islamaumaroc

[كتاب] حضارتهم وخلاصنا (للمهاتما غاندي)

  دعوة الحق

31 العدد

كتاب جديد يتضمن جانبا من فلسفة المهاتما غاندي، ولقد كان الحوار الذي ينطوي عليه هذا الكتاب قد نشر على صفحات "الرأي الهندي" في جنوبي إفريقيا سنة 1908 وذلك للتنديد بأساليب العنف التي كانت متبعة في كل من الهند وجنوبي إفريقيا والتي استفحل أمرها في هذا القطر الأخير ويقول غاندي عن كتابه هذا (في نظري أنه من الممكن وضعه- أي كتاب- في أيدي الأحداث لأنه يعلم استبدال البغض بالحب، والعنف بالتضحية، والقوة الجسدية بالقوة الروحية) ثم يقول عنه فيما بعد : (هذا الكتاب هو حكم قاس على الحضارة "الحديثة" وقد كتبته عام 1908ومنذ ذلك الوقت والتجاريب والأيام تزيدني اقتناعا بصحة ما قلت وإذا ما قررت الهند أن تحارب ضد الحضارة الحديثة فهي رابحة حتما).
والذين يمرون بهذه العبارة في هذا الكتاب قد يتبادر إلى ذهنهم إن المهاتما غاندي يكره هذه الحضارة بكل ما فيها، ولذلك فهو يعتقد بأن الهند ستبرح حتما حينما قرر أن تحارب هذه الحضارة الحديثة، ثم يتساءل القارئ مرة أخرى وهل سارت الهند في هذا الطريق ؟ إننا نراها لم تربح إلا بعد أن سابرت هذه الحضارة الحديثة واستفادت منها، ويجيب غاندي نفسه على هذا التساؤل والذي قبله بقوله في ص32 في هذا الكتاب:
(فأنا لا أرغب  في إلغاء الخطوط الجديدة المستشفيات، ولكن زوالها يسرني، فلا الخطوط الحديدية ولا المستشفيات هي علامة الحضارة، بل في إمكاننا القول بأنها شر لا بد منه وهي لا تزيد شيئا عن العظمة الأخلاقية لشعب من الشعوب، وأنا لا أرغب في إلغاء المحاكم نهائيا، مع العلم بأنني أتمنى ذلك بحرارة، وكذلك الآلات والمصانع. لأن ذلك يتطلب نفسا بسيطة ومتقشفة، وهذا ما ليس متوفرا في عالم اليوم).
ويذكر غاندي في الحركة التفسيرية التي صدر بها هذا الكتاب أن ما يتضمنه كتابه من آراء في صورة أجوبة عن أسئلة ألقيت عليه (هو محاورة حقيقية جرت بيني وبين عمال كان احدهم من الفوضويين البارزين) وحينما تصفح هذا الكتاب وتنبع وارد الأسئلة والأجوبة فيه نجد أنها عبارة عن آراء تتناول مواضع مختلفة من شئون الهند المحلية على عهد المهاتما غاندي، كما أنها تشير من حين لآخر إلى أخلاق الإنجليز الذين، الذين قضى غاندي في بلادهم فترة غير قصيرة، والحقيقة أن أجوبة غاندي تتخذ كلها شكلا يمكن أن نسميه مصادما لهه الحضارة الحديثة التي كاد أن تجعل الإنسان نفسه آلة يفقد كل إحساس وشعور، وفي ص 48 من هذا الكتاب حوار قصير تحت عنوان "ما هو الاستقلال" ونود من كافة قرائنا أن يقرءوا هذا الحوار ويتمعنوا فيه لأنه سيفيدهم ويبين لهم بعض معاني الاستقلال أو على الأصح المعنى الحقيقي للاستقلال يقول غاندي في آخر هذا الحوار لصاحبه :
"لقد رسمت لذلك -أي الاستقلال- صورة جميلة، والواقع أننا نريد النظام الإنجليزي دون أن يكون عندنا انجليز، وريدنا أن يكون لنا طبيعة النمر دون أن يكون هنا نمر. أي أنك تريد الهند انجليزية، وعندما يم ذلك ينقلب اسم هند ستان إلى انجلستان، كلا ليس هكذا أريد الاستقلال".
