islamaumaroc

مفهوم الأمة والوطنية في المغرب والجزائر من خلال عرض وتحليل كتابين لجاك كاني وبنجمان سطورا

  قاسم الزهيري

273 العدد

بعد مرور أزيد من ربع قرن على استقلال دول المغرب العربي أخذت تصدر أبحاث تاريخية رصينة بأقلام وطنية وأجنبية تختلف عن مثيلاتها التي كانت تصدر أيام الاحتلال عن مؤرخي ومنظري الاستعمار. لقد كانت هذه الفترة كافية لظهور جماعة من الباحثين ممن أبناء المغرب العربي الذين أخذوا على عاتقهم تصحيح المفاهيم والكشف عن الحقائق التاريخية، بينما تفرع كثير من الباحثين الأجانب إلى التنقيب عن دفائن تاريخ هذه المنطقة بكثير من الموضوعية والنزاهة العلمية.
لأن كانت أبحاث المواطنين ساعدت على تجلية بعض ما تحتويه كثير من المخطوطات والمؤلفات القديمة التي يصعب الحصول عليها لنفاذ الكثير منها، فإن دراسات الباحثين الأجانب بالإضافة إلى بعض هذه المراجع على مصادر في شتى المكتبات الخارجية الغنية بالتراث العالمي: ولأن كانت دراسات المواطنين – رغم ما يبذله أصحابها من جهد موضوعي – تتعاطف مع القضايا التاريخية التي تتعامل معها، فإن الباحثين الأجانب المحدثين كثيرا ما يفحصون القضايا بمشاعر مجردة محايدة، ومن هنا تتجلى أهمية ما يصدر عن المنصفين منهم.
في هذا السياق يمكن إدراج كتابين صدرا منذ بضعة أسابيع: أحدهما عن المغرب، والأخر عن الجزائر في الوقت الذي تم فيه لقاء قائدي القطرين فحققا خطوات مهمة على طريق التعاون الثنائي من جهة، وهيأ مناخا طيبا لقيام وحدة المغرب العربي المنشودة.
نبدأ بالكتاب الأول للأستاذ جاك كاني وعنوانه: "الأمة والوطنية في المغرب"، ويقع في 782 صفحة (1).
الأستاذ جاك كاني معروف في الأوساط الجامعية بالمغرب. حاصل على دكتورة الدولة في الدراسات العربية والإسلامية. منقطع الآن للبحث في معهد البحث العلمي بالرباط وله عدة مؤلفات عن تاريخ المغرب العربي. ومؤلفه الجديد يدخل في هذا الإطار. وقد قاده البحث إلى الكشف عن جذور الأمة العربية ورسم معالمها ووصف حقيقتها منذ العصور الغاربة إلى اليوم استنادا على ثوابتها التاريخية وخصوصياتها الذاتية. يقول المؤلف في مقدمته:
"جرت العادة أن يجعلوا نقطة انطلاق الوطنية المغربية ابتداء من سنة 1930، وهي السنة التي توجه فيها المؤمنون إلى الله "كي يلطف بهم في ما جرت به المقادر" مثلما يضرعون إليه تعالى في أكبر مساجد المغرب كلما حزبهم أمر أو وقع تهديد للإسلام...
"لكن سرعان ما خلصنا إلى الملاحظة بأن حركة الاحتجاج والمقاومة التي انطلقت في 1930 لا يمكن أن تفسر في الواقع دون أخذ ما سبقها من أحداث بعين الاعتبار، وجوهر هذه الأحداث يشكل في الحقيقة لحمة التاريخ المغربي...يجب الغوص في أعماق الماضي إذا أردنا أن ندرك تمام الإدراك أصول هذه الوطنية وقوتها واستمراريتها".
ويضف الأستاذ كاني قائلا:
"أغلب المؤرخين يشددون على أن المغاربة مذ كانوا وهم يعملون ويكافحون للدفاع عن استقلالهم والمحافظة على شخصيتهم. فإذا أردنا ذكر كل فترة من فترات هذا الكفاح، قادنا الأمر في الواقع إلى كتابة تاريخ المغرب بصورة مفصلة. لذا فسنجتزئ بتقديم بعض مظاهر إرادة الاستقلال عند المغاربة مما نعتبره خاصة مميزة من خصائص هذه الإرادة".
