islamaumaroc

الترف آفة انهيار الأمم

  دعوة الحق

31 العدد

مثال واقعي (شخص من أصحاب المتربة تتوق نفسه للعظام التي يشتريها المترفون لكلابهم، يتمنى لو يجد بعضها ليجعلها في قدره الذي يفطر به في رمضان)
من الأهداف البعيدة المدى للإسلام تمتين الروابط بين الطبقات، ومحاولة رفع الحواجز بين المتعايشين الذين ينعمون بالحياة ماداموا متعاونين كما هي إرادة الله، المومن للمومن كالبنيان يشد يعضه بعضا، ومع اعتبار الفوارق لا يمكن أن يوجد تعاون بين الناس، ولا تعاضد بين الأفراد، بل استغلال مما يؤدي بالمتساكنين إلى اضمار الشر بعضهم لبعض ما داموا لا ينتمون إلى طبقة واحدة.
ذلك أن الإنسان الذي هو اشرف المخلوقات جزء من كون كبير سخر له كل ما في هذا الكون من أفلاك وبحار وحيوان ونبات وغيرها؛ وهذه الكائنات تتعاون فيما بينها أليست الكواكب منتظمة في شروقها وغروبها لصالحه؟ أليست البحار تتداخل وتنبسط في جزرها ومدها تنفعه؟ أليست المياه تتفجر لفائدته؟ أليست النباتات تتلاقح فيما بينها لخيره؟ أليست الحيوانات تتناسل لخدمته؟ إلى غير ذلك مما هو مسخر لهذا المخلوق الذي كرمه الله وانعم عليه بالعقل الذي يسوقه إلى النعيم أن هو أحسن استعماله، يسوقه إلى الجحيم إذا هو أساء استعماله (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) (الم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا) الآية... إلا يدل هذا على أن إرادة الله هو تعاون الإنسان مع أخيه الإنسان ليقطع المجار الدنيوي في هناء وسلام ويصل بإذن الله إلى دار السلام التي أعدها الله لمن سلم الإنسان من لسانه ويده.
ودعوة الإسلام إلى التعاون ناتجة عن طبيعة الإسلام في التشريع إذ انه لا ينظم الحياة الكونية على أنها أجزاء وأقسام، لا ارتباط لبعضها ببعض ولا اتصال فيما بينها بل يتناول تنظيم الحياة الكونية على أنها كل لا يتجزء فمهما صدر تشريع في جزئية فهو لجزء مرتبط بغيره روعيت فيه مصلحة جميع الأجزاء ومهما كلف كائن بعمل فهو لمصلحة بقية الكائنات التي تؤدي وظيفتها في الحياة وهي تنتظر ما يؤدي لها على قاعدة المقابلة بين الحقوق والواجبات؛ وقد لوحظ هذا الارتباط في جميع أحكام الإسلام المتنوعة الميادين فيستطيع الإنسان أن يرى أهداف الإسلام واضحة في عباداته ومعاملاته فغي الأحوال الشخصية والجماعية  
وقد ركز الإسلام التعاون على ما فطرت عليه الكائنات من المساواة التامة التي أشعرت بها النفوس والأرواح حين أمرت أن تتجه كلها لقوة واحدة تعبدها فسعدت البشرية حين طبقت هذا المبدأ تطبيقا تاما فكان الجزاء على العمل البشري الذي يصدر عن شخص مساو لأخر في المنشأ والمصير واستمداد القوة من الله وبذلك لم يحسب للتفاضل المادي حساب ما دام بعد من الأعراض التي لا قدرة لأحد على تحصيله إذا لم يسعفه التوفيق الالهى وما دام العمل وسيلة له لا الميزة البشرية ولا الحسب والنسب. 
وهكذا نستطيع تقرير أن الإسلام حقق مساواة كاملة في جميع مظاهر الحياة، في العقيدة وفي السلوك   في الماديات والروحيات في القيم الاقتصادية والمعنوية بالاعتبار المتقدم.
وحينما حاولت الشيوعية أن تقصر المساواة على عدم التفاوت فيما يحتاجه الإنسان من ماديات بقطع النظر عن عمله المنبعث عن المواهب اصطدم نظامها على صخرة التطبيق وتبين لها أن التسوية في الماديات فقط لا تكفل التوازن الاجتماعي واضطرت لتعديل سياستها بالتقرب شيئا ما من النظام الرأسمالي الذي يجعل الجزاء على قدر العمل.
