islamaumaroc

ملامح عن الحركة الفكرية في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله.

  عبد القادر العافية

273 العدد

من خلال المراجع والمصادر عن هذا الموضوع يتبين أن العهد الذي تحمل فيه سيدي محمد ابن عبد الله العلوي (1121-1204/1757-1786) مسؤولية تسيير دفة الحكم بالمغرب بالرغم من كونه جاء بعد فترة حالكة من الناحية السياسية فإن هذا العهد عرف حركة فكرية ذات بال، ونشاطا ثقافيا ملحوظا تمثل في وفرة العلماء، وكثرة المؤلفات، وتمثل كذلك في وجود تيارات فكرية معينة أهمها:
1- التيار الصوفي الذي استقطب مجموعة من العلماء، والفقهاء وعامة الناس، وكثر حوله الكلام.(1)
2- التيار الفقهي: وأقصد به مجموعة الفقهاء الذي يهمهم بالدرجة الأولى الحفاظ على التراث الفقهي المالكي المتوارث ولا يبغون به بديلا.
- وإلى جانب التيارين السالفين ظهر تيار ثالث يقول باعتبار أحكام القرآن، وكتب الحديث، وبوجوب جعلها هي الأصل في الدراسات الإسلامية، وبواسطتها ينبغي أن يعرف الناس دين ربهم.
وأنه لا بد من العودة إلى دراسة أمهات كتب الحديث، وفي مقدمتها صحيحا البخاري ومسلم، وموطأ مالك، وسنن أبي داود، والترمذي والنسائي، وابن ماجة والمسانيد...
وهذا التيار ظهر في بداية العصر العلوي، وهو لا بعد شبيها بما دعا إليه الموحدون في عهد عبد المومن، ويوسف، ويعقوب، من نبذ كتب الفروع ووجوب إبادتها والقضاء عليها...بل هذا التيار يتعايش مع كتب الفروع وبخاصة مع الأمهات منها. مثل هذا التيار في الفترة الأولى، العصر العلوي: الشيخ محمد بن بد الله معن الأندلسي (ت: 1062هـ)، وتبعه في ذلك تلميذه أبو سالم العياشي (1037-1090هـ) وتزعمه عن جدارة أبو عبد الله محمد بن سليمان الروداني (ت: 1037-1094هـ).
وسنرى أن هذا التيار الفكري سينجذب إليه سيدي محمد بن عبد الله فهو رحمه الله بعدما درس، مختلف العلوم المتداولة في عصره، وتضلع بصفة خاصة في علوم اللغة والأدب عكف على دراسة كتب الحديث النبوي، يتتبع تصانيفها يوليها مزيدا من العناية، إلى درجة أنه يصرح بأسفه على ما ضاع من عمره في غير هذا المجال.
وأسمي هذا الاتجاه (بالتيار الحديثي) ولا أسميه (بالتيار السلفي) لأن السلفية بمفهومها المتعارف لا تنطبق على جميع الذين اهتموا بدراسة الحديث في هذا العصر. وسنرى أن الداعين إلى العناية بدراسة الحديث والاهتمام به، لم يقصروا اهتماهم عليه، فأغلبهم مؤلفات في الفقه والتصوف والأدب، وربما في الفلك أو الطب أو غيرهما من فنون المعرفة...
لكن أصحاب هذا الاتجاه يتميزون بمؤلفاتهم في الحديث ورجالهن مع العناية بشرح مصنفاته..
وبالإضافة إلى الشيخ محمد معن الأندلسي، وأبي سالم العياشي، ومحمد بن سليمان الروداني، نجد أن بعض العلماء كانت لهم اهتمامات بدراسة الحديث النبوي، منهم: جدة السلطان سيدي محمد بن عبد الله العالمة السيدة الجليلة خناثة بنب بكار بن علي بن عبد الله المغافري (ت: 1159هـ 1746م) زوجة السلطان المولى إسماعيل، وهي من أشهر نساء عصرها علما، وأدبا، ونبلا، وكرما وحبا للعلم وأهله..هذه السيدة الجليلة كان لها اهتمام كبير بالحديث النبوي وبمؤلفاته ورجاله، ومن مؤلفاته: "مسرح الإصابة في معرفة الصحابة لابن حجر العسقلاني، ولها عناية بالقرآن وعلومه.
وبطبيعة الحال أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله تربى في أحضان هذه السيدة وتلقى عنها العلم والأدب وحب المعرفة...ولا يبعد أن يكون لاتجاهها الحديثي أثر على تفكيره وميوله، وسنرى أنه سيتبنى هذا الاتجاه ويدافع عنه بحرارة، ومنهم أبو عبد الله محمد بن الطيب الشركي (1110-1170) وهو أحد كبار اللغويين والمحدثين، لا في المغرب فحسب بل على صعيد العالم الإسلامي. ولد هذا العالم الجليل بفاس، ومات بالمدينة المنورة، وبلغ عدد شيوخه مائة وثمانين شيخا ذكرهم في الإجازة التي كتبها للشيخ محمد بن عبد السلام بناني (ت: 1193هـ) وهم أعلام ذلك العصر في المغرب والمشرق.
