islamaumaroc

العرش المغربي دعم متواصل للفكر والإبداع

  عبد الجواد السقاط

273 العدد

في خضم الاحتفال بمرور اثني قرنا على قيام الدولة المغربية، منذ عهد إدريس الأول في أواخر القرن الثاني للهجرة إلى عهدنا الحسني الزاهر، يتجه القلم في هذه السطور الموجزة إلى استعراض بعض الأدوار التي لعبها العرش المغربي طوال هذه القرون، ولا يزال، في دعم الحركة الفكرية والإبداعية بهذه الربوع، والعمل على استمرارية هذا الفكر والإبداع في نماء متطور، وتجدد خلاق.
ولعلنا ونحن تحاول رصد هذه الأدوار، أو بعضها على الأصح علما بأن استعراضها جميعها لا يسمح به مثل هذا المقال المحدود، نكتفي بالوقوف عند زمرة منها على سبيل المثال لا الحصر.
1) أول ما يلفت النظر في هذا الدعم تلكم المساهمة السلطانية في العطاء الفكري والأدبي، وهي مساهمة تميزت بالتنوع والتعدد، خاصة وأن معظم الملوك المغاربة قد كانوا يتحلون بثقافة علمية وأدبية أهلتهم لممارسة الكتابة شعرا أو نثرا، الشيء الذي يعتبر لونا من ألوان التشجيع والدعم، لا شك أنه كان عاملا من عوامل ازدهار الفكر والإبداع على مر العصور والأجيال.
فإذا نحن وقفنا عند الدولة الإدريسية، تأكد لنا من خلال كثير من المصادر التاريخية أن عددا من رجالات هذه الدولة ثبتت عنهم نصوص شعرية تدل – رغم قلتها – على تمرسهم بالشعر، وتسخيرهم له للإعراب عن هواجسهم وعواطفهم من جهة، ومن جهة أخرى لتخليد بعض الأحداث السياسية التي عرفها المغرب آنذاك، سواء في ذلك المولى إدريس الأزهر أو ابنه القاسم أو أبناؤهما وأحفادهما: من ذلك مثلا قول المولى إدريس الثاني متشوقا إلى أهل بيته:
لو مد صبر بصبر الناس كلهم
      لكل في روعتي أو ضل في جزعي
وما أربع إلى يأس ليلمــني
      إلا تحول بي يأس إلى طــــمع
وكيف يصبر مطوي هضائمه
      على وساوس هم غير منقطـــع
إذا الهموم توافت بعد هجعته 
      كرت عليه بكأس مرة الجــرع
بان الأحبة واستبدلت بعدهم
      هما مقيما وشملا غير مجتمـع
كأنني حين يجري الهم ذكرهم
      على ضمير مخبول من الفزع
تأوي همومي إذا حركت ذكرهم
      إلى جوانح جسم دائم الهلع (1)
                                                   ***
وإذا لم تسعفنا المصادر بشيء من هذا عند ملوك الدولة المرابطية، فإنها على العكس من ذلك قد أسعفتنا بنصوص شعرية لكثير من ملوك الدولة الموحدية كعبد المومن، ويعقوب المنصور، والمامون، والمرتضى الذي وقف صاحب النفح على سفر مجلد من شعره (2). وكنموذج للمرتضي هذا قوله في شهر المولد النبوي الشريف:
وافى الريع قد تعطر نفحــه
      أذكى من المسك العتيق نسيما
بولادة المختار أحمد قد بــدا
      يزهو به فخرا وحاز عظيما
بشرى بشهر فيه مولده الــذي
      ملأ الزمان علاؤه تعظيمـا
ضاءت به شرق البلاد وغربها
      وتأنقت أرجاؤها تنعـيمـا
فاعتزم أمر الله بوم طلوعــه
      وغدا به دين الإله قويمـا
فاعرف لهذا الشهر حقا قـدره