ولم اسق النظرية الشيوعية لاستدل بها على سمو النظام الإسلامي ووجاهته في تقرير المساواة كما يحلو لبعض الناس: يعتبرون النظم الأرضية مثال الكمال ويبحثون عن وجود مشابهات لها في الإسلام، كلا أن من يفعل مثل هذا لا يخالط قلبه حلاوة الإيمان ولا يتأتى له البحث في النظم الإسلامية بنزاهة، فهل يقاس الندى بالبحر أو الجوهر بحصى الرمل؟ بل سقته لبيان أن من يتناول تنظيم حياة الإنسان مفرقة غير مبال بارتباط أجزائها فانه لا يستطيع أن يجد حلولا عملية لهذا الإنسان الذي يعيش بالجسد والروح ويشتاق إلى ما يسمو به إلى الملكوت الأعلى مع نزوعه إلى ما ينزل به إلى الدرك الأسفل.
وهذا مما يؤيد أن الإنسان لا يستطيع تنظيم حياة الإنسان، وان المجتمع إذا لم تسعفه التعاليم السماوية المحيطة بسره وعلانيته المهنية على ماضيه وحاضره ومستقبله فانه يهيم في حيرة لا يعرف أولها من آخرها؛ وهذا هو السر في تخبط الإنسانية في مشاكل مستعصية الحل لا تحل جانبا صغيرا منها إلا لتقع في جانب أكثر تعقدا وأقبح تشعبا.
وحينما أمر الإسلام بالتوجه الكلي إلى الله الواحد الأحد قرر مساواة كاملة في جميع مظاهر الحياة فالوجدان يتحرر حين يصبح الإنسان لا يشعر بواجب العبادة والتقديس إلا لمن يتوجه إليه الجميع طائعا أو خاضعا.
ومن اكبر المظاهر التي تتجلى فيها هاته المساواة الصلاة والصيام والحج وفي هذه الأركان تبرز حاجة الجماعة أيا كان وضعها ومركزها لله الجبار المتكبر وفي الأركان نفسها تهذيب للنفوس التي تطغيها القوة الجسمية أو الثروة التي توسوس لصاحبها بأنه أفضل من غيره كما أن هذه الأركان تعالج حالة النفوس الضعيفة التي تتوهم في نفسها نقصا لضعف جسمي أو فقر مادي فتقويها بالثقة بالله والاعتماد الكلي عليه ما دام هو مالك الملك كما صرحت الآية (قل اللهم مالك الملك توتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك انك على كل شيء قدير) فالأحوال الكونية والإنسانية من الخصب والقحط والغنى والفقر والمرض والصحة كلها من مشمولات القدرة الالاهية فإذا أشعرت النفس بمثل هذه المساواة فلن تكون في حاجة لان تتلقاها من تشريعات أخرى بطريق مباشر حيث تحس بها في أعماقها فلا تستطيع الصبر على تفاوت قائم على عرضيات زائلة غير مستقرة ولا أصيلة في الإنسان ونعني بتفاوت العرضي، التفاوت في المال الذي يفرض الموضوع تبيين وجهة نظر الإسلام فيه. 
لقد قرر الإسلام بحجج دامغة أن الناس متساوون في المنشأ والمصير (فلينظر الإنسان مم خلق) (إليه مرجعكم جميعا) في الحياة والموت، في الحقوق والواجبات، أمام الله والقانون، ثم ترك الباب مفتوحا للتفاضل في الجهد والعمل، وفي الجزاء المادي والمعنوي (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) (إن أكرمكم عند الله اتقاكم) (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) ومن عرض هذه الآيات، نرى أن الناس يتفاوتون في قيم معنوية يسمون بها إلى الملا الأعلى، وأخرى مادي يسمون بها أيضا أن أحسنوا استعمالها، وينحدرون بها إلى مهاوي النقص والفساد أن أساءوا استعمالها.
