islamaumaroc

العرش

  أحمد مجيد ابن جلون

273 العدد

يحل هذه السنة عيد العرش، فيصادف مرور مائتين وألف عام على تأسيس الدولية المغربية العظيمة التي فرضت وجودها عبر التاريخ، وشاركت في تقدم الإنسانية بعبقرية أبنائها، وإقدام ملوكها، وغرست أشجار المجد، وأنوار العرفان، ونشرت مبادئ الإسلام وأخلاق القرآن. وأعطت بسخاء من مجهودها الفكري، وإمكاناتها المادية، ما أهلها لتتبوأ المكانة المرموقة التي تحتلها بين أقطار العالم.
وإذا كان لخصائص الإنسان المغربي ومؤهلاته وطموحه وإيمانه، الدور الفعال في الملحمة التي خاضها شعبنا بإباء، وأمتنا بعزيمة وثبات، فإن الفضل الحاسم يرجع في ذلك، وقبل كل شيء، إلى النظام الذي ارتضاه المغرب لشعبه والحكم الذي اختاره لتنسيق وتسيير شؤونه، وهو النظام الملكي الذي قبله عن طواعية، بل رحب به لمجرد وصول سبط النبي الأعظم، إدريس الأول، إلى البقاع المغربية.
لقد بايعه المغاربة كملك، ولكنهم التفوا حوله كذلك كمسلم أرسى قوائم ملكه على الفضيلة، وبنى المؤسسات التي وحدت البلاد على التقوى، وشرع في إطار القيم المثلى التي أمر ديننا الحنيف باحترامها، والانقياد إلى الموحى بها، فكانت منذ البداية تلك العروة الوثقى التي لم تعرف انفصاما، وذلك التلاحم الذي لم يعرف انقطاعا، والاستمرار الذي لم يزده توالي القرون إلا قوة ومناعة.
فانطلاقا من ذلك اللقاء المقدس، شرع المغرب في تشييد حقيقته وتحقيق انطلاقته، وفرض وجوده، شعاره التمسك بما يدفئ معنويته، ويوجه نضاله نحو أقوم السبل، مستندا في ذلك على الاختيارات التي آثرها ملوكه الميامين الذين لم يألوا جهدا، ولم يبخلوا لا بتفكيرهم ولا بجهودهم ولا بتوجيهاتهم، هدفهم الوحيد ومرماهم تحقيق الغد الأفضل لشعب اختارهم بمحض إرادته، وقلدهم مسؤولية مستقبله، ووهبهم ثقة كاملة منبعها المحبة والتقدير، وأساسها الاعتزاز والتحبيذ...
وهكذا لم يكن العرش مجرد وسيلة للحكم، أو نظاما سليما تعيش على سننه الدولة المغربية بقدر ما كان - ولا زال- وسيبقى إن شاء الله - مدرسة خالدة، تلقي الأخلاق بالمثال الذي تعطيه، والوطنية بالتضحيات التي تتكبدها، وقواعد العلاقات البشرية بالنظم والقوانين التي تتخذها، والكرامة بالدفاع المستميت الذي تقوم به لصيانة البلاد وحدودها والتضامن بين أفراد الأمة بالمساواة التي تجعل منها قاعدة نشاطها ومبادراتها، والإقدام على المشاريع التي تحقق الغد المشرق، فتكون في مستوى طموحنا، والتذكير المستمر بوجوب إيثار المصلحة العامة التي يتمتع الفرد بمفعولها ونتائجها...
إن العرش المغربي من الشعب وإلى الشعب، إنه كرس جميع طاقاته ومواهبه المستمدة من الإيمان، والمرتكزة على الأخلاق لخدمة الأمة، لمجرد ممارسته السلطة؛ ولتوحيد الصفوف لا للهيمنة، ولحماية الفرد لا لاستعباده، ولتوجيه المجتمع لا لمراقبته، ولتنوير الرأي العام بالتكوين والمثال: فكانت عاقبة هذا المجهود الجبار، والاختيار المبارك أن عمت، بين القمة والقاعدة، رابطة متينة تحدت القرون والأجيال، وتحبيذا مشتركا ومتبادلا، وتكونت في نفوس المغاربة محبة العرش والتعلق بأهدابه إلى أن بلغ هذا التلاحم درجة ما يسميه الفلاسفة "بنقل أو تحويل العواطف" فأصبحوا يحبون العرش للعرش.
ولأمتنا المسلمة العريقة خاصيات تمتاز بها، كما أن للمفردات التي نستعملها معاني دقيقة نجد أسبابها في معطيات تاريخنا، فللبيعة معان تختلف باختلاف الأقطار والنظم السياسة، إلا أنها تكتسي بالمغرب مفهوما خاصا، ويكون تقديمها لملك المغرب وللجالس على عرشه مناسبة غالية للتعبير عن تحبيذ الأمة والتصريح بتعلقها، والإعلان عن شغفها وولائها. فتكون بذلك هي الطالبة لا المطلوبة، والراغبة في المثول أمام عاهل البلاد لتنعم بشرف مقابلته وتحظى برضاه ودعواته. ونفس المعنى هو الذي تكتسيه حفلات الولاء التي يسعى جميع المواطنين جادين ليكونوا من بين أعضاء الوفود التي تحج إلى عاصمة المملكة، قصد المشاركة فيها.