      فلقد غدا بين الشهور كريما
شهر كريم جاء فيه محمد
      صلوا عليه وسلموا تسليما (3)
هذا علاوة على بعض الأمراء كأبي الربيع سليمان الموحدي الذي ترك ديوانا شعريا حافلا. (4)
وعلى المنوال نفسه نسج الكثيرون منم ملوك الدولة المرينية وأمرائها، وخاصة منهم أبو عنان الذي وقفت المصادر التاريخية مطولا عند ثقافته الواسعة، وممارسته الأدبية المتنوعة، فقد فرض هؤلاء الملوك والأمراء الشعر، في أغراض متعددة، وبأساليب متباينة، سواء منهم من كان يعد شعره أو من كان يرتجله (5). وكنموذج لهذا الشعر نكتفي بأبيات للأمير أبي علي الحسن بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق خاطب بها أخاه أبا الحسن أيام حصارها له بسجلماسة وقد أيقن بزوال أمره:
فلا يغرنك الدهر الخؤون فكــم
      أباد من كان قلبي يا أبا الحسن
الدهر من كان لا يبقى على صفة
      لا بد من فرح فيه ومن حزت
أين الملوك التي كانت تهابهــم
      أسد العرين ثووا في اللحد والكفن
بعد الأسرة والتيجان قد محيـت
      رسومها وعفت عن كل ذي حسن
فاعمل لأخرى وكن بالله مؤتمرا
      واستغن بالله في سر وفي علن
واختر لنفسك أمرا أنت أمــره
      كأنني لم أكن يوما ولم تكن (6)
وكذلك كان الأمر بالنسبة للأشراف السعديين، ملوكا وأمراء، ولا سيما أحمد المنصور الذهبي الذي ثبتت عنه نصوص شعرية كثيرة، إلى جانب ظاهرة تأليف التي أكدت المصادر على مساهمته فيها بأكثر من كتاب. فقد تحدث المقري عن هذه الظاهرة فقال: "وأما تأليفه نصره الله فمنها كتاب "المعارف في كل ما تحتاج إليه الخلائف" مضمنه علم السياسة، وهو غاية في بابه لم يؤلف مثله، ومنها تأليف في الجواب عن حديث علي والعباس رضي الله عنهما وفاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث لا نورث، ما تركناه صدقة، أخربني من رآه أنه تأليف غريب في بابه. ومنها كتاب الأدعية والأذكار، وسماه "العود أحمد" (7)، هذا علاوة على ديوان جمع فيه شعراء أهل البيت النبوي، وأتى فيه على أزيد من ألف ترجمة"(8).
ولعلنا نقتصر هنا من شعر هذه الدولة على مساجلة شعرية دارت بين الأمير السعدي محمد بن عبد القادر وبين كاتبه الإمام عبد الواحد الشريف عندما كانا في بعض الأسفار، وكان اليوم ممطرا، إذ قال الأمير:
لله أشكو غداة السح إذ ركدت
      يسرى المطايا وحادي الريح يحدونا
فقال الكاتب:
والغيم في الأفق قد أرخى ذوائبه
      بأسهم الودق لا ينفك يرمينــا
فقال الأمير:
حتى استوى الماء في الأكمام واستترت 
      معالم الرشد لا حريت يهـــدينا
فظلت الخيل في الأمواج سابحة
      سبح الأساطيل ليت الدهر يرضـينا
فقال الكاتب:
والنفس في قلق لبين مألفها
      والشوق بجذبنا والحال يقصــينا
فقال الأمير:
كأننا لم نبت والوصل ثالثنا
      حتى غدا الطير فوق الصرح يشيفــنا (9)