ولا سبيل لفرض المساواة في ما يكسبه الإنسان من مال ما دامت الفرص تتاح للجميع، فلا يقف أمام الفرد نشأة ولا أصل ولا نسب، ولا قيد من القيود التي تغل الجهود كما وقع في العصور المظلمة لاروبا  غير أن الشارع وان اقر التفاوت في المال، وجعله مصدرا للتفاضل (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) فلم يعتد به كعنصر أساسي تنعدم معه المساواة حين يوجد في يد، بل اعتبره من زينة الحياة الدنيا الفانية التي تتداول بين الناس والتي لا تغني الإنسان شيئا، الم يعلن عن عدم نفعه لذاته أمام الله (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم)؟ الم يعاتب الرب مصطفاه (صلعم) حين حانت منه التفاتة إلى بعض زعماء قريش الأغنياء وانصرف عن عبد الله بن أم مكتوم الفقير الأعمى (عبس وتولى أن جاءه الأعمى  وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى) وفي هذا العتاب تصحيح للقيم التي يعتز بها الإسلام ويهتم بأمرها فالكرامة الإنسانية يجب أن نصان وللنفس البشرية اعتبارها والتعهد الذي يحاط به الطفل وهو عادم لكل قوة يجب أن يستمر في كل أطوار الحياة (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا)
على أن الإسلام وان كان لا يعارض التفاوت في اكتساب الأموال، فهو لا يقر الطغيان بسببه، ولا يعده وسيلة تتكون عنه طبقات في الأمة تتناحر فيما بينها، ذلك انه يعتبر المال فيمنا للأشياء التي هي وسيلة من وسائل العيش الجماعي ويعتبر الأغنياء موظفين مستخلفين فيه أطلقت أيديهم فيما رزقوا اختبارا لهم من الله. (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) فان أحسنوا التصرف سعدوا وسعد معهم مجتمعهم، وإلا نزع من أيديهم وحجز عنهم، لان المال عماد الأمة بأسرها. (ولا توتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما) ويعلق الأستاذ «سيد قطب» في كتابه العدالة الاجتماعية على هاذين الآيتين فيقول: «لست أقرر هذا لأقرر شيوعية المال، فحق الملكية الفردية حق واضح في الإسلام، ولكني أقرر هذا لما فيه من معنى دقيق مفيد في تكوين فكرة حقيقية عن طبيعة الملكية الفردية، وتقيدها بهذا الأصل العام في نظرة الإسلام إلى المال، وبلغة أوضح، أقرر بان شعور الفرد بأنه مجرد موظف في هذا المال الذي هو في أصله ملك الجماعة يجعله يتقبل الفروض التي يضعها النظام على عاتقه، والقيود التي يحد بها تصرفاته، كما أن شعور الجماعة بحقها الأصيل في هذا المال يجعلها أجرا في فرض الفروض وسن الحدود هـ» يضاف إلى هذا ما يفرضه الإسلام من شرف الوسائل لاكتساب المال، وعدم التغرير بالناس في المعاملات التي تصبح غير نافذة إذا احتوت غررا.
هذا وهناك تشريعات تستوجب توزيع الثروة وعدم تكديسها في يد واحدة كنظام الإرث والوصايا، ووجوب النفقة وغيرها، وبذلك يقل التفاوت بسبب المال الذي تنشا عنه الطبقات المترفة.
ومن التشريعات التي عالج بها الإسلام مرض التفاوت الذي ينشا عنه المترفون، أمره لرسوله بتوزيع أموال الفيء على حسب الحاجة حتى لا ينحصر تداول المال بين الأغنياء (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وبن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) وبذلك يقرر أن الكفاءات أو الحاجة معها هما أساس استحقاق الوظائف كما يمكن أن نفهم من الآية انه مما يساعد على تكوين طبقة المترفين جمع وظيفين أو وظائف في يد شخص واحد بينما يتعطل غيره عن العمل
وينبغي أن نفهم أن هذا التشريع إنما هو لمصلحة الجماعة وسعادتها، ذلك أن الإسلام يكره تكديس الأموال في أيدي طائفة خاصة لكون ذلك أولا يثير الأحقاد والضغائن، وثانيا لكونه يتسبب في إثارة مفسدة من اكبر المفاسد، فحيثما وجدت ثروة فائضة، فإنها تعد كطاقة حيوية فائضة في الجسد، فتستدعي محلا تصرف فيه، ومن يضمن أن يكون موطن تصريفه مشروعا؟ إذ يمكن أن تأخذ طريقها في صورة ترف مفسد للنفس مهلك للجسد ومن ذلك انه يمكن أن يتوجه بذلك الفائض لقضاء شهوات تجسد متنفسها عند قوم محتاجين إلى المال، فيبيعون أعراضهم، ويتملقون، ويخادعون أصحاب الفائض للحصول عليه، وليست الدعارة وسائر ما يتصل بها من خمر وميسر وشراء الضمائر وتسخير الناس في المصالح الخاصة، ودفعهم للاغتيالات والإجرام سوى أعراض لتضخم الثروة في جانب، وانحسارها عن جانب آخر غالبا.