وكان هذا المحدث الكبير كثير الترحال أقام بمكة سنتين ختم أثناءها الكتب الستة وغيرها من أمها كتب الحديث...
وله تأليف مهمة منها: حاشيته على شرح القسطلاني على صحيح البخاري، وحاشية على شمائل الترمذي، وشرح سيرة ابن الجزري، وشرح سيرة ابن فارس، وغيرها...
ومن الشيوخ الذين أخذ عنهم الحديث سيدي محمد بن عبد الله: الشيخ مولاي عبد الله بن إدريس المنجرة، والشيخ المحدث الحافظ أبو العلاء إدريس العراقي، والشيخ أبو العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي السجلماسي الذي درس عليه الموطأ وجزء من صحيح البخاري ومسلم، وغيرهما.
هذا مع العلم أن الاتجاه لم يكن هو الاتجاه الأكثر انتشارا، أنه من خلال مراجعة قائمة عناوين المؤلفات التي ألفت في هذه الفترة نجد أن التأليف في الحديث وعلومه لم يأخذ إلا جزء يسيرا من اهتمامات العلماء، في حين نجد أن الاهتمام ينسب على التأليف في الفقه والتصوف وعلوم القرآن والمنطق والعقائد والأدب وتراجم العلماء وسير الصالحين والتاريخ وحتى كبار العلماء في عصر مولاي إسماعيل مثل الحسن اليوسي والشيح محمد الناصري، وعبد القادر الفاسي، وولده عبد الرحمن الفاسي، والمسناوي والمرابط الدلائي..
لا نجد عند هؤلاء مؤلفات في الحديث وشرحه واستنباط الأحكام منه، وإنما نجد عنهم مؤلفات فقهية وأدبية وصوفية، وفي القواعد النحوية والبلاغية، وأجوبة فقهية عن النوازل..
هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الاتجاه الفقهي والصوفي كان هو الاتجاه السائد، أو بعبارة أخرى نقول إنه كان الاتجاه الذي يطبع الحياة الفكرية بعامة.
 وسنرى أن سيدي محمد بن عبد الله الذي يمثل الاتجاه الحديثي بوعي وجدارة سيعمل بمختلف الوسائل علة تقوية هذا الاتجاه بين علماء عصره.
وفي عهد المنصور السعدي كان العلماء في طليعة الملحين على وجوب تحرير السواحل المغربية بل ينادون بوجوب استعادة الأندلس.
والمولى إسماعيل الذي حرر بمجموعة من المدن الساحلية: أصلا، والمهدية وطنجة، والعرائش (2) كانت ترفع إليه قصائد تهنئة بالفتح، ويتوسل فيها أصحابها بضرورة تحرير ما بقي محتلا من الثغور.
ولما تربع سيدي محمد بن عبد الله على عرش المغرب، واستطاع أن يخمد الفتن الداخلية، كانت قضية تحرير السواحل ما تزال تشغل بال الناس بعامة، والعلماء منهم بخاصة.
فالجو الفكري العام كان مهما بهذه القضية وظهر ذلك بوضوح في ابتهالات الصوفية، ومنظوماتهم..كما نلاحظ ذلك عند الشيخ محمد بن ناصر الدرعي في مجموعة من منظوماته، منها المنظومة المشهورة:
يا من إلى رحمته المفر
      ومن إليه يلجأ المضطر
إلى أن يقول:
وأبدل اللهم حال العســـر
      باليسر وأمددنا بربح النصــر
واجعل لنا على البغاة الغلبـة
      واقصر أذى الشر على من طلبه
واقهر عدانا يا عزيز قهـرا
      يقصم حبلهم ويقصى الظهرا
واعكس مرادهم وخيب سعيـهم
      واهزم جيوشهم وافسد رأيهم (3)
كما نجد ذلك عند غيره من رجال التصوف، وتجلى أيضا في دراسة ما يتعلق بالجهاد في الكتاب والسنة، وفي دراسة السيرة النبوية وما فيها من انتصارات باهرة وفتوحات واسعة.
فالحديث عن الجهاد ووجوب إنقاذ البلاد، بما اهتم به العلماء في هذه الفترة كما نلاحظ ذلك عن اليوسي وغيره:
وكانت هناك دعوة إلى وجوب الروابط بين المسلمين تمثلت في المراسلات بين العلماء، وفي الرغبة الملحة في أداة فريضة الحج، ولقاء الشيوخ والعلماء، والاتصال بالقادة والأمراء، فكثرت الرحلة إلى بلاد المسلمين: مصر، والشام وتركيا، والحجاز....
كما نلاحظ ذلك عند ابن الطيب التركي، والروداني، وأبي سالم العياشي، والزياتي وغيرهم..
ونلاحظ أن سيدي محمد بن عبد الله كان متشعبا بالفكرتين معا: فكرة تحرير السواحل، وفكرة تمتين الروابط بين البلاد الإسلامية.
2) ومن إيجابيات الحياة الفكرية في هذا العهد موسوعية المعرفة، ابتداء من حفظ كتاب الله عز وجل وإتقان رسمه وضبطه وقراءة العلوم المتعلقة به، إلى أنواع أخرى من ضروب المعرفة، كدراسة الحديث ومصطلحه، والسيرة النبوية وتاريخ العرب في الجهلية والإسلام، ومعرفة الأحكام الشرعية بدراسة فقه العبادات، وفقه المعاملات، ثم التعمق في دراسة اللغة والنحو، وعلوم البلاغة،والأصول والمنطق، والصرف، والعروض، والتنجيم، والفرائض والتصوف..
