماعة أخرى ممن اعتقلوا في ناحية الغرب بالقنيطرة أذكر منهم الأستاذ أبو الشتاء الجامعي وكثيرون..ولقد كان لهذه الإجراءات أثر عظيم في تكتل الجهود وتنظيم العمل الوطني وسريان فكرة المقاومة في نفوس الشباب والناشئة إلى أن قامت الحرب العالمية الثانية سنة 1939 وفي سنة 1943 تم لقاء قادة الحلفاء بالدارالبيضاء واستقبلهم جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، وعندما بدأ انتصار الحلفاء على المحور في مطلع سنة 1944 تقدمت الحركة الوطنية بوثيقة أعدها رجالها باتفاق مع محمد الخامس تطالب بالاستقلال...قدمت لجلالة محمد الخامس، والمقيم العام وقد أعجزت هذه الوثيقة المقيم العام ولعله على شيئا عن أسرارها فمكث يستطلع نتائج هذا العمل نحو ثلاثة أسابيع كانت فترة غليان في أوساط الشعب المغربي قدمت أثناءها عرائض التأييد تحمل ملايين التوقيعات من جميع أطراف البلاد من جميع الطبقات بغير استثناء مما كان له رد فعل عنيف من حكومة الحماية فاعتقل آلاف من المثقفين ورجال الأعمال والزعماء والموظفين السامين وفي مقدمتهم شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي الذي كان وزير العدل وقدم استقالته احتجاجا على ما شاهده من تعسف حكومة الحماية فأخذ ونفي إلى مسقط رأسه "مدغرة" حيث عاش هنا في حراسة سرية قرابة سنتين.
ولما انتهت الحرب ظل محمد الخامس رحمه الله صامدا يلح على تلبية طلب الاستقلال الذي قدم له في 11 يناير 1944 وزكاه الشعب المغربي بأسره وفي أبريل سنة 1947 زار مدينة طنجة وأعلنها صرخة مدوية قائلا إن المغرب بلد عربي وسيبقى عربيا وعضوا في جامعة الدول العربية، ويجب أن يتمتع بحريته...الأمر الذي زاد في خنق المستعمرين وفي آخر عام 1950 دهي إلى زيارة باريز بمثله لأي رئيس دولة مهما كان، ولعل ذلك كان محاولة منهم ترضية له عساه في موقف من حرية بلاده ومطالبها، ونحمد الله على أن لم يكن مصيره كوالده المولى يوسف عندما رفض التوقيع على الظهير البربري والأمر لله كيف شاء فعل ليسجل التاريخ.
ومنذ هاته الرحلة بدأت المؤامرة الحاقدة ضد جلالته فبدأت الاعتقالات في صفوف الحركة الوطنية وامتلأت بهم السجون والمنافي على اختلاف وأطراف الصحراء.
وما إن خفت وطأة هاته الحملة الانتقامية حتى جاء العيد الفضي للعرش في نونبر 1952 فكان رد الفعل من جانب الشعب حيث أقيمت احتفالات عيد العرش على شكل لم يسبق له نظير منذ بدأت هاته الاحتفالات سنة 1933 مما كان دليلا واضحا على ارتباط الشعب بالعرش مهما كانت الظروف، وإن هذا الارتباط لا تؤثر فيه عوادي الدهر مهما كانت، وإن الشعب لا يتخلى عن رمز سيادته مادام يشعر بالحياة.
وجاء خطاب العرش ملحا على حق الشعب في الكرامة والحرية الأمر الذي حرك في نفوس الأعداء الحقد والضغينة فعادوا إلى الانتقام من الشعب في مختلف المناطق فنفوا وسجنوا وضايقوا المواطنين بكل أنواع التعسف والظلم..وهكذا الإرهاب وجاء الجنرال "كيوم" بخطته القذرة فبدأت التجمعات التي كان يستجيب لها بعض ضعاف النفوس وبعض الطامعين في الوصول إلى بعض المناصب من الخونة والأذناب، ولم تمض إلى عشرة أشهر حتى تم الحدث الأكبر "تطويق القصر الملكي الشريف يوم 30 غشت 1953.
