islamaumaroc

شعر الصحراء.

  عباس الجراري

273 العدد

هذه دراسة تتناول بالبحث والتحليل بعض الظواهر المميزة للشعر الذي أبدعه أبداء الصحراء المغربية المسترجعة.
فهي مهداة إلى محرر الصحراء وموحدها مع أرض الوطن مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله في الذكرى الثامنة والعشرين لجلوسه – أيده الله وأعز أمره – على عرش أسلافه الكرام المنعمين.
والأصل فيها محاضرة دعي الكاتب ليفتتح بها الموسم الجامعي لكلية الآداب بأكادير، وكان إلقاؤها مساء الجمعة 16 أكتوبر 1987.

بسعادة غامرة وابتهاج كبير، ألتقي مع حضراتكم في هذه المناسبة التي أتيح لي فيها أن أشارككم افتتاح الموسم الجامعي الجديد، وأن أتشرف بتقديم درس يلقى في هذا الافتتاح.
الموضوع الذي اقترح على أن أدير المحاضرة عليه هو أدب الصرحاء. وهو موضوع متسع وخصب وغني، لماذا؟ لأن الصرحاء كانت وما زالت مركز علم وفكر وثقافة وأدب وشعر (1). ومن الصعب محاولة استيفاء مختلف هذه الجوانب في عرض محدود كالذي نحن بصدده، لذا سوف أكتفي بالنظر إلى الشعر، علما بأن أمر الشعر بدوره متسع، لأن الصحراء بطبيعتها شعر، وأهل الصحراء يكادون أن يكونوا كلهم شعراء، بل إنهم يقولون الشعر كما يتنفسون الهواء.
من هنا سوف أقتصر في هذا الشعر على بعض الظواهر، ولا سيما على ظاهرتين اثنتي. ولي إلى ذلك دافعان:
الأول: أني من خلال هاتين الظاهرتين سأبرز أهمية شعر الصحراء، وبالتالي كل أدب الصحراء,
الثاني: أني انطلاقا من نفس الظاهرتين، سأطرح إشكالا منهجيا، ثم سأعرض حله في نفس الوقت.
وأبادر إلى القول بأن قضية المنهج مهمة وأساسية. ونقطة البدء، فيها تحديد مفهوم المنهج. المنهج ليس كما يتصوره كثير من الدارسين مجموعة من الوسائل والأدوات والقواعد والمقاييس ولكنه منظومة متكاملة تبدأ بالوعي والرؤية والتصور، وتنتهي إلى الهدف والغاية، وبينهما تلكم الطرق الإجرائية التي يتوسل بها في إنجاز البحث أي بحث. ما هو الهدف بالنسبة لدراسة أدبنا، سواءا كان متعلقا بالصحراء أو غيرها؟ الهدف هو أن تعرف إلى هذا الأدب، أي إلى حقيقته وقيمته في حد ذاته، ثم حين يقاس بالأدب العربي كله، وحتى بغيره من الآداب.
لأسباب كثيرة لا أريد الدخول فيها، يصعب التحكم في تراث المغرب الأدبي، عن طريق محاولة استعراضه أو تتبعه التاريخي. ومن هنا يكون من الأفيد – منهجيا – أن يركز في دراسة هذا الأدب، شعرا كان أو غيره – على مجموعة من الظواهر والقضايا تكون كالمفتاح للوصول إلى كنه أدينا، والتغلب على مختلف أنواع الخلل والفراغ التي تشكل ثغرات في مسيرة هذا الأدب.
ويهمنا منت أدب الصرحاء في هذه المحاضرة – كما أسلفت – جانب الشعر، بل ظاهرتان منه. ما هما هاتان الظاهرتان؟
الظاهرة الأولى: أن شعر الصحراء كان – ومازال – أداة وحدة ووسيلة تواصل، أي أنه لم يكن في يوم ما شعرا منعزلا أو منغلقا يتحرك في بيئته فقط، ولمنه كان دائما يمد يده إلى أطرفا الوطن ليندمج فيه وينصهر داخل بوتقته، في عملية أخذ وعطاء مستمرين، توسل فيهما بكل الممكنات المتاحة، لإثبات الوحدة وتأكيد التواصل، على الرغم من الظروف التي كانت في معظمها صعبة، بما تلقي به في الطريف من عوائق وحواجز.
وتتجلى ملامح هذه الظاهرة على مستويين في التعبير: أحدهما خاص والآخر عام. 
أما على المستوى الأول – وهو الخاص – فيمكنني أن أعدد بعض المظاهر التي تبلوره دونما حاجة إلى تتبع لا يسمح به وقت الدرس, وكانت تساعد علة تأكيد هذا الجانب الخاص بعض العوامل التي أكتفي منها باثنتين:
1- انتقال بعض أدباء الصرحاء وعلمائها إلى أقاليم الشمال، وإقامتهم فيها للدراسة أو التدريس أو هما معا، على حد ما فعل محمد سالم الصحراوي (ت نحو 1364هـ), وهو من أبناء الصرحاء الذين كانوا في صحبة الشيخ ماء العينين، ثم أقاموا في سوس قال عنه المرحوم المختار السوسي في (المعول): "هذا شاعر فطري مفوه عبقري يعرف كيف يسبك وكيف يصوغ" (2). ومثله محمد محمود البيضاوي الشنجيطي العالم الكبير الذي هاجر إلى مراكش ليدرس، وكان مع الهيبة، وقد توفي في كدروس سنة 1349هـ(3).
وفي هذا الصدد تذكر كذلك خديجة أخت محمد محمود البيضاوي هذا: هاجرت مثله إلى مراكش لتشتغل بالتدريس. كانت عالمة مستحضرة للسيرة والعربية واللغة والنحو (4).
وإلى هؤلاء نضيف اسم محمد بابا الصحراوي (1290-1342هـ)" الأديب الكبير المشهور في إلغ حيث استقر سنين عديدة حتى صار كأحدهم...اتخذه ماء العينين ناسخا لمؤلفاته، وهو من المهرة في القرآن العظيم حفظا ورسما وحسن أداء...وهو فوق ذلك شاعر مفلق، له شرح حسن على لامية العرب" (5).