ثم أوجز الكاتب الخط الذي ابتعه في كتابه قائلا:
"سنحرص من خلال نظرة خاطفة على أن نبين في البداية وجود إرادة الاستقلال سواء في الفترة التي سبقت الإسلام أو بعدما اعتنق المغاربة هذه العقيدة، ثم سنوضح بالحجة استمرار هذه الإرادة وتقيم الدليل على قواها في بداية القرن العشرين أي في الوقت التي أصبح فيه وجود المغرب مهددا كدولة ذات سيادة".
انطلاقا من هذا الرأي قسم السيد جاك كاني كتابه إلى ثلاثة فصول جزا كلا منها على عدة أبواب:
فالفصل الأول يحمل عنوان: إرادة الاستفلال؛
والفصل الثاني يحمل عنوان: إرادة الإصلاحات؛
أما الفصل الثلث والأخير فيحمل عنوان: الأمة المغربية، وقد أوضح المؤلف بالأدلة الراجحة أن إرادة الاستقلال وإرادة الإصلاح ظلتا متلازمين عبر تاريخ المغرب منذ العصور الخالية إلى عصرنا هذا، وشكلتا القاعدتين الأساسيتين اللتين ترتكز عليهما الوطنية المغربية.
استعرض الكاتب تعامل المغرب مع قرطاج وروما وما بذله قادته الوطنيون إذ ذاك من مقاومة مسلحة وما جرى من انتفاضات شعبية في عهد الأسر المحلية التي تعاقبت على الحكم: منها أسرة بوكوس وأسرة ماسيل وأسرة باكاط؛ وقد أنجبت حكاما قاوموا الغزو الأجنبي قبل التاريخ الميلادي بقرنين على الأقل وفي الفترة الفاصلة بينه وبين ظهور الإسلام، إذ برزت منذ ذلك الوقت إرادة الاستقلال في المغرب "بوجود جماعات منظمة ومرتبة اجتماعيا وسياسيا في شكل دولة أو دول عل نمط ملكي، على حد تعبير المؤلف، كما تجلت إرادة الإصلاح إذاذك بالاختلاف في النزعة الدينية مع روما.
ثم جاء الفتح الإسلامي، فتجلت إرادة الاستقلال في ردة البربر اثنتي عشرة مرة حسب مقولة ابن خلدون، وقي ظهور الخوارج البرغواطيين، فلما استتب أمر الإسلام، قامت الدولة الإدريسية وأعقبتها الأمبراطورية المغربية الكبرى بمعزل عن المشرق.
وبعد سقوط الأندلس وتوالي الاعتداءات على المغرب من طرف البلاد الإبيرية (اسبانيا والبرتغال) جاءت ردود الفعل قوية من لدن الحركات المرابطية والطرق الدينية والأشراف العلويين، فنظم الجهاد ضد العدوان السافر على التراب الوطني بكل الوسائل حتى صد على أعقابه باستثناء بعض الجيوب.
ثم اشتعلت المقاومة المسلحة بعد ذلك من أقصى المغرب إلى أقصاه، سهوله وجباله، وهاده وشواطئه من واحات الصحراء إلى الحدود الجزائرية وناحية وجدة وبني يزناسن والريف والدرالبيضاء والشاوية لما أخذ الاستعمار الأوروبي يشره إلى التوسع في المغرب. "لقد كانت إرادة الاستقلال أحد ثوابت تاريخ المغرب في دائرته الجغرافية المرسومة، وظلت على حالها تقريبا من ذ القرن السابع عشر ثم ظهرت بصورة كاملة في غضون العشرين التي سبقت بسط نظام الحماية، وأصبحت أهم الأسس التي ارتكزت عليها حركة مقاومة الشعب المغربي في تلك الفترة المعارضة أطماع الاستعماريين الأوروبيين" علة حد تعبير جاك كاني.