وأخذ سيد البلاد وأسرته الشريفة في مقدمتهم ولي العهد المحبوب والذي كان مؤازرا لوالده في كل المواقف، وللتاريخ أسجل موقفا حدثني عنه الفقيه العلامة سيدي أحمد التجاني رحمه ومكان بالقصر الملكي فرأى رفيقه الأستاذ محمد المعمري وهو يحكي لجلالة الملك حديثا تلقاه من المقيم العام وهو متأثر مما كان يحكيه ويبكي، فنبرى ولي العهد حفظه الله إلى والده وقال: أئدن لي سيدي أن أذهب لأحاور هؤلاء أنا الذي لا لأبكي؟ فأذن له وأخذ الهاتف وتحدث مع المعنيين وضرب له موعدا في الحال وذهب..إنه أحد مواقف والي العهد يومئذ جلالة الحسن الثاني إلى جانب والده يتجلى فيها الصمود والشجاعة وقد غادر القصر الملكي وأسرته إلى "كورسيكا" ثم إلى مدغشقر" حيث عاشوا هناك سنتان وأشهر، تواجه فيها الشعب الوفي مع رجال الحماية وأذنابهم من الخونة وضعاف النفوس، وقد ظن أعداء الشعب أنهم قضوا على كل من فيه حمية وأنفة وأن كل من يخشى منه يوجد في السجن أو المنفى ولكن الشعب المومن الأبي الحر قام برد الفعل بدأ كن موقف رجا الشارع علال بن عبد الله، وفي رحاب القصر وعندما أحضر العميل ليمثل دوره الهزيل أمام السجد، وفي يوم الجمعة استشهد علال بن عبد الله وخلد ذكره في ضمير الشعب وتاريخه وانطلقت أعمال الفداء ونادى الأطفال في الشارع بالجملة الحلة "عمين وثلاثة أشره ابن يوسف راجع بلفور" واستجاب الله نداء الأطفال الأبرياء فرجع محمد الخامس قدس الله روحه موفور الكرامة عزيز الجانب يحمل في بمناه راية المغرب حرة كريمة وعلى لسانه آية الكتاب المنزل (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور) صدق الله العظيم.
                                                      ***
تلك لمحات من ارتباط شعب المغرب بقادته الأبرار وأبطاله الكبار وعرشه العزيز المبني من حجارة الإيمان بحق الحرية والكرامة ولا غرابة فهو عرش شيد على قواعد الإيمان بالله ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم وحب الرسول وآله المنبثق من حب الله وطاعته، ولذلك لم يكن إلغاؤه أو المساس بحقه في الوجود في متناول أحد مهما كانت قوته وجبروته، فهو عرش مبني على حب عقيدة التوحيد وما يواكبها من عدل وإخاء ومساوات وتضامن وتكافل..وذاك سر وجود هذا العرش وبقائه رغم الحوادث والتغيرات على مدى ألف ومائتي عام منذ أسس ليتربع على أريكته يومئذ سبط الرسول المولى إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن على وفاطمة بنت رسول الله.. ويتربع عليه اليوم سبط الرسول بطل العصر أمير المؤمنين الحسن بن محمد بن يوسف بن الحسن.
والأسرة المالكة هي سلالة الحسن بن علي وفاطمة بنت سيدنا محمد عليه السلام..فالعرش المغربي والحمد لله عرش عقيدة ودين وعرش نصر الإسلام ويترع عليه حفدة نبي الإسلام وقد عرفوا بقوة الإيمان والصبر والشجاعة والتفاني في خدمة المجتمع الذي رفعهم إلى كرسي الملك والرياسة وصدق الله العظيم:
(إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامك)
والله من وراء القصد وهو سحبنا ونعم الوكيل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here