2- تبادل الإجازات العملية بين علماء الصحراء وعلماء المناطق الشمالية، مثلما حدث بين محمد بن محمد بن أبي بكر التواتي (940-1010هـ) وأحمد بن القاضي الذي قال عنه: "تدبجت معه، أجازني وأجزت لهن وأخذ عني الحساب والفرائض بمراكش: (6) وابن أبي التواتي هذا كان مبرزا في الفقه والحديث والعلوم الرياضية، وكان يزاول التدريس في مراكش، والأمثلة على هذا التبادل كثيرة لا أطيل بالمزيد من نماذجها.
وقد أفضت هذا العوامل وغيرها إلى تأكيد الصلات بين العلماء والأدباء، مما تبلور في التعبير الشعري من خلال مطارحات ومساجلات تعد روح أدب الإخوانيات المتميز. وقد شاع هذا التطارح بين شعراء الصحراء وشعراء بقية الأقاليم المغربية. ومن نماذجه ما كان لمحمد بابا الصحراوي السالف الذكر من طارحات ذكر صاحب (المعسول) (7) أنها كانت له مع بعض الأدباء الإلغيين، هم على بن عبد الله والطاهر الإيفراني وولده محمد، والبشير الناصري وسعيد التناني. ومنها ما سجل للشيخ سيدنا ابن الشيخ أحمد والديماني الصحراوي (1295-1373هـ) الذي كان في صحبة الشيخ ماء العينين وابنه الهيبة ثم هاجر إلى إقليم سوس. وهو "من رجالات العلوم، فإنه علامة جليل، محصل أديب، مشارك في المعقول والمنقول، وله أدبيات العينين، (8) وله كذلك مساجلات مع بعض علماء وأدباء سوس (9)، كأبي الحسن بن عبد الله والطاهري الإيفراني.
ولعل ألا ننسى إخوانيات محمد بن سيدي محمد حفيد العلامة ابن رزاكة، ومنها هذه الأبيات التي يتحدث فيها عن ليلة سهرها عند بعض أفاضل مراكش، وفيها يقول: (10)
يا ليلة راح فيها عازب الوطـر
      بات الصفاء بها يسطو على الكـدر
مجالسنا فيها وخامـــرنـا
      حسن السرور على موضونه السرر
إذ بات أحمد يسقينا على مهـل
      أشهى من الرح في أبهى من الدرر
في منزل تتعب الأفكار عبرتها
      فيه كما يتعب الأبصـــار بالنظر
فيه النهار عشاء والمعايش والأ
      نهار تجري وفيه مثمر الشـــجر
وهنا لا بد أن أشير إلى محمد البيضاوي الشنجيطي (11)، وهو ولد العالمة خديجة السالفة الذكر – استقر في المغرب بعد جولة في المشرق، وتصدى للتدريس في طنجة وتطوان. وبعد تقلب في مناصب العدالة والترجمة، عين محررا في جريدة (السعادة) بالرباط، ثم عضوا في مجلس الاستيناف، فقاضيا في بني عمير وواد زم؛ وفي النهاية باشا في تارودانت، إلى أن توفي عام 1945م. وكان مدة إقامته بالرباط يشتغل بالتدريس، بالإضافة إلى نشاطه في مجال الأدب والشعر، بما كان له من مساجلات مع شعراء كأحمد بن المامون البلغيثي وعبد الله القباج ومحمد بوجندار وغيرهم من أدباء العدوتين. منها المساجلة التي التقى فيها مع عبد الله القباج  وبوجندار، لتخلفه عن حضور مأدبة الغذاء التي أقامها له الشاعر المطبوع (القباج): فأجاب الشنجيطي بالأبيات التي سنذكر بعد. إلا أن أبا جندار رفع القضية إلى البلغيثي ليحكم فيها. يكفي هنا أن
لأن الضمير في الصناعة عائـد
      لأقرب مذكور هناك يلــيه
وإن قال منه اختل أيضا لأنــه
      يؤدي لعود مضمر لأخيــه
فتنزع منه الصاع لا من وعائه
      وتأنف من ذا نفس كل نزيه
لما في انتزاع من أذى ومهانة
      ولم يرد الرحمن ذا بنبيــه
هذا على مستوى التعبير الخاص، وأما على مستوى التعبير العام – وهو ما يدخل في نطاق الشعر الوطني – فأما منا تراث هائل يحتاج إلى أن نعنى به ونهتم. ويتمثل في مدح الملوك والأمراء وما يرتبط به من قضايا وطنية عبر الشعراء عنها في تجاوب معها والتحام نادرين.
والحقيقة أننا لا نستغرب إا وجدنا شعراء الصرحاء يتصلون ببلاطات المغرب في عهود مختلفة، ويقولون قصائد في الملوك، والأمراء يعربون بها عن التعلق بالوطن والولاء لقادته وولاة الأمر فيه.
ولدينا نموذج يرجع إلى العصر الموحدي، يمثله الشاعر أبو اسحق بن يعقوب الكانمي الذي مدح المنصور؛ ومن قوله فيه: (20)
أزال حابه عني وعيني
      تراه من المهابة في حجاب
وقربني تفضله ولكـم
      بعدت مهابة عند اقتـرابي
وقد عرف هذا الاتصال في العهد العلوي مجالات لا حدود لها، مما أعطى للتعبير الوطني أبعادا تجسمها القصائد الكثيرة التي أبدعها كبار شعراء الصحراء، من أمثال عبد الله العلوي المعروف بابن رازكة، وكان وصفه الشنجطي بأنه "المقدم على أهل قطره من غير نكير. كل عن مداه كل جواد، يعترف بذلك والباد، وانتشر صيته في تلك الصحاري والأقطار حتى صار كالشمس في رابعة النهار... كان متفننا في فنون شتى منها النحو والعربية والبيان والمنطق والفقه والهندسة والرياضة والتربيع وغير ذلك"(21).