إن غاندي يقصد ولا شك بهذه العبارة أن الاستقلال لا فائدة منه إذا كان عبارة عن نسخ أخلاق المستعمرين ومجاراتهم ومحاولة تقمص حياتهم الاجتماعية والسياسية كما هي دون تحر، أن استقلالا مثل هذا إنما هو استقلال سطحي خال من كطل عمق في تغيير الأشياء وتحويلها إلى صورة قومية جديرة بهذا الاسم.
ومن المفيد أن نعطي للقارئ نموذجا من آراء غاندي عن الحضارة الحديثة ملخصين جوابه على سؤال وجه إليه في موضوع هذه الحضارة:
"لنر إذن ماذا تعني كلمة" حضارة"، هناك أمر لا ريب  فيه، هو أن الأناس الذين يعتنقون مبادئ هذه الحضارة ويعيشونها، يتوفر لهم المستوى الحياتي المادي الذي يريدون، وهذا ما يسعون إليه في الحياة، ولنأخذ الآن بعض الأمثلة: أن الشعوب الأوروبية توفر لها اليوم مظهرا من مظاهر الحضارة، وهذا التقدم يؤدي إلى تحقيق السعادة المادية في الماضي كانوا يرتدون جلود الحيوانات ويستخدمون الرماح، أما اليوم فإنهم يرتدون السراويل الطويلة وشتى أنواع الألبسة، ويستخدمون عوضا عن الرماح، المسدسات وسائر أنواع الأسلحة الحديثة وإذا حاول سكان بلد ما، تعودوا سابقا الاكتفاء بالنزر اليسير من الشباب والأحذية، تقليد الأوروبي في لباسه، قيل أنهم انتقلوا من طور البربرية إلى طور الحضارة، وفي الماضي كان الإنسان الأوروبي يستخدم يديه في أعماله الزراعية، أما اليوم فإن العمال قد ترك أمرها للآلة، التي يستطيع الفرد بواسطتها القيام بأعمال يعجز عنها المئات، ويثير له بفضل ذلك جني الأرباح والثروات الطائلة. وهذا ما نعده مظهرا من مظاهر الحضارة، في الماضي كان صناعة القلم مقتصرة على النخبة، أما اليوم فالكل يكتبون وينشرون دون الالتفات إلى النوعية، وهكذا تتسم الأفكار والعقول، في الماضي كانوا يسافرون في العربات وعلى الخيل أو سيرا على الأقدام، وأما اليوم فإنهم ينتقلون في الفضاء ويجتازون مئات الكيلومترات في اليوم الواحد، كل هذا يعبر قمة الحضارة، وهم يأملون التوصل إلى وسائل جديدة تمكنهم من الوصول، في ساعات معدودة، إلى أي نقطة من العالم، وسوف لن يحتاج الإنسان إلى يديه ورجليه بعد ذلك، يضغطون على زر فإذا بثيابهم تصبح أمامهم، يضغطون على آخر فتأتي إليهم الصحيفة، وعلى ثالث فتهرع السيارة لتقلهم حيث يريدون، وعلى رابع فتمتد أمامهم مائدة تحوي كل ما لذ وطاب، كل هذا سيتم بواسطة الآلة، وفي الماضي عندما كان اثنان يريدان القتال، كانا يتنازلان، والأقوى جدا يربح، أما اليوم، فرجل واحد يحمل رشاشا، في استطاعته أن يقضي على الألوف، هذه هي الحضارة، في الماضي عندما كان الناس يعملون في الهواء الطلق، لا يتقيدون بأي تنظيم للوقت، يعملون ساعة يشاؤون ويرتاحون ساعة يرغبون، أما اليوم فآلاف العمال يفرض عليهم أن يسيروا الآلات في المصانع، وان يعملوا في المناجم وحالتهم أسوأ من حالة الحيوانات، إنهم يعرضون حياتهم لأشد المخاطر من أجل أصحاب الملايين ليتاح لهؤلاء مضاعفة ثرواتهم، في الماضي كانوا يستبعدون الناس بأرهابهم وتخويفهم، أما اليوم فإنهم يستعبدونهم ببريق الذهب الرنان والطرق التي تؤدي إلى الحصول عليه، وفي أيامنا هذه انتشرت أمراض لم تكن ليتصورها الإنسان في الماضي، وهي تطلب جيشا من الأطباء للتفتيش عن الدواء اللازم لها، والعديد من المستشفيات للإستشفاء، وهذا أيضا مظهر من مظاهر الحضارة، في الماضي كان إرسال رسالة يتطلب الكثير من التكاليف وساعيا خاصا لنقلها، أما اليوم ناي واحد في قدره أن يشتم جاره عن طريق الرسائل، ولا يكلفه ذلك إلا بنسا واحدا، وقد يكفي هذا المبلغ نفسه لنعل الشكر والمديح، في الماضي كان الناس يتناولون وجبا تتألف من الخضر والخبز الذي يصنعونه بأيديهم، أما اليوم فإنهم يريدون أن يأكلوا كل ساعتين، فلا يبقى لهم متسع من الوقت للقيام بعمل آخر، وماذا أستطيع أن أقول أكثر من ذلك؟