islamaumaroc

قصة العدد: الله أكبر

  أحمد عبد السلام البقالي

271 العدد

قالت لها أمها :
خذي (مارك)، وفرجيه على (جامع حسان) ريثما يطيب العشاء.
وحاولت (آمنة) التملص من المهمة الشاقة، فانجليزيتها الضعيفة لا تقوى على حديث طويل، ولكن والدتها لم تمهلها، توجهت إلى (مارك) قائلة :
كفى تلفزيونا ! (آمنة) ستفسحك في (جامع حسان) الأثري القريب من هنا.
(آمنة) في الثالثة عشرة، رشيقة، حبية، مرهفة، قليلة الثقة بنفسها، رغم ذكائها، ولكنها متقدمة في دراستها الثانوية، وتتقن العربية والفرنسية، وتتعلم الإنجليزية.
ورافقت (مارك) إلى آثار المسجد القديم... كان مخها يدور بسرعة، لم تكن تفكر فيما ستقوله له عن الجامع، بقدر ما كانت تفكر في كيف ستقوله له بإنجليزيتها المحدودة.
كان (مارك) قد جاء إلى المغرب، لأول مرة، لزيارة أخته (أيلين) المتزوجة بخال (آمنة)، وعرفت (آمنة) من حديثه مع والدها الدبلوماسي القديم، أن (مارك) مهتم بالإسلام، رغم أنه مسيحي، ولا يمانع في أن تعتنقه أخته، مادامت متزوجة بمسلم.
وكان هو الذي تطرق إلى الموضوع مع والدها أثناء شاي المساء، قال له :
"رأيت (أيلين) مهتمة بقراءة القرآن في ترجمته الإنجليزية، والتمعن في آياته ومعانيه، وقد قالت لي أنها فوجئت بغنى هذا الكتاب السماوي الذي لم يسبق لها أن قرأته، وتراثه الروحي، والفكري، ودقته وشموليته في تنظيم المجتمع الإسلامي، واحترامه للأديان السماوية الأخرى...".
وعقب والدها بما معناه أن الإسلام مجهول في الغرب، بل وأسيء فهمه بسبب التنافس بين الأديان، ولأسباب تاريخية يطول شرحها، وخصوصا بعد قيام (إسرائيل).
وفهمت (آمنة)، وهي تنصت إلى (مارك)، أنه كان يحكي عن مواجهة بين أخته (أيلين) وأبيه حين رآها مستغرقة في قراءة القرآن، فأخذ يمازحها بقوله :
"هل تعدين نفسك للباس الياشماك (الحجاب)؟ وماذا سيكون موقفك حين تكتشفين أن (لعلي) زوجك ثلاثة زوجات أخريات ؟!".
وحكى (مارك) عن كيف أنها أجابته بلهجة جادة وحازمة : "أعتقد أنه ينبغي أن تقرأ هذا الكتاب أولا ! سيصحح كثيرا من مفاهيمك الخاطئة عن الإسلام !
فسأل الوالد مهتما : "مثل ماذا ؟".
فأجابت بثقة العالم : "مثل حكاية (الياشماك) السخيفة هذه، فغطاء الوجه ليس مفروضا على المرأة المسلمة، كما تصور ذلك الأفلام الغربية التافهة، وكذلك تعدد الزوجات، فقد حرمه القرآن بطريقة غير مباشرة واضحة.. إذ اشترط العدل بين الزوجات، وهو شرط تعجيز، فحتى لو عدل الرجل في تقسيم النفقة، فإنه لا يستطيع العدل في تقسيم الحب ولابد له من زوجة مفضلة !".
وقرأت له من المصحف : <<فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة >> ثم << ولن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم >>.
وكررت الآية الأخيرة مرتين، وأضافت :
"وهذا منع صريح للتعدد !".
ونظرت (أيلين) إلى والدها، وقالت : "هل بقيت لك أفكار مثل هذه تريد مناقشتها ؟".
قال (مارك) : "ومن ثم كف الوالد عن ممازحتها في هذا الباب، واحترمنا جميعا شعورها، وفي نفس الوقت زاد فضولنا لمعرفة ما في الكتاب الإسلامي المقدس من أسرار".
فعقب أبو (آمنة) : "أنا الآخر كنت أجد لذة خاصة في محو بعض هذه المفاهيم الخاطئة في أذهان الجمهور الذي كان يأتي للاستماع لمحاضراتي، عبر الولايات المتحدة أيام كنت دبلوماسيا هناك، كان يفاجئهم دائما قولي أن من شروط اعتناق الإسلام، الإيمان بالأديان السماوية السابقة، كاليهودية والمسيحية، والتصديق بنبوة موسى وعيسى، عليهما السلام، وبالكتابين المقدسين : التوراة والإنجيل، وكانوا يفتحون أفواههم حين أقول : "إن المسيحي واليهودي، حين يدخلان الإسلام، فإنهما لا يضحيان بروح عقيدتهما، بل يضيفان إليها عقيدة أجد، وأسمى، وأكثر قربا من الفطرة البشرية...".
