islamaumaroc

جلالة الملك الحسن الثاني في مؤتمر القمة العربي الأول بالقاهرة 13، 17 يناير 1974: وثائق لم تنشر عن الحضور المغربي في هذا الحدث التاريخي الأول من نوعه في حياة الجامعة العربية.

  عبد الهادي التازي

273 العدد

أشرت في تأليفي "التاريخ الدبلوماسي للمغرب" ج 10 ص 372-373 إلى القمة العربية الأولى التي حضرها جلالة الملك الحسن الثاني في القاهرة قبل ربع قرن، وكان الذي دفعني إلى الاهتمام بهذا اللقاء أن الأرشيف المغربي يخلو من الحديث عن التدخلات الهامة التي تميز بها المغرب في ذلك اللقاء... ولما كنت ضمن أعضاء الوفد المغربي في تلك القمة فقد أمكنني أن أكون ملفا خاصا كاملا بالوثائق والصور عن التدخلات الشجاعة للعاهل الشاب ومشاركته الصريحة في ذلك التجمع الأول من نوعه...

كل ما احتوت عليه الوثائق المغربية مما يتصل بهذه القمة هو إشارة جلالة الملك في خطاب العرش الذي ألقى بالدارالبيضاء يوم 3 مارس 1964 (شهرين من بعد) لقمة القاهرة... وحتى يكون بهذه الإشارة مرجع في الملف المغربي أحوال أن ألخص هنا معلومات جد مفيدة عن تلك الأيام تعميما للفائدة بالنسبة للذين تهمهم كتابة تاريخ هذه المرحلة من تاريخنا الدولي المعاصر...
أعتقد أن القراء جميعا يذكرون الظروف الدولية للمغرب على ذلك التاريخ في أعقاب الخلاف المؤسف بين المغرب والجزائر، والذي كان قصيرا – لحسن الحظ- ذلك الخلاف الذي امتدت مضاعفاته على علاقتنا مع مصر !!
على العادة، فقد كان جلالة الملك الحسن الثاني في مستوى الأحداث التي كان العالم العربي يعيشها على أصداء تطور قضية فلسطين ومشكلة اللاجئين... وعلى أصداء تحويل إسرائيل لمجرى نهر الأردن...
وهكذا استجاب العاهل للدعوة التي وجهت إليه من لدن الرئيس الراحل عبد الناصر، الذي ما أزال أتصوره وهو بمطار القاهرة يرحب بجلالة الملك الذي أسر إلى الرئيس "أن الضباط المصريين الخمسة المتوقفين بالمغرب سيصلون القاهرة بعد ساعة..".
وهكذا كانت مبادرة جلالته طلعة يمن على العلاقات العربية، وتوجهت الأنظار كلها إلى هذا الملك الجليل..
ويكفي أن يعود المرء إلى عناوين الصحف المصرية على ذلك العهد ليستشف من خلالها مدى ما تركه موقف جلالته وما كان لذلك من أثر على نجاح المؤتمر,,
لقد ألقى جلالته خطابين اثنين...علاوة على التدخلات البناءة التي سجلتها له مضابط الجلسات المنوالية.
وكما أسلفت، فإن الهدف من تسجيل هذه اللقطات الحرص على رصد الإسهام المغربي في هذه القمة على نحو ما سجل التاريخ إسهامه الهام في المحافل الدولية قبل هذا التاريخ سيما وقد اكتفت الصحف المغربية الصادرة آنذاك...وأذكر منها (العلم) و(الأنباء)...اكتفت بالأخبار المقتضبة... ربما كان كذلك لأن القمة العربية تعقد لأول مرة، وأن ذلك يقضي الحفاظ على السرية الكاملة لجميع أعمال المؤتمرين !!