وبهذا كانت ثقافة العالم في هذا العصر ثقافة موسوعية كما نلاحظ عند اليوسي وعبد القادر الفاسي، وعبد الرحمن الفاسي، والمسناوي، وابن زاكور، ومحمد بن عبد السلام بناني، والتاودي بن سودة وغيرهم.
فالشاعر مثلا لا يمكنه لان يتفرغ لقول الشعر دون أن يكون قد أخذ بحظ وافر من العلوم السالف ذكرها.
وبصدق هذا القول على الأديب والمؤرخ والصوفي، والفلكي والفقيه والطبيب.
فبالرغم من اختلاف الاتجاهات والميول هناك قاسم مشترك بين الجميع، وهذا من مميزات ثقافة هذا العصر، وتطالع الدارس هذه الميزة، وهو يقرأ مؤلفاته هذه الفترة وما أنجز من أعمال فكرية.
وهذه الظاهرة كانت معروفة من قبل, لكنها تأكدت في هذه الفترة عند كبار العلماء وغيرهم.
فلا يمكن للمثقف في هذا العصر أن يكون أديبا دون أن يكون فقيها، ولا أن يكون فقيها دون أن يكون متمكنا من اللغة وقواعد النحو والبلاغة...ولا أن يكون عالما يشار إليه بالبنان دون أن يجمع في دراسته بين مواد مختلفة ومتعددة.ومع ذلك ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا أن الازدهار الفكري والثقافي أمر نسبي، فإذا قارنا هذه الفترة بعهوده الازدهار الكبير بالمشرق، أو بالمغرب، أو الأندلس في بعض الفترات فقد نجد أنه لا مجال للمقارنة لكن إذا قارنا هذه الفترة بفترات أخرى جمدت فيها القرائح واضطربت فيها الأوضاع السياسية والاجتماعية...فإننا نجد الحركة الفكرية ابتداء من عهد المولى رشيد عرفت نشاطا وازدهارا..إذ كان هذا العاهل العظيم من العلماء، وكان من عاداته أن يعقد مجالس للعلم والبحث، وعمل على تشجيع النشط الفكري.
وساهم في بناء مؤسساته كمدرسة الشراطين، والصفارين، ومكتبة القرويين...وجلب إلى فاس علماء الزاوية الدلائية أصبحت القرويين في هذه الفترة تعج بالعلماء والمدرسين، ونشطت حلقات العلم...
وهذا ما أشار إليه اليفراني (ت: 1154هـ) في كتابه الظل الوريف حيث قال: "حدثنا غير واحد من أشياخنا قال كنا في ومن الشبيبة نطلب العلم ونسأل عن مسائله على صورتها ولا نلفي من تضلع به، بل كانت الأرجوزة المسماة "بالسلم" لا يعرفها غير رجل أو رجلين، فما مد الله لهذه الدولة الأكناف" وأسمى قدرها وأناف، تدفقت على الناس العلوم ودانت صعاب الفنون، حتى عاد الطلبة يعرفون فنونا عديدة، ويكون لهم فيها عارضة مديدة، وقد تخرج في هذه الدولة السعيدة جماعة من الأعلام، لهم القدم الراسخة في العلم، واليد الطولى في الإتقان، وألفوا تآليف حسنـــــة"(4).
وهذا ما أكده أبو علي اليوسي في إحدى رسائله الموجهة إلى المولى إسماعيل إذ يقول:"....ثم جاء المولى رشيد الشريف وأعلى مناره – وهو يتحدث عن العلم – وأوضح نهاره، وأكرم العلماء إكراما لم يعهد، وأعطاهم ما لا يعد، ولا سيما بمدينة فاس، فضح من قبله، وأتعب من بعده، ولو طالت مدته جاءته علماء كل بلدة" (5).
وعرف العصر الإسماعيلي مجموعة من كبار العلماء بالمغرب مثلوا أهم عوامل نشاط الحركة الفكرية بالمدن والبوادي، مثل أبي علي اليوسي (ت: 1102هـ) صاحب المؤلفات العديدة كالمحاضرات، والقانون، والديوان والفرهست..
وعبد الرحمن الفاسي (ت: 1096هـ) سيوطي زمانه، صاحب الأقوم في مبادئ العلوم الذي هو بمثابة دائرة معارف، وخلف هذا العالم أكثر من مائة وسبعين مؤلفا في مختلف العلوم من طب وتاريخ وفلك وتراجم وفقه..وهو صاحب "نظم العمل الفاسي، الذي ظل محط عناية الدارسين لفترة طويلة من الزمن، ومحمد العربي القادري (ت:1113 هـ) الذي ألف في التاريخ والتراجم وغيرهما.
وأخوه عبد السلام القادري (ت: 1110هـ) الذي ترك عدة مؤلفات، وهو صاحب "الدر السني" في بعض ما بفاس من أهل النسب الحسني".