كان ابن رازكة متصلا بالمولى إسماعيل، وحزي عنده وأصبح من خاصة ولده الأمير محمد، المعروف بالعالم، الذي قال مرحبا به في مكناس، وهي يومئذ العاصمة: (22)
مكناسة الزيتون فخرا أصبحت
      تزهو وترفل في ملاء أخضـر
فرحا بعبد الله نجل محــمد
      قاضي القضاة ومن ذؤابة مغفر
وقد واجه الشاعر هذا الترحيب بالعديد من القصائد التي وجهها له، كقصيدته الحائية التي قال فيها عن المولى إسماعيل:
أبوك لحكم الشرع ولاك عـهده
      فلم تلق كدا للسؤال ولا كــدحا
مهيب مخوف تحت حلـــمه
      عفو يرى إلا عن الباطل الصفحا
فهل كان معزوا إلى الحلم قبله
      نعم أو كريم يدعي غيره السمحا
ولم تذعن الأعداء محض مودة
      إليه ولكن إنما كرهوا القرحــا
رأوا ضيغما يعطي الحروب حقوقها 
      وإن تصنع الأوزار يبرم لها صلحا
ويستغرق الأوقات في الجسد كلها
      ولا يهب التلعاب ما يسع اللمــحا
مواصلة حبل الجهاد جيـــاده
      ووقفا على غزو العدا عدوها ضبحا
ومنها قصيدة (23) مطلعها:
دع العيس والبيداء تذرعها شطحا
      وسمها بحور الآل تسبحها سبحــا
وفيها يقول عن الأمير:
وأم بساط ابن الشريف محمـــد
      مبيد العدا ذكرى ومبدى الهدى صبحا
فتى يسع الدنيا كما هي صـــدره
      فأصحابه صدر الديانة منــــدحا
ومن هو غيث أخضل الأرض روضه
      فلا يظمأ الآوي إليه ولا يضحــى
فتى يستقل البحر جود بنانــــه
      على حالة استكثار حاتم الرشحــا
تريد على الفاقات فيضات كفــه
      فيغرق في التيار من يأمل النضـحا
ومن هديه ساوى النهار وليلــه
      فأمسى ينير الخافقين كما أضحـى
أمير ملوك الأرض أصحت بسيفه
      كما تبتغي الذبح في عيدها الأضحى
مساعيه في الخطب الجليل يرومه
      كآمال من يرجوه تستصحب النجحا
وآيات على أغمد الجهل نورها
      وغايات جد ليس تطلا بها مزحــا
ومن قصائده فيه كذلك تلكم التي مدحه فيها بقوله: (24)
هو الوارث الفضل النبيئ خالصا
      من المجد والعليا ومن طبي محتد
بمال اليتامة والأيامة موكـــل
      بتفريج غماء الشجي المكمـــد
وفي هذا الصدد يذكر محمد لمجيدري بن حبيب الله، الشاعر الوشاح (25)، وكانت له حظوة عند السلطان سيدي محمد بن عبد الله، ويبدو أنه كان يدرس في فاس، حيث تتلمذ عليه الصوفي أحمد بن إدريس الفاسي (26)ن وهو "شاعر فصيح، وله شعر مليح، (27). ذكر له الشنجيطي أرجوزة في مدح مولاي اليزيد ابن سيدي محمد بن عبد الله، وصفها بأنها "طنانة" (28)، مطلعها:
لله كم من هضبة وجبل
      من الهوى بها يسير جملي
وفيها يقول عن ممدوحه:
      لا واهب أنفس ما ملكـــه
إلا الأمير ابن الأمير المعتـلي
      خليفة الله وبابه هـــــم
أهل الخلائف على التسلســل
ومن الشعراء الصحراويين الذين أغنوا هذا التعبير المختار بن الخيب الأبييري الذي كان كاتبا للمولى عبد الرحمن، وهو والد العالم الشاعر سيدي بن المختار الذي اشتهر في مراكش باقتنائه للكتب (29).
ومن الذين اتصلوا أيضا بالمولى عبد الرحمن نشير إلى محمد بن سيدي محمد حفيد العلامة ابن رازكة، وفيه يقول من قصيدة: (30).
خليفة مصباح الهدى وحفيـده
      ومحيي عافي ربعه المتــقادم
غيور على بيضاء سنته التـي
      أبيحت لها لولاه كل محــارم
فكم غض عنها طرف من رام طرفها
      بغض وكم قد كف من كف ظـالم
أنام عيون الناس تحت عدالة
      وقت رجل ساري الليل لدغ الأراقم
ومن مدائحه الكثيرة فيه (31) قصيدة يخاطبه فيها بقوله:
خليفة المصطفى وابن بضعتـه
      ثوبا من المجد لم يعلق بأد ناس
الله منك حقوق الناس قلــدها
      يقظان لا غافل عنها ولا نـاس
عمرت عمرت من عهد الشريعة ما 
      باض النعام بدور منـه أدراس
وقد أخذ هذا النوع من التعبير أبعادا جديدة في المرحلة الحديثة ظهرت ألو معالمها مع الشاعر محمد البيضاوي الشنجيطي الذي سبقت الإشارة إليه. وفي ظني أنه من أوائل الذين هنأوا المغفور له محمدا الخامس بتولية العرش، إن لم يكن أولهم، فقد دخل عليه في جملة المهنئين وقال قصيدة في مزيج من التهنئة له والرثاء لوالده المولى يوسف رحمه الله. وقد جاءت مليئة بالمعاني التي تدل على الالتحام وعلى الروح الوطني والوحدوي الذي كان يشد شعراء الصرحاء إلى المغرب وملكه، في وقت كان الاستعمار يشدد الخناق، ليس فقط في الصحراء، ولكن في كل المناطق المغربية. فهذه القصيدة الطويلة التي مدح بها الملك المنعم أو هنأه يوم اعتلاء العرش تكتسي في الحقيقة أهمية بالغة، لأننا ألفنا أن نتحدث عن شعر العرش ابتداء من سنة الاحتفال بعيده سنة ثلاث وثلاثين بشكل خاص وفي عام أربعة وثلاثين وتسعمائة وألف بصفة رسمية. ولكنا قبل ذلك لا نجد نصوصا تسعفنا في التعرف إلى بديات هذا الشعر أو ما يمكن أن يعتبر بدايات هذا الشعر أو ما يمكن أن يعتبر بدايات. من قصيدة البيضاوي الشنجيطي نقتبس هذه الأبيات (32).
