islamaumaroc

الاستعمار الفكري أيضا

  دعوة الحق

31 العدد

ما يزال المغرب يعاني نوعا آخر من الاستعمار، ولربما كان هذا النوع من الاستعمار أشد مرارة من الاستعمار السياسي الذي تحررنا منه، ونعني بهذا النوع من الاستعمار الاستعمار الفكري الذي يحول دون إبراز شخصيتنا القومية بجميع مقوماتها، ومما لا شك فيه أننا نعيش في القرن العشرين، وأنه يجب علينا أن نسعى سعيا جادا لتكييف جميع مظاهر التطور في بلدنا وفي مختلف الميادين، ومن اللازم أن نتفاعل مع هذا التطور ونسايره مسايرة تمكننا من الجلوس في صف الأمم المتحضرة والمتطورة، ولكن ينبغي أن نسير في هذا الاتجاه؟ وهل نبذل الجهود لكي نتحرر من الاستعمار العقلي الذي كان الاستعمار الفرنسي قد وضع له الخطط ليعزز به الاستعمار السياسي في بلدنا؟ وللإجابة على هذه الأسئلة ينبغي أن نرجع قليلا إلى الوراء لنشير ولو إشارة عابرة إلى الطريقة التي سلكها الاستعمار الفرنسي في طمس الشخصية المغربية عقليا أو سجنها على أقل تقدير.
لقد كانت برامج العليم في المغرب توضح بدقة وعناية لتكوين طبقة من المتعلمين أو أنصاف المتعلمين لا يعرفون سوى اللغة الفرنسية، وتعمد الاستعمار أن تظل دائرة هذا التعليم ضيقة بحيث لا يستفيد منه سوى المحظوظين، وزيادة في إنجاح هذه الخطة عمد الاستعمار إلى ربط النوع من التعليم بالوظيفة وجعل هذا التعليم هو مفتاح لأبواب على علاته، فنظام مدارس " بناء الأعيان" إلى أنشئت في أول عهد الاستعمار كانت في واقع المر تمثل حجر الزاوية في بناء الهيكل للاستعمار الفكري والأقلية من أقلية المتعلمين هي التي كان تستطيع مواصلة الدراسة الثانوية والتعليم العالي، ولقد حرص الاستعمار كل الحرص على أن تكون هذه الأقلية تكوينها عقليا يبرز منه الطابع الأجنبي، وزاد الاستعمار فعمل على عزل التعليم العربي وجعل من اللغة العربية عملة لا يمكن صرفها في السوق، كما أنه جعل من التعليم العربي تعليما تقليديا يحتفظ به مثلما كان تحتفظ مصلحة بوزارة في عهد الحماية بالمناثر التاريخية. وجعل اللغة العربية تدرس في المدارس العصرية على سبيل المجاهلة ولكن إلى حين، فنشأ في المغرب جيلان متبانيان في تكوينهما العقلي وتلك هي الأزمة التي تعانيها اليوم، وهي التي جعلت المغرب العربي المسلم تقوم فيه حملة من أجل مغربة الإدارة وتعريبها، ومعنى أن هذا المشكل الذي نعانيه اليوم لا يتعلق بتغيير إداري صرف يحتاج إلى قرارات تتخذ لتغييره وقلب أوضاعه، أن المشكلة في رأيي هي أعمق من ذلك بكثير، إنها في واقع الأمر ظاهرة بارزة تمثل الاستعمار العقلي