islamaumaroc

الحسن الثاني ملك خلقه القرآن والسنة.

  عبد القادر رفهي العلوي

270 العدد

تحل بنا ذكرى عيد الشباب التي تخلد ميلاد حضرة صاحب الجلالة أمير المومنين الحسن الثاني أطال الله عمره وخلد في الصالحات ذكره وهي ذكرى تعبر فيها الأمة المغربية وشبابها النشيط عن مدى تعلقها وولائها وإخلاصها لقائد النهضة وموحد الأمة.
 وتتعدد وسائل التعبير عن الفرحة بهذه الذكرى واختارها معتمدا على آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول المصطفى الأمين وتأثيرها في تربية الحسن الثاني وتصرفه وسلوكه وإخلاصه لدينه ووطنه واجعل عنوانها الحسن الثاني ملك خلقه القرآن والسنة.
 وإنني إذ أتطرق للذكرى من هذه الزاوية فإنني أومن كل الإيمان أن ذلك واجب يفرضه قوله سبحانه (إنما يتذكر أولوا الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق)،(الرعد 19-20 ) واعتراف وامتنان فرضه قول الرسول صلى الله عليه وسلم:" من أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تقدروا فدعوا له".
 لقد نشأ الحسن الثاني في وطن عزيز عليه وتربى بين أحضانه وترعرع في رياضه وتذوق مرارة النفي والإبعاد بسببه، فكان من الطبيعي أن يخلص لأمانته ويذود عن حوزته ويتقيد بوصية والده المغفور له محمد الخامس وهو يسميه وليا للعهد ويذكره بقول الله تعالى:(يا بني أقم الصلاة وآمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور)(لقمان17) فاتخذ من هذه الآيات وغيرها من محكم الكتاب نبراسا يستضيء به ونورا يهتدى بإشعاعه ويسير على إرشاده وهو يعلم أن من يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم، وان من استمسك بالعروة الوثقى، وكيف لا وهو الذي فتح عينه على كتاب الله يتعلمه في الكُتاَّب مع أبناء وطنه ويتنور بشرحه في فترة شبابه ويتبع هديه أثناء مسؤوليته.
 لقد تربع الحسن الثاني على عرش أجداده وعلى عاتقه مسؤولية أمة عظيمة برهنت للعالم عن استماتتها لرفع أيادي الاستعمار وأثقاله التي حط بها في سماء المغرب العزيز لمدة طويلة جعلته لا يفكر في الرحيل. ولم يعر في بادئ الأمر أي اهتمام لرغبة الشعب في التحرر والسيادة على أرضه، فأرغم على الانسحاب يجر وراءه ذيول الخيبة والخسران فكان لزاما على شبل هذا العرش أن يقدر ما عليه من واجبات وما ينتظره من تبعات ويستخير الله في أن يهون عليه الصعاب ويكون له عونا وسندا، وهو يقول: :(قل اللهم مالك الملك توتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) (آل عمران26) وقوله تعالى: :(رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه)  (الأحقاف15).
 وتابع الملك الشاب مسيرته الميمونة ووصايا والده الغالية وحقق لأمته أملا غاليا كانت تصبو إليه ومطلبا ثمينا تعلقت به، وقدم لها برلمانا يعبر عن رأيها ويخطط لمسارها ويضعها في مصاف الدول المتقدمة التي حققت لشعوبها الديموقراطية والكرامة الإنسانية وحمل أفراده أمانة الصدق في القول والإخلاص في العمل ووضعهم أمام قول الله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم) (الأحزاب 70-71) وطلب منهم أن يكونوا عاملين مخلصين وللعدالة مؤيدين وعلى الحق مدافعين وفي محبة الله متآخين تزينهم رابطة الإسلام وتقويهم محبة الوطن وتظللهم نصائح الملك الرائد وترشدهم دعوة القرآن::(وأمرهم شورى بينهم) أشداء على أعدائهم رحماء في إخوانهم فكانت لبنتهم بنيانا مرصوصا وصوتا مدويا وإعلانا عن التخطيط السليم والمنهج القويم وتحققت إرادة الله في التعاون على البر والتقوى وقاد الحسن الثاني أمته وشعبه في خطوات ثابتة وبسياسة رزينة وأخلاق عالية متبعا قول الله تعالى :(فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين).