ذهب الإمام أبو المحاسن سيدا
      ومحمد كفؤ الإمام السيــد
التاج أقسم لا يفارق عامــكم
      يا آل حيدرة وآل محــمد
أ محمدا يابن الحلاحل يوسـف
      جدد عهود محمد ومحمــد
وارع الإمامة والرعية مشفقا
      بسياسة وروية وتعهـــد
واكشف عن الأبصار كل غشاوة
      وغباوة فالجهل أعظم مفسد
واستمر اتصال الشعراء – شعراء الصحراء – بالمغفور له محمد الخامس دون توقف وفي كل الظروف والمناسبات، وطنية كانت أو دينية. وعن هذه يكفيني أن أمثل بقصيدة الشاعر ماء العينين ابن العتيق (33) المتوفى عام 1957م، وهو حفيد الشيخ ماء العينين الكبير، وكان قاضيا في طنطان وأستاذا في كلية ابن يوسف بمراكش. أما قصيدته (34) فرفعها إلى الملك المقدس بمناسبة ذكرى المولد النبوي عام 1937، وهذا مطلعها:
بشرى المنى بك أشرقت أعلامها
      يشدو على فنن السرور حمامها
وفيها يقول مخاطبا ممدوحه:
زانت إمامتك الزمان وكيف لا
      تزدان أزمنة وأنت إمامــها
لم تبق من رتب الكمال مزية
      إلا وأنت ملاكها وقوامــها
لله درك بابن يوسف من فتى
      يرعى لها للمكرمات ذمامـها
أنت المليك الكامل الكرم الذي
      نجلتك من غر الملوك كـرامها
وقد عرف هذا التعبير الوطني في عهد جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله مدا لا حدود له ولا مجال لحصره، لما يعرفه هذا العهد من أحداث وطنية كبيرة والتحام بها فاق كل ما سبق. وعلى كثيرة ما قيل ويقال في هذا الصدد الغني، فسأكتفي بنموذجين لا أتجاوز منها، لأن شعر هذه المرحلة يعيش بيننا ولا يفارق آذاننا، ونكاد نستمع إليه في كل يوم.
النموذج الأول للشاعر شبيهنا حمداتي ماء العينين، وهو من قصيدة (35) له في مدح جلالة الملك الحسن الثاني، يقول فيها:
هذي صحارينا لعطفك ترتجـى
      ماقادها من غير عرشكم بشر
قد بايعت نجل الرسول محمـد
      ليزول قيد الكفر عنها ينكسر
وبعرشه صنا لوحدة أرضـنـا
      ما ضرنا مين الطغاة ومن وزر
يا خير من عرف الزمان وأهله
      أو من على وجه البسيطة قد ظهر
إنا مدى الأيام نحفظ عــهدنا
      دون العلا ما إن لنا من مستقر
والنموذج الثاني للشيخ ماء العينين لاراباس، من قصيدة (36) وطنية يتوعد فيها الإسبان، ويخاطب جلالة الحسن الثاني، ويبلغه نداء رعاياه الصحراويين بالاستنجاد؛ يقول فيها:
فإن لم تسر إسبان الساقيا الحمرا
      ترى من دم الأحرار ساقية حمرا
فإنا دعاة اللم إن جنحوا لهـــا
      وإلا فنار الحرب نسعرها سعرا
ايا حسن خير الملوك  ومن به
      حبانا إلاه العرش بالنعمة الكبرى
فهاهم رعاياكم وخدام عرشكم
      ينادونكم مهما ألم يهم قهــرا
أنقذت م الأعدا حواضر أرضنا
      فأنقذ من الأعدا مغاربة الصحرا
وللإطلاع على مزيد من القصائد، ألفت نظركم إلى ديوان يحمل عنوان "باقة شعر من أقاليم الجنوب"؛ وقد صدر احتفاء بالذكرى الرابعة والعشرين لعيد العرش المجيد (مارس 1985). ويتضمن جزئين: الأول خاص بقصائد اللهجة الحسانية، والثاني خاص بالشعر المعرب، ويضم قصائد للشعراء: الشيخ ماء العينين لا راباس، شبيهنا حمداتي ماس العينين، محمد الكبير العلوي، عبد السلام ابن الشيخ مفتاح، الشيخ ماء العينين محمد سداتي هيبة، ماء العينين بن العتيق، الدرجاوي محمد بن الرحمن العلوي، الدفاع الرصافي محمد معروف، البد محمد بن قار، ماء العينين أبو بكر ابن الشيخ مربية ربه، يحجب بن خطري، محمد الأمين بن خطاري، ماء العينين شيبة، الداه سيدي محمد وابشيرن ابن الشيخ محمد الأغظف.
