islamaumaroc

الرؤية الحسنية في الأصولية الإسلامية

  أحمد أفزاز

273 العدد

في حديث صحفي (1) أدلى به أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده، عبر حفظه الله عن رؤيته لمفهوم الأصولية الإسلامية فقال: "إن المغرب بالتأكيد إحدى الدول الأكثر أصولية لأنه لم يحتفظ إلا بالمذهب المنورة، حيث عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كانت هناك أصولية فإن المغرب إذن هو البلد الأصولي، وهو الأكثر أصولية".
وفي حديث صحفيي آخر منشور قال أمير المومنين أعزه الله: "أما بالنسبة لنا في المغرب فإننا أصوليون بالنسبة لديننا الإسلامية الحنيف، فنحن السنيون، وخاصة أتباع المذهب المالكي". (2)
لقد جاءت الفقرات المذكورة في حديث أمير المومنين لتضع مفهوم الأصولية الإسلامية في إطاره الحقيقي.
وفي البداية ينبغي أن نبين مدلول الكلمة، فالأصولي نسبة إلى الأصل.
والأصل في الاستعمال اللغوي له عدة معاني، فهو أسفل كل شيء، (3) وما يبنى عليه غيره بناء حيا أو معنويا، وما يقابل الفرع.
والإسلام بني على أصول معروفة، ونشأت عن تلك الأصول قواعد وأحكام فرعية للتطبيق في الحياة العلمية، ولتكيف السلوك الإنساني في حياة المسلم.
أول تلك الأصول وأكثرها إشعاعا في التشريع الإسلامي هو كتاب الله عز وجل، فالقرآن الكريم الذي أنزله الله على نبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو موضوع الرسالة الإسلامية وقد تناول جميع الأحكام الإسلامية التي يحتاج إليها المسلم في مسيرته الإيمانية.
والمسلمون في جميع أنحاء العالم لا بد أن يكون في عقيدتهم الإيمانية أن كتاب الله عز وجل هو المصدر الأول والأصل الأساسي للتشريع العملي للإنسان المسلم.
وفي هذا التوجيه يقول أمير المومنين أعزه الله: "إننا بقينا دائما متشبثين بدين الله، سبحانه وتعالى، وهو الإسلام الذي له الكتاب كأساس وكأصل". (4) فدين الله أولا هو الإسلام،  (إن الدين عند الله الإسلام) (5) وأساس هذا الذين وأصله ومنبعه ومصدره هو كتاب الله تعالى الذي يضمه المصحف الشريف.
وقد نظم القرآن الكريم حياة المسلمين بكل أبعادها جماعية كانت أو فردية، دولة كانت أو أسرة.
ففي ضبط رئاسة الدولة يقول الله تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله).(6)
وأشار القرآن الكريم إلى بعض سلطات الإمام فقال تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض، أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعرف ونهوا عن المنكر). (7) يقول ابن جماعة: "ويجب نصب إمام يقوم بحراسة الدين، وسياسة أمور المسلمين، وكف أيدي المعتدين، وإنصاف المظلومين من الظالمين، ويأخذ الحقوق من مواقعها ويضعها جمعا وصرفا في مواضعها، فإن بذلك صلاح البلاد، وأما العباد، وقطع الفساد، لأن الخلق لا تصلح أحوالهم إلا بسلطان يقوم بسياستهم ويتجرد لحراستهم". (8)
والأصول الإسلامية تتحدث عن العلاقة الجماعية للمسلمين في إطار من الود والصفاء يقول تعالى: (إنما المومنون إخوة). (9) وتنظم التصرفات الإنسانية التي تدعو إليها الحاجة الاجتماعية من بيع وشراء وقرض ورهن ووكالة ووديعة وغير ذلك من أنواع المعاملات مع تطهيرها من الاستغلال (الغبن-الربا) وعيوب الرضا، والضعف العمري (الإكراه- الحجر).
وتتحدث الأصول الإسلامية عن العلاقة البيتية بهذه القاعدة (وعاشروهن بالمعروف). (10) ويقول تعالى في علاقة البنوة بالأبوة: (وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهم أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا).(11)