وابن عيشون الشراط (ت: 113هـ) ومحمد الوزير الغساني (ت: 1119هـ) صاحب رحلة الوزير في افتكاك الأسير، وأعاد التاريخ نفسه من ابن عثمان المكناسي مؤلف: الإكسير في افتكاك الأسير، وكلاهما عن أمر سلطاني، والأول عن مولا إساماعيل، والثاني عن أمر حفيده سيدي محمد بن عبد الله.
ومن علماء هذا العصر الشيخ أحمد بن ناصر (ت: 1129هـ) صاحب الرحلة العملية والذي اشتهر بعلومه ومعارفه...ورحلته أشهب ما تكون بالرحلة العياشية الذائعة الصيت..
وأبو عثمان سعيد بن قاسم العميري تلميذ اليوسي المفتي والقاضي والمدرس بمكناس، وصاحب الفهرست العلمية المفيدة.
وأبو العباس أحمد القادري (ت: 1133هـ) والشيخ محمد بن الطيب العلمي، أحد كبار الأدباء في عهد المولى إسماعيل، ومؤلف الأنيس المطرب الذائع الصيت، والكاتب بالقصر السلطاني بمكناس، توفي بالقاهرة 1134هـ وكتابه يؤرخ للنهضة الأدبية بالمغرب في هذا العهد..
وأسرة الدلائيين، وأسرة المنجرة، والقائمة طويلة...
                                                   ***
وبهذا نرى أن بداية العصر العلوي عرفت نهضة فكرية ازدهرت في عده المولى رشيد ثم في عهد المولى إسماعيل وبلغت أوجها على يد سيدي محمد بن عبد الله (1171هـ-1204هـ/1757-1790م) الذي يعد من الشخصيات البارزة في تاريخ المغرب، ومن الملوك الذي قاموا بأدوار مهمة في مختلف مجالات الحياة: سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا وعمرانيا..وتجمع المصادر التي تحدثت عن فترة حكمه أنه كان من السلاطين الذي عرف المغرب في عهدهم استقرارا سياسيا، ونشاطا فكريا، وازدهارا في مجال العلاقات الدولية والاتصالات الخارجية حيث أصبح المغرب في عهده دولة مرموقة عزيزة الجانب تحترمها دول الشرق الإسلامي، والغرب المسيحي، وفي المجال الفكري يعتبر بحق أحد علماء عصره لمبرزين، ومن الشخصيات التي لها شان ملحوظ في ميدان العلم والمعرفة.
وهو منذ نشأته الأولى أعد إعداد جيدا، وربي تربية متميزة بحيث نستطيع أن نقول إن الجو الفكري الذي عاشه سيدي محمد بن عبد الله له تأثير على مجرى حياته العلمية بالإضافة إلى مواهبه الفطرية التي حباه الله بها: من ذكاء حاد، وذاكرة قوية، وجرأة نادرة، وأخلاق عالية، وهمة طموحة...وظهر نبوغه قبل مبايعته بالملك، حيث استطاع أمن يوطد الأمن بآسفي ومراكش وجنوب المغرب، وأقر السلام بسهول سوس وجبالها، ولما اعتلى عرش المغرب واظب على مخططه في إخماد الفتن، ونشر الأمن...وعمل على تحرير الثغور المحتلة فطرد البرتغاليين منم مدينة الجديدة سنة 1182هـ 28/2/1769. وحصن بعض المراسي، وأسس بعض المدن كالصويرة وفضالة. وجدد ميناء أنفا، وكان مولعا بالبناء والتشييد فخلف آثارا عمرانية هامة من مساجد ومدارس وحصون، وكون الجيش المغربي تكوينا جديدا، ونظم مداخل بيت المال وضرب السكة.
أما في الميدان الفكري، فمبادرته وتوجيهاته استطاعت أن تبعث النفوس في نفوس علماء عصره روحا جديدة من النشاط، والعمل الثقافي حيث أنشأ مجالس علمية غذاها بتوجيهاته، وإرشاداته، ورسم للعلماء خطة العمل في ميدان البحث والدراسة.
والحركة الفكرية في عهد سيدي محمد بن عبد الله امتداد طبيعي للحياة الفكرية في عهد المولى إسماعيل، ولم تتأثر بسوء الأوضاع السياسية التي أعقبت موت هذا العاهل العظيم إلا تأثرا محدودا.
ويبدو هذا جليا في وفرة العلماء وكثرة المؤلفات، وكثرة المجالس العلمية، وفي طرح قضايا فقهية وحديثية وأدبية واجتماعية لتحلل وتدرس....ويتجلى ذلك أيضا في حث السلطان العلماء على التأليف، وعلى المزيد من الإطلاع، وحثهم على خلق روح التنافس بينهم، وفي إسناده لهم القيام بأعمال فكرية قصد إنجازها، وإبداء الرأي فيها، مع الاهتمام ببعض العلوم التي كانت نسيت وأهملت.
ويبدو من خلال دراسته هذه الفترة أنه لا تنافي بين ازدهار الحياة العلمية وبين عقم المنهاج التعليمي، والباحث عن الحياة الفكرية في هذه الفترة يجد نفسه أمام هذا الواقع.
