islamaumaroc

من نوابغ الشيوخ وقد يكون شباب غير فتيان

  دعوة الحق

270 العدد

 لا معنى للحياة  مع اليأس، ولا معنى لليأس مع الحياة من أجل ذلك فالنبوغ شعاع ينبثق من النفس، في أي وقد أراد، غير مقيد بزمان ولا مكان... فقد نرى شيوخا محتفظين بنظارة الشباب، ورغادة العيش اللباب، كما نجد شبابا في ربيع أيامهم وكأنهم طاعنون في السن... فالنبوغ يظهر في ابن ست سنين، كما يظهر في ابن تسعين أو مائة.
إن وفرة الإنتاج هي الهدف الأول، اليوم، للشعوب والأفراد، وليس من مصلحة الشعوب أن تقاطع شيوخا، اكتسبوا خبرة طويلة، ونضجت آراؤهم بحكم سنهم، فذلك يعني حرماننا من جانب كبير من الثروة الفنية والفكرية...
إن هناك شيوخا تموج قلوبهم بالإيمان... فالإيمان هذا، هو المولد الكهربائي الهائل الذي يحرك الهمة، ويثير الخيال، ويدفع إلى المجازفة، ويخلق الآراء الجديدة، ويغري بالقتال والنضال، والجهاد والجلاد، والثبات والصمود...
 والإيمان يجدد شباب الإنسان ماديا وروحيا...
 فكم من شيخ أبلت الأيام بدنه، ومع ذلك بقي متماسكا، يعلو صوته، وتلمع عينه، ويشتعل في عروق دمه، لأنه يومن بشيء عظيم أو بشيء يراه عظيما ... وكم من شيخ بقي على رأس جماعة من المومنين يجالد ويصارع ويكر ويفر، ويقبل ويدبر، ويخيف الخصوم ويخاف منه الخصوم...
 إن هناك شيوخا جمعوا بين ركانة الشيوخ ووقارهم، وبين عبقرية الشباب، وظروف الفتيان، وخفة روحهم، وذكاء قلبهم، وحدس المعيتهم وهم، كما أشار إلى ذلك، كثير عبد الرحمن الخزاعي في حبيبته عزة بنت جميل بن وقاص الذي يقول فيها:
 يا عـز، هل لك في شيخ فتـى أبدا       وقد يكون شبــاب غير فتيـان
 أو كما قال الشاعر المتنبي في مدح المغيث بن العجلي:
 يروع ركانــة، ويـذوب ظرفـا           فما تدري: أشيــخ؟ أم غـلام
 ودونك، رهطا من الذين نقشوا أسماءهم المجيدة على صفحات التاريخ بعدما جنحت شمسهم في العمر نحو المغيب، فتركوا بصماتهم في ذاكرة التاريخ:
 * في الثانية والخمسين اكتشف كلومبوس العالم الجديد الذي دعى أمريكا فيما بعد، ونظم بسمارك الحكومات الألمانية في دولة واحدة. وقاوم صلاح الدين الأيوبي هجمات الإفرنج المتحالفين لانقاذ " أورشليم" من يده في الحرب الصليبية الثالثة.
 * في الثانية والخمسين انتخب" ريمون بوانكاري" رئيسا لجمهورية فرنسا فأدار شؤونها في أخطر الأعوام على كيانها وهي أعوام الحرب العالمية.
 وكان" بلايك" في هذه السن لما دعاه مجلس النواب البريطاني لقيادة أسطول انكلترا، فأنزل" مكنسة" البحار عن رأس أسطول هولندا التي كانت رمز السيادة البحرية وجعل انكلترا سيدة البحار.
   * في الرابعة والخمسين كان كرومويل" حامي انجلترا". ودخل " يهوذا بنيامين" الأمريكي مدرسة الحقوق وعكف على درس الشريعة وفاز بالشهادة ثم صار نقيب المحامين الانكليز.
 