أن كل ما قلته لك تجده في الكثير من المؤلفات التي تسمح لها، والذي يقول لك العكس يكون جاهلا، وهذه الحضارة لا تهتم بالأخلاق والدين، ومعتنقوها يصرحون هادئين بأن تعليم الدين ليس من شأنهم, ويذهب بعضهم إلى القول بان الدين ما هو إلا اعتقاد باطل، وهمي وخرافي، بينما يستر البعض الآخر وراء الدين للتحدث عن الأخلاق، ولكن تجارب السنين العشرين للتحدث عن الأخلاق، ولكن تجارب السنين العشرين التي مررت بها تجعلني على يقين نام من أن ما يلقن على انه أخلاق، يبطن الكثير من البذاءة والخلاعة، وفي أمكان الطفل أن يلاحظ ذلك، إذ أنه في كل ما قله لك لا يوجد أثر للدعوة إلى التحلي بالأخلاق، والحضارة التي تسعى لرفع المستوى الحياتي المادي، تفشل بائسة في هذا الحقل.
هذه الحضارة إنها الإلحاد بعينيه، وسيطرقها على الأوروبيين جعلهم في نظرنا كأنهم أنصاف مجانين، لأنه ليس عندهم، لا القوة الجسدية ولا الشجاعة، وهم إنما يعاقرون الخمرة دائما لتعبت في أجسامهم بعض الحرارة والحيوية، وتنهك قواهم في البحث عن السعادة في الوحدة، والنساء اللواتي يجب أن يكن ربا البيوت، يتسكعن في الشوارع، أو يضنين في المصانع، وسعيا وراء دريهمات قليلة، أكثر من نصف مليون امرأة انجليزية يعملن في المصانع في حالة يرثى لها. هذه الأوضاع المخيفة هي إحدى أسباب الاتساع كالتواصل للحركة المطالبة بمنح المرأة حق الانتخاب.
لقد وصلت هذه الحضارة إلى درجة، لم يعد علينا معها سوى الانتظار بصبر لنزاعات تقضي على نفسها وتنهار كبيت من الورق المقوى أمام النار، وحسب تعاليم النبي محمد، حضارة كهذه إنما هي حضارة شيطانية، والتعاليم الهندوسية تسميها العصر الأسود المظلم، لا يمكنني أن أعطيك الفكرة الحقيقة عن الحضارة ولكن يكفيك مراقبة الشعب الإنجليزي، لتتكون عندك هذه الفكرة بوضوح، مما يجعلك هرب منها بعد ذلك، والبرلمانات الحديثة هي أصدق رمز وخير عبير للعبودية، فإذا ما فكرت بذلك جيدا كونت لنفسك الرأي نفسه، وكففت عن لوم الإنجليز لأنهم بالفعل يستحقون العطف وليس اللوم، إنهم شعب بعيد النظر، لذلك أعتقد سيتمكنون من الخروج من هذا الشر، إنهم شعب نشيط مقدام، وطريقتهم في التفكير ليست منافية للفضيلة، بل أنهم طيبوا القلب، ولذلك احترمهم، أن الحضارة ليست مرضا مستحيل العلاج. ولكن يجب ألا تنسى بأن الشعبي الإنجليزي ينوء تحت حملها الآن".
وهكذا فإن هذا الكتاب يعطي صورة صحيحة عن جانب من فلسفة غاندي ولئن كانت خصومة غاندي للحضارة الحديثة تكتسي شيئا من العنف والمبالغة في بعض الأحيان فإن المهاتما رغم ذلك كله يدافع دفاعا منطقيا، وأمنيا عن القيم الروحية والإنسانية التي سيبقى اسم الحضارة الحديثة بدونها، كلمة مزعجة ومخيفة، تجعل من فشل مؤتمر القمة جوا تتراقص فيه الصواريخ والقنابل التي تحطم معالم هذه الحضارة في توان معدودات.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here