islamaumaroc

المساجلات الشعرية في العهد اليوسفي

  محمد احميدة

273 العدد

عرفت الساحة الأدبية بالمغرب في الربع الأول من هذا القرن نشاطا ساهمت في خلقه مجموعة من الأقلام التي كانت لها مشاركات في مجالات ثقافية متعددة. فإلى جانب الاهتمام بالثقافة الفقهي، حظيت الكتابة التاريخية باهتبال داخل هذا الوسط، ودار نقاش ساخن حول بعض القضايا التاريخية واستقطبت الأندية الأدبية – وخاصة بمدينة الرباط – مجموعة من الأسماء الفاعلة في الساحة الثقافية، وكانت مجالا لإطراح قضايا فكرية وأدبية، وشكل الشعر محورا أساسا في هذه المطارحات.
والدارس لأدب المغاربة في بداية هذا القرن، يمكنه أن يلحظ المكانة التي يحتلها الشعر كفن في اهتمامات مثقفي هذه المرحلة، وضمن هذا الاهتمام بالقريض تشغل المساجلات الشعرية حيزا من إنتاج الشعراء يومئذ.
فلماذا المساجلة الشعرية؟ وما هي وظيفتها كلون من فن القول؟ وكيف يمكن تفسير هذا الحضور المكثف للمساجلة؟
                                                   ***
إن قراءة ما دار من مساجلات شعرية بين بعض شعراء هذا العهد، تبين أن ركوب الشاعر لهذا النوع من النظم لم يكن أحيانا سوى ملئ فراغ زمني، وتارة لإثبات البراعة النظمية التي البراعة النظمية التي لا تترك بابا دون طرقه، غير أن الأمر قد يتعدى ذلك لتصبح المساجلة الشعرية ذات وظيفة اجتماعية، ومركبا للنقاش العلمي, ومن ثم عمد الكثير من الفقهاء/الشعراء، والمهتمين بالتاريخ إلى ممارسة هذا النمط من النظم، رغم أه علاقة بعضهم بمجال القريض علاقة رقيقة.
وإذا أردنا أن نتخذ من مساجلات شعراء العهد اليوسفي نموذجا للنظر في هذا اللون من القول المنظوم، فإننا سنجد مجموعة من الأسماء التي شاركت في هذا المجال، ومن أبرز هؤلاء، أحمد بن المامون البلغيثي، محمد بوجندار، عبد الله القباج، محمد البيضاوي الشنقيطي.
إن قسما غير قليل من الشعر المعروف لهؤلاء، يتشكل من المساجلات، تبادلها هؤلاء الشعراء فيما بينهم، ومن شعراء آخرين، مغاربة ومشارقة.
فما هي الاهتمامات التي دارت حولها المساجلات الشعرية خلال هذا العهد. إنها اهتمامات عديدة، انحصر بعضها في مناسبات اجتماعية، ودارت أخرى حول الهزل والمجون، وعمد بعض الشعراء إلى نقل المساجلة إلى مجال المناقشة العلمية، ويكاد بعض شعراء هذه الفترة – الربع الأول من القرن العشرين – ألا يترك مناسبة دون مخاطبة شاعر صديق، بأبيات تكون حافزا للثاني، يرد عليها، وقد تجر المساجلة أطرافا أخرى، ليصبح الكلام نظما متبادلا، يطول أو يقصر حسب ما يقتضيه المقام.