 وتطلع الملك الهمام إلى الأفق الزاهر والأمل الرائد فخطط في عزم وثبات المنهج الصحيح لإنشاء جيل نافع لوطن نافع وأعطى أوامره السامية لتعميم في الحواضر والبوادي وهو يتأمل قول الله تعالى:(قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (الزمر9) ثم حقق الطموح وأذكى العزائم وتابع المسيرة فكانت الثانويات والمعاهد ثم الجامعات ليرتوي الشباب وتستنير بصائره ويساهم في تحقيق الازدهار ويتحمل مسؤولية البناء والتشييد ويصدق فيه قول الله تعالى:(والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا)(الأعراف 58) وأعطاه الحسن الثاني من اهتمامه وعنايته ما سهل أمامه سبل السير وقوض كل العوائق وجلالته ينظر إلى شباب أمته في قول الله تعالى:(كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها) (ابراهيم24-25) فأصبحت بلادنا بفضل عزيمته وعناية الله- تتوفر على جامعات في مختلف الاتجاهات لا يقتصر عطاؤها على أبناء وطننا ولكنها طعمت كل الوافدين المتعطشين من أبناء الوطن العربي والإفريقي والأوربي أحيانا شعارها دائما: إن العلم لا يعرف الحدود ولا يتقيد باعتبارات.
 وعملُ جلالته ليس من باب الصدفة والارتجال ولكنه درس من الدروس التي تربى عليها في محيطه الإسلامي والتي أدرك منها أن الإسلام انبنى على العلم وانطلق منه وانه منة تفضل بها الله على خلقه ففتح له الطريق للإدراك والاستفادة والاستنباط.
واكتشاف الأسرار الإلهية في الكون، فقال تعالى في أول خطاب يحمل به الرسول أمانة التبليغ: (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) فأراد أن تكون أمته من الأمم التي أحسن الله إليها فأمدها بالعلم وحرص حفظه الله على الاستفادة من ذلك اقتداء بما جاء في الأثر:(من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يكن يعلم).
 ولم تمر مناسبة أو فرصة دون أن يسلك فيها الملك الرائد مسلك المرشد الأمين وبين فيها لرعاياه وشباب أمته أن حضارة الإسلام مثالية في كل شيء وأنها تستعد قوتها من العلم والمعرفة وتتطور معها وتلك موعظة استقاها من جده المصطفى عليه السلام وهو يقول:( العلم فريضة على كل مسلم، ويقول: أطلب العلم من المهد إلى اللحد، بل إنه صلى الله عليه وسلم بفراسته المعجزة وبإدراكه القوي حث على طلب العلم مهما كانت الصعاب والمشاق ومهما كانت منابعه وعداؤها لأمة الإسلام فقال:" اطلب العلم ولو بالصين" التي ستكون في عدا تقليدي مع الإسلام سيفرضه مذهبها الشيوعي).
 إن حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على طلب العلم واستخلاص نتائجه وتطبيق معطياته، جعلت من الحسن الثاني يعمل بجد على أن تتحقق هذه المكاسب في أمته وشبابه وجند لذلك كل الوسائل والإمكانيات ليجعل العلم والعمل خطين متوازين يسيران في سبيل الحضارة والازدهار والرقي الاجتماعي لبلده الأمين وشعبه العزيز، ولقد حقق الله له ما أراد فأصبح شباب المغرب مفخرة يسابق في الإنتاج والإنجاز والتخطيط والإبداع، وأعطى المثل على أنه شعب التحدي والمكرمات وأنه بفضل الله وإرشاد ملكه سيصل بالبلاد إلى أعلى المراتب وأرقى الدرجات.
