islamaumaroc

أول جمعية وطنية بالمغرب قبل الحماية في أوائل القرن العشرين.

  محمد الفاسي

270 العدد

في أوائل القرن العشرين وقد استفحلت مطامع الاستعمار في الاستيلاء على المغرب وحكيت الدسائس لهذه الغاية تنبه جماعة من شبان فاس لهذا الخطر المحدق وخصوصا وأن الأحوال الداخلية في البلاد تردت بعد وفاة الملك العظيم الحسن الأول رحمه الله من جراء مناورات المستعمرين بإثارة الفتن وتشجيعات الثائرين كأبي حمارة الذي استلزم ردعه والقضاء عليه مصاريف باهظة جعلت الحكومة تعمد إلى أخذ قروض هائلة من فرنسا: وقد كانت الدول الاستعمارية وضعت خطة لدسائسها منذ أيام مولاي الحسن وذلك أن هذا الملك الجليل تنبه إلى وجوب السير ببلاده في طريق التقدم وأدرك أن الطريق إلى ذلك هو اقتباس المعارف الحديثة من الحضارة الأوربية فنظم بعثات لجماعة من شبان مملكته وبعثهم إلى عواصم العلم بأوربا وسهر على اختيارهم بنفسه ووجه منهم ثلة إلى لندن وثلة أخرى إلى باريس وكذلك إلى برلين وإلى إيطاليا واسبانيا وروسيا فانخرطوا في مختلف مدارس الطب والهندسة والفلاحة وفي أواخر أيامه تخرجوا ورجعوا إلى وطنهم ليقوموا بفتح المستشفيات والأعمال العمرانية وقد كان هذا في الوقت الذي عمدت فيه اليابان إلى هذه السياسة لإدخال الحضارة الحديثة لبلادها ولكن من سوء حظنا كان الاستعمار بالمرصاد لهذه الحركة المباركة.
 فقامت البعثات الدبلوماسية في بلادنا بدعاية واسعة النطاق لإبطال هذا العمل مستعينة بعملائها الذين راحوا يموجون في مختلف الأوساط خصوصا في العاصمة أن هؤلاء الشبان صاروا نصارى وسيفسدون على الناس دينهم مما أثار ضدهم غضب الشعب حتى صاروا يهددونهم وعظمت البلوى وخاف السلطان من مغبة ذلك وخشي على هؤلاء الشبان من أن يتعدى عليهم وعوض أن يستفيد المغرب من علمهم وتجربتهم عينهم السلطان في بنيقات الوزارات بدار المخزن بفاس ولم يحصل لهم اتصال بالمواطنين فقضى على هذه المحاولة الجبارة في مهدها.
ومن هؤلاء المتخرجين من الجامعات الأوربية من بقي على قيد الحياة إلى أيام الحماية وقد أدركت منهم أنا شخصيا وأنا طفل طبيبا كان درس بمدريد وفتح عيادة بالسبع لويات بفاس قرب القرويين كان يقصده الناس للتداوي وأظن أنه كان من عائلة برادة كما أدركت المهندس الأستاذ الجبلي والد الدكتور الجبلي وقد درس بروسيا وتعرفت عليه في باريس أيام دراستي بها وكان يعطف على الحركة الوطنية الفتية إذ ذاك.
 هذه هي الحالة التي كان عليها المغرب عندما تفاقم أمر المخاوف الاستعمارية عليه مما أدركته الجماعة المذكورة في أول هذه الكلمة وقد كنت وجدت منذ سنين في صندوق بمنزلنا بفاس يحتوي على وثائق عدة ومخطوطات ومن جملتها مجموعة مهمة من رسائل مولاي إسماعيل رحمه الله لجدنا شيخ الإسلام سيدي محمد بن عبد القادر الفاسي كنت نشرتها مع صورها في مجلة هسبريس وفي مجلة تطوان وكذلك ملف يتعلق بهذه الجماعة. وكانت تتركب من عدد صغير من الأعضاء هم سيدي عبد الحفيظ الفاسي رحمه الله كرئيس لها ومن والدي سيدي عبد الواحد الفاسي رحمه الله ككاتب عام لها وعمي سيدي المهدي الفاسي رحمه الله عضوا وسيدي السعيد الفاسي عم الزعيم علال الفاسي رحمه الله والسيد العباس الكردودي وكلهم أعضاء. هؤلاء الذين وقفت على أسمائهم وأكد لي أخبارهم عمي فضيلة القاضي المرحوم بكرم الله سيدي المهدي الفاسي.
 وكانت هذه الجمعية تتبع الأحوال السياسية العالمية بواسطة الصحف المصرية التي تبعث لهم من طنجة حيث ربطوا علاقات ودية وكفاحية مع جماعة من السوريين واللبنانيين كانوا يقطنون المدينة المذكورة ومنهم من كان يصدر مجلات تعنى بشؤون المغرب كمجلة الصباح وكان رئيس تحريرها وديع كرم. وكان هؤلاء الشبان يكتبون فيها.
 وكان من مبادئهم ومن شروط الانخراط في جمعيتهم التحلي بالأخلاق الحميدة والانصياع لمقررات هيئتهم وأخذوا على أنفسهم أن يتعلموا اللغة الفرنسية ليستطيعوا الاتصال بالأوساط السياسية الفرنسية المعارضة للمشاريع الاستعمارية على غرار ما كان يفعله الزعيم المصري مصطفى كامل رحمه الله وكانوا معجبين به ويتتبعون حركته ويطالعون ما يكتبه وكانت وسيلتهم في تعلم الفرنسية أن يذهبوا سرا وخفية عن عائلاتهم إلى الملاح حيث اتصلوا بمعلم للفرنسية وقد وجدت في الملف المذكور نسخة من كتاب النحو الفرنسي لدى  "دسرشي"Dussorchet وهو الكتاب الذي تعلمنا فيه بمدرسة زنقة الرطل بفاس في السنوات 17 إلى 20.