  ومن فحوى ما فهمته (آمنة) وأخوها (محمد) من نقاش والدهما مع (مارك) أن هذا أصبح من المؤلفة قلوبهم، وأن عليهم جميعا أن يسلكوا في البيت سلوكا إسلاميا مثاليا، ما استطاعوا، مادام الشاب معهم، فإذا هداه الله إلى الإسلام – كما قال أبوهم – فسيكون لهم في ذلك فضل كبير، وأجر من الله كثير.
وهذا ما جعل مسؤولية الخروج مع (مارك) ثقيلة على كاهل (آمنة) الفتي، ولكنها قبلت التحدي، مدفوعة برغبتها في نيل الأجر والثواب.
وخرجت مع (مارك) إلى ساحة الجامع الفسيحة العارية، وقد اصطفت فيها السواري الأسطوانية العتيقة، وهيمنت عليها من الشمال الغربي (صومعة حسان) الشهيرة التي قوض زلزال (لشبونة) جزأها الأعلى منذ أربعمائة سنة، وانهار سقف المسجد الذي كان يتسع لعشرة آلاف مصل.
وبهرت (مارك) زخارف المسجد الحديث الذي أقيم على جزء من أرض الجامع القديم.
وكانت الشمس تميل إلى المغيب، ومع اقترابها من هوائيات التلفزيون على سطوح مدينة (الأوداية) المطلة من على نهر (أبي رقراق) والمحيط الأطلسي، بدأت (آمنة) تحس بمغص خفيف يزداد اقترابا وحدة مع دنو أذان المغرب.
وحالفها التوفيق في شرح ما كانت تريد شرحه (لمارك) من أن باني الجامع هو الملك (يعقوب المنصور الموحدي الذي كانت (الأندلس) في عهده تابعة (للمغرب)، وأن (صومعة حسان) واحدة من ثلاثة بناها (يعقوب)، إحداها في مدينة (إشبيلية) بالأندلس، والثانية في (مراكش) تدعى (الكتبية).
وسألها (مارك) عن المدينة الواقعة عبر نهر (أبي رقراق) فقالت : "إنها (سلا) وهي مدينة أقدم من (الرباط) العاصمة".
وشرحت له كيف أن موقع العاصمة يتمتع بجاذبية خاصة لبناء المدن، فهو يجمع خمس مدن كانت في الماضي كاملة الاستقلال، آهلة بالسكان، وهي (الأوداية) و(شالة) و(التواركة) التي تضم القصر الملكي، إلى جانب (سلا) و(الرباط) وكلها تقع داخل دائرة لا يتعدى قطرها الثلاثة كيلومترات !
وغابت الشمس، وسمعت (آمنة) قرقعة البوق والمؤذن يعده لأذان المغرب، فزادت حدة مغصها... وعرفت لماذا أحست به في البداية، فقد كانت مشغولة عنه بالكلام مع (مارك)...
كان أحد مؤذني الجامع ذا عاهة صوتية واضحة تجعل صوته كريها مزعجا، إلى جانب انعدام الحاسة الموسيقية عنده بحيث كان يصدر عنه زعيق نشاز ينفر ولا يبشر، وخصوصا حين يقع على آذان الزوار الأجانب الذين يعج بهم المكان.
وأيقنت (آمنة) المرهفة الإحساس أن العالم سينهار من حولها، وأنها ستلوذ بالفرار، ولن تعود إلى بيتها أبدا إذا جاء من حظها ذلك المؤذن الرهيب ! فأغمضت عينيها، ووضعت كفيها الرشيقتين على أذنيها في خشية وتوقع، وأخذت تبتهل إلى الله أن ينقذها من ذلك الحرج الكبير، ومن ذلك الصوت المنكر الذي لابد سينفر (مارك) من الإسلام الذي بدأ قلبه ينشرح له !
وفكرت في أن تفر به من هناك، ولكن هيهات ! فصوت المكبر يغطي الحي بأكمله !.
واستجاب الله لدعاء (آمنة) البريئة الطاهرة، وهدأ من روع قلبها المؤمن الصغير، فانطلق من أبواق المسجد والصومعة صوت مؤذن رائع بأذان الحرم المكي الشريف، ينعش النفوس، ويرعش الأكباد، ويحبب للمؤمنين الاستجابة لنداء الله.
وتنفست (آمنة) الصعداء، ونزل العبء الثقيل عن كتفيها الصغيرتين، وابتعد شبح المؤذن البشع، وما كان سيتركه في نفس (مارك) من آثار سيئة باقية.
ونظرت إلى وجهه الوسيم مرتسما على حمرة الشفق القاني، وهو ينظر إلى مصدر الصوت السجي العامر بالإيمان والحنان، وقد أحس بخذر ناعم، ونشوة عارمة تسري في جميع حواسه.
ورأت (أمنة) بعين قلبها الطاهر بستانا شاسعا من الزهور البيضاء تتفتح في مكان ما من قلب (مارك).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here