وهذا المناخ هو الذي هيمن على مسيرتنا عبر القرون، ولا أدل على ذلك من أن جميع الأسر الملكية التي تعاقبت على الحكم بالمغرب كان لها - ودون استثناء - نفس الشعار، ذلك الشعار الذي جاء في دستور المملكة بعبارة مختصرة الألفاظ، شاسعة المعاني" الله، الوطن، الملك"، جميع الأسر الملكية، كان همها الأول الدفاع عن الإسلام في هذه البقاع، والاستماتة في سبيل الحفاظ على استقلال البلاد وسيادتها، وصيانة النظام الملكي الذي يعتبره جميع المغاربة رمز الدولة ورايتها الخفافة، ويتشبثون به عن إيمان، ويعتزون بوجوده، وقد أعربوا عن ذلك بصراحة وافتخار عندما أكدوا في دستور البلاد أنه يمكن تعديل أو تغيير بنود ومبادئ وقواعد هذا الدستور إلا ما تعلق منها "بالدين الإسلامي والنظام الملكي".
لقد أعطى التحام العرش والشعب نتائج في مستوى الأحداث، وجعل من المغرب قلعة منيعة لم تنل المحاولات الخارجية من صلابتها، وتكون الإنسان المغربي التكوين الصحيح الذي جعل منه الجندي الباسل في ساحة الوغى، والعالم المتطلع الذي شارك بتأليفه وبحثه وتأويله في المجهود الجماعي على كل المستويات، والمواطن الصالح الذي حقق الانطلاقة اللازمة لتفادي الضعف أو الركود، والمسلم الغيور على دينه، المعتز بأخلاقه ومبادئه، وكل هذا، بالإضافة إلى تلك المجموعة الغنية من التقاليد والأعراف التي نظمت الحياة، وعززت الاستقرار، ونسجت جو العلاقات بين الأفراد، وساهمت في نبذ الحلول السهلة والمواقف المشبوه فيها.
إن التقاليد المغربية استمدت روحها من الطموح المغربي واستندت على طبيعة أمتنا وارتكزت على أخلاقنا، ما هو قمين بمساعدتنا على تحقيق أمانينا في التعايش السليم، والتقدير المتبادل، والاحترام الذي يفرضه المدلول الصحيح، للتضامن والازدهار الذي يتوق إليه كل مجتمع صادق النوايا، والرقي الخلقي وليد الرفض لكل المساومات المبهمة، وقد تجلت هذه الأعراف كقواعد راسخة كونت دستورا غير مكتوب يلزم الجميع ويلتزم به الجميع، كما أنها شملت جميع أوجه الحياة الوطنية وخصوصا منها الميدان السياسي.
لقد شاءت إرادة ملكنا الصالح أن توفر لأمتنا الشكورة دستورا ذكر في مستهله بما سماه بالمبادئ العامة وكلها مبادئ إسلامية صرف، ثم نص على المؤسسات الأساسية لممارسة الحكم وكيفية قيامها بمهامها، ففرض على المسؤول واجهات، وضمن للمواطن حقوقا وإمكانات، ووفر للأمة وسائل المشاركة والمراقبة، وذلك في اختيار وجيه لما يعزز استمرار الدولة واستقرار الأوضاع، في إطار ما يفرضه ديننا الحنيف السموح وما جعلت منه تقاليدنا فرائض وسننا.
فمن المبدأ، مثلا، أن عرش المغرب وحقوقه الدستورية ينتقل بالوراثة إلى الولد الذكر الأكبر سنا من ذرية جلالة الملك، ثم إلى ابنه الأكبر سنا، وهكذا ما تعاقبوا.. إلا أن الدستور أضاف بأنه يمكن لجلالة الملك أن يعين قيد حياته خلفا له، ولدا آخر من أبنائه غير الولد الأكبر سنا... هذا مثال حي ومقنع عن الروح الوطنية السامية المخلصة للأمة ومصالحها، تلك الروح المثالية التي أعرب عنها جلالة الملك الحسن الثاني عندما هيأ مشروع الدستور. وهو في الحقيقة مثال من بين عشرات الأمثلة التي يزخر بها دستور البلاد، وإننا لنجد في جميع النصوص القانونية التي تتوفر عليها أمتنا نفس الاهتمام والاتجاه.
فلا غرابة أن يحتفل المغرب - ملكا وشعبا - بعيد العرش وأن يجعل من حلوله مناسبة للبهجة والشكر والامتنان. أما جيلنا فهو أحق من غيره بأن يعير هذه المناسبة أهمية قصوى لأنه يحتفل طبعا بعيد العرش ولكنه أيضا يحتفل بذكرى يوم جلوس جلالة الملك المحبوب الحسن الثاني العظيم، على عرش أسلافه المنعمين. إن جلالته أطال الله عمره، حقق لأمتنا أقصى أحلامها، فعشنا معه تلك الملحمة الخالدة التي رسم معالمها، وحقق أهدافها وقادنا إلى شاطئ العزة والنجاة.
إن العرش والشعب يكونان بالمغرب وحدة لا تقبل التجزئة، لأنه إذا كان الملك في خدمة الشعب، فالشعب في خدمة ملكه بقلبه وجوارحه، وشغفه وإعجابه، وتعلقه وامتنانه. وتلك حقيقتنا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here