وينتهي بنا المطاف إلى رحاب الدولة العلوية الشريفة التي يتميز ملوكها وأمراؤها بثقافتهم العالية واطلاعهم الواسع، في شتى أنواع العلوم والمعارف، حسبما تشهد بذلك سائر المصادر التاريخية، قديمها وحديثها. وإذا لم يكن في وسعنا أن نحيط بهؤلاء الأعلام جميعا في مقال موجز كهذا، فحسبنا أن نذكر على سبيل الاستشهاد المولى زيدان لن المولى إسماعيل الذي أثبت به صاحب الإتحاف بعض شعره (10)، والأمير عبد السلام بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل الذي أطلعه أحد أدباء عصره على ديوان يجمع فيه الأمداح المنقولة في مدح مولانا سليمان، وربما ذكر فيه شعرا يتعلق بغيره ممن له بالسلطان علاقة، فكتب على ظهره تقريظا مطلعه:
كحل بإثمد هذا الروض أجفانا
      واقطف سرورك من معنـاه ألوانا" (11)
ولا يسعنا في المجال الشعري دائما أن ننسى الأمير المولى محمد العالم بن المولى إسماعيل الذي "كان ماهرا في علوم كالنجوم والبيان والمنطق والكلم والأصول... وكان ينتحل الشعر وتهزه أريحية الأدب" (12)؛ ومن شعره نختار أبياتا يتشوق فيها إلى مدينة فاس، وهو إذ ذلك خليفة لوالده بمنطقة سوس:
ألا ليت شعري هل أنزه ناظري
      وللنفس إقبال بوادي الجــواهـر
أمتع طرفي في رياض أنيقة
      وأقطف أزهارا بها كالـزواهـر
بحيث نى أسد العرين صريعة
      وقد فتكت فيها ظباء المقـاصـر
وحيث نرى غلب الحدائق سلسلت
      حديثا صحيحا عن نسيم الأزاهر
وقد نسجت كف النسيم عشــية
      دروع مياه بين تلك النــواعر
وأصبحت الأطيار فوق غصونها
      فصاحا تقص فوق خضر المنابر
سقى الله أدواحا لفاس عهدتـها
      تغازل أنواء الغيوث المواطـر
ولا برحت عين تراها قريرة
      وإن قذفت بالقلب جمرة حائـر (13).
أما في مجال الكتابة والتصنيف فحسبنا كذلك أن نشير إلى المولى محمد بن عبد الله الذي اهتم بعلم الحديث اهتماما بالغاء، وصنف فيه:
• مواهب المنان بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان
• الجامع الصحيح الأسانيد
• الفتوحات الصغرى
• الفتوحات الكبرى، أو الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية
• الجامع الصحيح الأسانيد، من ستة مسانيد، وهو غير الجامع الصحيح المتقدم (14).
وكذاك نشير إلى ابنه الأمير عبد السلام الذي وضع تآليف عديدة، وفي مواضيع شتى منها:
• درة السلوك، وريحانة العلماء والملوك.
• مناهل الصفا في مناقب سيدي مصطفى.
• اقتطاف الأزهار في حديقة الأفكار. (15)
ونشير أيضا إلى السلطان المولى سليمان الذي وضع تآليف عديدة، وفي مجال الحديث والسنة خاصة، منها:
• عناية أولي المجد بذكر آل الفاسي بن الجد. (16)
• حاشية الموطأ. (17)
• حاشية على الخرشي. (18)
• حاشية على الزرقاني. (19)
• عدة رسائل في موضوعات شتى. (20)
ثم إلا السلطان المولى عبد الحفيظ الذي تنوعت تآليفه بين منظوم ومنثور من مثل: (21)
• العذب السلسبيل في حل ألفاظ خليل.
• نظم مصطلح الحديث
• نيل النجاح والفلاح في علم ما به القرآن لاح.
• الجواهر اللوامع في نظم جمع الجوامع.
• ياقوتة الحكام في مسائل القضاء والأحكام.