وخلص المؤلف بعد ذلك إلى إرادة الإصلاح التي تجلت في المغرب منذ أربعة قرون خلت والتي عقد لها فصلا مسهبا تعرض خلاله للتيار السلفي ولتأثير رواده الأولين: الأئمة أحمد بن حنبل وبان تيمية وابن القيم الجوزية مشعا إياهم بمحمد عبد الوهاب وجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وبعد الرحمن الكوكبي، هذا عن أثر المشرق في الحركة الإصلاحية التي نشأت ببلادنا، اما رواد اإصلاح المغاربة، فقد خص بالذكر منهم السلطان محمد بن عبد الله والسلطان مولاي سليمان وأحمد بن خالد الناصري صاحب الاستقصا، وأب شعيب الدكالي، ثم إن من جملة العوامل التي ساءت على الإسلام أفواج حجاج بيت الله الحرام والطرق الدينية والطلبة المغاربة الذي ذهبوا إلى المشرق وخاصة إلى الأزهر للدرس والتحصيل وقد بلغ عددهم في 1905 نحو الثلاثين، بالإضافة إلى الحركة التجارية مع الخارج حيث كان التجار يحملون معهم الأفكار الجديدة إلى المغرب، وتأثير الصحافة السلفية التي كانت ترد من الخارج وفي مقدمتها "العروة الوثقى" "والمنار".
ظهر في خضم هذا التفاعل الفكري تيار من التجديد سبقته ومهدت له أحداث خطيرة جرت على ساحة المغرب العربي، ومنها احتلال الجزائر وهزيمة الجيش المغربي في إيسلي 1844 واحتلال تطوان سنة 1860 وغزو تونس بعد ذلك "آنذاك تيار من التجديد يتأكد في المغرب مستهدفا في نفس الوقت الانفتاح على الخارج وتطبيق إصلاحات من شأنها أن تصنيف الفجوة الموجودة بين المغرب والأقطار المتوفرة على مؤسسات تتلاءم مع ظروف العالم المعاصر والتي حققت إذ ذاك نضهة اقتصادية".
على هذا الصعيد يندرج "مجلس الأعيان" الذي عينه المولى عبد العزيز سنة 1905، وهي السنة التي جاء فيها وزير فرنسا المقوض بطنجة سان روني طايانديي إلى فاس حاملا معه قائما منم "الإصلاحات العسكرية والاقتصادية والنقدية" كانت تريد الحكومة الفرنسية تطبيقها في المغرب؛ فأحاله العاهل المغربي على مجلس الأعيان الذي كان يتألف من سراة وعلماء من مختلف أنحاء البلاد، لكن ممثل فرنسا رفض التحدث إليهم، لقد اعتبر الفقيه محمد الحسن الحجوي مجلس الأعيان بمثابة "أول مؤتمر سياسي من هذا النوع" بينما أكد جاك كاني أن المولى عبد العزيز كان عاهلا دستوريا وشاق كثيرا من الأدلة على ذلك.
كما يدخل في نطاق حركة الإصلاح والتجديد أمر بيعة المولى عبد الحفيظ في بداية 1908، "فلأول مرة بالمغرب اشترط أصحاب البيعة شروطا مدققة وجعلوا إعلان بيعة العاهل متوقفة على قبوله لهذه الشروط... لقد وقع اختيار المولى عبد الحفيظ من بدن سكان العاصمة الإدريسية: شرفاء ورماة وعلماء وقضاة ونقباء وصلحاء وأعيانا" وبايعه الشعب بعد ذلك على نفس الشروط.
والجدير بالذكر مشروع الإصلاحات الذي تقدم به السيد عبد الله بنسعيد السلاوي إلى المولى عبد العزيز سنة 1901، لقد تقلب هذا الرجل في عدة وظائف سامية، واشتهر "بمشروع الإصلاحات مثلما اشتهر بعدائه للوجود الفرنسي في السنوات الأولى من بسط الحماية" ما سبب له الكثير من المعاناة، هذا، وقد كتب الكثير عن مشروع الإصلاحات الذي تقدم به كذلك السيد علي بن أحمد زنبير السلاوي إلى المولى عبد العزيز بعد انعقاد مؤتمر الجزيرة سنة 1906، والمعروف عن هذا الرجل أنه كان تاجرا وأقام بالخارج أمدا طويلا خاصة بمصر، وكلا الرجلين يعتبران "من كبار رواد الحركة الدستورية في المغرب".
