islamaumaroc

العبقرية المبكرة عند الشباب

  عبد العزيز بنعبد الله

270 العدد

النبوغ تفتق خاص في الملكات الذهنية والقوى الفكرية يرفع الموهوبين فوق المستويات العادية، فيبدر منهم ما يبهر وكثيرا ما ينبثق النبوغ عن فرط في الذكاء، أو عن تطور مبكر في المدارك العقلية ومهما يكن فإن في النبوغ قدرا موهوبا لا دخل فيه للتكسب ولا للتهذيب والتشذيب والنبوغ بالنسبة للعبقرية كالحال عند الصوفية بالنسبة للمقام. فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب والأحوال بوادر ولوائح والمقامات استقرار واستمرار. فالعبقرية مظهر لتركز النبوغ في دوائر التفكير والتصور والاستنتاج وسائر العمليات الصادرة عن القوى الفكرية التي قد ينمو بعضها فيسفر عن تضخم خاص في أحد أجزاء الدماغ كمركز التصور أو الحفظ أو التخيل، وبذلك تنطبع نفس الموهوب إما بملكة الفكر المجرد أو الوعي الخارق أو الروح الشاعرية.
 وإذا كان هنالك نموذج لاكتمال هذه العناصر، ففي شخص ابن سينا الذي طفرت قواه الفكرية وهو لا يزال في ريعان الطفولة فقد تفتقت فيه الواعية عن قوة مدهشة فحفظ القرآن وهو دون العاشرة وتناسقت في ذهنه الملكات العليا، فلم يكد يبلغ السابعة عشرة حتى" ترامت شهرته بالتطبيب والتعليم في الآفاق الراقية، وعالج الأمير نوح بن منصور فشفاه وأصاب حيث أخطأ مشاهير الأطباء وفي الثامنة عشرة ألف كتاب " المجموع" فأودعه خلاصة علوم عصره ما عدا الرياضيات حتى قال في كهولته: "كنت يومذاك للعلم أحفظ ولكنه اليوم معي انضج، وغلا فالعلم واحد لم يتجدد لي بعده شيء"... وقد عده عمر الخيام من أساتذته مع أنه من أبناء الجيل اللاحق بجيله وبرز الشاب الموهوب في معظم العلوم حتى اللغة التي قيل بأنه صنف في غريبها موسوعة كبرى. وظلت ملاحظاته في أدق الفنون والعلوم كالطبيعيات مثلا محل إعجاب من باكون الإنجليزي إمام المدرسة التجريبية، وكانت مصنفاته في الطبيعيات من دعائم الفتوح العلمية الحديثة حيث ظلت في جامعات أوربا موضوع درس ومراجعة مع بحوثه الطبية عدة قرون.
وفي السادسة عشرة من عمره أيضا برع في الفقه حتى صار يناظر فيه كبار الأصوليين كما بلغ بعد ذلك درجة سامية في النثر الفني حيث صنف على طريقة ابن العميد والصابي والصاحب. وقويت شاعريته ورق شعره إلى درجة أنه لو لم يحتكر العلم ملكاته لكان من شعراء الإنسانية القليلين. ذلك النموذج انتظم فيه ما انتثر في غيره...
 ولم يكن ابن سينا مجرد نابغة بل إنه أصبح وهو في ريعان شبابه رائد الفكر العلمي، فكانت أعظم مصنفاته الطبية بعد (القانون) أرجوزته المعروفة عن الأوربيين ب(كانتيكوم)canticum  وكان كلاهما أسيسة التجارب المارستانية والعيادية والجامعية في بحبوحة القرن الرابع الهجري قبل أن تتبلور مثل هذه الدراسات والأبحاث في الجامعات الأوربية وقد ظل هذا الإبداع بالإضافة إلى كتاب (الحادي) للرازي أعظم عناصر الموسوعة الطبية التي أنتجها العرب(1) بل إنها ظلت ستة قرون- إلى القرن العاشر الهجري أو السادس عشر الميلادي مرجعا أساسيا، لطلبات الطب الأوربية كما ورد ذلك في قرار جامعي مؤرخ بعام 1617 م ينص على اعتمادها في تعليم الطب في جامعة لوفان التي أسست في بلجيكا عام 1425م .
                                                      ***
وهنالك أفراد كثيرون ظهرت مواهبهم المبكرة في ناحية أو مناحي شتى، فالمعري قال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، وكذلك الفرزدق وإبراهيم بن سهل والبحتري حتى إن أبا تمام سمع إنشاد وهو فتى فأعجب وقال: "أنت والله يا بني أمير الشعراء بعدي!". وقد تأهل الشافعي للفتوى في أصول التشريع وهو ابن خمس عشرة سنة، وكان أية في الذكاء حتى قال فيه المبرد والشافعي أشعر الناس وأدبهم وأعرفهم بالفقه والقرآن" وقد برع في الرماية كما برع في الشعر واللغة وتاريخ العرب.