أنتقل بعد هذا إلى الظاهرة الثانية التي أريد من خلالها كذلك أن أبرز أهمية شعراء الصحراء، وهي المتعلقة بالبعث والإحياء، أي بعث الشعر القديم وإحياءه مما ارتبطت به النهضة الحديثة في المشرق على يد شعراء كالبارودي وشوقي وحافظ؛ أولئك الذين بعثوا القديم، ولكن أي قديم؟ لظروف حضارية وأسباب ثقافية رجع شعراء مدرسة الإحياء المصرية إلى الشعر العباسي واكتفوا به دون الجاهلي والأموي. ثم إنهم لم يكتفوا بالاستيحاء والانفعال، ولكنهم زادوا أنهم اتخذوا هذا القديم نموذجا يحاكونه، وكانوا – على عكس شعراء مصر – مؤهلين لذلك بحكم البيئة الصحراوية في جوها وأشيائها التي تذكر بالبيئة الجاهلية. فالطبيعة الصحراوية كان لها تأثير على الشعراء وعلى تشكيل عالمهم الشعري وتوضيح فضاء لا حدود لآفاقه وأبعاده، من أطراف مترامية وكثبان رملية وجبال صخرية، مع رؤوس ونتوءات، بما يصاحب ذلك كله من رياح وعواصف وما تخلفه من أصوات وأصداء. ثم إن هذه الطبيعة أفضت إلى صفاء في الذهن وصدق في الوجدان وتلقائية في التعبير وقدرة على التعامل مع المحيط والبيئة.
إلى جانب هذا العنصر المؤثر، كان شعراء الصحراء مؤهلين كذلك بحكم الثقافة التي كانت منتشرة بينهم، والتي كانت تركز على القديم تعنى بدواوينه يحفظها طلاب الأدب ويستظهرونها في المجالس ويرددون أراجيزها وقصائدها بعفوية وسهولة، مما أتاح للشعراء أن يحيوا نماذج الجيدة من هذا التراث ويحاكوه.
وإنه ليخيل إلى من يقرأ قصائد شعراء الصحراء الذين عاشوا في أواخر القرن الماضي وأوائل الحالي أنهم ينتمون إلى تلكم العصور العربية الغاربة، لا يميزهم عنهم إلا بعض الملامح البيئية التي تظهر من خلالها أسماء الأماكن والبقاع الصحراوية على حد ما سنرى في بعض النماذج.
ويمكننا أن نحدد – ولو مبدئيا – بعض الملامح التي تسم مدرسة الإحياء الصحراوية، وأقتصر منها على أربع سمات مميزة:
الأولى: تظهر في المفهوم الذي كانت تعطيه للشعر، إذ تربطه بالفحولة والطبع وعدم التكلف، والقدرة على صياغة وسحن سبكه والتعبير به في عذوبة وحلاوة. ويتضح هذا المفهوم من أبيات مأخوذة من قصيدة يهنئ فيها انب العتيق الشيخ مربيه ربه بالعودة من الحج، وفيها يقول: (37)
هو الشعر للأكـفاء شهدته تحلو
      إذا صاغها من كنز باعثه الفحل
فينساق عذبا للفـهوم كأنــها
      بأثنائه تلقي مجاجتها النــحل
وأحسنه ما ليس فيــه تكـلف
      على حسن سبك فهو ممتنع سهل
وأبياته يستوعب الطرف نسجها
       إذا من شداها حيك في غزل غزل
الثانية: الميل إلى الغريب، على حد ما تكشف عنه النماذج المقدمة، وذلكم طابع يدوي صحراوي ناتج – كما سبقت الإشارة إلى ذلك – عن ثقافة الشاعر المعتمدة على القديم وما يتولد عن ذلك من قدرة على الاستحضار الناشئ عن كثرة الحفظ والاختزان، دون أن نغفل ملاءمة البيئة وانعكاسها على حال النفس والوجدان والذوق، وإني أدعوكم إلى تأمل هذه العناصر، إذ قد يتبادر إلى ذهنكم للوهلة الأولى أن الأمر لا يعدو أن يكون إغرابا وتكلفا، وهو في نظري على العكس من ذلك، لأنه يصبح ملمحا من صدق إحساسا الشاعر وصدق تعبيره كذلك، لاندماجه في ذاته وتشكليه معطى من معطيات الجمال.
الثالثة: الوقوف على الأطلال والبكاء عليها، وهو كثير يكفيني  أن أمثل له بقصيدة (38) لمحمد مصطفى مربيه ربه (ت 1361هـ) يمدح بها أباه، وقد استهلها بقوله:
ألا هل زمان في الهوى ومرابع
      يباري زمان العطف أو هو راجع
زمان به مغنى الصبابة عــامر
      وغض أفانين المســــرة يانع
سقى الله أطلالا كأن لم يكن بها 
      خليط سقته الغاديات الهوامـــع
هوامع تمريها اليمين دوبــها
      كهدر فحول هيجتها النزائـــع
خليط على آثاره رتع المــها
      كما أنني في مرتع الحب راتــع
خليلي حان الوعد قوما وشمرا
      على ساق جد والجفون دوامــع
نعم جردا سيفا من العزم واكتما
      فما السر في نهج المحبين ذائــع
ألم تر يا الأطعان والركب حولها
      ذواهب تحدو ليتهن رواجــــع
إن المتمعن في هذه الأبيات ليشعر بأنها تضفي مسحة جمالية وتمد بشحنات وتبعث في لنفس إحساسا بالذات وبماضيها الجميل، بالإضافة إلى رمزيتها عن الزمان وتقلباته.
