islamaumaroc

دواء الشاكين وقامع المشككين -6-

  دعوة الحق

31 العدد

ثم قال المصنف: وبقطع النظر عن هذه المسألة، وهي ما هو أصل الحيوان، وهي في الحقيقة مشكلة علمية قد اقترح بعضهم أن هباءة، ذرة عظيمة القدر، لكنها صغيرة الحجم حتى أنه لا يستطيع أحد أن يلمحها ولو لمحا غير واضح بأي مجهر، وهو المكرسكوب، هذه الذرة الصغيرة هي التي فرقت ما كان مجتمعا متحدا، وجمعت ما كان متفرقا متباينا، فظهرت الحياة بمظهرها المدهش.
وتقريبا للفهم نقول: انظر إلى الأميبا، وهي حيوان صغير لا يرى إلا بالمجهر، وقد تطورت تطورا تاما وهي متركبة مما لا يحصى من ملايين الذرات، كاملة الصنع على أحسن نظام، والأميبات مخلوقات ذات خلية واحدة، ولعل مساحة حجم الواحدة منها لا تزيد على جزء من مائة من البوصة، والأميبا توجد في جميع مياه الدنيا، وهي تطلب غذاءها بعزم واجتهاد، كم يجب أن يكون الحيوان كبيرا في الحجم قبل أن نعترف بأن له رغبة وعزما؟ الحجم لا اعتبار له، فإن الذرة في الإتقان والكمال تساوي المجموعة الشمسية بأسرها، وإذا ضربنا مثلا الأميبا فلسنا تقصد أن هذا المخلوق الحي هو الخلية المنفردة الأولى التي هي ينبوع الحياة، تقدم شرح معنى كلمة (بروتوبلازم)، ونريد هنا زيادة بيان أحوالها فنقول: إنها قطيرة بين السوائل والجوامد، وعبرت عنها المعاجم الأعجمية بنصف سائلة، وهي في غاية الدقة، حتى أنها لا ترى بالعين المجردة، لزجة شفافة، منها تكون المخلوق الحي الأول، ومنها نشأ بانقسامه في داخله إلى قسمين، وكل من القسمين انقسم إلى قسمين، فكان أربعة أقسام واستمر الانقسام والنمو إلى أن بلغ كل فرد المقدر له، وهذا عين ما تفعله الخلايا اليوم في كل مخلوق حي، وكل خلية بعد الانقسام الأول تشتمل داخلها على قوة ينتج منها مخلوق كامل من الأفراد، والخلايا باقية لا تتغير ولا تنتهي إلا في حال وقوع حادثة تصادفها، أو عند بلوغها نهاية الأحوال المقدرة لها، وهذه الخلايا هي التي تشكل جميع أجسام الحيوان والنبات اليوم، وعلى هذا يكون عمل هذه الخلايا نسخة طبق الأصل من عمل أسلافهن الأوليات، فنحن من حيث كوننا أناسي (جمع إنسان) جمهوريات منظمة أحسن تنظيم مؤلفه من بلايين على بلايين من أمثال تلك الخلايا، وكل خلية بمنزلة مواطن من تلك الجمهورية يؤدي واجبه من الخدمة العامة بإخلاص تام وإتقان، وبعكس ذلك تكون الذرة من الجماد.
أقول: فما أرى المشككين في اتحاد هذه المجموعات من الذرات التي تعد بملايين على ملايين في اتحادها الذي لا يتطرق إليه التفكك، وتضامنها الذي لا يعتريه تخاذل، وتعاونها الذي لا يشوبه ملل، أيمكن أن يكون ذلك كله على سبيل المصادفة، بغير علم سابق ولا تدبير مرافق؟
ثم قال المصنف: ولكننا نستطيع أن نشير إلى مثال وقع من قبل ذلك بزمان بعيد في ابتداء الحياة على وجه الأرض، وهو مهم وعجيب جدا: خلية تعطي قوة مدهشة تستعمل بها ضوء الشمس فتكسر به مركبا كيميائيا وتصنع غذاءها بنفسها وغذاء لأخواتها من الخلايا. والذرة الأصلية تحضر غذاء تعيش به بناتها من الذرات، ثم تكون الذرات البنات حيوانا، على حين تصير الذرة الأم نباتا، وأولاد ذلك النبات المولدات منه تكون بعد غذاء لكل شيء حي في وقتنا هذا، فهل يستطيع أحد أن يفسر هذه الحقيقة، وهي أن بعض الخلايا تصير حيوانا وبعضها نباتا - أن كل ذلك وقع بالمصادفة؟ وهنا في هذا التقسيم تعرف سر التوازن العجيب الواقع بين النبات والحيوان، بل بين حياة النبات والحيوان، قد أسس من قبل على أساس مقدر معلوم. وإذا رجعنا إلى الوراء، إلى قصة حامض أكسيد الكاربون، نجد أن هذا التقسيم كان بلا ريب أحد الأصول الجوهرية التي أسست عليها الحياة نفسها، فلو كانت الحياة كلها حيوانا لكان الآن قد استهلك جميع الأكسجين، ولو كانت الحياة كلها نباتا، لكان الآن قد استهلك جميع أكسيد الكاربون، وفي كلتا الحالتين كلاهما يموت. ما أعجب أمر الحيوان والنبات كليهما في تطورهما من الكائنات البروتوبلازمية ذكورا وإناثا، أن كل نوع لم يزل يتكرر تركيبه، وبذلك بقي مستمرا مع المحافظة على خصائصه العامة، ونحن نرقب بمجهرنا الحاضر تفاصيل القوة المجبرة في الطبيعة والكيمياء والنتائج المترتبة عليها التي تزيد الأمر وضوحا، وغرضنا هو تسهيل فهم ما وصل إليه العلم على أولئك الذين لم يتمرنوا على المسائل العلمية تمرنا خاصا، ويمكن أن نبين ذلك على الوجه التالي: من الواضح أن الجماعات من الخلايا تنمو باتصال بعضها ببعض بالانقسام مثنى ثم رباع ثم مآت ثم آلافا ثم ملايين، وكل خلية