• نظم الشمائل المحمدية. (22)
ولعلنا نختم هذه الزمرة من التآليف بكتاب التحدي (23) الذي صنفه جلالة الملك الحسن الثاني أيده الله، والذي لا يعتبر – كما يقول ناشروه – كتابا ظرفيا، وإنما هو عمل يكتسي أهمية بالغة وخاصة. (24)
2) إقامة المدارس والمراكز العلمية بمختلف مناطق المغرب، بدءا من تشييد جامع القرويين بفاس في العهد الإدريسي، هذا الجامع الذي ظل شامخا صامدا يساهم في نشر العلم وتعميمه أجيالا تلو أجيال، ومرورا بالمدارس العلمية التي أقامها المرينيون بالكثير من مدن المغرب كفاس وسلا ومراكش وغيرها، (25) ثم مدرسة الصفارين التي شيدها المولى رشيد بمدينة فاس، والمدارس المتعددة التي بناها أو جددها المولى إسماعيل في مراكز مغربية متعددة، ووصولا إلى العهد الحسني الزاهر الذي شهد اتساعا في انتشار المؤسسات العلمية ذات التخصصات المتنوعة، وتوسيع شبكة الكليات والمعاهد التي تعتبر قوا البحث العلمي، وينبوعا ثرا للتحصيل والمعرفة.
3)استقطاب رجال العلم والأدب، وتشجيعهم على العطاء الفكري والإبداع الأدبي، فقد تحدث المراكشي مثلا عن بلاط يوسف بن تاشفين المرابطي ثم بابنه على الذي كان غاصا بالعلماء والأدباء الوافدين، وخاصة من الأندلس كقوله: "واجتمع له ولابنه من أعيان الكتاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق اجتماعه في عصر من الأعصار" (26) وقال عن علي بن يوسف: "ولم يزل أمير المسلمين ممن أول إمارته يستدعي أعيان الكتاب من جزيرة الأندلس، وصرف عنايته إلى ذلك حتى اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك" (27). كما تحدث عن ملوك الدولة الموحدية كعبد المومن الذي يقول فيه: "وكان عبد المومن مؤثرا لأهل العلم، محبا لهم، محسنا إليهم، يستدعيهم من البلاد إلى الكون عنده والجوار بحضرته، ويجري عليهم الأرزاق الواسعة، ويظهر التنويه بهم والإعظام لهم" (28). ومثل هذا نقرأه في الكثير من مصادر التاريخ عن ملوك الدولة المرينية، وكذلك ملوك الدولة السعدية، ولا سيما أحمد المنصور الذي كان "أبر الناس والأمراء بأهل العلم، استخلصهم لنفسه، وجمعه من سائر أقطار مملكته لمخاطبته وأنسه، وإذا سمع بمن ه منزلة في العلم أقدمه على حضرته العلية وإمامته العلوية".(29)
وغير خاف ما دأب عليه ملوك الدولة العلوية المنيفة من تقريب للعلماء وحدب على رجال الفكر والأدب، بدءا من المولى محمد الشريف (30) إلى جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله، الذي يسجل له التاريخ أكثر من مبرة في هذا الميدان، ومنها على سبيل المثال استقطاب جلالته لنخبة من علماء العالم الإسلامي للمساهمة في إحياء الدروس الرمضانية الغراء.
4) إنشاء المكتبات وتعميمها في كافة ربوع المملكة، وهو جانب يبلور دعم ملوك المغرب للفكر والإبداع، وتحفيزهم لمواطنيهم على الاستزادة من التحصيل والبحث. ولعلنا بالعودة إلى مصادر التاريخ المغربي نقف على الكثير من الأخبار التي تؤكد هذا الجانب فهذا عبد الواحد المراكشي يتحدث عن يوسف بن عبد المومن الموحدي فيقول: "ثم طمح به شرف نفسه وعلو همته إلى تعلم الفلسفة، فجمع من أجزائها. وأمر بجمع كتبها، فاجتمع له منها قريب مما اجتمع للحكم المستنصر بالله الأموي (31) ومعروف أن هذا الأخير كانت له خزانة عظيمة.