ومن المعروف أن الأفعال الإجرامية نوعان. نوع يكون فيه طرف جانيا وطرف ضحية إجرامه. ونوع يتبادل فيه الطرفان الجريمة بدافعين مختلفين وعلى كل فمنشأ الجريمة الترف ووجود الفائض، فيترتب الفساد عليه، وبالتالي يترتب الهلاك. وليس هذا الهلاك قاصرا على المترفين، بل يعمهم ومن يساكنهم «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها (أي فلم يطيعوا الأمر بل خالفوه) ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا» وإرادة الله تظهر بظهور هذه الطبقة فوق مسرح الحياة مع وجود مشجعين لها، ومصفقين لشرورها، بل حتى إذا سكتوا عنها وقعدوا عن محاربتها، فيكون ذلك إيذانا باستدراج الأمة للدمار نتيجة لشيوع أولئك المترهلين الذين يستلذون مباهج الحياة ويستطيبون الانغماس في الملذات غافلين عما وجب عليهم لمواطنيهم. ومن أخبث نفسا وأقوى شرا ممن يتخم على حساب جوع مواطنيه؟ ويتنعم على حساب حرمان أخيه الإنسان؟ أليست هذه الظاهرة من اكبر الفتن التي يصلى لهيبها الأخضر واليابس؟ «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة»
هذا وقد فطر الله الخليقة على الاحتراس من التعرض للعذاب، وطبعها على الأخذ بأسباب النجاة، فألهمها السعي وراء مطالبها المشروعة عن طريق العمل والاحتراف لتستحق أجرها من أيد المتمولين، وتكسر من شوكة المترفين وقد تعتبر المكايسة والتشاح في الأجور والاثمنة مظهرا من مظاهر الدفاع عن حقوق الأمة المشروعة، وليس العمل على رفع مستوى الشعب، وتأسيس الهيات الاجتماعية كصندوق التعاون الاجتماعي، وابناك القروض وغيرها إلا أداة لدفع عدوان المعتدين والحد من استغلال المترفين. «ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض» غير أن المفاسد تطغى على وسائل الحد منها، فلا الطبقة الشعبية بقادرة على إيقاف تضخم الثروات، ولا المؤسسات العمومية بكافية لمحو الفروق، ولا قانون الأجور وتوفير الحقوق للعمال بمستطيع أن يجثث أصل هذه المهلكة سيما مع ما تتعرض له البلاد من تدهور اقتصادي تتسبب عنه البطالة مما يوسع الهوة بين الطبقات، ويصبح معه للترف مدلول آخر عند العاطلين: هو عبارة عن التوفر عن المأكل والملبس في ابسط صورة له إذ الواقع أن العاطل الذي لا يجد لقمة خبز يطعم بها أهله وأولاده، فانه ينظر إلى منت يتوفر على لقمة الخبز نظرة عداء لما جبلت عليه النفس من أن لها الحق في أن تتمتع بما يتمتع به غيرها للشعور العميق بالمساواة في المنشأ والمصير. وهذا ما يسبب هذا السيل الجارف من المتسولين الذين يترجمون عن عدم الشعور الأغنياء بواجبهم حتى يتلافوا هذه المأساة، وذلك عن طريق ترويج أموالهم والمساهمة فيس مشروعات اقتصادية تعود بالنفع عليهم وعلى من أصبح عرضة للبطالة التي تزري بالأمة وتشين وجهها فحبذا لو فرضت الحكومة ضريبة على كل سلعة كمالية كالسيارات والثلاجات والثياب والأثاث الفاخر وكمقاعد السينما والمقاهي وعلى أن تؤسس بهذه الضرائب معامل ومصانع تشغل فيها من أصيب بالبطالة الناتجة عن سبب معقول كما تكون ملاجئ تطعمن فيها من تجهم له الدهر وحرمه من المأكل والمشرب وصلى الله على النبي الذي قال: ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم هـ.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here