ومن المساجلات التي تبادل فيها الشعراء ع، المساجلات، التهنئة، قد تكون تهنئة بوظيف جديد، أو بمناسبة اجتماعية كزفاف أحد الأبناء، أو ازدياد مولود، أو إحراز أحدهم على وسام. ومن النماذج التي نقف عليها في هذا الباب ما دار بين الشاعرين، محمد بوجندار ومحمد الجزولي، بعد تعيينهما في مناصب إدارية عين الأول كاتب لدى المقيم العام الفرنسي، وتم تعيين الثاني كاتبا بدار المخون، فسعى كل منهما إلى تهنئة الآخر من خلال المساجلة التالية: (1)
يقول محمد بوجندار:
أرى الكتابة قد ألفت أعنتــها
      إليك يا ابن الالى شادوا مبانيها
ولا عجيب إذا ارتقيت منصبها
      فالقوس قد أعطيت والله باريها
حتى المعالي لقد أتتك قاصـدة
      برتبة لا يكاد البدر يأتيـــها
لذلك قد رقصت أرواحنا طريا
      مذ أدركت نفسنا فيكم أمانـيها
فدم ودامت لك الأيام خادمـة
تمد نحوك أيدي أياديــــها
      واهنأ فباليمن ما قد نلت من شرف
ولتهنأ هذه الدنيا وما فيــها
فقال الجزولي مجيبا: (2)
يا من تلألأ في أفق الرباط سنـى
      وأرشفته العلى لمى غوانيــها
هنأتني وبودي أن أهئنـــــكم
      لو مكنتني القوافي من نواصيها
إذ صافحتك يد الأيام مقبــــلة
      تهديك رغم العدا أسمة مراقيها
فاهنأ به شرفا ترنو العيون لــه
      واهنأ بها رتبا تسمو مبانيها
شعوركم بالوداد نحو حبكــم
      أشهى إليه من الدنيا وما فيها
وهكذا كلما تعددت المناسبات الداعية إلى تهنئة سارع الشعراء إلى نظم رسائل موزونة، تحمل عبارات الوداد والإعجاب، وتأكدي الاستحقاق.
                                                   ***
وكان العتاب والشكوى كذلك، مجالا تبادل فيه هؤلاء الشعراء، منظوما تحمل لوم طرف لآخر، قد يكون مخلا بوعد، أو مرتكبا لشين في حق صاحبه. وفي مثل هذا المقام، قد تتعدد الأطراف المتساجلة لتضم أكثر من شاعرين، نجد مثالا لذلك في تلك المساجلة التي دارت بين الشعراء: عبد الله القباج، محمد بوجندار، محمد البيضاوي الشنقيطي، أحمد بن المواز، فقد وجه الشاعر المطبوع دعوة إلى محمد بوجندار والشنقيطي لزيارته، واعتذر كل منهما عن الحضور. ولما كان شاعر العدوتين مصابا بمرض يمنعه من الحضور، فقد وجد اعتذاره عند القباج آذانا صاغية، غير أن تخلف الشنقيطي اثار غضب الشاعر القباج، فكتب إلى بوجندار شاكيا تصرف الشنقيطي، فتدخل بوجندار لإصلاح ذات البين، فكتب مخاطبا الشاعر الشنقيطي: (3)
خليل لاعدمت أخا سمـاح
      يسامح أو يعاتب بالصلاح
رأيت الشعر المطبوع يشكو
      كأنه مغضب شاكي السلاح
شكا وأنابني في العتب لكن
      أرى طبعي يميل إلى السماح
يقول وعدته بالوصل يومـا
      تبادله به راحــــا براح
فظل سحاب ذلك اليوم يرجو
      وصالك في غـدو أو رواح
ولم ينفك يغري النـفس حتى
      أتاه الليل مسود الجنـــح
فلام ونام في غم وهــــم
      ولما قام قال مع الصــباح
أديب العدوتين إليك أشــكو
      أديبا قد تخلق بالصـــلاح
وبعد أن أجاب الشعار الشنقيطي على التهمة الموجهة إليه، ودافع عن نفسه حيث اعتبر أن الدعوة التي وجهها القباج، كانت على سبيل المزاح لا الجد، اضطر الشاعر محمد بوجندار أن يرفع الأمر إلى الشاعر أحمد بن المواز، باعتباره القاضي الذي يمكن أن يفصل في الأمر:
ولما كنت في الأحكام أقضـى
      قضاة العصر في كل النواحي
رفعت إليك أمرهما لتقضـي
      لكل منهما وفق اقتـــراح (4)
وبتدخل الشاعر ابن المواز انتهت هذه المساجلة، التي هي أشبه لمحاكمة للشاعر الشنقيطي. وإذا كان هذا النموذج في الشكوى والعتاب، يتعلق بعدم تلبية دعوة لحضور مأدبة، فإن العتاب يطال أحيانا أشياء أخرى. ففي مساجلة بين الشاعرين البلغيثي وبوجندار، نجد الأول يوجه أبياتا لمحمد بوجندار في معاتبة الشاعر المطبوع، باعتبار أن هذا الأخير كان عائقا في طريق نشر بعض كتابات البلغيثي على صفحات جريدة "السعادة، فكتب البلغيثي شاكيا معاتبا: (5)
يا فاضلا أعاد فصلا سالفا
      وكان للسالف فيه خالفــا
ما للسعادة – وثم محالفــا
      لها- أرتنا في العلم مخالفا
كأنها إذا دعوت سفاسفــا
      استكنفت أن تنشر المعارفا
فأجاب محمد بوجندار بقوله: (6)
      يا أريحيا بالقريض عـارفا
وغارقا في بحره وغارفــا
      ولابسا من مجده مطارفـا
ومحرازا تاليده والطارفــا
      وافى قريضك البديع واصفا
ما كان من أجله قلبي واجفـا
      وذاك ما قدمت عذري آنـفا
في شأنه إذ كنت منه آنفــا
      حيث غدا مخالفي محالفــا
وعاد لي محالفي مخالفـــا
                                                   ***
وطرقت المساجلة الشعرية مجال وصف المآثر التاريخية ومجالس النزهة. وقد حظي مجلس عبد الرحمان بن زيدان وقصره، بالعديد من المقطعات، الواصفة لجمال المكان ورونق المجلس، ويبدو أن منزل ابن زيدان كان يثير زواره برونقه وبهائه، فكان للشعراء للتفنن في وصفه، وتبادل المقطعات الشعرية التي تسجل هذا الإعجاب. بالإضافة إلى أن مجلس عبد الرحمان بنم زيدان، كان مجلس أدب، يفسح المجال للتباري في ميدان القريض وما دار بين الشاعرين محمد بن اليمني الناصري، ومحمد بوجندار بروض قصر ابن زيدان بمكناس، نموذج لهذا النوع من المساجلات: (7)
بوجندار:
لله من مجلس رقت حواشــيه
      وشاه بالحسن والإحسان واشيه
الناصري:
تغشى قلوب الالى حلوا بساحته
      من السرور على المدى غواشيه
بوجندار:
وكيف لا وأريج الروض أرجه
      بما به تنتشي عقول ناشيــه
الناصري:
أما ترى الروح في أرجائه رقصت
         زهوا وعجبا يبادي الفضل ماشيه
                                                   ***
وكانت هذه المجالس تتعدد، وبتعددها تختلف الأماكن التي يتخذها الشعراء يومئذ
لهم، فسجلوا في مساجلاتهم الشعرية ما كان يدور خلال هذه اللقاءات: فوصفوا الطبيعة حينما يكون جمعهم بين أحضانها، ورسموا براعة البناء ورونق الزخرف حين يضمهم قصر فخيم أو مسكن أبدعت فيه يد الصانع (8). ومما سجلته المساجلات بين شعراء العهد اليوسفي، الإشادة ببعض المراكز الثقافية والتاريخية. وما دار بين شعراء العدوتين يعتبر نموذجا لهذه العواطف النبيلة التي عبر عنها كل طرف تجاه مدينة الآخر. وهكذا حينما ينظم محمد بوجندار مخاطبا صديقه الشاعر السلوي عبد الطيب عواد، يفسح المجال ليراعته للإشادة برجال الفكر برباط الفتح، الذي كان يومئذ مركزا ثقافيا يستقطب العديد من الأسماء الفاعلة في الساحة الثقافية المغربية عهذئذ، يقول محمد بوجندار: (9)