وهذا عبد الرحمن بن خلدون يتحدث عن يعقوب بن عبد الحق المريني فيقول: "إن السلطان أبا يوسف يعقوب بن عبد الحق لما انتصر على النصارى في جوازه الرابع إلى الأندلس عام 684هـ، كان من بين الشروط التي فرضها على ملكهم أن يبعث إليه بما لديه من الكتب التي سلبها النصاري من المسلمين لما استولوا على بعض المدن الأندلسية، فبعث هذا الملك إلى يعقوب المنصور بما يعادل ثلاثة عشر حملا كانت فيها المصاحف والتفاسير وكتب الحديث والأصول والفروع واللغة والأدب وغيرها، فأمر السلطان بحملها إلى فاس وتحبيسها على مدرسة الصفارين التي كان بناها قبل ذلك بتسع سنوات".(32) وهذا أبو زيد عبد الرحمن الفاسي يتحدث عن أحمد المنصور السعدي فيقول: " كان مولعا باقتناء الكتب ونسخها ومطالعتها"، (33) كما يتحدث محمد المختار السوسي عن ابنه زيدان فيؤكد أن خزانته كانت تضم حوالي ثلاثة آلاف كتاب. (34)
وهذا الدكتور محمد الأخضر يتحدث عن المولى رشيد فيقول: "وبنى مولاي الرشيد أيضا الخزانة العلمية بالجانب الجنوبي من الجامع الأعظم بفاس...وأوقف عليها جميع المؤلفات القيمة التي كانت تحتوي عليها لحفظها وتمكين القراء للاستفادة منها". (35)
وهذا العباس بن إبراهيم يتحدث عن السلطان العلوي المولى محمد بن عبد الله فيقول: "حبس خزانة كتب جده السلطان الأعظم إسماعيل التي كانت بدويرة الكتب الشهيرة بمكناس وفرقها على جميع مساجد المغرب، وكانت تزيد على الإثني عشر ألف مجلد، رجاء نفع عموم الناس، وسعيا وراء نشر العلم وتحصيله" (36). وفي السياق نفسه يتحدث عن الأمير علي بن عبد الرحمن بن هشام العلوي فيقول: "وكان كلفا بجمع الكتب الغريبة والبحث عنها، وكانت له خزانة كبيرة". (37)
وإذا كانت كل هذه الشهادات مستقاة من كتب التاريخ البعيد والقريب، فإن الواقع الذي نعيشه اليوم يشهد بما لجلالة الحسن الثاني نصره الله من فضل في هذا الباب، سواء بفتح خزانته العامرة (38) في وجه الأساتذة والباحثين، وهي الخزانة التي تعد "ثمرة جهود متواصلة بذلها ملوك الدولة العلوية الشريفة، جيلا بعد جيل، منذ أقام دعائمها السلطان مولاي محمد بن الشريف عام 1050هـ، (39) أو تعميم الخزانات في مدن المغرب وقراه، أو تخصيص جلالته خزانة متنقلة لصالح أفراد القوات المسلحة الملكية.
5) اتخاذ الوزراء، وذوي المناصب العليا من أهل العلم والأدب، والذين بهم قدم راسخة في هذا المجال إحاطة أو إبداعا. فإذا رجعنا مرة أخرى إلى معجب المراكشي، وقفنا على الكثير من الأعلام الذين كانت لهم مسؤوليات حساسة في بلاط المرابطين، نذكر منهم على الخصوص العالم الشاعر ابن أبي الخصال الذي كان من أنبه كتاب علي بن يوسف وأكبرهم مكانة لديه؛ وهي ظاهرة ظلت مستمرة متواصلة على توالي العصور وتعاقبها، نكتفي بالإشارة منها إلى الأديب الشاعر ابن عطية وزير عبد المومن الموحدي، والشاعر عبد العزيز الملزوزي الذي كان مؤرخا في بلاط بني مرين، والشاعر عبد العزيز الفشتالي مؤرخ المنصور الذهبي ورئيس ديوان إنشائه، والشاعر محمد يحيى أجانا وزير محمد الشيخ بن زيدان بن المنصور، والشاعرين أبي العباس اليحمدي وأبي حفص الحراق وزيري المولى إسماعيل، والشاعرين المؤرخين أبي القاسم الزياني ومحمد أكسوس وزيري المولى سليمان، والشاعر محمد بن إدريس العمرواي وزير المولى عبد الرحمن، والشاعر المؤرخ عبد الرحمن بن زيدان وزير المولى يوسف، وغيرهم كثير، ولا سيما في العصر الحديث، من أمثال الشاعر العالم علال الفاسي، والشاعر المؤرخ محمد المختار السوسي، والشاعر العلم عبد الرحمن الدكالي.