منها تدعى لتنجز نصيبها من العمل، ومتى تم توزيع الأعمال المختلفة يبدأ الشروع في العمل عند الجميع، فطائفة من الخلايا تكون مشتغلة بإحضار الغذاء وطائفة أخرى تشتغل بهضمه، وكل جزء من الجسم المراد تكوينه يتألف من كثير من الخلايا، فبعضها يؤلف غلافا غليظا واقيا يكون قشرة لشجرة، وطائفة أخرى تشتغل بنقل الغذاء من مكان إلى مكان في المخلوق الحي المراد إنشاؤه، وأخيرا نجد تلك الخلايا جادة في تشكيل خشب الجدع إن كان المخلوق شجرة أو العظام إن كان المخلوق دابة أو المحار إن كان المخلوق بحريا من ذوات المحار أو الغلاف الصلب إن كان الحيوان رخوا لينا كالحلزون مثلا (وهو المسمى باللغة المغربية ببوش)، إلى أن يتم تكوين الأجزاء الصلبة في المخلوق الحي خارجه محيطة به، وتارة تكون داخله عظاما يقوم عليها جسمه، وكل الأشياء المتصفة بالحياة تتخلق من خلية بسيطة واحدة، وهذه الخلية تجبر نسلها على أداء الواجبات طبقا للخطة المرسومة لخلق ذلك الحيوان بلا خلاف، كما فعلت الخلية الأولى الأصلية، سواء أكان ذلك الحيوان سيصير سلحفاة أو أرنبا.
وهنا يعرض لنا سؤال، وهو هل الخلايا ذات إدراك أم لا؟ وسواء منحت الخلايا قوة تمييز، كيفما كان، أو قوة تفكير، فلا مناص لنا من الاعتراف بأن الخلايا قد فطرت على أن تغير طبيعتها وتقف مع ما يتطلبه خلق الكائن الذي يراد بها أن كون جزءا منه، وكل خلية نتجت في أي مخلوق حي يجب أن تهيئ نفسها لتكون جزءا من لحمه، أو أن تضحي بنفسها لتكون جزءا من الإهاب الذي سيزول سريعا، أو تهيئ نفسها لتكون جزءا من قشرة السن الزجاجية أو تكون جزءا من المادة الشفافة السائلة في العين أو جزءا من الأنف أو الأذن، وكل خلية يجب أن تهيئ نفسها من حيث الشكل أو أي صورة خاصة أخرى تلزم لأداء عملها المخصوص لها، مثلا إحدى الخلايا يجب أن تكون جزءا من الأذن اليمنى، وأخرى يجب أن تكون جزءا من الأذن اليسرى، وبعض الخلايا الزجاجية التي لا تختلف عن غيرها من الوجهة الكيميائية تعكس أشعة الضوء إلى اليسار. ويظهر أنه يوجد مثل هذا الميل في الخلايا، فهي تتجه إلى المكان المعين لها بالضبط أن تكون جزءا منا في الأذن اليمنى أو اليسرى، واعلم أن أذنيك متقابلتان على التضاد إحداهما مع الأخرى وتجويفهما متقابل، فمتي تم خلقهما تكونان من التشابه بحيث لا تستطيع أن تميز بينهما، ولأن مآت الألوف من الخلايا مسوقة لتعمل العمل المضبوط في الوقت المضبوط في المكان المضبوط، ولعمري أنها مطيعة لما تؤمر به.
إن الحياة مندفعة إلى الأمام، بانية مرممة، منشئة الجديد والأحسن بقوة لا تقاوم ولا توجد في الجماد، فهل نشأ ذلك عن قوة عاقلة أو إلهام أو حدث بدون شيء؟
يمكنك أن تجيب عن هذا السؤال بنفسك، ولكن يمكنك الآن أن تقول إنك لم تبين لنا في هذا الفصل كيف بدأت الحياة، يعني كيف جاءت إلى هذه الأرض؟ فأقول: إني لا أدري، والذي أعتقده أنها جاءت بأمر من الله تعالى وأنها ليست مادية.
انتهى كلام العالم الفلكي كريسي مورسن في هذا الفصل المهم، وهو غني عن التعليق، فعسى أن يكون نافعا للشاكين المتحيرين الذين يستهدون الله تعالى، وقد جاء في الحديث القدسي الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر عن النبي (ص): (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم)، وأما المشككون الذين لا يريدون أن يستعملوا عقولهم ولا أن يهتدوا فتكون هذه الحجج صواعق مرسلة عليهم تأتي بنياهم من القواعد فيخر عليهم سقف البيت الذي بنوه من الأباطيل والأوهام؛ قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا) [الفرقان: 23]، وقبل أن أختم هذا المقال الخاص بهذا الجزء من المجلة أذكر ما خطر ببالي من كتاب الله مما يدل على ما ذكره ذلك العالم الفلكي فأقول: قال تعالى في سورة آل عمران [5-6]: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء؛ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الاَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ. لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ. الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.)، وقال تعالى في سورة المؤمن[62-65]: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ.‏ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.‏ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.‏ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)‏ 
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here