وكتب يحيى ابن أكتم موسوعات في أصول الفقه وهو شاب، وتولى قضاء البصرة وعمره عشرون سنة فاستصغره أهلها، وقد تولى القضاء في مثل هذه السن عتاب ابن أسيد في مكة يوم الفتح ومعاذ بن جبل في اليمن وكعب بن سور على البصرة أيام عمر.
وقد أفتى صدر الدين بن الوكيل وهو ابن عشرين سنة وكان لا يقوم لمناظرة ابن تيمية أحد سواه.
وعبد الله بن عباس كان آية في النبوغ، فقد كان سنه لا يتجاوز التاسعة عشرة في أول خلافة عمر بن الخطاب، ومع ذلك كان يستشيره ويصفه بالغوص وقد ذكر ابن عتبة أنه ما رأى أفقه من ابن عباس في رأي ولا شعر ولا عربية ولا تفسير ولا حساب.
 وتوفي الرسول عن عائشة الصديقية وهي في الثامنة عشرة، ومع ذلك فقد كانت من أكثر الصحابة حفظا وفتيا، وكان شيوخ الصحابة يستفتونها وقال فيها عروة بن الزبير: " ما جالست أحدا قط أعلم بقضاء ولا بحديث بالجاهلية ولا أروى للشعر ولا أعلم بفريضة ولا طلب من عائشة".
 وغير هؤلاء كثير ممن نبغوا في ميعة الشباب نبوغا مدهشا، فهذا بديع الزمان الهمداني يناظر وهو في مقتبل العمر أبا بكر الخوارزمي، وكان إذ ذاك شيخا يناهز الستين، وهذا ابن السكيت يناظر- وهو في طُمُرّة الشباب- أبا الحسن على اللحيائي. وهذا أبو بكر الظاهري يتصدر للتدريس في حلقة والده على إثر وفاته، وقد ألف في شبابه كتاب"الزهرة" وانتحل الأشعري مذهب الاعتزال عن دراية وعلم منذ صباه وألف البخاري صحيحه لست عشرة سنة.
ولعل هنالك ما هو أدعى للاندهاش فقد وصف ابن عبد الملك في الذيل والتكملة طفلا في القرن السادس ظهر منه نبوغ غريب أدى إلى شبوب حوادث أودت بحياته وحياة والده.
 وذكر الخطيب البغدادي في الكفاية أن القاضي عبد الله الأصبهاني حفظ القرآن وهو ابن خمس سنين وحمل إلى أبي بكر المقري ليسمع عليه الحديث وهو ابن أربع. نقل إبراهيم بن سعيد الجوهري أنه شاهد صبيا ابن أربع سنوات قد حمل إلى المامون وقد قرأ القرآن ونظر في الرأي(يعني الفقه) غير أنه إذا جاع بكى.
وروى الأبري عامة كتب شيخه عبد الرزاق ونقلها الناس عنه مع أنه عند وفاة شيخه لم يكن إلا ابن ست أو سبع سنين، وروى القاضي أبو عمر القاسم ابن جعفر الهاشمي سنن أبي داود عن أبي علي اللؤلؤي ورواها الناس عنه ومات شيخه وله خمس سنين.
 وذهب أبو عاصم بابنه إلى ابن جريح ليسمع عليه الحديث والقرآن وهو ابن أقل من ثلاث سنين، وروى عبد الله بن الزبير الكثير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك توفي الرسول وهو ابن ثمان سنين. وهو الذي كان له مائة غلام على ما يحكى لكل غلام لغة خاصة فكان يخاطب كل غلام بلغته.
 وذكر السخاوي في(فتح المغيث)أن سفيان بن عيينة قرأ القرآن وهو ابن أربع سنين وكتب الحديث وهو ابن سبع، وقد حفظ المصعب ابن الهاثم القرآن والعمدة وجملة من الكافية وهو ابن خمس سنين. وذكر أبو بكر الإسماعيلي عن حفيده معمر أنه حفظ القرآن وعلم الفرائض وأجاب في مسألة أخطأ فيها بعض القضاة وهو ابن سبع سنين. وذكر ابن العماد الحنبلي أن تقي الدين السبكي درس بدمشق بالمدرسة الأمينية وهو ابن سبع سنين وولي خطابة الجامع الأموي بعد أبيه وله عشر سنين.
 وفي سادس(شذرات الذهب) أن بدر الدين السبكي درس وأفتى وحدث وعمره خمس عشرة سنة في حياة جده تقي الدين وكان إماما عالما بارعا أوحد.
 وأبو حامد السبكي مهر في العلوم وأفتى ودرس وله عشرون سنة وولي وظائف أبيه في القاهرة وله إحدى وعشرون سنة.
 وقد أتم ابن الصارم مصنفاته العشرين قبل أن يبلغ عشرين سنة(2). وكان أحمد الفيرم بن سيدي عمر الكنتي يحفظ ألف مجلد.
 تلك نماذج خاطفة تتجلى فيها عبقرية الشباب الإسلامي ونبوغه  وكم لها من نظائر وأشباه يضيق المجال عن استعراضها وهي تعطي لشبابنا المتوثب برهانا عن مدى حيوية فتيان الأمس الذين كانوا بوتقة نابغة انصهرت فيها معادن المعرفة في مجلاها الأخاذ)


1) لوكلير- تاريخ طب العرب (مجلدان) – طبعة بيروت ج 1 ص 470 جردت طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب.
2) " البدر الطالع"  ص  240/2  
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here