6- مجالسة رجال العلم والأدب، بل مناقشتهم في كثير من المسائل العلمية والأدبية، وانتقاد بعضهم أحيانا. فمعروف عن ملوك الدولتين المرابطية والموحدية أنهم كانوا يستقدمون العلماء والأدباء – كما تقدم – ويجالسونهم ويوسعون لهم في قصورهم، من ذلك مثلا تلكم العلاقة المتينة التي أقامها يوسف بن عبد المومن الموحدي مع كل من العالمين الفيلسوفين ابن طفيل وابن رشد، والتي توجها حمل يوسف ابن رشد على تلخيص كتب أرسطو إذ قال له يوما: "لو بهذه الكتب من يلخصها ويقرب أغراضها بعد أن يفهمها فهما جيدا لقرب مأخذها على الناس، فإن كان فيك فضل قوة لذلك فافعل، وإني لأرجو أن تفي به". (40)
والمواقف نفسه معروف عن رجال البلاطين المريني والسعدي، فهذا أبو سعيد المريني "اختص بجملة من أعلام العلماء فاتخذهم أهل مجلسه ومؤانسته، وتخير منهم من يسامره"، (41) ومن هؤلاء الأعلام نشير إلى عبد المهيمن الحضرمي وابن رشيد السبتي وابن عزوز المكناسي.
وهذا أبو عنان "يعقد مجالس العلم في كل يوم بعد صلاة الصبح ويحضر ذلك أعلام الفقهاء ونجباء الطلبة بمسجد قصره الكريم، فيقرأ بين يديه تفسير القرآن، وتروي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كما جاءت في موطإ الإمام مالك، وتقرأ كتب المتصوفة، وفي كل علم منها له القدح المعلى يجلو مشكلاته بنور فهمه، ويلقي نكته الرائقة من حفظه". (42).
وهذا أحمد المنصور السعدي"إذا قرأ بين يديه البخاري أو غيره صدرت عنه أبحاث رائعة واعتراضات فائقة"...(43) ولعل ملوك الدولة العلوية الشريفة قد بلغوا شأوا بعيدا في هذا المجال خلدته المصادر القديمة والدراسات الحديثة، وكلها تركز على ما لعله هؤلاء الملوك من أدوار جليلة في استمرار مشعل الثقافة متقدا وهاجا بهذه الديار.
وإذا كنا قد تحدثنا عن هذه الأدوار الجليلة بشيء من التفصيل في مقالين سابقين، (44) فحسبنا هنا أن نقتطف بعض الشهادات التي سجلها الدكتور محمد الأخضر عن المولى رشيد الذي كان "يحضر المجالس العلمية بالقرويين، ويحب مناقشة العلماء، ويغدق عليهم من عطاياه، كما كان يشجعهم على التبحر في المعرفة والأشغال بتأليف الكتب، (45) وعن المولى محمد بن عبد الله الذي بلغت الثقافة "غاية الازدهار في عهده مادام هوة نفسه عالما كبيرا يشجع العلماء على تحصيل المعارف وتأليف الكتب"، (46) وعن المولى سليمان الذي زار مرات عديدة جامعة القرويين، وحضر مجالس أعلامها وناقشهم في أعوص المسائل، محاولا إيجاد الحلول المناسبة لها"، (47) وعن المولى محمد بن عبد الرحمن الذي "شجع...الكتاب والعلماء ماديا ومعنويا وخصص لهم مرتبات ومكافآت لما يؤلفونه أو ينسخونه من كتب، (48) وعن المولى الحسن الأول الذي "كلف..شيخه أبا العباس أحمد بن الحاج بكتابة تاريخ مفصل للدولة العلوية، فألف الدر المنتخب في خمسة عشر مجلدا"، (49) كما "أمير كاتبه أبا العباس أحمد بن عبد الواحد بن المواز بتأليف كتاب في شرعية علم الكيمياء". (50)