وإذا أردنا أن نكون واقعيين وعمليين في علاج هذا  المشكل فيجب أن نعترف بهذه في علاج هذا الشكل فيجب أن نعترف بهذه الحقيقة وهي أننا نعاني استعمارا عقليا، وأننا مطالبون بتحرير العقول المستمرة، بحيث تصبح الناحية الفكرية في المغرب متوفرة على مقوما الشخصية المغربية وهي معركة يجب أن نخوضها كذلك لأنها لا تقل أهمية عن المعركة التي نخوضها من أجل الجلاء، بل أن حقيق هذا" الجلاء الفكري" يعد هو كذلك أمرا أساسيا لاكتمال سيادتنا من جميع الوجوه وسيان في الانتقاص من سيادتنا بقاء هذا الوضع الذي
نعيشه الآن، أننا نعاني استعمارا عقليا في ذلك من شك، فماذا يجب لجلاء هذا النوع من هذا الاستعمار؟
إن مراجعة برامج التعليم مراجعة عميقة وبروج محررة من كل تأثير لهذا الغزو الإسعماري هي أولى الوسائل التي ينبغي استخدامها لتغيير الوضع القائم وللقضاء على مظاهر الاستعمار الفكري في جميع صوره لعهد الاستقلال، وليس من شك في أن أعداد جيل يتطلب وقتا وإمكانيات، ولكن المؤلم هو أن واقعنا اليومي يشهد بأننا ما نزال لم نعبأ ما لدينا من إمكانيات ونبحث عما هو غير متوفر لنا منها، حتى أنه ليمكن القول بأن برامج التعليم ما تزال خطوطها الأساسية على ما كانت عليه في عهد الحماية وصحيح أن هذه الوزارة تسعى لتدارك ما فوته الاستعمار علينا، غير أن الوسائل التي تستخدم في هذا الباب ينقصها العمق من جهة، ويطهر أنها وسائل ضعيفة المفعول بالنسبة إلى ما تتطلبه معركة التحرير للقضاء على هذا النوع من الاستعمار من جهة ثانية، وللوصول إلى هذه الغاية ينبغي أولا أن يتوفر الجهاز الإداري في وزارة التربية الوطنية على عناصر حية وواعية تتمتع بكفاءة عملية وتومن إيمانا قويا بوجوب إبراز الشخصية المغربية وتكون لديها المقدرة العلمية والفنية على صياغة البرنامج في مختلف مراحلها في إطار عربي ومغربي تعطى فيه العناية لإنشاء جيل يتمتع بكيان قومي مع الأخذ بوسائل التطور التي يستوجبها العلم الحديث، ويمكن الاستفادة في هذا الباب من خبرة وكفاءة الخريجين من المعاهد والجماعات العربية الذين يتزايد عددهم في المغرب دون أن تستفيد البلاد منهم في بناء الشخصية الفكرية للمغرب، والذين يتزايد عددهم في المغرب دون أن تستفيد البلاد منهم في بناء الشخصية الفكرية والخبرة إنما هم يعلمهم هذا يمدون في عمر الاستعمار الفكري ولا ترتكز علهم هذه على أساس صحيح إذ ما دامت هذه العناصر تتوفر على أصول الثقافة العربية فمن السهل جدا توجيهها والعمل على تقوية خبرتها للاستفادة منها، وذلك في دائرة برنامج مدقق ومحدد في الوقت نفسه.