وفي هذه النسخة شروح بالعربية بين السطور مع ترجمة مفردات فرنسية بالعربية.
وقد كان أعضاء هذه الجمعية من المؤيدين للمولى عبد الحفيظ رحمه الله عندما قام بمراكش لإصلاح الأحوال المتردية وكان يسعى للحكم بطرق عصرية. فكان من أهم الأعمال التي قامت بها الجمعية في هذا السبيل أن فكروا في وضع دستور ينظم الحياة السياسية في البلاد ووضعوا بالفعل مشروعا لهذا الدستور وجدته في الملف المذكور بخط والدي رحمه الله(1). ولهذا الاكتشاف قصة وهي أنني أيام دراستي بباريس لما رجعت مرة في العطلة الصيفية عمدت إلى الصندوق الذي قدمت الإشارة إليه ولم أكن فتحته من قبل لأنه كان موضوعا فوق مرفع عال فأنزلته وكان معي صديقي المرحوم الحاج أحمد بناني فأخذنا نبحث محتوياته فوقفنا على هذه الوثائق الثمينة ورتبت هذه المخطوطات والوثائق في خزانتي إلى أن يحين وقت استعمالها ونشرها وهذا الاكتشاف هو الذي أوحى إلي وأنا وزير الشؤون الثقافية أن أؤسس جائزة الحسن الثاني للمخطوطات والوثائق التي اطلعنا بواسطتها ولا زلنا نطلع على كمية مهمة من المخطوطات والوثائق.
 وأما الملف الذي وقفنا عليه فقد بقي محفوظا عندي إلى أن وقع يوما أن رآه عندي قبل الاستقلال الأستاذ المهدي بن بركة فاستسلفه مني فمكنته منه ووقع أن قبض علينا وطال أسرنا ونسيت الأمر حتى أخبرني يوما الحاج أحمد بناني أنه جاءت عنده سيدة ذكرت له أنها من عائلة السيد المهدي ابن بركة المذكور وقد كان تغيب عن المغرب فقالت له أن قريبها ترك عندها أوراقا وخافت أن يحصل لها ضرر من جراء ذلك فطلبت منه أن يجعلها عنده إلى أن يردها لصاحبها إذا ما هو رجع يوما إلى المغرب. فلما اطلع عليها عرفها لأنه كان كما قدمت اكتشفها معي وكنت إذ ذاك منفيا بأغبالون كردوس كما كان الحاج أحمد بناني أيضا معنا في المنفى المذكور. ولكنه لم يخبرني بهذه القضية ولما أطلق سراحنا أخبرني بالأمر وأرجع لي الملف مع مشروع الدستور وكان قد اطلع الزعيم علال الفاسي على هذا المشروع فكتب عنه في كتابه" حفريات عن الحركة الدستورية في المغرب قبل الحماية" قال فيه في ص 7: وقد وجدت عند صديقي ج أحمد بناني نتفة من هذه المذكرة كانت بيد سيدي عبد الواحد الفاسي والد سيدي محمد وزير الثقافة وقد كان سيدي عبد الواحد من بين الرفقاء الذين كانوا يعملون على إعلان الدستور بعد الثورة الحفيظية. "كلام مهم لأن المؤلف لم يطلع على ملف الجمعية وإنما رأى مشروع الدستور وحيث كان اقتنى من عند وراق مشروع دستور مغربي كان اشتراه الوراق المزوري من تركة العلامة المرحوم سيدي عبد الحفيظ الفاسي رئيس الجمعية الوطنية التي وضعت المشروع اختلط عليه الأمر لأنه لم يطلع على الملف بأكمله لأنه وجد في ديباجة الوثيقة أن كاتبها ذكر أنه طرأ على المغرب وكان ذلك تمويها منهم لإعطائه صبغة متخصص عارف بقضايا الدستور في مصر وفي تركيا العثمانية ثم إنه قال إن الوثيقة التي اطلع عليها عند الأخ المرحوم الحاج أحمد بناني كانت بيد السيد عبد الواحد الذي كان الكاتب العام للجمعية المذكورة.
هذه قصة هذه الجمعية الوطنية الدستورية التي أنشر خبرها لأول مرة وهي تدل على أن الروح الوطنية الصادقة انبثقت منذ أحس شباب المغرب إذ ذاك بخطر الزحف الاستعماري الذي كان يهدد بلادنا وأخذوا يستعدون لمقاومته ولكن الأحداث دهمتهم وقد توفي والدي رحمه الله سنة 1911 قبل أن يفجع برؤية بلاده ترزخ تحت نيل الاستعمار وقد رفع مشعل تلك المقاومة أبناء أولئك الرواد ورفاقهم حتى تمكنوا من تحقيق النصر لمبادئهم بفضل تضحية ملكهم المفدى محرر المغرب محمد الخامس ووارث سره أمير المومنين الحسن الثاني نصره الله وأيده.


1) حبذا لو تفضل أستاذنا الكبير بنشر هذا النص الدستوري بالحروف المطبعية مع إرفاقه بصورة للنص الأصلي كاملا حتى تعم الفائدة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here