وإلى جانب هذه المصادر والدراسات ينتصب الشعر مخلدا أيادي الأشراف العلويين البيضاء في نشر العلم والحث على تحصيله والبحث قيه، نورد منها – على سبيل المثال دائما ( قول الشاعر أحمد سكيرج في السلطان المولى يوسف:
كم من مدارس قد فتحت لدرس ما
      فيه يرى للجهل خير شفـــاء
وبذلت أنفس ما يكون لمن تنا
      فس منهم لنفائس الأشــياء
نورت أفكارا لديهم بالعلــو
      م فكنت محيي الدين للعلمـاء، (51)
وقول الشاعر محمد الفاسي في المغفور له جلالة محمد الخامس طيب الله ثراه:
حامي كتاب الله أع
      ـظم منزل متعبـــد
ملك يحب تقدما
      في كل شيء مسعــد
ويبث في الشعب النهو
      ض إلى السبيل الأقصد
ملك يحب العلم بي
      ن الشعب مقيــــد (52)
ونختمها بقول الأستاذ محمد حماد الصقلي في جلالة الملك الحسن الثاني أيده الله:
مولاي من مجلس سامي وطلعتكم
      تدفق العلــم بالقرآن والأثــر
شعت بفضلكم أنوار سنة من 
      قد أرسل الله يجلي الظلمة العسـر
فمن مجالسكم مولاي قد طلعت
      شمس الهدي تبعد الأعشى عن الخطر
جلى الرواية والتحديث مجلسكم
      تؤمه نخبة من جلسة النفــر (53)
وهكذا لو وقفنا طويلا عند هذه الميادين التي تبرز دعم ملوك المغرب للفكر والإبداع بهذه الربوع، أو تتبعنا غير ما ذكر( وهو كثير – كألوان التشجيع المختلفة، وإقامة المناسبات التي تطرح للمساهمة العلمية والأدبية المتنوعة، من إقامة المجالس العملية وحضورها، وختم المتون الذي يتوج بإنشاد الشعراء لقصائدهم في الموضوع...لو فعلنا ذلك لما كان هذا المقال المحدود كافيا ولا وافيا، ولكن حسبنا أن قدمنا إرشادات دالة ومقتضبة على العناية المتواصلة التي حظي بها – ولا يزال – الفكر والإبداع في المغرب، على امتداد اثني عشر قرنا لقيام الدولة المغربية وخلود عرشها العتيد الرفيع:
هكذا عرش رفيع ما ارتقا
      ه ولا يحميه غير النجــب
وإذا مدت إليه واعتدت
      كف باغ غاشم مغتصـب
حزها من منكب أبطالنا
      رافعو العرش بأعلى منكب (54)


--------------------
1) الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى لابن تاويت،  ج1 ص 18.              
2)  نفح الطيب للمقري، ج3، ص 542.   
3) الأمير الشاعر أبو الربيع سليمان الموحدي للدكتور  عباس الجراري ، ص 97    
4) انظر كتاب الأمير الشاعر أبو الربيع سليمان الموحدي" للدكتورعباس الجراري.
5) انظر في الموضوع "شعر السلاطين الأمراء  المرينيين" لرضوان بنشقرون، مجلة المناهل عدد 35، السنة 13، ربيع II 1407هـ   دجنبر 1986
6) الاستقصا للناصري، ج3، ص 120.
7) روضة الآس، ص 57.       
8) دليل مؤرخ المغرب الأقصى لابن سودة، ص 432    
9) الإعلام لابن إبراهيم ، ج5، ص 152.     
10) إتحاف أعلام الناس لعبد الرحمن بن زيدان، ج3،
11) الإعلام لابن إبراهيم ج.8 ص 482.