الرابعة: معارضة الشعر القديم بدافع الاستيحاء الذي مر الحديث عنه، ولكن كذلك بدافع المنافسة بقدرة التعبير والمفاخرة بالتفوق، ومن الشعراء الصحراويين الذين برزوا في هذا المضمار امحمد بن محمد بن المختار بن الفخ موسى اليعقوبي المعروف ب (امحمد بن الطلب)، له جيمية طويلة (39) مطلعها:
تطاول ليل النازع المتهــيج
      أما لضياء الصبح من متبلج
قال بعد أن نظمها: "أرجو من الله أن أقعد أنا والشماخ بن ضرار في ناد من أهل الجنة وننشد بين أيديهم قصيدتنا لنعلم أيها أحسن (40). والمقصود بالشماخ الشاعر الصحابي ابن ضرار الغطفاني صاحب الجيبية التي أولها. (41)
ألا ناديا أعان ليلى تعــرج
      فقد هجن شوقا ليته لم يهيج
كذلك عارض ابن الطلب ميمية الشاعر المخضرم حميد بن ثور، وأولها. (42)
ألا هيما مما لقيت وهيـــما
      وويحا لمن لم ألق منهن ويحما
لقصيدته الميمية التي استهلها بوقلوه: (43)
تأو به طيف الخيال بمريمــا
      فبات معنى مستجنا متيما
وفيها قال: "أرجو من الله أني أنا وحميد بن ثور ننشد قصيدتنا في ناد من أهل الجنة فيحكمون بيننا" (44)
أما الشعراء الذين احتذوا نماذج عباسية فكثيرون، أذكر منهم مولود ابن أحمد الجواد اليعقوبي، فإن له قصيدة مطلعها: (45)
أمربع الغصن ذا أم تلك أعلامه
      لا هو هو ولا الأيام أيـامه
وهو متأثر فيه بأبي تمام في قصيدته التي أولها: (46)
لا أنت أنت ولا الديار ديار
      خف الهوى وتولت الأوطار
وأذكر أيضا الشبيه ابن الشيخ ماء العينين في مطلع قصيدته (47) الميمية إذ يقول:
أبي منزل الحسناء أن يتكلما
      وماذا عليه لو أجاب متيما
وهو متأثر فيه ببشار في مطلعه: (48)
أبي طلل بالجزع أنن يتكلما
      وماذا عليه لو أجاب متيما
تلكم بعض خصائص مدرسة البعث الصحراوية في امتدادها للماضي واستمدادها من القديم وإحيائها له واستحيائها منه. وفي مطابقتها بينه وبين البيئة، واعتبارها إياه مثلا أعلى تحتذيه؛ وهي كلها عناصر قد يعتبرها البعض مجرد تقليد، ولكني لا أراها كذلك، أو على الأقل لا أراها كلها كذلك، ولا سيما عند كبار الشعراء الذين أبدعوا انطلاقا من التراث ومن فهم عميق لدوره في العملية الإبداعية التي ينبغي أن تتوافر لها وتتكامل فيها عوامل داخلية وأخر خارجية كما لا أحتاج أن أوضح.
على أن ارتباط مدرسة الإحياء في كل من مصر والصحراء بالقديم لم يحل دون معايشتها للجديد في مجال المستحدثات الحضارية، مما جعل الشعراء هنا وهناك يصفون مخترعا العصر ومكتشفاته، مسايرة منهم لروح النهضة. وهذه لا شك سمة أخرى من سمات لمدرستين. وفي هذا السياق أمثل بقصيدة للشيخ محمد الإمام ابن الشيخ ماس العينين (صاحب الجأش الربيط) قالها في زيارته للأندلس عام 1360هـ، أولها: (49)
الدهر ذو عجب وذو ألوان
      لا تنقضي بتقلب الأحيان
وفيها يقول عن المذياع والكهرباء:
هل غادر المذياع من عجب فقد
      أغناك عن كلف البريد الواني
ياتيك بالأخبار ساعتها فـــلا
      تحتاج قصد شواسع البلـدان
فإذا صغيت فكل شيء حاضـر
      وإذا نطقت حللت كل مكـان
ما شئت من فن بمختلف اللغى
      إن شئت تسمع محكم القـرآن
أو شئت من خطب وشعر رائق
      يسبي القلوب بمطرب الألحان
واتظر لصنع الكهرباء فإنــه
      من لطف صنع الله في الأركان
إذ سهلت كل الصعاب وأوهمت
      أن المجال بحيز الإمكــان
فتريك للضدين في آن معــا
      بالسلب والإيجاب ينفعـلان
وأمثل كذلك بهذين البيتين قالهما الشاعر محمد مصطفى ماء العينين مربيه ربه في وصف الطائرة: (50)
تطايرت آلة بالربح محكمـــة
      كما تطاير جند الطير بالـروح
والكل من خالق الأشياء حرك من
      مجراه بالريح أو مجراه بالروح
إن الحقيقة التي علينا جميعا أن نعيها، والتي أسعى في هذا إلى أن أستفزكم لمزيد من البحث فيها وتمحيصها، هي أن المغرب عرف في صحرائه نهضة شعرية، إلا أنه لم يكتب لهذه النهضة أن تتفتح وتنطلق وتشع، بل طمست معالمها وهمشت أثراها، ولم يتسن لها أن تكتمل في حركة تطورية واسعة، وكان لوضع المغرب في جو الاستعمار الخانق دور سلبي كبير، زاد في فعله عدم وجود ثقافة حية ناهضة، وانعدام منقد أدبي قادر على التنظير، فكان أن رمى هذا الشعر بأسهل الأوصاف وأبسط النعوث القدحية حين وصم بالتقليد والجمود.
مهما يكن، فإننا نجد في الصحراء حركة بعث وإحياء شبيهة بما عرفته بلاد الكنانة. هل كانتا متعارضين متزامنتين بحكم ظروف تاريخية معينة وبطريقة اتفاقية؟ أم كانت إحداهما سابقة على الأخرى وبالتالي مؤثرة فيها؟
هذه قصيدة كبرى لا يهم البث فيها بقد ما يهم طرحها المعرفة واقع النهضة، ليس بالنسبة لمصر وحدها أو للمغرب على حدة، ولكن في نطاق ما تعرف به حقيقة المرحلة الجديدة التي قطعتها مسيرة الشعر العربية.
قد يقال إن الحواجز كانت مضروبة على البلدين، ولا سيما على المغرب حيث شعراؤه الجنوبيون منغلقون على أنفسهم في الصرحاء، فأنى للاتصال أن يتم، فكيف التأثر؟
هنا قد تسعفنا بعض المعطيات التي من شأنها أن تنير الطريق، مثبتة عمق الروابط المتجلية في أوثق أشكال الاتصال. ذلكم أن غير قليل من علماء الصحراء وأدبائه رحلوا في أواخر القرن الماضي إلى القاهرة وأقاموا فيها، مخلفين آثارا لا تنسى في اللغة والنحو والأدب وتحقيق النصوص ومراجعتها، مما سجل لهم حركة إشعاع كان لها لا مفعول لا يستبعد أن يكون من جانب الشعر ونقده.