ولعل سبب ذلك هو أن ازدهار الحياة الثفافية ينشأ عن عدة عوامل منها: الرغبة في تحصيل العلم، والتضحية في سبيل الحصول عليه، وهذا نابع من روح التعاليم الإسلامية التي تحث المسلم على التزود بالمعرفة، وتشجعه على طلبها من المهد إلى اللحد.
في حين أن أساليب التدريس تتحكم في جمودها عوامل أخرى: عادات تقاليد..مع عدم الاهتمام بتطوير البحث والتلقين.
وبهذا يتضح وجود حركة فكرية، وحب للعلم والمعرفة..إلى جانب أسلوب تعليمي عقيم,
فعصر سيدي محمد بن عبد الله يتميز باتساع مجالات الدراسات العلمية، وبزهور شخصيات عملية ذات مكانة مرموقة مثل: أبي العباس أحمد الهلالي السجلماسي (ت: 1175هـ) ومحمد الفاسي (ت: 1179هـ) وعبد الرحمن المنجرة (ت: 1179هـ) والصوفي اللامع المعطي بن الصالح الشرقي (ت: 1180هـ) وأبي مدين الفاسي (ت: 1181هـ) وأبي العلاء إدريس العراقي المحدث الشهير (ت: 1181هـ) وأبي العباس أحمد بن الونان (ت: 1187هـ) ومحمد بن الطيب القادري (ت: 1187هـ) وأبي حفص عمر الفاسي العالم الفذ (ت: 1188هـ) وأحمد الغزال (ت: 1191هـ)، وابن عزوز المراكشي (ت: 1204هـ)، وشيخ الجماعة سيدي محمد التاودي بن سودة (ت: 1209هـ) ومحمد بن عثمان المكناسي (ت: 1213هـ) وغيرهم.
وكل هؤلاء لهم تأليف متعددة في الفقه والتصوف والنحو والمنطق والعقائد والتراجم والأصول والبلاغة والأدب، والفلك والسيرة، وعلوم القرآن، والتاريخ..
لكننا إذا ألقينا نظرة فاحصة على ما ألف في هذا العصر منم رسائل وكتب ومؤلفات نجد أن معظم هذه الكتب شروح وحواشي وتعاليق، وردود ومنقاشات حول جزئيات ومسائل فقهية فرعية أو عقائدية فلسفية.
وفي في جملتها لا تخرج عن اختصار المطول، وشرح المعقد، ومعظمها في الفقه والتصوف والنحو والمنطق، مع كثرة الاهتمام  بوضع الشروح على (سلم الأخضر) إلى درجة تسترعي الانتباه (6).
أما التفسير والحديث فكان حظهما ضئيلا جدا.
ومعنى هذا العصر عرف نشاطا تعليميا، وتفرغ فيه كثير من الناس لدراسة العلم وتتبع مسائله، والرحلة في طلبه، والجلوس لتلقيه من شيوخه بالمدن والبوادي.
ويجب أن لا ننسى أنه كان لشخصية سيدي محمد بن عبد الله دور كبير في تنشيط الحركة العلمية، وتنشيطه لهذه الحركة ينطلق من منطلقتين رئيسيين:
أولاهما: أن سيدي محمد بن عبد الله هو شخصيا من أبرز علماء هذا العصر، فهو قد درس مختلف العلوم التي كانت سائدة في عصره، وبرز فيها، وكان شغوفا بالعلم إلى درجة أن مسؤولياته العديدة كملك للبلاد، لم تصرفه في يوم من الأيام عن الدرس والبحث، وهذا مما جعله يشجع الحركة العلمية ويذل في سبيل تشجيعها الوقت والمال..
وثانيهما: ما جبل عليه هذا العاهل الكريك من روح إصلاحية وتوقان نحو الأسمى والأفضل في كل شيء وهذه الروح الإصلاحية لم تقتصر على تشجيع العلم وأهله فحسب، بل تجاوزت ذلك للتفكير بجدية وعمق في إصلاح مناهج التعليم، وفي انتقاء الكتب الدراسية المفيدة، وفي بث روح الطموح العلمي دون الاقتصار علة مجرد تحصيل القواعد وفهم المسائل وحل المشاكل.
ومن هذين المنطلقين عمل سيدي محمد بن عبد الله علة تنشيك الحركة الفكرية، وعلى دعم التيار الإصلاحي.
ولا شك أن مجموعة من العلماء أدركت مقاصده وأهدافه وعملت على تنفيذ خططه ومناهجه، وتجاوبت مع العاهل الكريم وامتثلت لأوامره وتوجيهاته وإرشاداته..وكل ذلك جعل الحياة الفكرية في عهد سيدي محمد بن عبد الله تتسم بتنوع في النشاط الفكري بكيفية تسترعي الانتباه، وفي هذه الفترة أصبح عدد من الفقهاء يهتمون بالحديث، ويؤلفون فيه ويشرحون نصوصه ويتتبعون رجاله...ويتعاملون مع مصادر وأصول ما كانوا ليتعاملوا معها لولا توجيهات سيدي محمد بن عبد الله.
الأسلوب التعليمي: ومما يرتبط بالحياة الفكرية، الأسلوب التعليمي الذي تدرس به المواد.