لقد كان مما ورد في خطاب جلالته الذي أقلى في الجلسة الأولى:
"...إن العرض الذي استمعت إليه – يقول جلالة الملك – ممن فخامة الرئيس عبد الناصر قد أدخل على دهشة كبرى...فعلينا إذن أن نتساءل وأن نكون صريحين مع أنفسنا وأن نضع على أنفسنا بعض الأسئلة:
الأول منها: هل فعلا أتينا كلنا هنا لنتخذ قرارات في الموضوع الذي يهمنا أم جئنا حتى لا يقال فينا أو يقال عنا...
الثاني: هل سنكتفي بالتعاضد والتساند، وهل سنكتفي برواية الشاعر العربي:
وها أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ارشد غزية أرشد؟ !
أم إننا قررنا أن نواجه المشكلة ونجابهها وأن نحسب لها حسابا ونعد لها عدتها...؟
نعم إن البلد العربي المسلم الذي لي الشرق بتمثيله هنا لأول مرة في اجتماع القمة، ذلك البلد، كله أمل في أعمالنا هذه، وهو مؤمن بأننا سوف نخرج من هذا المؤتمر بحد أدنى من القرارات الإيجابية.
سمعا الكلام عن فلسطين...فمن المتكلم عنا؟ من سيقيم أساسها؟ من سيدافع عن حقها؟  من سيجمع كلمتها؟
سمعت الكلام عن نهر الأردن ولم أر هنا أية خريطة من أي بلد كان تصور لنا المشكلة وتعرض علينا الحلول اللازمة.
سمعت الكلام عن اللاجئين وللأسف أقول: إننا اعتدنا ألا نسمع عن اللاجئين إلا إذا كان الأمر يتعلق بمساومة.
وبعد إشادة بالجامعة العربية" التي آمنا بها – يقول جلالة الملك – والذي كانت تساند بلاد الشمال إفريقيا إبان المحنة... "أقترح إنشاء هيئة عربية عليا تهتم خاصة بشعب فلسطين، وتتصدى للتعريف بقضيتها والدفاع عنها بكيفية رسمية أمام المحافل الدولية حتى يمكننا أن نضع إسرائيل في الموقع الحرج، كما اقترح جلالته إقامة هيئة تنفيذية عربية عليا كذلك تجتمع على الأقل ثلاث مرات في السنة لتتخذ التدابير الدبلوماسية والإعلامية، والمادية والاقتصادية لتعزيز الهيأة..
إننا بعددنا وثرواتنا...في إمكاننا أن نخرج عددا من الدول التي هي في حاجة إلينا أكثر من الحاجة التي لنا فيها...إن بإمكاننا أن نقف أمام المحافل الرسمية، وفي هيأة الأمم المتحدة لا لتبكي على الأطلال ولا لننعى فلسطين الذبيحة أو السليبة – كما يقول البعض – بل لنعمل على جمع شمل فلسطين ولنضع لها كيانها الحقيقي...وإذا قمنا بذلك العمل فإن الآخرين سيحسبون لنا الحساب ويقدرون ما يترتب على موقفنا....
إن بلادنا تمسى جغرافيا المغرب الأقصى، ولئن بعدت الدار وشط المزار فنحن أقرب إليكم – إخواني في المشرق – من حبل الوريد، أقرب إليكم منذ العصور الأولى من التاريخ، منذ أن دخل الدين الإسلامي في تلك البقاع من المعمور، فقد كنا جنودا وكنا حملة شعلة العرب وحملة رسالتهم، حملناها إلى الأندلس وإلى تخوم أوروبا...ومنذ ذلك الحين ونحن نعتز بعروبتنا ونعتز بانتسابنا إليكم، ومن هنا، فإننا ننشدكم أن نخرج بنتيجة في هذا اللقاء....
كونوا على يقين من أن اقتراحاتي صادرة من قلب شعب وحكومة وملك يؤمنون لأن اله سبحانه هو الذي اختارنا جميعا لأن نهدي شعوبنا إلى طريق المعروف وليس لأن نأخذها من الناصية أو من القفا...
إن المغرب الذي لي الشرف أن أمثله يؤكد لكم أنه متضامن معكم في أي قرار ستتخذونه..