وفي علاقة الأمة الإسلامية مع غيرها يقول الله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخير). (12) ويقول: (فإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله).(13)
هذه الأصول القرآنية لنظام الحياة كانت منظورة في فكر أمير المومنين وهو يتحدث عن الأصولية الحقيقة في القرآن.
ولم يغب عن ذهنه حفظه الله المصدر الثاني للتشريع الإسلامي وهو السنة فقال في ذلك أعزه الله: "وله السنة كتطبيق وتفسير". (14)
فالسنة التي هي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته تكون التطبيق العملي للإسلام فالرسول عليه الصلاة والسلام كان النموذج الأسمى للإسلام وكانت سنته صلى الله عليه وسلم تفسيرا وبيانا لما جاء به القرآن، وقد أشارت إليه هذه الآية الكريمة: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم).(15)
والمصدر الثالث لتقرير الأصول الإسلامية الذي هو الإجماع أشار إليه أمير المومنين بقوله: "وله الجماعة كحصن وتحصين". (16)
فجماعة المسلمين عندما تتفق على أصل أو قاعدة أو قاعدة أو حكم أو قرار، تكون وضعت أساسا ثالثا للتشريع في الإسلام، ويتضمن هذا أن القاعدة أو القرار الذي وضعته الجماعة الإسلامية وهو ما يسمى بالإجماع، يصبح جزءا من النظام الإسلامي، ويعتبر الحكم أو القاعدة تحصينا لأحكام القرآن والسنة، لأن الجماعة الإسلامية لا يمكن أن تتفق على ما يخالف الكتاب والسنة، إذ على أساس هديهما تضع الحكم، والتطبيقات العملية لتحصين الإسلام بقرار الجماعة الإسلامية كثيرة ومتعددة، فأسلوب بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع من طرف جماعة الصحابة، وأسلوب ولاية العهد الذي يتم من أبي بكر لعمر بن الخطاب الخليفة الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان كذلك بإجماع الصحابة، وجمع القرآن وتوحيد المصحف كل ذلك لي أعمال الجماعة الإسلامية التي حصنت به الإسلام.
إن التمسك بالأصول الإسلامية كما جاءت في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون الطريق الصحيح للإنسان الذي يجعل الشريعة الإسلامية منهجا له في الحياة.
وعلى هذه الأصول تقوم الفروع التي اجتهد الفقهاء لاستنباطها منها، ويسروا للمسلم التعامل مع أحكام الإسلام.
يمكن في حوار مفتوح أن يقال بأنه ما دام الأصلان الكتاب والسنة قائمين فلا حاجة لمذهب أو اتجاه غيرهما.
ولكن الرد على السؤال متوفر وموجود، إن الإحاطة بأحكام القرآن وأقوال السنة ومضمونها، أمر غير متيسر لكل الناس، بل غير متيسر حتى على الخواص، ففهم نص قرآني و حديث نبوي، يحتاج إلى التخصص في كثير من العلوم الإسلامية، وقد قام بهذا قادة الفقه الإسلامي ابتداء من النصف الثاني من القرن الهجري الأول" فأخذ هؤلاء القادة عن الصحابة والتابعين بعد تعمقهم في العلوم الإسلامية، أحكام الذين تطبيقا عمليا كما وصل إليهم، ونجد على رأس هؤلاء أصحاب المذاهب الأربعة، وفي مقدمتهم إمام المدينة سيدنا مالك بن أنس رضي الله عنه، وأتباع المغاربة للمذهب المالكي نابع من كون صاحبه عاش في مهبط الوحي الثاني مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاين الإسلام وهو حي يمشي في سلوك التابعين الذين نقلوه قولا وعملا عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفهما وتفقها في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، ولهذا كان التمسك بالمذهب تمسك بأصول الإسلام وبقواعده وأحكامه، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين عنـدما قال أعــزه الله: (فنحن السنيون، وخاصة أتباع المذهب المالكي هم الأصوليون في الإسلام).