أهيل سلا الغراء شكرا على شكر
      فقد أشرقت من فكركم غرة الشعر
بهرتم بآيات أضلت بهديـــها
      ولا عجب فالإضلال من آية السحر
وطوقتم جيد الزمان ونحـــره
      بدر نفيس جاء من أنفـــس الدر
فأجابه الشاعر السلوي عبد الطيب عواد: (10)
أتتني من ربع الجهابذة الغــر
      فتاة نحر الذيل في رقة الخصـر
فتاة من الحي الذي افتخرت به 
      أكابر أهل الذوق في سالف العصر
عقيلة فكر للاريب الذي سـما
      بأوج سما الإيجار في النظم والنشر
أهيل الرابط الفتح فتحى بحكيم
      فلا غاب عني ما حييت مدى الدهر
                                                   ***
ودخل شعراء هذه الفترة بالمساجلة الشعرية مجال الهزل والمجون، واتخذوها وسيلة للترويح عن النفس، ولما كان بعض هؤلاء الشعراء ممن حظي بمراكز وظيفية تتطلب الوقار فإن المساجلة بين الأصدقاء، أتاحت الفرصة للخروج عن المألوف، فخلع المتساجلون عذارهم وأطلقوا العنان لخواطرهم، فكشفت المساجلات الشعرية من هذه الزاوية جانبا من ذاتية الشاعر الفقيه، والقاضي الناظم، فبدأ المتجهم مرحا، والجاد هازلا، والوقور ماجنا. إن المساجلة الشعرية في هذا السياق تغدو تحرر من قيود كثيرة. ويمكن أن نقدم كنموذج لهذا الشق من المساجلات، ما دار بين الشاعرين عبد الله القباج ومحمد بوجندار ونقتطف هذا المقطع من نظم شاعر العدوتين، يقول: (11)
شاعرنا المطبوع يا من قد روى
         من القريض ما به قد ارتــوى
ويا أديب المغرب الأقصى الذي
         طوى الحجاز وطوى بير طـوى
إني رأيت الصائم الظمآن قبل
         الفطر يشعر بجوع وظمـــا
وإن لم يشتر الخبز ولم يطلب
         غذا فلا إذا ولا عشـــــا
ومن يك طيره في قيد قفـص
         ثم غدا يفتحه لمن يشـــا
فربما ند له وطار فـــي
         جو السماء بين أسراب القطا
وبهذا النفس المازح والنغمة الهازلة يتابع الشاعر كلامه لصديقه القباج. ويبدو أن هذا النمك من القول كان الناظم يعمد إليه لملء الفراغ والترويح. وهذا ما يفصح عنه بوجندار حينما يشير في مساجلته أن نظمها كان في رمضان، فعمد إلى الكتابة لتلهية نفسه وممازحة الشاعر المطبوع، يقول: (12)
والعذر أن نظمها كان مساء
      رمضان والنهار ما انقضـى
لذا قصصت ذيله بنظمــها
      حتى نسيت الجوع فيه والظما
فما شعرت بالمسا إن انتهى
      والحمد لله بغير منتهـــى
هذا اللون من المساجلة ذات الطابع الهازل، قد ينزلق منه المتساجلون إلى نوع من التهتك والمجون، فيسف اللفظ، وتتداعى المعاني المكشوفة، على غرار ما تقرأ في مساجلة والمجون، فيسف اللفظ، وتتداعى المعاني المكشوفة، على غرار ما نقرأ في مساجلة دارت بين الشاعرين أحمد بن المامون البلغيثي ومحمد بوجندار، يقول شاعر العدوتين (13) مخاطبا شيخه البلغيثي، وقد حاد هذا الأخير في مساجلة سابقة عن روي الحاء إلى روي العين:
وما لك واجتناب روي حاء
      حلا في الذوق منا والسماع
أليس الحاء تخلو في القوافي 
      كما تحلو لنا عنــــد... !!