 وتدبر الحسن الثاني قول الله تبارك وتعالى:(وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته) (الشورى28)وقوله:(وجعلنا من الماء كل شيء حي)( الأنبياء30) فحث أمته على أن تستفيد من نعمة الله وتجعل من أرضها جنات تدرف الخيرات وتغني عن الاستعطاف وتضمن العيش السعيد للغني والفقير وسهر بنفسه حفظه الله على الاستفادة من مياه الأمطار وبنى لها سدودا ومخازن ووزعها على المناطق الفلاحية المحتاجة مستفيدا من قول الله تعالى:(وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين فانظر إلى اثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها) (الروم49-50) ولم يقف جلالته عند هذا الحد بل ضرب للتاريخ موعدا مع الإنجازات العظمى ومشاريع النماء ببناء سد كل سنة يضمن للفلاحة الازدهار، يقينا من جلالته أنها المورد الأساسي الذي لا غنى للإنسانية عنه وان تشاغل العالم الصناعي عنها سيجعله يرجع مطأطأ الرأس إلى مواردها يرجو عونها على العيش خصوصا وقد ظهرت في العالم في السنوات الأخيرة آثار المجاعة ومخلفاتها السلبية على مناطق جف معينها وساءت حالها؛ وما نراه اليوم من ازدهار فلاحي وخصب في الأراضي وتكاثر في الخيرات بعد معجزة من معجزات الحسن المومن بالله المتوكل عليه حق توكله وهو يردد قول الرسول صلى الله عليه وسلم:(لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا).
 وانتهز جلالته انعقاد دورة المجلس الأعلى للماء في شهر مايو 1988 ليوجه العناية إلى دور الشباب في تزيين وطنه وتشجيره وإغنائه بالروابي الخضراء وذكر بأن مساهمة شباب اليوم إفادة لجيلهم القادم وحافز لاستمرار العطاء المتواصل الرابط بين الأجيال.
 المسيرة الخضــراء.
 واستخار الحسن المسلم ربه وطلب عونه وتوفيقه واتجه بشعبه إلى أرضه السليبة وصحرائه المغتصبة في مسيرة خضراء شعارها صلة الرحم ولم الشمل وسلاحها كتاب الله وهو الحبل المتين والسراج المنير والهادي إلى الحق وإلى الطريق المستقيم ليتوقف العالم مبهورا أمام ذكاء هذا الملك الشاب والإمام المحنك والزعيم المقتدر وتأكد بما عرف فيه من عزم وحزم انه محقق قصده وبالغ أمره فبارك خطواته وصفق لقراره وأيد حقه في استرجاع صحرائه، وعادت لنا صحراؤنا وتحقق بفضل الله رجاؤنا ورددنا مع عاهلنا الهمام:(يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) (محمد 7).
 وألهمه الله لسانا شاكرا وقلبا ذاكرا وتوبة نصوحا فكان يردد حمدا وثناء قول الله تعالى:(رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين) (الأحقاف15) فصدق فيه قول الله تعالى:(أولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون) (الأحقاف 16).
 وتحركت أحقاد الحاقدين وعداوة الحاسدين ومكر الماكرين فساءهم أن يلتقي الإخوة وترجع الأرض لأصحابها وفضلوا أن تبقى في يد المستعمر، حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ومكروا كأشد ما يكون المكر وظنوا أن حلم الحسن الثاني وصبره سيكون لهم عونا على تركيز عدائهم وعنادهم وخلقوا ما يحلوا لهم من العراقيل والمشاكل وطوروا عداءهم أحيانا إلى المس بحدودنا وأرضنا فلم يستعجل الحسن المؤمن الرد عليهم وتضرع بقول الله تعالى:(واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وأدبار النجوم) (الطور48-49) وترك الأمور تسير سيرا عاديا يتعظ منه الغافلون ويخيب ظن المفسدين ويتحقق قول الله تعالى:(ولا يحق المكر الشيء إلا بأهله)(فاطر43) واعتبر جلالته أنها سحابة ستنجلي وأن ظلام الليل يمحوه النهار وأن إيمان المرء لا يتأثر بالنكبات لأنها دليل الثبات وعون على النجاح مصداقا لقول الله تعالى:(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)( آل عمران 143).
