islamaumaroc

الشباب دعامة الإسلام.

  يوسف الكتاني

270 العدد

إنه من فضل الإسلام على البشرية أن جاءها بمنهاج شامل كامل قويم لتربية النفوس، وتنشئة الأجيال، وتكوين الأمة، وبناء الحضارة، وإرساء قواعد المجد والمدنية. مما كان من شأنه إنقاذ الإنسانية التائهة، وتصحيح مسارها، وإرجاعها إلى الطريق المستقيم.
وإذا كان لكل أمة ثروة تعتز بها، ورصيد تدخره لمستقبلها، وقوة تبني عليها مجدها ونهضتها، فإن في مقدمة هذه الثروة في دولة الإسلام شبابها الذي يعتبر الدعامة الأساسية في المجتمع، والثروة الحية فيه، والأمل المرتجى على الدوام.
ولا أعتقد أنه يوجد دين سابق على الإسلام أو نظام لاحق عليه، اعتنى بالشباب ورعاه وكرمه، مثل دين الإسلام ورسول الإسلام، الذي جعل منه دعامة المجتمع وقوام الأمة، وعنصر القيادة والدعوة والحكم، وهيأه للميادين كلها، ودفعه إلى المجالات كلها، واعترف بقوته، وباهى بأعماله، واعتبره محط العناية الكبرى ومركز الرعاية العظمى. حتى جعل فئة الشباب أعظم فئات الأمة جميعا، يؤكد ذلك ويثبته ما وضعه الرسول الكريم للشباب من مناهج وقيم أخلاقية، وما سنه من مبادئ سامية تكون عقيدة الشباب، وتضمن له التربية الصالحة، وتحفظ عليه نظارة الحياة، وصحة البدن، وقوة العزيمة، وتمنحه سلامة التفكير وصلابة الإرادة، وقوة الشخصية،مما يجعله فردا قويا صالحا لنفسه ولمجتمعه ولسائر المومنين.
ولا نعلم أمة من الأمم قديمها وحديثها، اعتنت بشبابها ورعتهم، وهيأت لهم ما يجعلهم رجالا أكفاء أقوياء مثل دولة الإسلام ورسول الإسلام، حتى أننا نجد أركان دولته قامت على أكتافهم وبجهودهم، دعاة وعلماء، حكاما وأمراء وقواد جيوش، ويمتلئ تاريخ السيرة بصفحاتهم المشرقة وأعمالهم الخالدة.
وتتوزع مسؤولية رعاية الشباب في الإسلام جهتان:الأسرة باعتبارها نواة المجتمع وأساسه، ومنبع الأولاد ومدرستهم الأولى، وهي التي توجهه الوجهة التي تصنعه وتكونه، لأن المولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما أكد الرسول عليه السلام وفي ظلها يرتبط بعلاقة وثيقة مع أفراد أسرته وأعضاء مجتمعه. والجهة الثانية التي ترعى الشباب هي الدولة، ترعاه بالتعليم والتقويم والتوجيه، في المدرسة والشارع والنادي ومختلف مجالات الحياة، وقد رعى الإسلام هذه المسؤولية حق رعايتها، وخص الرسول الكريم الشباب بما لم يخص به فئة أخرى، خاصة وأنهم كانوا الفئة المؤمنة بدينه، والمبادئ لنصرته.
 لقد كان عبد الله بن عباس ردف رسول الله على ناقته ذات يوم، وكان شابا حدثا، وأراد أن يفتح له طريق التقدم والتفوق، فرسم له ولشباب المسلمين الخطوط الأساسية التي تعتبر المثل الأعلى له، حتى يكون قويا مجدا، مؤمنا ،مفيدا، ولا يكون إمعة متواكلا متخاذلا، وقد خاطبه رسول الله قائلا:
"اسمع يا غلام أعلمك كلمات، إحفظ الله يحفظك، إحفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك".