                                                   ***
وجالت المساجلات الشعرية عهذئذ في جوانب أخرى كانت ألصق بالاهتمامات الثقافية والأدبية، وحيث غدت المساجلة وسيلة النقاش الأدب والتباري في الجدل الفقهي. ويكشف هذا النوع من المساجلات عن بعض الاهتمامات التي كانت تشغل أدباء هذه المرحلة. وتنوعت هذه الاهتمامات بين نقد الشعر والمفاضلة بين شعراء المغرب عهذئذ، إلى طرح بعض المسائل الفقهية، والمناقشات اللغوية، دون إغفال ميدان الألغاز. وبذلك شكلت المساجلات الشعرية من هذه الزاوية وسيلة لتحريك قرائح الأدباء، وإثارة جدل ثقافي في الساحة عهذئذ، وشكل البحث في الألغاز جزءا من اهتمام شعراء هذه الفترة، فتبادلوا مساجلات في هذا الصدد، نجد نماذج منها فيما دار بين الشعراء، بوبكر بناني، محمد بن عبد السلام السايح، محمد بوجندار، قد يكون الاهتمام باللغز من باب إثبات المقدرة على النظم في مختلف الفنون، كما يمكن أن يكون إظهارا بمقدرة علمية تتعلق بمجال من المجالات المعرفية، كاللغة أو الفقه.
وسعت المساجلات نطاق اهتمامها لتشمل المناقشات اللغوية، والتي يسمى كل طرف من المتساجلين إلى الكشف عن عمق إطلاعه وكبير درايته, ولنا نموذج من هذا اللون في المساجلة التي جارت بين البلغيثي وبوحندار، حيث عمد الأول إلى توجيه بعض الانتقادات اللغوية إلى شعر الثاني، فدخل بوجندار في جدال مع شيخه مدافعا عن قريضه، وطالت المساجلة في هذا الباب، ومما ورد في دفاع شاعر العدوتين قوله: (14)
ليت شعري هل لانتصافي طريق
         فطريق الجدال عنه تعــوق
رمت عنه الجدال تحقيق حـق
         فإذا بالجدال ضاعت حقـوق
يالقومي هل منصفي في أديب
         ما كفاه التوقيف والتوفيــق
ما كفاه ما قلته في البراعـي
         من قياس ولي دليل وثيــق
ما كفاه التسهيل فيه دليلـي
         وهو سهل لديه مطـــروق
ما كفاه الأساس أسا لقولـي
         وهو عندي نعم الأساس العميق
ما كفاه تاج العروس المحلى
         وهو تاج ومن حلاه العقيــق
ويبدو أن البلغيثي يتضايق أحيانا من الجدل، فينتصب شيخا يلقن تلميذه بلهجة آمرة على غرار ما نجده في رده على بوجندار يقول: (15)
قال أزكى الوري الأمين الصدوق
      وهو في كل ما يقول صـدوق
من يدع لهجة الجدال محقا
      به بيت لدى الجنان يفــوق
لم أر الآن غير فصلين مما
      قلته عنهما الجواب يليــق
.....................