 ويبارك الشعب هذا الثبات وهذه التضحية وهو يرى في سبط الرسول صلى الله عليه وسلم الموعظة الحسنة ويشاهد سيرة جده تطبع على قلبه وتنير بصيرته، وقد آنسه القرآن الكريم بقوله تعالى::(وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار)(الرعد42).
 وكيف لا وقد أظهره الله في مواطن كثيرة:(لقد رأى من آيات ربه الكبرى)(النجم 18).
 إن محاسن الحسن الثاني أَجَلْ من أن تحصى ومزاياه أكثر من أن تستقصى وهي في سجل الخالدات تزين صفحاته وتعطي نفس التحدي للأجيال المقبلة، وهي لا تنحصر في محيط المغرب العزيز وإنما أفاد الله بها أمة إفريقية وعربية وإسلامية وجمع على حبها قلوب الصادقين ونطقت بها ألسنة العارفين والمطلعين.
 لم يظل الانتظار ولم يخب الظن بل حلت فرحة عيد الفطر المبارك لتحمل بين طياتها تعقل العاقلين ورجوعهم إلى الحق المبين وإعلانهم صلحا أخويا بين المغرب وجارته الجزائر ليكون بلسما للجروح وعونا على المشاكل التي تحدق بالأمة العربية والإسلامية وليكون صلحا صادقا يكون الحجر الأسعد في توحيد بناء المغرب العربي ويطفئ نار الخلاف ويلتحم به جمع الشمل الأخوي بين الجارتين ويكون مكسبا يساعد على تحقيق الصلح العربي والإسلامي في كل مكان وصدق الله العظيم:(فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم).
في المجال الإفريقي.
إذا كانت الأطماع والأحقاد قد لعبت دورها في أن نعتز لكرامتنا و نغادر منظمة الوحدة الإفريقية بعد أن أصبحت تسيرها اعتبارات خاصة وتحيط بقراراتها حالات استثنائية تخضع لإيديولوجيات ومغريات، فإن الضمير الحي والمتبصر في الأمة الإفريقية لم يرد أن ينساق أمام اللعبة ويتأثر بكيد الكائدين الذين لا رغبة لهم- في الحقيقة- إلا أن يترك لهم المغرب مجال التربع على زعامة هذه القارة بعد أن تبين لهم في جميع الأحوال أن وزنه الثقيل وسمعته الإفريقية وأثره في حضارتها واستقلالها لا يسمح لهم ببلوغ غايتهم ولا يجمع له من الأصوات ما يبلغون به آمالهم، فالتزمت الدول الإفريقية الإبقاء على العلاقات التاريخية والأصيلة مع المغرب إدراكا منها إنه عمدة من الأعمدة الإفريقية لا تقيم أركانها إلا مع وجوده ولا يمكن الاستغناء عن استشارته وآرائه، وهكذا توطدت الروابط الثنائية مع الدول الأفريقية بشكل غار منه الأعداء وأعطى النتائج المفيدة أكثر من ذي قبل وعبر العديد منهم عن رغبته في الحفاظ على علاقته وتعاونه مع المغرب وتوالت المسيرة وبرز التعاون على أعلى مستوياته وصدق الله العظيم:(إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (الزمر10)...
علاقاتنا العربية والإسلامية.