إن جميع وسائل التطور هي عبارة عن موارد خام قد تستورد لسد الحاجيات، ومن الممكن جدا أن تجري عليها عملية سيك وتحويل لتخرج في القالب الذي يتفق مع كيان الشعب وروحه ويبرز شخصية الأمة ويمتن جوانبها، وهذا ما ينقصنا في المغرب فربح المعركة من أجل تحررنا من الاستعمار الفكري يتوقف على نجاحنا في تحويل وسائل التطور بحيث تصبح شخصيتنا العربية المغربية تتجم فيها وتظهر من خلالها دون كبير عناه، ولقد عانت أمم أخرى قبلنا وستعاني أمم أخرى بعدنا هذا النوع من الاستعمار، ولكن الأمم التي عانته قبلها لم تتردد فوز فوزها باستقلالها من أعداد العدة للتحرر منه، فكانت لا تمر عليها سنة من السنوات الاستقلال إلا وتقطع فيها الخطوات ساعية كل السعي ومجدة كل الجد لانتشال شخصيتها الفكرية من هذا الضباب الذي نعمد الاستعمار أن يحيطها به، ففي الهند-مثلا- بذل الهنود كل جهد ممكن لأن يفكروا هنودا لا انجلترا، وقرروا أن يكونوا هنودا في تفكيرهم فكان لهم ما أرادوا أو البعض مما أرادوه،  وقبل ذلك قرر المصريون أن يفكروا عربا بعد ما أريد منهم أن يفكروا أتراكا أو انجليزا فكان لهم ما أرادوه، وبذلك برزت الشخصية الهندية والمصرية في الميدان الفكري مثلها برزت في الميدان السياسي والتحمت هذه بتلك فكانت الشخصية القومية التي لا بد منها ما دامت المقاييس في هذا العالم أعطى لبروز الشخصية اعتبارها حينما يقه ترتيب الشعوب، ولئن كانت ما تزال بعض الرواسب في هذا الاستعمار الفكري هنا وهناك فإن مالها  إلى القضاء والانقراض، وأن المواطنين الذين ما يزالون يفكرون تفكيرا أجنبيا معذورون في ذلك لنهم لا بد لهم في ذلك، ولأنهم اضطروا اضطرارا  أن لم يكن يكونوا أرغموا إرغاما على قبول العوامل التي كونت فكيرهم وهي عبارة عن مواد أجنبية لا من حيث المادة ولا من حيث التحويل، لقد أعطوا هذه العوامل وهي جاهزة تحمل الطابع الأجنبي فكان مما لا بد منه بد أن تفكيرهم بكل ما يترتب عن هذه العوامل، وكان من نتيجة ذلك أن أصبح البعض ممن يعانون هذا النوع من الاستعمار الفكري يرمون، لفتهم وتفكيرهم القومي بالقصور والأخر، وكان من نتيجة ذلك أن فتن البعض منهم بهذا التفكير فاستهوته أساليبه ومقاييسه فلم يعمل على تحويلها وإضفاء الصبغة القومية عليها، وكان من نتيجة لك أن المغرب في الوقت الحاضر أصبح يضم نماذج" وعينات" من التفكير، وكان من نتيجة لك كله هذا الإضطربات الفكري الذي نلاحظه في عدد من الصور وفي عدد من قضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبدون أن ندخل في تفاصيل أخرى فإن الشيء الذي لا فائدة من نكرانه هو أننا ما نزال نعاني استعمارا فكريا، وأنه يجب علينا أن نبذل كل الجهود ونستخدم كل الوسائل لأن نتحرر من هذا النوع من الاستعمار، حتى تصبح لنا شخصية فكرية عليها طابع هذا المغرب الذي نعيش فيه ونستطيع بسماته ونشرب من مائه، إننا لا نعني أن نسجن نفوسنا في محيط ضيق وإننا نرفض أن نكون في عزلة فلا تتأثر بمختلف التيارات الفكرية، بل أننا من أشد دعاة التطور والأخذ بأسباب كل ما يقربنا من التقدم الحديث في مختلف أشكاله ومظاهره ولكن ليكن كل ذلك بمقياس فكرية نقتبسها بل ونتتحلها في انتحالها قائدة لنا، ولكن الشيء الذي لا نقبله هو هذا الاستعمار الفكري الذي يستقبح ويستهجن كل شيء مغربي أو عربي ويرفضه" جملة وتفصيلا" ولا يحاول أن يبقى على الصحيح منهن ويقوم الجانب المعوج فيه حتى يستقيم، إن المغرب لا يستفيد إلا من كفاءة وخبرة أولئك الذين يستطيعون تحويل المواد الخام التي يملكون الوسائل لاستيرادها، أما الدين كفروا بكل شيء من مقوماتها الشخصية فإنهم خسروا أنفيهم، لأنهم فقدوا الثقة بها، ومن خسر نفسه خسر كل شيء.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here