islamaumaroc

الشباب والتطور

  محمد إبراهيم بخات

270 العدد

كم كان حكيما وصائبا الإمام علي كرم الله وجهه حينما قال:" علموا أولادكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم" وفي رواية ثانية " أدبوا أبناءكم" فكأنه رضي الله عنه بفكره الثاقب يعني شباب عصرنا الحاضر ليتسلوا بسلاح العلم والأدب الإسلامي الرفيع، والعلم كلمة مطلقة، هذه الوصية الخالدة منه كانت حتى يستطيع الأبناء مواصلة مسيرتهم في فترة شبابهم في أمن وأمان، فالعلم الصحيح بواسطته يمكن للشباب أن يواكب التطور ويميز بين تطور معقول وتطور ممسوخ فلا ينبهر ولا ينخدع بقشور الحضارة أو بهرج التكنولوجيا، وبذلك يتيقن بأن الحضارة إن لم تكن سموا للإنسان وحفاظا على قيمة الإنسان وخدمة لوجوده وتحقيقا لسعادته فليست بحضارة وإنما هي تقدمية إلى الخلف. إن الذي يجب أن تزرعه في أعماق صغارنا شباب الغد أن العلم مع الأدب بمثابة الرأس من الجسد بالنسبة للإنسان فلا بد منهما للبشر مع المراقبة، قوت القلوب التي تعتبر من معالم الطريق والدليل إلى الدف الشريف فهي أمل للمؤمن وبها تتحقق روعة الإيمان فيعيش الإنسان على هدى وبصيرة في واقع الناس. وعلى هذا الأساس فلا يليق بالآباء أن يعتقدوا بأن هذا الزمان هو زمن الشباب فليفعل فيه بحرية ما شاء ولينغمس في ماديته كما شاء أو " أن الدين لا يتناسب مع زمان التقنيات المتطورة والمذهلة فهذا تصور خاطئ وفهم لا يليق بأولياء أمور الأبناء لأن حضارة الغرب لا قيمة لها إذا لم يصاحبها دين وتدوين لأهلها لأن المادة بلا روح كالنار المشتعلة بين يدي الريح فهي وإن أضاءت ما حولها لا يؤمن حريقها ولا تدميرها كل شيء ما لم تكن محاطة بسور حصين يمنعها من إحراق ما حولها، والدين هو ذلك السور المنيع والقوي المتين.
ولا ينكر أحدا ما للعلم من منافع كثيرة في شؤون الحياة جميعها ولكن هذه المنافع تكون أشد وأكثر نفعا للبشر لو صحب العلم الإيمان لأن ثمرة الإيمان حسن الخلق وهو غاية ما يتطلب المجتمع الإنساني كما قال الأستاذ خلف محمد الحسيني، وهذا ما أشار إليه شوقي رحمه الله إذ قال (1)
رأيت العلم لا يبني رجالا        ولا يغني عن الأخلاق شيئا
انطلاقا من هذا الإدراك الواعي لأبعاد التطور ومفهوم الحضارة كما ينبغي يتحتم على الآباء والأمهات أن يكونوا في مستوى تربية أولادهم وأن يعرفوا قيمة وضرورة المراقبة بالنسبة لأولادهم ليعيشوا بها كخلق يلازمهم طيلة حياتهم لما فيها من حصانة ووقاية لهم من الانحراف عبر التيار الفاسد، فهي كالأضواء الكاشفة في حياة الناس تجعل المرء يفرق بين الحق والباطل ويهتدي لمعرفة الخطأ من الصواب، ولهذا كان السلف الصالح يحرصون على تنشئة ملكة المراقبة في نفوس أولادهم منذ نعومة أظفارهم فقد جاء عن أبي القاسم الجنيد" إنه أراد أن يختبر تلاميذه في مراقبة الله عز وجل فقال لهم غدا سنقوم برحلة خلوية إلى الصحراء، وعلى كل منكم أن يأخذ من أبويه فرخا وأن يذبحه في مكان لا يراه فيه أحد، وأن يأتي به لنقوم بإعداد وإنضاجه، ثم نأكل سويا، فغابوا وجاؤوا في اليوم التالي وكل قد ذبح فرخه إلا تلميذا واحدا جاء بفرخه حيا دون أن يذبحه، فسأله الشيخ لماذا لم تنفذ وصيتي؟ فأجابه لقد شرطت علينا أن نذبح الفرخ في مكان لا يرانا فيه أحد وعندما حاولت التنفيذ وجدت هذا الأحد معي فسأله شيخهمن هذا الأحد؟ فأجابه: الله. فعانقه المربي وقال له: انت إبني حقا"(3).