إن مصير الأمة العربية مرتبط إلى حد كبير رغم تباعد المسافات- بحكم الحضارة المشتركة ووحدة اللغة والدين إذ أنها عوامل أساسية لتكوين هذا الارتباط ومن هنا كانت علاقات الأخوة والمحبة المتبادلة تهيمن على سمائها وتتحكم في نظمها وتصرفاتها ومن هذا المبدأ ركز الحسن الثاني علاقاته مع إخوانه العرب في كل مكان وشرح صدره لمحبتهم والتعاون معهم وهو يحكم كتاب الله وسنة المصطفى فلا يتأثر بالضانين ضن السوء ولا يلوم المعرضين على الحق وينهج في كل تصرفاته ما علمه القرآن في قوله تعالى:(ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) (فصلت 34)  ويتحمل مسؤوليته بين الإخوة في الدفاع عن العروبة والوطن ويقدم الدعم قولا وفعلا كلما أدلهم الخطب وتأزمت الأمور فلا ينتني عن عزمه أو يخدل في وعده أو يتخلى عن واجبه وكفى دليلا أن تجد جنود وطنه شهداء في سيناء والجولان بعد أن لبوا نداء قائدهم فكانوا في الوغى مستبسلين، وعن العروبة مدافعين وفي سبيل الله مجاهدين:(أشداء على الكفار رحماء بينهم) (الفتح29) وإذا تنكر البعض لشهامة المغرب وجحد المعروف والتضحية فإن الحسن الثاني الذي تربى في بحبوحة الوفاء وشرب من معين الثبات والاستقامة لم يكن ليأخذ ذلك مأخذ المنتقم بل اعتبره هفوة من هفوات السياسة ستلعب الأيام دورا هاما في محوها مرتلا قول الله تعالى:(خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين) (الأعراف 199) وقوله تعالى:(سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)(آل عمران 134) وقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الحاكم عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من سره أن يشرئب له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه، ويعطي من حرمه ويصل من قطعه"
 ومسعاه لجمع الشتات والتئام الشمل نساه كل التقلبات ودفعه إلى مزيد من الحرص على تحقيق التضامن ولم يدع فرصة تمر دون الحث على ذلك وبيان فوائده مستشهدا بكتاب الله إذ يقول: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)(آل عمران 102-103) كيف لا والآية نزلت في قبيلتي الأوس والخزرج وهما من العرب، وكيف وهو يدرك بما أفاء الله عليه من عقل راسخ وفكر ثاقب وتربية إسلامية أن الاتحاد حصن حصين وعون لتحقيق الأهداف وهي وصية من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم مما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: "إن الله يرضى لكم ثلاث ويسخط لكم ثلاث، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تنصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال.
والدعم المادي والمعنوي الذي يقدمه الحسن الثاني وشعبه للشعب الفلسطيني لا يمكن أن يجحده أحد أو ينكر وجوده وكثافته – بل أنه جعل القضية الفلسطينية من أخص خصوصياته وأهم مشاغله وعلى بسطها دوليا وإقليميا بأسلوب المدرك الواعي من غير أن يكترث برد الفعل السلبي الذي يحلو للبعض أن يتبناه.
 قدم للأخوة العربية من أوقاته وراحته الشيء الكثير وخلق بينهم جوا من التطلع والأمل في المستقبل الحسن خصوصا وقد كانت فترة رئاسة للقمة العربية طويلة وحافلة تحققت من خلالها آفاق التعاون ومرامي غالية وأهداف نبيلة ذكرها القادة العرب والمسلمون بالشكر والامتنان أثناء مؤتمرهم الأخير بدولة الكويت.
علاقاته بالدول الإسلامية.
 ونشاطه داخل مؤتمر الدول الإسلامية لا يقل عنه في المحيط العربي اقرأ منه بأن الإسلام اعتمد على التعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصداقا لقوله تعالى:(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله) (آل عمران 110) وان الأخوة أهم مقوماته وأجل أهدافه، وإن محيطه لا يقبل العنصرية ولا القبلية، ولا يسلك لها سبيلا، وأن العمل الصالح مبدأ أساسي لبلوغ الأهداف وتحقيق الآمال كما نطقت بذلك آيات القرآن كقوله تعالى:(من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (النحل 97).