من هؤلاء محمود محمد بن أحمد التركزي (51) (ت 1322ه=1804م)، فهو الذي صحح الأخطاء والأوهام الواردة في طبعة بولاق لكتاب (الأغاني). ومن مؤلفاته:
1- الحماسة السنية الكاملة المزية في الرحلة الشنجيطية التركزية (52).
2- عذب المنهل (أرجوزة) (53).
3- رسالة في الانتصار للإمام مالك لقوله في (الموطأ) في كتاب الإيمان والنذور: "وعليه هدي بدنة أو بقرة أو شاة إن لم يجد إلاهي"، وكان بعض العلماء يلحنونه في قوله "إلاهي". وقد اعتبر محمود التركزي أن "يجد" فعل لازم بمعنى" يستغني. واعتبر "إلاهي" مبتدأ حذف خبره، وجواب الشرط محذوف أيضا؛ وتقديره "فهي عليه". وخبر "إلاهي" هو "عليه" المتقدم.
4- إحقاق الحق (انتقاد لشرح عكاش اليمني على لامية العرب.
5- رسالة في صرف "عمر"، زاعما أن العرب ونحاتهم غلطوا فيها منذ سيبويه، وحجته أنه وجد مائة بيت للعرب مصروف فيها عمر، وأنه صرف في البخاري ومسلم، وأن العرب لم تمنعه نظما ولا نشرا.
6- البيان المرصص في أوهام المخصص.
ومنهم كذلك أحمد بن الأمين (ت 1331هـ- 1913م) (54). ونعرف أنه وصنع تصحيحا لطبعة ساسي من كتاب (الأغاني)، بالإضافة إلى ما أنجزه من تآليف وشروح وتحقيقات، منها:
1- درء النبهاني عن حرم الشيخ سيدي أحمد التيجاني (55).
2- الدرر في منه عمر (56).
3- الدرر اللوامع على همع الهوامع شرح جمع الجوامع (57).
4- طهارة العرب (58).
5- المعلقات العشر وأخبار قائليها (59).
6- الوسيط في تراجم أدباء شنجيط (60) وقد أفدت منه كثيرا في نصوص هذا الدرس.
7- شرح ديوان طرفة (61).
8- شرح أمالي الزجاجي (63).
9- شرح صهاريج الؤلؤ للبكري -63).
10- شرح ديوان الشماخ بن ضرار (64).
11- شرح (ليس في كلام العرب) لابن خالويه (63).
12- شرح الإعلام بمثلث الكلام لابن مالك (66).
13- شرح تحفة المودود في المقصور والممدود لابن مالك (67).
لقد تعمدت في هذه المحاضرة أن أختار الحديث عن ظاهرتين شعريتين، لألف انتباهكم إلى أهمية دراستها وما يماثلها، وإلى فعالية هذه الدراسة بالنسبة لأدبنا المغربي خاصة والعربي عامة، وكذا بالنسبة للقضايا المختلفة التي قد يكون لها ارتباط بالفكر والتعبير.
أما الظاهرة الأولى: فتتعلق بعنصر نلح عليه ونثبته إذا كان النهار يحتاج إلى دليل، ذلك هو عنصر الوحدة التي تجمع الصحراء إلى ارض الوطن، لأن الفكر واحد والأدب واحد والشعر واحد، والتعبير ف عمومه واحد مهما كانت الأداة التي يتوسل بها فيه.
ومن ثمن فالروح الوطنية قائمة، أعني روح الوحدة التي لم تفتر قط، على الرغم من ظروف الاستعمار وما صاحبها من محاولة تمزيق الأرض وتفريق الشعب. فقد ظلت تلكم الروح حية في ذات الأمة ووجدان شعرائها لم يتوقف لها نبض، ولهذه الحقيقة أهميتها، وإن نظر إليها البعض دون أن يعيرها القيمة التي هي بها جديرة، وثقوا بأن العناصر الفكرية والأدبية والثقافية عامة تشكل طليعة مقومات الوحدة في أي بلد وأي مجتمع. ولست في حاجة إلى أن أذكر بأن دليل الإثبات القاطع الذي أقنع محكمة العدل الدولية بمغربية الصحراء كان في صميم المكونات الفكرية؛ ذلكم من خلال السؤال الذي كان طرحه القاضي حول المذهب المنتشر في المغرب والصحراء، وما بينهما من روابط مذهبي، وحين أجيب بأن المذهب المالطي هو وحده الذي يسود في الشمال والجنوب، انتهت القضية بالنسبة إليه ليحسم فيها بما يقنع العدالة الدولية حول مغربية الصحراء.
وما استنفدناه من وحدة المذهب يمكن أن نستفيده وغيره من كل تراثنا الفكري والأدبي، سواءا كان هذا التراث مدرسيا أم شعبيا، وأكاد أجزم بأن هذا الأخير غني في مضمار الوحدة والتواصل.
وأما الظاهرة الثانية: فإنها تبرز أهمية الشعر الذي أبدعه أدباؤنا في الصحراء، ليس على المستوى المغربي فحسب، ولكن كذلك على المستوى العربي عامة؛ وقد اتضحت أبعاد معطياتها وآفاق دراستها بهذه الإثارة أو هذا الاستفزاز الذي قصدت منه إلى أن أحتكم على البحث وتعميقه وتجديده.
ولا أخفيكم أن مؤسسة كجامعة القاضي عياض بكليتي آدابها في مراكش وأكادير مؤهلة أكثر من غيرها وقبل سواها للاضطلاع بدور فعال في المجال الذي نحن بصدده، أي بهذا النوع من البحث في هذا النمط من التراث.
على أن الأمر غير مقصور على أدب الصحراء، لأن كثيرا من سماته تطبع أدب جنوب المغرب كله، مما يعطي للجامعة في أقاليمه مسؤولية جسيمة تتمثل في إخراج النصوص ودراستها وإعادة النظر في كثير من الأحكام التي صدرت عن أدبنا وفكرنا وجميع مقومات هويتنا الوطنية، مع الإلحاح على ربط ذلك كله بالتراث العربي الإسلامي في ماضيه وواقعه وما يرهص به من أفاق المستقبل.