 لقد الرسول وخلفاؤه من بعده، يخص الشباب بالتوجيه الدائم والعناية المستمرة، ويفقهه في دينه، ويعلمه أدب الإسلام، ويوجهه إلى التقوى والعمل الصالح الذي يفيده ويفيد أمته ومجتمعه، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطبا الشباب:
"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة-القدرة- فليتزوجن فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"، -وقاية- كما كان الرسول عليه السلام يتعهدهم بالتعليم والتربية، والتهذيب والتوجيه، فقد روى الإمام البخاري عن عمر بن أبي سلمة قال: كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصفحة-الأنا- فقال: يا غلام" سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك".
 كما روى أنس بن مالك عن الرسول الأكرم كيف كان يعلم الشباب أداب الدخول على أسرته وأهله، كما علمهم أداب الطعام والجلوس على المائدة، قال أنس قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يابني إذا دخلت على أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك وذلك تأكيد للتوجيه الإلهي في القرآن الكريم:?يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلك خير لكم لعلكم تذكرون? كما كان الرسول يحبب للشباب أنواع الرياضيات لتصح أجسامهم ، ويستقيم عودهم، ويصبحوا قادرين على الجهاد في سبيل الله، وتحمل أعباء الحياة، ولذلك كان يحثهم على الجري، وركوب الخيل، والسباحة والرمي،وكان الرسول نفسه يتسابق مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ولقد مر على جماعة من الشباب وهم يتدربون على الرماية فقال لهم:
( أرموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا وارموا وأنا مع بني فلان)فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لهم:
(ما لكم لا ترمون؟ قالوا كيف نرمي وأنت معهم؟ قال: إرموا وأنا معكم).
بمثل هذا التوجيه الحكيم،  والقدوة الحسنة، والمثل الصالح، استطاع الرسول في فترة وجيزة أن يجعل من شباب المسلمين شيعته وأنصاره، وعدته في الجهاد، ودعاته إلى الدول والأمم، وفقهاء الأمة وقراءها، ويجعل منهم المشاعل التي أنارت الطريق وفتحت الفتوح، نذكر منهم على سبيل المثال: علي بن أبي طالب الذي شارك في معركة بدر وهو دون العشرين، وخالد بن الوليد الذي أمر على الجيش وهو في عنفوان شبابه.
 كما رأينا الرسول يختار مصعب بن عمر وهو الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره فيبعثه سفيرا له.
 ويولي أسامة بن زيد وهو لم يبلغ العشرين من عمره قيادة جيش المسلمين وتحت إمرته الصحابة والقراء والفقهاء.
 ويكلف عبد الرحمن بن أبي بكر وهو في الغار، أن يجمع له أخبار قريش، ويستطيع خططها وأحوالها وينقلها له.
لقد أصبح شبابنا اليوم في حاجة إلى أن يتعلموا ويعرفوا حقائق دينهم، وسيرة رسولهم، وتاريخهم، حتى يكون لهم القدوة والإسوة ويعرفوا أن دينهم دين التجديد والتطور، وأنه صالح لكل زمان ومكان.
ولذلك فشبابنا محتاج إلى استمالة واعية، تبصره بما ينبغي أن يكون عليه، من دون تنقص لمواهبه وقدراته وهو في مرحلة تكوينه، وذلك بتوجيهه إلى التعلق بكتاب الله، وسنة رسوله، وقيم الإسلام التي تجعله يقيم حياته على الفضيلة والحق والخير.
 ومحتاج أن يعرف أن الشباب الحي، هو الذي يحجز نفسه عن فعل ما يدم أو يخل بالمروءة، فيتقي الزلات، ويبتعد عن السلبيات، وذلك يدعونا إلى تقويمه بالقدوة قبل القولة، وبالتعهد الدائم، والتوجيه الرشيد أما اليوم فقد أصبح شباب المسلمين في حاجة إلى أن يدرسوا سيرة الرسول، ويطلعوا على أسرار قيادته للشباب، وعنايته بهم، وطريقة تربيتهم وتهذيبهم، حتى تتحقق لهم  الأسوة الحسنة، وينهضوا بالقدوة المثلى للرسول وصحابته الكرام.
