islamaumaroc

نموذج من شباب العصر الجاهلي فتى الفتيان: طرفة بن العبد

  دعوة الحق

270 العدد

إلى الشباب المرجع، في تطور الفنون والأذواق، وحول مغامراتهم ومخاطراتهم تنظم القصائد، وتنشأ الأصاطير والأقاصيص...
وشبابنا اليوم كان يجمع بين سذاجة الأطفال، وحصافة الكهول، ويحيا حياة متوثبة لا يحدها تزمت، ولا يصدها جمود، وهو، في كل مكان، مبعث الحيوية، ومصدر الشعر، والخيال، تلك الحياة التي ليس قبلها غير الغفلة، ولا بعدها غير العبوس.
هذا الشاب النابغة الذي يمرح في عالم الصبا.وقد انحدر إلينا مجده في ظلمات الجاهلية الأولى، بما فيها من بداوة العيش، وضيق الأفق والأمية السائدة، والجهالة المقيتة، والذي لقي حتفه لفرط نبوغه من جراء لسانه المر، وذهنه الحديد...
لقد أسلم شابنا روحه بيد القتل أو الغدر، وهو في العشرين من عمره، فقيل له: "ابن العشرين"، وهكذا قتل شابنا في حداثته.
وذهب بعض الرواة الذين جعلوا مقتله في السادسة والعشرين من عمره استشهادا بقول أخته في  رثائه:
عددنا له ستا وعشرين حجة              فلما توفاها استوى سيـــدا ضخما
فجعنا له، لما رجونا إيابه                على خير حال، لا وليدا، ولا قحما(1)
إنه طرفة بنالعبد الذي يقدم نفسه         على قرائه، ورواة شعره أبدع تقديم فيقول:
إذا القوم قالوا: من فتى؟ خلت أنني     عنيت. فلم أكســـل ولم أتلبد
ولست بحلال التلاع مخافـــة؛          ولكن متى يسترفد القوم أرفد؛ (2)
فإن تبغني في حلقة. القوم، تلفني،       وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد، (3)
متى تأتني أصبحك كأسا روية           وإن كنت عنها ذا غنى، فاعن وازدد؛ (4)
وإن يلتق الحي الجميع، تلاقني          إلى ذروة البيت الشريف المصــمد (5)
ولسنا نجد في التعليق على هذه الأبيات السلسلة الرائعة خيرا من قول الأستاذ العميد الدكتور طه حسين:
فانظر إليه وهو يتقدم إليك ظريفا رشيقا، خفيف الروح، حازما مع ذلك كل الحزم، واثقا بنفسه أضد الثقة، راضيا عنها كل الرضى، شاعرا بواجبه الاجتماعي أوضح الشعور وأقواه. يؤمن بأنه قد خلق لقومه قبل أن يخلق لنفسه، فهو يجيبهم إذا دعوه، بل هو يجيبهم إذا دعوا وإن لم يوجهوا الدعوة إليه، كأنهم لا يستطيعون أو لا ينبغي لهم أن يدعوا غيره، وكأنه هو الفتى كل الفتى ! هو الفتى الذي يختصر شباب قومه اختصارا ويمثلهم تمثيلا، ويحتمل عنهم أثقال القبيلة كلها ! وهو يستجيب لدعوة الداعي سواء أوجهت إليه أم إلى غيره مسرعا لا كسلا ولا متلبدا. وكيف يكسل أو يتلبد وهو الفتى الذي ملأ نفسه إعجابا بنفسه، وملأ نفوس قومه إعجابا به واعتمادا عليه.
فأول صفاته إذن هذا الشباب الذي يدفعه إلى أن يتمثل الواجب الوطني أقوى التمثل ويسرع إلى الإجابة إليه. ثم هو بعد ذلك لا يكتفي بالمخاطرة والمغامرة في سبيل هذا الواجب، ولكنه كريم أيام السلم لا يستتر، ولا يتوارى، ولا يهرب بماله من السائلين واللاجئين، ولا يهرب بقوته من المستغيثين والمستجيرين. هو لا ينزل الأماكن الخفية التي لا ترى فيها المنازل ولا يقصد إليها المحتاجون، وإنما ينزل الأماكن الظاهرة فيعطي إذا سئل، كما يجيب إذا دعى، وإذا اطمأن الرجل إلى أنه يشعر بواجبه أصدق الشعور، ويؤديه أحسن الأداء، ويعطي قومه وغير قومه من نفسه وماله في غير تحفظ، ولا بخل، ولا إشفاق، فمن حقه ألا يبخل على نفسه بالخير ولا يحول بينها وبين نعيم الحياة. وصاحبنا لا يحرم نفسه كما أنه لا يحرم الناس. هو لا يستتر منك ولا من غيرك، وهو يدلك على الأماكن التي تشتطيع أن تجده فيها إن احتجت إليه، فأما في ساعة الجد فتستطيع أن تلتمسه في حلقة قومه، هناك حيث يجتمعون في ناديهم يتحدثون ويتشاورون إن عرض لهم من الأمر ما يدعو إلى التشاور، فهو يشارك قومه في جدهم كله وإن كان شابا لأن له م الرشد والحلم وحسن البلاء ما يمكنه من ذلك، ويفرضه على قومه فرضا. وأما في الحانات عند هؤلاء الخمارين الذين يحملون خمرهم المعتقة من الحضر فيمتعون بها شباب البادية ويحببون بها إليهم لهو الحياة. ولن يضيع سعيك إذا سعيت إليه تتلمسه في حانة من هذه الحانات، فهو لن يلقاك بخيلا، ولا شحيحا، ولا كزا ولكنه سيشركك في لهوه، وسيسقيك حتى تروى، وهو لن يكرهك على ذلك، فأنت وما شئت. إن كان بك ظمأ نقعت غلتك، وإن كنت غنيا فليزدك الله غنى. ولا بأس عليك. فإذا أردت أن تسأل عنه دون أن تلقاه فأنت تستطيع أن تسأل من شئت !  فستعلم أنه ليس من أوساط قومه ولا من أقلهم خطرا.وإنما هو الشريف الكريم من أشرف البيوتات وأكرمها، وهو منها في أرفع مكانة وأرقاها ! ".


1) القحم: المتناهي في السن.
2) حلال: مبالغة من الحلول..النزول بالمكان,, وفي رواية بمحلال – القلاع: ج: قلع: مجرى الماء في الوادي أو قرار الأرض – يسترفد: يطلب الرفد: الإعانة أي لا أنزل في الأماكن المنخفضة خوفا من أن يرى ناري الأضياف، ولكنني أعين كل من يطلب معونتي.
3) الحوانيت: بيوت الخمارين
4) أصبحك: أسقيك صبوحا.
5) المصمد: الذي يصمد إليه الناس لشرفه، أي يقصدونه في حوائجهم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here