إنها توجيهات صادقة صادرة من قلب مومن عارف بأحكام الإسلام، وبمصادر التشريع في الإسلام، وبأن المسلمين لا نصرة لهم إلا بتمسكهم بدينهم كما جاءت به آيات كتاب الله الكريم وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، وما اتفقت عليه جماعة المسلمين من أحكام أصلية أو فرعية.
ويعتبر التمسك بالمذهب المالكي في المغرب الإسلامي وسيلة للتمسك بالأصولية الإسلامية الصحيحة، وعمل من شأنه وحدة الجماعة الإسلامية، إن الدعوة التي ترمي إلى الخروج على المذاهب الفقهية والتعامل مباشرة مع الكتاب والسنة دعوة مشبوه فيها، وقد تكون خطة مرسومة من طرف أعداء الإسلام، أو أنها كمحل ظاهره شيء، وباطنه الهجمة الشرسة على الإسلام، ولعل هذا هو التطرف الذي أشار إليه جلالة الملك الحسن الثاني في أحاديثه السابقة.
لنسأل هؤلاء، هل مذهب الإمام مالك مثلا، مذهب غير مبني على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أنه لم يستمد أحكامه الفرعية منهما مباشرة.
إن موطأ الإمام مالك وهو كتاب حديث بل من أول كتب الحديث التي جمعت منظمة على أبواب الفقه، يعتبر المصدر الأساسي في الفقه المالكي ومنه ومن فتاوي الإمام مالك استمدت المدارس الفقهية المالكية الأحكام الفرعية التي نجدها مفصلة في مختلف كتب الفقه المالكي.
والشيء الوحيد الذي ينقصنا في الوقت الحاضر، وأرى أنه من واجب علماء المغرب بصفة خاصة هو ربط الأحكام الفرعية في الفقه المالكي بأصولها الإسلامية في الكتاب والسنة. وهذا من صميم التفقه في الدين، الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين". (17) وهو عمل في عمقه يخدم الفقه المالكي بصفة خاصة، ويخدم الإسلام بصفة عامة، وربما يفهم من ذلك الدين يدعون لترك المذاهب الفقهية أن التمسك بها تمسك بالكتاب والسنة، وهو تمسك بالأصولية من منابعها ومصادرها الصافية النقية.
ولعل هذا ما كان يفكر فيه أمير المؤمنين وبتصوره وهو يقول: "إن المغرب بالتأكيد إحدى الدول الأكثر أصولية،لأنه لم يحتفظ إلى بالمذهب المالكي وحده، الذي جاء مباشرة من المدينة المنورة حيث عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كانت هناك أصولية فإن المغرب إذن هو البلد الأصولي وهو الأكثر أصولية".

-------------------------
1) انظر جريدة العلم بتاريخ 10/12/88
2) جريدة العلم 14/12/88
3) لسان العرب لأبي متطور مادة "الأصل" ج1 ص 89 طبعة دار المعارف.
4) خطاب جلالة الملك بمناسبة عيد الشباب 9 يوليوز 1988، انظر "مجلة دعوة الحق "العدد رقم 271.
5) "مجلة دعوة الحق" العدد رقم 271.
6) الآية 19 من سورة آل عمران.
7) الآية 26 من سورة ص.
8) تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لابن جماعة تحقيق الدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد.
9) الآية العاشرة من سورة الحجرات.
10) الآية 19 من سورة النساء.
11) الآيتين 23  و 24 من  سورة الإسراء.
12) الآية 60 من سورة الأنفال
13) الآية 61 من السورة السابعة.
14) خطاب عيد الشباب 88 مجلة دعوة الحق.
15) الآية 44 من سورة النحل
16) خطاب عيد الشباب المشار إليه سابقا.
17) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب المسلم باب من يرد الله به خيرا يفقه في الدين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here