 * في السابعة والخمسين كتب" سرفنتس" الاسباني رواية" دونكيشوت" ونظم "ملتون" الشاعر الانكليزي الأعمى " الفردوس المفقود" ووضع " هندل" الموسيقى لحن "المسيح".
 * في الثامنة والخمسين كتب" دفوي" الانكليزي رواية" روبنصون كروزي" وباشر" ميكال أنجلو" رسم "الدينونة الأخيرة" وأكمله بعد عشر سنوات.
 * في سن الستين باشر الفيلسوف الألماني" كانت" تأليفه العظيم" الانتقاد على العقل" وكتب الشاعر الانكليزي شومر" قصص كنتر بري" وباشر أندرو كرنجي الأمريكي توزيع ثروته الطائلة على إنشاء معاهد العلم قائلا: إنه يتعب في توزيعها المفيد أكثر من تعبه في جمعها.
 * وفي الحادية والستين أغرق" جورج ديوي" أمير البحر الأمريكي أسطول اسبانيا في الفلبين ورفع الولايات المتحدة إلى مستوى الدول العظمى. ورسم"دافنشي" لإيطاليا صورة "الجوكندا" وقضى أربع سنوات حتى وضع على شفتيها الابتسامة الغريبة المجهولة، أهي للفرح أم للحزن؟ وهي اليوم في متحف اللوفر الباريسي.
 * في الثالثة والستين نظم "لافونتين" الشاعر الفرنسي قصصه الخالدة. وكان المارشال "فوش" الفرنسي في السابعة والستين لما ألقت دول الحلفاء حظها بين يديه في الحرب العالمية فقاد جيوشها إلى النصر النهائي، وقتل" آريتو" السياسي اليباني الذي صير اليابان دولة حديثة في التاسعة والستين.
 * في سن السبعين يذكر جميع الناس قصة الشيخ الهرم السبعيني الذي شكا إلى الطبيب أَلَماً في رأسه، فأجابه: هذا من السبعين. وفي ظهره: وهذا من السبعين، وفي صدره: وهذا من السبعين. وفي رجليه: وهذا من السبعين، فحنق الشيخ المريض وشتمه قائلا: إنك دجال جاهل. فأجاب الطبيب: وهذا أيضا من السبعين!.
 مع أن دانتي الإيطالي نظم قصيدته" الجحيم" وهو في السبعين" ولونفلو" الأمريكي نظم" دي سنكتوت" وهو في السبعين." وبوسان" الفرنسي أكمل صورة "الطوفان" وهو في السبعين. وفي هذه السن كانت الفلكية الشهيرة "ماريا متشل" تعلم الدروس العالية في "كلية فاسار" الأمريكية. وانتصر القائد الألماني " فون ملتكي" في معركة "سيدان" التي أسقطت بوليون الثالث عن عرش فرنسا. وانتصر الأمير" محمد علي باشا" المصري على الأتراك. وظلت "سارة برنار" الفرنسية تمثل دور ابن نابليون وهو في سن 17 حتى ماتت في التاسعة والستين.
 * وفي الثانية والسبعين كتب غليليو الإيطالي أحاديثه الصحيحة والمدهشة عن دوران الأرض. وأدار " كليمنصو" شؤون فرنسا رئيسا لوزارتها أثناء الحرب العالمية ودعى" أبا الانتصار".
 * في الثامنة والسبعين أكمل" ميكال أنجلو" القبة العليا في كاتدرائية مار بطرس رومية، وهي عنوان مجده الهندسي جعلته يهتف عند تمامها مسحورا بصنع يده البديع:" لقد رفعت البانثيون في الجو" لأن قبة الكنيسة العظمى تشبه ذلك الهيكل الوثني الذي كرسه الأقدمون لمجموع آلهتهم. وعن هذا نشأت في باريس تسمية البناية التي جعلها الفرنسيون مدفنا لعظمائهم.
 * لم تكن سن الثمانين مستحبة عند العرب بدليل قول زهير بن أبي سلمى صاحب الحوليات في معلقته الشهيرة:
 سئـمت تكاليـف الحيـاة ومن يعش     ثمانيــن حولا لا أبا لــك يســام.
 وقول لبيد:
 ولقد سئمت من الحيــاة وطولهــا     وسؤال هـذا النــاس كيــف لبيد؟
 مع أن "صوفوكليس" اليوناني نظم في الثمانين أعظم رواياته الخالدة، وهي "أوديب الملك"، وباشر كاتو الرماني درس اللغة اليونانية ليستطيع مجاوبة" حماته" أثناء الجدال. ونشر" فولتير" الفرنسي أهم ردوده على ناقديه، وأكمل جوت الألماني رواية" فوست" ونظم هولمز الأمريكي الأبيات التالي تعريبها:" لا تحسبوا شيخا هرما ذلك الذي يبقى دماغه متسلطا على الماضي محدقا في الآتي، فإن من يحمل في نفسه علامات الصيف الأبدي عبثا تتقلب الفصول السنوية عليه.
 وفي الثمانين كان بالسترينا الإيطالي يطرب بأنغامه نفوس السامعين كما في الأربعين. ووليم هرشل يرصد النجوم بنظر أحد من نظر ابن عشرين. وكان تيارس رئيس على جمهورية فرنسا. وسقط ادوارد كوك المحامي الانكليزي عن حصانه فانقلب الجواد عليه وعاش برغم ذلك سنة كاملة هيأ بها كل مؤلفاته للطبع.
 * وفي الحادية والثمانين كان "دزرائلي" رئيسا لوزارة انكلترا.
 * وفي الثالثة والثمانين كتب " اسحق نيوتن" مكتشف ناموس الجاذبية المقدمة البديعة لكتابه الفلكي (برنسيبا) واستقال " بولوك" القانوني الانكليزي من رياسة نقابة المحامين، وفاز القائد النمسوي "رادتزكي فوزه" الأكبر في معركة نوفارا. واحتل البندقية بعد قتال عنيف مدة ثلاث أشهر ، وعين حاكما على الولايات المقتطعة من إيطاليا ولم يستقل من هذه الأعمال الشاقة حتى بلغ السابعة والتسعين. واستقال مازاريك من رياسة جمهورية بولندا في الخامسة والثمانين.
 * وفي سن التسعين كتب تيوفراستوس الفيلسوف اليوناني كتاب" أخلاق الناس" وفي الحادية والتسعين كان البارون لفراي رئيس قضاة إرلندا حاد الذهن واللسان كالشبان.
 * وفي الرابعة والتسعين كان روندلو حاكم البندقية قائدا أعمى للجيوش التي حاصرت القسطنطينة فاستولى عليها عنوة، وانتخب امبراطورا لعرشها فأبى مكتفيا بالعودة إلى حكم البندقية حتى مات في السابعة والتسعين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here