12) نشر المثاني لابن الطيب القادري، ج3، ص 168-169
13) أتحاف أعلام الناس لابن زيدان، ج4،ص 78  
14) انظر حول هذه الكتب التقديم الذي وضعه محمد الرشيد  ملين لكتاب الفتوحات الإلهية، وانظر حول هذا الأخير مقالا لعبد الجواد السقاط بمجلة "دعوة الحق"، العدد 265، شعبان،  ميشال بفرنسا، ثم ترجم إلى اللغة العربية، وطبع بها مرتين
رمضان المعظم 1407هـ، أبريل ماي 1987، ص86-93. 
15) انظر الإعلام لابن إبراهيم، ج 8 ص483 و ص 484،  
وج 6 ص 117.      
16) طبع بالمطبعة الجديدة بفاس عام 1347هـ-1928م.  بن يعقوب بن عبد الحق، وكذلك المدارس التي بناها ابنه
17-18-19) ذكرها محمد العابد في مقدمة عناية أولى المجد. 
20) انظر تفصيل هذه الرسائل في الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية، ص 363-364. 
21) انظر الإعلام لابن إبراهيم، ج 8 ص 483
22) طبعت هذه الكتب بمطبعة القصر الملكي.
23) صدر باللغة الفرنسية عام 1976 عن مطابع ألبان  ثانيتهما عام 1403 ه، 1983م بالمطبعة الملكية بالرباط
24) كتاب التحدي، المقدمة، ص 8 (الطبعة الفرنسية).
25) من ذلك مثلا مدرسة العطارين بفاس التي بناها عثمان أبو الحسن على ومنها المدرسة العظمى بمراكش،  والمدرسة العظمى بطالعة سلا، والمدرسة المصباحية    بفاس.
26) المعجب للمراكشي ص 164                
27) المصدر نفسه ص 173.        
28) المصدر نفسه ص 200. 
29) المنتقى المقصور لابن القاضي، تحقيق محمد رزوق، ج1، ص 530 
30) انظر مثلا الحلل البهية للمشرفي الفاسي، ص:49.
31) المعجب للمراكشي، ص238.
32) كتاب العبر لابن خلدون، ص 434.
33) لمحة في تاريخ دولة الشرفا للفاسي، مخطوط بالخزانة العامة،  بالرباط رقم د56، ص 112.     
34) إيلغ قديما وحديثا لمحمد المختار السوسي، ص 162.   
35) الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية ص.69.  
36) الإعلام لابن إبراهيم، ج6 ص 117.
37) المصدر نفسه، ج9، ص242.
38) وتوجد بالقصر الملكي بالرباط.
39) من مقال للأستاذ محمد العربي الخطابي  بعنوان: "الخزانة الحسنية للكتاب والوثائق، مجلة دعوة الحق، عدد 257، شوال ذو القعدة  1406هـ، يونيو، يوليوز 1986، ص10 
40) المعجب للمراكشي، ص243.    41) المسند الصحيح الحسن لابن مرزوق، ص 25.   
42) تحفة النظار لابن بطوطة، ج2، ص 183.    
43) سلوة الأنفاس للكتاني، ج3، ص 226.   
44) انظر"من تاريخ الحركة الثقافية في عهد المولى إسماعيل"  مجلة دعوة الحق، عدد 258، ذو الحجة 1406هـ غشت 1986م  
دعوة الحق، عدد 258، ذو الحجة 1406هـ، غشت 1986مص 42-49، وكذلك "من واقع التاريخ الأدبي في ظل الدولة العلوية"، مجلة المناهل، عدد 36/، سنة 14، ذو الحجة 1407هـ، يوليوز 1987م ص 286-310.
45) الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية ص 68
46) المرجع نفسه، ص 271.
47) المرجع نفسه، ص 276.
48) المرجع نفسه، ص 392.
49) المرجع نفسه، ص 394.
50) نفس المرجع والصفحة
51) اليمن الوافر الوفي لعبد الرحمن بن زيدان، ج1، ص 32. 
52) الشعر الوطني المغربي للدكتور إبراهيم السولامي،   ص 113.
53) ديوان الحسنيات،جمع الأستاذ عبد الحق المريني ج3، ص152
54) الشاعر إدريس الجاي، ديوان وفاء وولاء، ج1، ص50.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here