وبعد أن يدعو بحرارة إلى وحدة الصف العربي يذكر بأن العالم العربي لا تعوزه إلا الإطارات التي من شأنها أن ترفع مستوى حياتنا ومستوى شعبنا حتى لا نبقى عالة على الغير وحتى يمكننا أن ننشئ بنوكا عربية للتسمية، وحتى يمكننا أن ننشئ ولو سوقا مصغرة مشتركة، وحتى يمكننا أن ننشئ كذلك وحدات جمركية.
وأعتقد أن هذا كله في إمكاننا شرطية أن نتجه إلى العمل البناء... وان لا نتنابذ ونتقاذف، علينا أن نجعل مواطنينا أما مشاكلهم اليومية وأن نصارحه...
إن معنى هذا أنه علينا أن نكون في مستوى ماضينا وفي مستوى حاضرنا وفي مستوى ما ينتظره الشعب المغربي منا....
لقد عرف العالم الخير الكثير عن طريق العرب، وعن طريق لغتهم وبواسطة علمائهم وأطبائهم ومفكريهم...فعلينا أن نبقى في مستوى ما نطمح إليه...
وفي جلسة لا حقة أخذ جلالة الملك الكلمة ليتحدث عن المشاكل القائمة ويفصل الكلام فيها بين المشاكل التي يوجد جلها بيد العرب، والمشاكل التي ليس للعرب إزاءها حول، وهنا دعا إلى إسراع الدول العربية بإقامة قيادة موحدة بجيش واحد... كما أنه عبر عن اعتقاده بأن المشاكل التي ليس للعرب إزاءها حول... يمكن – بفضل اتحادنا – أن تصبح هي الأخرى بيدنا !
وإذا نحن – معشر الدول العربية – حددنا سياستنا الاقتصادية وحددنا ما يعاني كل واحد منا من عدم التبعية، إذ ذاك يمكننا أن نصبح بالنسبة للغرب من جهة، وبالنسبة للدول الشرقية من جهة أخرى، بالنسبة للكتلتين معا، نصبح قوة لها مدلولها ولها معناها ويحسب لها الحساب، فالذي أقترح أن يسجل بالإجماع في جلستنا هذه الملتمس الآتي: "أن يعقد مثل هذه الدورة وفي شكلها وبمشاركة جميع رؤساء الدول العربية – على الأقل – مرة في السنة، ودوريا في كل بلد من البلاد العربية حتى نتناقش في المشاكل ذات الأهمية الجماعية...
وهناك مقترح ثان لا أريد تسجيله وإنما أريد أن أوضح فكرتي حوله... علينا قبل كل شيء أن نجعل من فلسطين، حقيقة، تجاهد، وتدافع عن نفسها...أعتقد شخصيا أن فلسطين تتمثل في التراب المغتصب، وتتمثل في الشعب المشرد..هناك دول عربية تؤدي بكل تضحية وإيثار، عددا كبيرا من اللاجئين فإذا نحن وكلنا بعض رؤساء الدول على أن يجمعوا أمرا هؤلاء اللاجئين حتى يكون ضمير فلسطين، وحتى يتكلموا كلاما واحدا وحتى لا يتفرقوا مذاهب في الأحزاب العربية المثناترة حتى يكونوا قوة سياسية منظمة واحدة، تمكنا عنذئذ من خلق الكابوس الذي سوف يتحمل حرب العصابات وحرب الدعاية في قلب فلسطين...
فإذا نحن مهدنا هذا سياسيا بين الدول العربية، سياسيا إزاء الكتل، تمكنا من أن نحرر أنفسنا شيئا ما من المعونة الأجنبية..وإذا نحن تمكنا إذ ذاك من الشروع فورا في العمل، وإذا نحن مهدنا لقيادة عسكرية، جعلنا كل بلد عربي في مأمن من هجوم ضده يتعرض له صباح مساء...