ويلاحظ في هذا المجال أن الأسلوب التعليمي بالمغرب ظل منذ العهد المريني وهو يسير تقريبا في اتجاه واحد تمثل في الاهتمام بعلوم الفروع، والاعتماد في الدراسة على المختصرات، والمنظومات المعقدة قصد تجميع المعاني الكثيرة، في ألفاظ يسيرة وبغية التغلب على الحفظ والاستظهار. وبذلك كثرت المنظومات التعليمية، والشروح والحواشي والتعاليق...وبالرغم من الانتقادات التي تعرض لها هذا الأسلوب من قبل بعض كبار العلماء: كالأبي، والمقري، وابن خلدون، والقباب، وغيرهم (7) فإن هذا الأسلوب استمر، وأصبح معتمدا في الدراسة بالمعاهد والمساجد والزوايا. وكان عليه الاعتماد في تدريس فروع الفقه، وعلوم الآلة: النحو، واللغة والبلاغة، واقتصر هذا الأسلوب على التعامل مع كتب معينة، كثرت فيها المسائل والتفريعات. أي مع كتب لا تهتم باستنباط الأحكام من مصادرها الأصلية، واهتم بتدريس الكتب المعتمدة على فهم المسائل المعقدة، وإدراك صور المسائل المتخيلة، والمفترضة، والهامشية...وبقي الأمر علة هذا الحال مدة طويلة من الزمن،وبمرور الأيام ازداد الأمر سوء، وكثر الاهتمام بكتب المتأخرين الذين يزيدون المادة تعقيدا، وبعدا عن مصادرها الأصلية وبهذا الأسلوب التعليمي ابتعد الناس عن الوضوح، وعن المصادر ذات الأسلوب المبسط الواضح، وبذلك فقدت الدراسة قيمتها الحقيقية، وابتعدت عن أهدافها السامية وتحدث سليمان الحوات (ت: 1231هـ) المعاصر لهذه الفترة عن المواد الدراسية التي كانت تدرس بهذا العهد، والتي كانت محط اهتمام الدارسين، وذكر الكتب التي كانت تدرس بها هذه المواد، ويأسف لعدم اعتماد الدراسة على كتب أمها ومؤلفات أصيل – "فالتفسير مثلا أصبحت دراسته مهجورة، وشاعت حول تدريسه الشائعات المنفرة من تعاطي تدريسه". ومما يحكى في هذا الصدد تدخل سيدي محمد ابن عبد الله بإيعاز من جدته العالمة السيدة خناثة بنت لكار المغافري لإنقاذ الفقيه عمر لوقش الذي كان يدرس التفسير بمكناس، فقام الفقهاء صده وألبوا عليه السلطان مولاي عبد الله.
"أما علم الحديث فاقتصر الناس فيه على الصحيحين البخاري ومسلم، وعلة مصطلح الحديث بألفية العراقي، وفي السيرة على (الاكتفاء للكلاعي، وتركوا ما عدا ذلك)".
ومن الملاحظ أن دراسة "الحديث" كانت لمجرد التبرك به لا قصد تدبره وفهم معانيه واستنباط الأحكام منه...
"أما الفقه فانحصر اهتمام الناس في هذه الفترة على مختصر خليل) وتصدوا لحل مقفل ألغازهن وكثرت الشروح والتعاليق والحواشي على المختصر، وتعصب له الفقهاء.."
ويذكر الحوات أن تدريس الفرائض كان يعتمد على فرائض مختصر خليل، وعلى مختصر الحوقي وشرحه، ونظم التلمساني وشرحه، وترك الناس دراسة مدونة سحنون، ومختصرها لابن أبي زيد القيرواني، والنوادر له، والرسالة وكتاب التذيب للبرادعي وشروح هذه الأمهات.
أما النحو واللغة فالاعتماد في تدريسها على كتب المتأخرين: لابن أجروم، وابن مالك، وابن هشام، وشروحها. وفي اللغة يدرسون: العين للحليل ابن أحمد ذ، وجمهرة ابن دريد والقاموس، وأساس البلاغة.
وفي علم البيان "التلخيص" و"الإيضاح" وشروحها، وما عداها صار نسيا منسيا.
أما الحساب فيعلم للتلميذ المبتدئ بكتاب القلصادي، وللمنتهي "بمنية الحساب وشروحها".
أما عن الأدب، فيقول: "من جملة الكتب المتدوالة في هذا العهد كتاب الأغاني للأصفهاني.
وعن التصوف يذكر: أن همم أهل المغرب في هذا العهد تقاعست عن الاهتمام، وبموضوعات التصوف، سوى ما كان من مسائل التقطها ابن عطاء الله من الكتاب والسنة وكلام القوم على شكل حكم، وعدت من التصوف، واعتنى الناس بها ووضعت عليها شروح كثيرة، وترددها ألسنة المدرسين والطلبة وأما الكتب المتضمنة لموضع الفن على سنن أهله، ووفق مصطلحهم فقد تضائل العمل بها.
وعم علم الكلام والمنطق يذكر أن الدراسات اقتصرت على كتب الشيخ السنوسي التي اعتنى بها الناس شرحا وتعليقا وتلخيصا.." (8).