وإني لأنتهز هذه الفرصة لأهنئ عامل صاحب الجلالة على إقليم أكادير وسيادة رئيس الجامعة والسادة العمداء وجميع المسؤولين وكافة الأستاذة الزملاء على مثل هذه المؤسسة التي هي مفخرة من مفاخر التعليم الجامعي ومعلمة من معالم الفكر المغربي، يحق لنا أن نعتز بها وبمثيلاتها في عموم الوطن.
ولعلنا بما نبذله جميعا في هذا المجال أن نكون عند حسن ظن أمتنا وحسن ظن جلالة الملك الذي عبر – نصره الله – في الأيام الأخيرة عن الآمال التي يعقدها على الجامعة وعلى البحث العلمي في خدمة التنمية وتقدم الوطن.
ومرة أخرى أجدد لكم عبارات الشكر والتهنئة، وأستسمح إن كنت أطلت بعض الشيء، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.


------------------------------
1) سبق للمحاضر أن كتب في الموضوع. انظر (ثقافة الصحراء) المنشور في الدارالبيضاء (دار الثقافة 1978).
2) سبق ج3 ص:36 (ط الدارالبيضاء 1960-61)   
3) انظر (خلال جزولة) ج 4 ص 157 (المطبعة اامهدية- تطوان).  
4) انظر المصدر السابق
5) المعسول ج3 ص29
6) درة الحجال ق1 ص230 (نشر علوش الرباط 1934)،  
وانظر –الإعلام) لابن ابراهيم ج4 ص198(المطبعة الجديدة-فاس 1355هـ-1936م)    
7) ج3 ص.29      
8) نفسه ص 26-27.
9) ورد بعضها في المصدر السالف.
10)الوسيط في تراجم شنجيط لأحمد بن الأمين ص55 (ط الثانية-القاهرة (1378هـ-1958م)
11) انظر فيه: (خلال جزولة) ج4ص 157، وحلقة خاصة من حلقات الشادي الجنداري للوالد رحمه الله, (جريدة الأنباء 299 نونبر 1968).
20) انظر –وفيات الأعيان) لابن خلكان ج7 ص15 (ط ببيروت)  21) الوسيط ص1-2
و(نفح الطيب) للمقري ج4 ص380 (ط بيروت) و(الإعلام) لابن 22) نفسه.
 إبراهيم ج1 ص169 (ط ملكية)
23) المصدر السابق ص 21و 397    27) نفسه ص 345.
24) نفسه ص 23 و400     28) ذكر أنها طويلة وأورد منها أبياتا قليلة بقيت في
25) انظر (الوسيط) ص 214، و(الإعلام) لابن ابراهيم ج5  ذاكرته (المصدر السابق).
ص 88، و(موشحات مغربية) للجراري ص 181 (ط دار  29) نفس المصدر ص.241
النشر المغربي. الدار البيضاء 1973).    30) نفسه ص.53
26 انظر (الوسيط) ص 215
31) المصدر المذكور ص52-53 وإعلام ابن ابراهيم   33)انظر (مناقب الصحراء) للأستاذ عبد الوهاب بنمنصور
ج5 ص231-232      ص 93 (المطبعة الملكية-الرباط 1975م)
32) توجد عندي كاملة في مجموعة خاصة.   34) المصدر السابق 94-95.   
35) باقة شعر من أقاليم الجنوب ج2 ص26(نشر  36) من مقال (نماذج من أدب الصحراء) لحمداتي ماء العينين مجلة وزارة الشؤون الثقافية-1985).   دعوة الحق عدد 4 سنة 18 جمادى الأولى 1397هـ ماي 1977م,
37) انظر رسالة محمد ظريف عن (الحياة الأدبية في الزاوية المعينية) ص 514 (مرقونة).
38) انظر في (ديوان الأكبر المعينية) مخطوط خزانة الرباط العامة 41)المصدر المذكور ص 109 فمننا بعد
د 1376 الورقة 76 ظ والنسخة المحققة منه (رسالة أحمد مفدى) 42) نفس المصدر ابتداء من ص 129.
ص 255 (مرقونة)      43) نفسه ابتداء من ص 119 
39) الوسيط ابتداء من ص 95    44) نفسه ص 118.
40) نفسه       45) نفسه ص 193  
46) الديوان ص 273     محمد الإمام ابن الشيخ ماء العينين ص 82 فما بعد
47) ديوان الأكبر المعينية الورقة 186و                               (مطبوعات دار العلم 1376هـ-1957م)
48) ديوانه ج 4 ص 184 –ت ابن عاشور   50) صحراؤنا ع 23 11 غشت 1967 ص 3.
49) انظرها في (الجأش الربيط في النضال عن مغربية شنجيط للشيخ
51) انظر فيه: أ – الوسيط ص 381 ب.معجم  سركيس للمطبوعات    55)ط مصر 1330هـ.
ج 2 1149-1150.ج – أعلام الزركلي ج 7 ص 311  56) ط الموسوعات 1904هـ
52) جزآن ط الموسوعات 1319 هـ.    51) جزآن: 1 – ط قاوان 1326هـ.
53) مخطوطة           2- مط الجمالية 1328 هـ. 
54) انظر: أ- مقدمة الوسيط ص 7، ب- معجم سركيس ج2
ص 1148-1149ج – أعلام المركلي ج 1 ص 97. 
58) ط قازان 1326هـ     63)ط مصر 1324هـ.
59) طبع مرتين في مصر: (1329-1331هـ).   64) ط مصر 1327هـ.
60) طبع مرتين في القاهرة: (1328هـ-1911م و1378هـ 65) ط مصر 1327هـ.
1958م).       66) ط 1327هـ.
61) ط قازان 1904م.              67) ط 1329هـ. 
62) ط مصر 1324هـ.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here