 وسبيلنا إلى هو نشر المفاهيم الإسلامية الأصيلة، وتحريرها من آثار التشويه والخلافات اللاحقة بها وتنقية وسائل الإعلام مما لحق بها مما لا يتفق مع مبادئ الإسلام وروحه، بالإضافة إلى بث وعي إسلامي ذاتي قائم على الكتاب والسنة، يكون عاملا فعلا في إعادة شباب المسلمين إلى جادة الحق وطريق الصواب، فيبتعد عن السلبيات، ويرتفع عن النقائض ويدفعه إلى القيام بدوره الأساسي في المجتمع الإسلامي الذي يعيش صحوته الكبرى في طريقه إلى التغيير والتجديد.
 ولقد وصف هؤلاء الشباب وافتخر بصحبتهم وصفاتهم أبو حمزة الخارجي فقال:
 تعيرونني بأصحابي، وتقولون أنهم شباب؟ وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا؟ شباب والله مكتهلون في شبابهم عمية عن الشر أعينهم، بعيدة عن الباطل أرجلهم، قد نظر الله إليهم في جوف الليل منثنية أصلابهم بمعاني القرآن، إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، قد وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم، أنضاء عبادة قد أكلت الأرض جباههم وأبدانهم من كثرة السجود، ناحلة أجسامهم من كثرة الصيام وطول القيام ، مستقلون ذلك في جنب الله، موفون بعهد الله حتى إذا رأوا سهام العدو قد فوقت ورماحه قد شرعت وسيوفه قد انتضيت وبرقت الكتيبة، بصواعق الموت، استهانوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، فمضى الشباب منهم قدما حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، قد زملت الدماء محاسن وجهه، وعقر الثرى جبينه، وأسرعت إليه سباع الأرض فكم من عين في منقار طير طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خشية الله؟ 
                                                            ***
وفي بلادنا كرم جلالة الملك الشباب أكبر تكريما ورعاهم أحسن رعاية حتى جعل يوم ميلاده عيدا للشباب يخصهم فيه بالتوجيه والتقويم، وتحتفل فيه الحكومة والهيآت بإقامة المشروعات التي تنهض بهم، وترعاهم وتعنى بتربيتهم، بما يحقق لهم وفيهم الآمال المعقودة عليهم باعتبارهم عدة المستقبل ومناط الأمة ومعقد رجائها.
 وإذا كانت الدولة أقامت وتقيم لهم الملاعب الرياضية والنوادي الاجتماعية والدور الثقافية وتنظم لهم الرحلات والندوات واللقاءات الوطنية والدولية، فعلينا أن نحبب إليهم هذه الأماكن نكثر عددها وننشرها في مختلف المدن والقرى، ونضاعف الجهود حتى نجعلها كخلية النحل نشاطا وثقافة وتوجيها وأخلاقا كي يملأ شبابنا فيها وبواسطتها أوقاتهم وعقولهم بما ينفع ويجدي، فيتغلب الأمل والطموح في أنفسهم وتمتلئ بالإيمان والعزم قلوبهم، ويسعد بأعمالهم وجدهم ونشاطهم مجتمعهم ووطنهم، فيزداد إبداعهم ويتضاعف ابتكارهم، وتحديهم للعراقيل والمصاعب كما كان أجدادهم يفعلون.
                                                            ***
ولنجعل من عيد الشباب مناسبة لتقوية العزائم، واستنهاض الهمم، ومضاعفة الجهود، وحث الخطى وطي المراحل، وتجديد الأمل والتسابق إلى التقدم والتطور والتجديد، لما فيه خير الأمة وصلاح الشباب، في إطار ديننا وعقيدتنا وأصالتنا وبالله التوفيق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here