ومعلوم أن المسلمين اهتموا بعلم الكلام والمنطق منذ عهد الصراع بين الفرق الكلامية وبخاصة منها المعتزلة والأشاعرة، وتدرجت دراسة هذا العلم عبر كتب معينة، إلى أن وصل بها المطاف بالمغرب على عهد سيدي محمد بنعبد الله إلى الاقتصار على كتب الشيخ محمد بن يوسف السنونسي (ت: 894 هـ) وكتبه في العقائد هي: المقدمة، والصغرى، وصغرى الصغرى، والوسطى، والكبرى، وهي كتب معقدة تستعمل اقيسة واستنتاجات المنطق الأرسطي في لف ودوران، وينتهي الدارس لها بعد وقت طويل إلى نتائج تافهة.
فعرض الحوات على قصره يعطي صورة واضحة المعالم عن المواد التي كانت محط اهتمام المدرسين والطلاب، ويصور جانبا هاما من جوانب الاهتمامات الفكرية لهذا العصر.
ويبدو من خلاله أن الحوات نفسه لم يكن مقتنعا بفعالية وجدوى هذا الاتجاه في التدريس.
والمواد التي ذكرها كموضوعات للدراسة تظهر بجلاء أن الهمم قد تقاعست عن طلب المفيد، وعما فيه من طموح وتوقان نحو الأفضل بالرغم من كثرة الدارسين، وكثرة المؤلفات والمؤلفين.
وسبقت الإشارة إلى أن سيدي محمد بن عبد الله في بداية طلبه للعلم درس هذه المواد بنفس الأسلوب الذي كانت تدرس به وأهتم بالأدب والتاريخ واللغة والشعر..ثم بالحديث وعلومه.
لكن سيدي محمد بن عبد الله بما حباه الله به من فكر وقاد، ومعرفة واسعة، وبصيرة نافذة، وحب للعلم، ومواهب إصلاحية خلاقة.. كان لا بد وأن يفكر في إصلاح أوضاع مجتمعه في الميادين المختلفة، اقتصادية وفكرية، وقضائية...وأن يهتم بصفة خاصة بمواد الدراسة وأسلوب التدريس.
لقد سبق الوصف الذي قدمه الحوات عن كتب الدراسة بالقرويين والذي اتضح من خلاله أن الطبع التقليدي في التفكير كان هو السمة السائدة بين العلماء والفقهاء والأدباء... وبهذا يتأكد مقدار ما كانت تدعو إليه الضرورة من وجوب الإصلاح، وحتمية تغيير الأوضاع نحو الأفضل والأحسن..
وبطبيعة الحال أن تغييرا جذريا هادفا يحتاج إلى شخصية قوية وإلى عزيمة لا تلين، وإرادة مؤمنة، وصبر كبير. وسيدي محمد الثالث كانت تتوفر فيه هذه الصفات، للقيام بالإصلاح في مختلف الميادين، لكنه آثر التدرج في عمله الإصلاحي، وبأن يكون على مراحل، وهذا ما يفسر صدور المراسيم الإصلاحية في آخر عهده، ويبدو أن الأعباء الكثيرة، والأحداث والطوارئ المستجدة اقتضت أن يكون الإصلاح بخطوات وئيدة متبصرة.
وتمثلت الخطوة الأولى في عقد مجالس علمية يطرح فيها العاهل الكريم موضوعات للمناقشة، ومشاكل للحل في مجلس سلطاني يضم كبار العلماء، يستمع فيه العاهل إلى آراء جلسائه، وربما احتاجت بعض الموضوعات المطروحة إلى عدة جلسات وإلى مناقشات طويلة.
أما الخطوة الثانية فتجلت في إسناد مهام علمية إلى العلماء ليقوموا بإنجازها: كشرح كتب الحديث، والإجابة عن بعض القضايا كتابة وإعطاء وجهة النظر فيها، وفي الأمر بتأليف كتب عن الرحلات التي يأمر بها السلطان، ليعرف ما عليه البلاد الأخرى سواء كانت إسلامية أو مسيحية...
وعمل تنفيذ الخطوتين السالفتين على تحريك الهمم وإيقاظ العزائم، وتشجيع النشاط الفكري..وليعطي السلطان المصلح مثالا من نفسه، كان يأخذ قدرا من وقته للتأليف وقراءة دواوين السنة، والبحث عن المفقود منها، والبعث في طلبه، وبذل الغالي والنفيس في سبيل الحصول عليه...
مما أتاح به عقد المقارنات بين منهاج السلف الصالح في بث المعرفة ونشر العلم، وبين ما أصبح عليه الحال في المعاهد والمساجد والمدارس...وكل ذلك كل يزيد العاهل الكريم إصرار على وجوب الإصلاح، وبطبيعة الحال إن فكرة الإصلاح كانت تصطدم بمعوقات وعقبات، لأن تغيير ما اعتاد عليه الناس، وما توارثوه أبا عن جد، وخلفا عن سلف يعد من الصعوبة بمكان.
فالخطوتان السالفتان كانتا تمهيدا للخطوة الثالثة التي هي صدور الأمر الملكي بوجوب تنفيذ الإصلاح دون هوادة.
وكانت مجموعة من العلماء قد أدركت أهداف السلطان ومراميه، وأظهرت التفهم والقبول، سواء عن اقتناع كامل، أو عن شبه اقتناع.