خصص المؤلف الفصل الثالث والأخير ممن كتابه لشرح مفهوم الأمة المغربية محللا الإمامة الشريفة وإمارة المؤمنين ومعنى البيعة وموضحا السلطة المخزنية وذاكرا أعوان هذه السلطة ووظائفهم عبر التاريخ. وانتهى باستنتاج أكد فيه ثنائية طموح الأمة والوطنية المتمثلة في إرادة الاستقلال وإرادة الإصلاح عبر التاريخ مما "أتاح لنا – يقول جاك كاني – أن ندرك تمام الإدراك الركائز الأساسية التي اعتمدت عليها حركة المقاومة للغزو الأجنبي والتي اتسع نطقاها في بداية هذا القرن حتى شملت الإقليم بأسره، تلك المقاومة المسلحة التي استمرت، ثم تقلصت مع مرور الأيام لتنحصر في الجبال والصحراء وتنتهي سنة 1934 في بوزكارن جنوب غرب جبار الأطلس الصغير في الوقت الذي اتخذت فيه المقاومة شكلا سياسيا وبرزت بقوة فائقة، ثم توحدت المقاومة العسكرية والمقاومة السياسية في النضال خلال السنوات الأخيرة من الحماية".
لقد أثرى السيد جاك كاني المكتبة المغربية ببحث نفيس وبمرجع من أهم المراجع التي لا غنى للباحثين عنه. إضافة إلى الهوامش القيمة التي تبلغ المئات، والصور والخرائط والرسوم والوثائق التي حصل عليها في المكتبات الخاصة والعامة داخل المغرب وخارجه، والشهادات التي تلقاها من المختصين، أفرد المؤلف نحو مائة صفحة للكتب والمراجع. هذه البيليوغرافية وحدها ثروة لا تقدر بثمن. وخلاصة القول لهذا الكتاب من الكتب التي لا يستغنى عنها، ولا محيد لمن يهتم بتاريخ المغرب من الرجوع إليها.
                                                    ***
الكتاب الثاني الذي نود الحديث عنه بالكثير من الإيجاز هو كتاب صدر أخيرا بفرنسا تحت عنوان: "مصادر الوطنية الجزائرية للسيد بنحمان سطورا ويقع في مائتي صفحة. (2)
لقد صدر العديد من الكتب باللغة الفرنسية عن الجزائر والحرب الجزائرية بأقلام أبنا القطر الشقيق وكثير من الأجانب خاصة منهم الباحثين الفرنسيين، ونادرا ما يمر حول دون صدور جديد في الموضع على شكل شهادات أو حكاية وقائع الحرب التحريرية التي استمرت ثماني سنوات أو تحليل دوافع تلك الحرب.د
أما الكاتب بنحمان سطورا، فلم يكتف بسرد الوقائع ولم يقتصر على الأحكام العامة التي خلد إليها الكثير من الكتاب، بل اختار طريق التحليل السوسيولوجي المتعمق لفهم الظروف التي أدت إلى ثورة فاتح نونبر 1954، لقد تلقى مجموعة من المعلومات والأخبار عن ستمائة مسؤول جزائري، أخضعها إلى التحليل العلمي الدقيق ثم استنتج منها الخطوط العريضة القوية للوطنية الجزائرية ونشأتها وخاصياتها وخوضها حبر التحرير، والكاتب من المتخصصين في شؤون الجزائر والمطلعين على ما جريت الأحوال بها منذ نشوب هذه الحرب. ولما اشتمل عليه من معلومات ثمينة يعد الكتاب تاريخا اجتماعيا وسياسيا لفترة معاصرة من الجزائر.
ثم إن الكتاب يحتوي على دراسات حول الوطنية الجزائرية التي تستمد قوتها نن التراث الإسلامي من جهة والتيار الإشتراكي من جهة ثانية. وتكتسي هذه الدراسات أهمية خاصة في هذا الوقت الذي يدور فيه الحوار من جديد في القضايا الأساسية على مستوى القيادة والشعب الجزائري.

----------------------
1)Nation et nationalisme au Maroc : Jaques Cagne éditeur : Dar
Nachr Almaarifa                                                                            
2) Les sources du nationalisme algérien : Benjamin STORA éditeux :
l’Harmattan
                                                                                           

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here