 إن مثل هذا النموذج من الجيل الصالح يمكن أن يتكرر في عالم الواقع إذا وجد الأب الواعي والمربي الناجح في بيئة الطفل، وما المراقبة إلا نتيجة من نتائج الرعاية الخاصة للطفل والمتابعة المستمرة من ولي الأمر لابنه وهي متابعة يجب أن تتحقق أساسا من الأسرة لأنها مسؤولة كاملة عن متابعة أبنائها باعتبار أن المنزل هو الأساس والأسرة هي نقطة الانطلاق، والمجتمع مكمل لهما والحياة هي الأمل.
إن النشاط الزائد للصغير يجب أن يكون نافعا ويستغل لصالحه بالتقويم والتوجيه ولقد اندهشت كثيرا عندما علمت بدراسة أمريكية ميدانية عن النشاط الزائد عند الأولاد والتي تقول بأن له نتائج إيجابية في مستقبل حياتهم إذا أحسن توجيههم مع استغلال نشاطهم لفعل كل عمل صالح.
يقول في هذا الصدد الدكتور "سلفادو ماتوزا" عالم النفس في معهد الطب النفسي بولاية نيويورك الذي ساعد في إجراء الدراسة " إن الاعتقاد الشائع بين الخبراء والمربين هو أن الصبيان ذوي النشاط المفرط سيكونون أقل نجاحا من الصبيان الآخرين في المستقبل والمتوقع في كثير من الأحيان يفشل هؤلاء في حياتهم الدراسية وأن ينتهي بهم الأمر إلى شغل وظائف لا مستقبل لها وأن يكونوا من مثيري المتاعب بل من المجرمين" (4). وأضاف قائلا: "إن نصف مجموعة تتألف من مائة صبي وصبية تعرضوا للتشخيص لأنهم أصحاب نشاط مفرط عندما كانوا بين سن السادسة والثانية عشرة، وقد انقلبوا عاديين تماما عندما وصلوا إلى سن المراهقة بداية الشباب حتى إنه لم يكن في الإمكان تفريقهم أو تمييزهم عن مجموعة للمقارنة لم يكن أفرادها من ذوي النشاط المفرط "(5) .
 وقد خرجت الدراسة بنتيجة وهي أن الصبيان أصحاب النشاط المفرط فازوا عندما كبروا بعدد أكبر من الجوائز الأكاديمية ونجحوا في دراساتهم كالطلاب الآخرين.
 وكان سبب اندهاشي أن الرسول الكريم صلوات الله عليه سبق أن نبه إلى هذا النشاط الزائد للطفل وكأنه يبشر الأب بألا يتشاءم بأحد أولاده وألا ييأس من صلاحه ورجوعه إلى جادة الصواب إذا رآه عنيدا شرسا أو مشاكسا فقد يتحول كل هذا النشاط فيه إذا أحسنا تربيته إلى أخلاق فاضلة كالشجاعة والثبات وقوة الإرادة وكبر العقل والشمم والطموح والنجاح الكبير في دراسته، وقد جاء توجيه الرسول المربي في هذا الشأن في حديث أورده الحكيم الترميذي في نوادر الأصول "عرام الصبي في صغره زيادة في عقله في كبره" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.


1) يوجد من يعتبره حديثا نبويا ولكن الثابت انه من قول الإمام علي.
2) عن كتاب" البيان في منهاج الإسلام" لخلف محمد الحسيني من 112 بتصرف.
3) عن كتاب توجيهات نبوية على الطريق للدكتور سيد محمد نوح، ج أول ص 20-21.
4) عن جريدة عمان العدد 2459 بتاريخ 21 جمادى الآخرة 1408 موافق 9 فبراير 1988.
5) نفس المرجع.
6)كتاب " الخلق الكامل" لمحمد جاد المولى، ج 3 طبعة أولى لسنة 1936 صفحة 187 بتصرف.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here