      فاعتبر واتعظ وخذ نبل نقدي
لنظام يزينه التنميــــق
                                                   ***
واهتبل شعراء هذه المرحلة في مساجلاتهم ينقد الشعر، وتتبع عيوب قصائد الغير وأحيانا يذيل الشاعر مساجلته بتعليق نقدي على مساجلة سابقة لصديقه ومن هذا القبيل ما فعله البلغيثي بشعر محمد بوجندار، فقد عاب عليه أشياء في مساجلة سابقة بينهما، فرد بوجندار مدافعا يقول: (16)
نظرت كما أشرت إلى قريض
         كأن به اعتلالا حين يتلـى
فما ألفيت فيه ممن معيـب
         بلى من كب عيب قد تخلى
لأن حكاية الألفاظ ليــت
         تعد لديكم لحنا وجهــلا
أعد نظرا، فأنت أمام عقلي
         وكم من دركم جيدي تحلى
غير أن البلغيثي يظل متشبثا برأيه فيجيب الشاعر بوجندار بقوله: (17)
أعد نظرا لما أرسلت قبلا
         تجد يا صاح فيما قلت نيلا
سأكشفه لم عند التلاقــي
         وتسلك من هداه بعد سبلا
وما تحكي كن الألفاظ حلو
      ولست أمل حلوا ليس خبلا
وقدرك في القريض يرى رفيعا
      وسندس ثوب فضلك ليس يبلى
                                                   ***
وعاج البلغيثي ثانية إلى شعر محمد بوجندار آخذا عليه وقوعه في الإيطاء مما يعد عيبا في شعر الشاعر. فينبرى شاعر العدوتين لدفع ما ألصق بشعره مجيبا شيخه في مساجلة قائلا: (18)
الا مهلا أبا العباس مهـلا
      لقد جاوزت حد المستطــاع
ألت وسمت بالإيطاء شعري
      كأنك ما أطلعت على اطلاعي
وعنك أخذت أحكتم العوافي
      ولي بك في العلوم طويل باع
ولما كانت الثقافة خلال هذه المرحلة التاريخية تشكل أسا ريسا في ثقافة الأديب، فقد حظي هذا المجال المعرفي باهتمام الشعراء، ودونت بعض سماجلاتهم النقاش الذي أثير حول قضايا ومسائل فقهية، تبادلوا حولها الآراء، من ذلك ما سجلته مساجلة بين الشاعرين أحمد سكيرج وأحمد بن المامون البلغيثي.
فقد نظم البلغيثي في مسألة فقهية، مستفهما الشاعر سكيرج، يقول: (19)
قل للفقيه الذي بالفقه قد عرفا
      وقبله بخفايا علمه شغـفا
ما زوجة طلقت قبل البناء بها
      وأحرزت مهرها كلا وما انتصـفا
فيدخل الشاعر سكيرج مع الفقيه البلغيثي في نقاش حول المسألة، ثم يدون إجابته الأخيرة ليبعث بها منظومة إلى احمد بن المامون، ويقل: (20)
افدتنا بالتي بالزور قام على
      تطليق زوج لها عدلان قد عرفا
فأبرم الحكم بالفراق بينهـما
      وبعد ما طلقت بالفرية اعتـرفا
وربما يكون هذا النمط من المساجلات ألصق بمجال الألغاز، غير أنها في نقس الآن كاشفة على نوع من المناقشات التي تدور بين شعراء الفترة، ومبينة لنوعية الاهتمامات التي تجد اهتبالا من الوسط الثقافي المغربي عهذئذ.
                                                   ***
وملاك القول إن فن المساجلة الشعرية خلال العهد اليوسفي، حظي بنوع من الاتساع والاهتمام من طرف شعراء هذه الحقبة، وجالت المساجلة في ضروب شتى من فنون المعرفة، ووظفت في المناسبات الاجتماعية، واستخدمت في التعبير عن العواطف الذاتية، وركبها الشعراء في المناقشات الأدبية, أي أن المساجلة الشعرية ما رست على يد هؤلاء الشعراء مجموعة من الوظائف، لم تكن دائما حصرا على المجال الأدبي..ولا يحتاج الدارس للمساجلة الشعرية خلال هذه الفترة – وربما للمساجلة بشكل عام – إلى كبير عناء، ليثبت أننا مع هذا اللون من فن القول، يبتعد عن الشعري، وتضعنا النماذج التي وقفنا عليها، أمام مجموعة من النظامين ليس إلا، وقد تكون طبيعة المساجلة متحكمة في أبعاد هذا اللون من النظم عن دائرة الشعر.


-----------------
11) جريدة السعادة، ع، 14 مارس 1939.
12) نفسه.
13) ديوان البلغيثي، ج2، ص 18-19
14) انظر المساجلة بكاملها في ديوان البلغيثي  
15) نفسه
16) ديوان البلغيثي، ج2 ص 154-155.
17) نفسه.
18) نفسه، ج2، ص 33، 24
19) ديوان البلغيثي، ج2، ص 45-46
20) انظر المساجلة كاملة في ديوان البلغيثي، ج 2، ص 45-46

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here