وبهذا لم تكن الضرامة في تنفيذ عملية الإصلاح أمرا مفاجئا، وهذا مما جعل العملاء في هذا العصر يتحولون من تدريس مختصر خليل، وإلى تدريس الموطأ والصحيحين وأمهات كتب الفقه المالكي.
وذكر سليمان الحوات وهو يتحدث عن شيخه أبي عبد الله سيدي محمد التاودي بن سودة في كتابه الروضة المقصودة: :"لم ينقطع شيخنا عن قراءة المختصر إلا ما كان آخر أيام أمير المؤمنين سلطان السلاطين مولانا أبي عبد الله محمد بن أمير المؤمنين الحسني، فإنه صدر عنه الأمر إذاك بتأكيد قراءة التهذيب، والرسالة والاقتصار عليهما دونه- أي دون مختصر خليل – فامتثل رضي الله عنه، ثم عاد إليه بعد ذلك.."(9) أي في عهد السلطان المولى سليمان.
ومعنى هذا الكلام أن سيدي محمد بن عبد الله كان يدعو العلماء إلى تغيير مناهج دراستهم، وإلى استعمال كتب أمهات...
ويبدو كثيرا منهم لم ينقطع عن عاداته في التدريس بما فيهم الشيخ محمد بن سودة، وهو من العلماء الذين يحضرون مجالس السلطان، وممن أسند إليهم سيدي محمد بن عبد الله إنجاز بعض الأعمال العلمية.
ويذكر النص أنه في آخر أيام السلطان تأكد الأمر بما كان يدعو: "فإنه صدر الأمر عنه إذاك بتأكيد قراءة التهذيب، والرسالة..." وأما الأمر الصادر من السلطان لم يسع المدرسين إلا الامتثال، ومعنى ذلك أن الأمر الواجب الامتثال لم يصدر إلا في آخر أيام السلطان، وهذا مما يؤكد أن سيدي محمد بن عبد الله اتبع في إصلاح أوضاع التعليم المراحل المشار إليها سابقا.
ويذكر سليمان الحوات أن شيخه بن سودة كان يدرس الكتب الستة، ومعناه أنه كان يدرسها إلى جانب المختصر، تلبية لرغبة السلطان في الإقبال على تدريس كتب الحديث، وتعميم الانتفاع بها، لكن بعد صدور الأمر بالتخلي عن تدريس "المختصر" انقطع عن تدريسه، وأخذ يدرس التهذيب والرسالة...
يقول الحوات: "إن سيدي محمد بن سودة كان يدرس الكتب الستة، وممن أخذها عنه (بجبل العلم) الشيخ محمد بن الحسن بناني محشي الزرقاني..."(10). وختم كتب الحديث (بجل العلم) أو بغيره من أضرحة الأولياء كان مما دأب عليه يبعض علماء هذه الفترة، فالشيخ بن سودة المذكور سالفا زار ضريح السيخ عبد السلام بن مشيش سبعين مرة (11) حسبما ذكره الحوا في الروضة المقصودة، ويستفاد من سياق كلامه أنه في كل زيارة من هذه الزيارات كان الشيخ يختم فنا ممن الفنون، وبخاصة ما له قداسة كالقرآن والحديث.
ومن خلال ما سلف يتضح جليا أن الحياة الفكرية في عهد سيدي محمد بن عبد الله عرفت نشاطا ملحوظا حيث عمل السلطان العالم بفكر وقاد على إذكاء هذا النشاط وعلة جعله نشاطا مثمرا يستفيد منه العلماء والطلاب...
وذلك بسبب ما دعا إليه من تطوير الأفكار، والابتعاد عن المناهج الجامدة والأساليب العميقة..وبفتح مجالات جديدة للدراسة والتأليف، وإشاعة المعرفة وتيسير سبلها أمام طلاب العلم والباحثين والدارسين.

----------------------
1) انظر توازن محمد المسناوي وانتقاده للمدعين من المتصوفة وأبي علي اليوسي في رسائله وانتقاده لمنتحلي التصوف بالشعوذة.
2) احتلال المهدية سنة 1091هـ وطنجة 1095هـ  والعرائش 1111هـ وأصيلا 1102هـ انظر الاستقصا  7، 63 وما بعدا.
3) طلعة المشتري في النسب الجعفري، لأحمد بن خالد الناصري ج.1 ص. 324.
4) عبد الرحمن بن زيدان، مجلة المغرب، السنة5، نونبر ودجنبر 1936
5) بواسطة كتاب الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية: د. محمد الأخضر، ص.68.
6) انظر النبوغ، للأستاذ عبد الله كنون المؤلفات في هذا العدد.
7) انظر كتاب ورقات عن الحضارة المغربية في عهد بني مرين للأستاذ محمد المنوني 216.والملك المصبح للأستاذ حسن العبادي.
8) الملك المصلح سيدي محمد بن عبد الله، للأستاذ حسن العبادي: 100-104، عن الروضة لسليمان الحوات نقلت ذلك بتصرف.
9) الروضة المقصودة في مآثر بني سودة ، مخطوط، خ.ح (مصور)1023، ورقة 307.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here