يجب علينا أن لا ننسى أن قضية هر الأردن هي جزء من كل... وأن المشكل هو مشكل فلسطين...ولكن هنا يمكنني أن أقول: قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، وقد توجد – بواسطة النهر – تلك المخططات وتلك التدابير التي تمكننا من أن نضع الخطط الناجحة لحل قضية فلسطين....
هذا ما أقترحه بكل تواضع...وهو نظر شاب عربي مسلم ساعده الحظ أو شرفه لكي يشارككم أول مرة في اجتماعكم المبارك هذا...
                                                ***
لقد أثار خطاب جلالته في هذه القمة أنظار القادة العرب نظرا لما تضمنه من مصارحات وحقائق وتميز به من وضع النقط على الحروف، كما يقولون، وخاصة حول القضية الفلسطينية التي ظلت مشغلته كملك عربي شهم...
وفي إحدى الجلسات أخذ جلالته الكلمة ليعلق على تقرير الدكتور أحمد سليم الخبير في الري متسائلا عن الأسباب التي منعت من الشروع في العمل إلى يومنا هذا... وهل هناك موانع مالية أم أنه الأمر يتعلق بعائق فني؟
في مثل هذه الأجواء وعلى هذا المستوى كانت تدخلات العاهل الكريم طوال الأيام التي أقام فيها جلالة الملك بالقاهرة...وأقتصر هنا على ذكر بعض العناوين التي وردت في الصحف المصرية بحروف غليظة: الملك الحسن يصل  وبعده طائرة تحمل الضباط المصريين الخمسة الذين كانوا محتجزين بالمغرب..
العاهل المغربي يقول للرئيس المصري: نبدأ صفحة جديدة، ثم يستدرك على الفور قائلا: "إن طائرة أخرى قادمة وراء طائرته تحمل الضباط الخمسة... العقيدان: عباس شاهين، رضا صابر قدري، المقدم عبد الخالق عطية، النقيبان: أحمد فؤاد هويدي، فاروق عبد الحميد الفقي...
وقد ظهر جليا أن صاحب الجلالة والفخامة الملوك والرؤساء، وجدوا في تدخلات الملك الشاب ما كانوا يتوقون إليه من صريح القول وجمال الأحدوثة، ومن هنا وجدنا الرئيس عبد الناصر- وقد علم أن جلالة الملك الحسن يعتزم التعجيل بالعودة إلى المغرب نظرا لقرب حلول شهر رمضان 1383 – وجدنا الرئيس يحرص على إبلاغ القادة العرب ما يلي:
"إن جلالة الملك ملك المغرب سيغادرنا مبكرا ونحن نريد أن ننتهز هذه الفرصة خصوصا وأن قضية فلسطين وقرارات مجلس الدفاع المشترك تهم المغرب....نقترح ألا نتوانى في أن نسهر بعض الشيء بحيث نستطيع أن ننهي المؤتمر في أسرع وقت ممكن وليتنا نستطيع إنهاءه قبل شهر رمضان...."
وبما أن جلالة الملك عاد مع مطلع شهر رمضان، فقد أرسلت له نسخة من قرارات الملوك والرؤساء، ليوقعها لنفسه تعبيرا منه عن اهتمامه بالقضايا العربية التي اجتمع من أجلها مؤتمر القمة.
تلكم نظرة عن الملف الخاص بالحضور المغربي في القمة العربية الأولى بالقاهرة...وهي تؤكد جيدا المصداقية التي يتعامل بها المغرب مع قضية فلسطين منذ ربع قرن...
 ومن ثمة انطلقت مسيرة المغرب الواعدة مع الجامعة العربية ككل والدول العربية على انفراد ولم يكن يمضي عام أو شهر أو أسبوع أو يوم دون أن تكون القضية العربية في صدر الملف الذي يهتم به العاهل المغربي إلى القمة التي حملت اسم "الانتفاضة" والتي عقدت في عاصمة الجزائر في الأشهر الأخيرة من السنة المنصرمة...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here