وتحت تأثير هذه الآيات وما أنعم الله عليه به من حرص على الاهتداء بسنة جده عليه السلام سلك مسلكا حكيما وتصرف تصرف المتبصر وجعل للأخوة مغزاها ومعناها واعتمد التشاور والتباحث أساسا لكل تعامل والتناصح وحسن التدبير مرجعا عند المستجدات واتخذ القول اللين وسيلة لبسط المشكلات وحكم كتاب الله وسنة رسوله عند التخاطب والمناقشات مستفيدا من قول الله تعالى:(ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) .(فصلت 34)
ومن حسن نيته ويمن طالعه ألهمه الله التوفيق والرشاد ورزقه لسانا صادقا لا ينطق عن الهوى، فدعا إلى عقد مؤتمر إسلامي لدراسة ما ألم بالأمة الإسلامية يوم امتدت أيادي الصهيونية الغاشمة إلى القدس الشريف وأعلنها صرخة ضد أعداء مقدسات الإسلام فاجتمع من حوله إخوانه وقادة المجتمع الإسلامي وقد وجدوا في دعواه بلسما يضمد جروحهم وفرصة تعبر عن امتعاضهم وتذمرهم من كل كيد يلحق المسلمين في كل مكان ومن وراء هذا المؤتمر والمؤتمرات الإسلامية الموالية تأكدت النية الصادقة في الدفع بالمجتمعات الإسلامية إلى مزيد من التضامن والتعاون ليتحقق النصر الموعود في قوله تعالى: :(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا)(النور55). وكما هي عادة القائد المسلم تحمل القسط الأكبر في كل التزام وقدم الدليل على التضحية في سبيل الإسلام وهو يقول في دعائه قول الرسول صلى الله عليه وسلم:" اللهم اهديني لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت وقني سيء الأعمال وسيء الأخلاق لا يقي سيئها إلا أنت" لم يسجل عليه التاريخ يوما أنه كان فاحش القول أو ثائرا في غير حق أو داعيا إلى عداوة أو بغضاء بل كان يقول قول جده عليه السلام" اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا" فجمع من خلال تصرفاته قادة الشعوب الإسلامية وأممها على محبته فاستمعوا إلى نصحه واستعانوا برأيه فكانت بفضل الله آراء سديدة ونتائج مفيدة خلقت بين الدول الإسلامية رغم بعد المكان واللغة والالتحام الراسخ والعهد الوثيق فالتزموا بإعطاء الجهاد الإسلامي العناية الكثيرة والدعم اللازم وخصصوا المزيد من الجهد المتكتل لاسترجاع القدس السليبة وجعلوا لها لجنة خاصة عهدوا برئاستها لجلالته فتحمل الأمانة وأدى الرسالة وعرف بالموضوع في جميع المجالات وخاطب بلسان الصدق من لهم الحل والعقد في المجالات السياسية والاجتماعية وأبلغ بلسان المؤمن كلمة المسلمين وقادتهم ليعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
 وبالأمس القريب والشعب الفلسطيني يعلن انتفاضته في أرض التحرير ومسرى الأنبياء ويواجه بطش الصهاينة البغاة يرتفع صوت الحسن الثاني لتجتمع من حوله لجنة القدس وإخوانه المسلمون في كل مكان، وهو يقول :(إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)  (محمد7) ويتحدث بلغة التحدي والصمود فيزيد الشعب المنتفض قوة وعزما ويبين مخاطر اعتداء المعتدين – ومن يناصرهم- ويذكر قادة العالم الآخر بأن مبدأ الحرية الذي رفعوا شعاره في الأزمات والمحافل أخطأ طريقه في معركة الشعب الفلسطيني بفعل تجاهلهم وتعاونهم مع المغتصب، وحث أمة الإسلام على مقابلة الجبروت بالتضحية المؤدية إلى النصر ولم يكن جلالته في كل ذلك ليخرج عن توجيهات القرآن وأمره إلى أمة الإسلام كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا أن الله لا يحب كل خوان كفور أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز ) (الحج 38-39-40).
 ومن باب تحصيل الحاصل أن أشير إلى أن جلالة الملك الحسن الثاني يجعل تقوى الله نصب عينه في كل ما يأتي وما يدر ويعتبر الخشوع والدعاء رابطة تقوي الدعم الإلهي مصداقا لقوله تعالى: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم)(الفرقان77) ومن عادته أن يردد قول الرسول صلى الله عليه وسلم:" إن الله يحب العبد الملحاح" فإنه حفظه الله أوصى في آخر اجتماع للجنة القدس المنعقد بيفرن، أن تقام صلاة الغائب يوم الجمعة في كل مساجد العالم الإسلامي تأكيدا للدعم المطلق لانتفاضة الشعب الفلسطيني في الوطن السليب، واعتمادا على قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إن لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة و أولئك هم الهتدون)(البقرة 153-157) ومن وراء هذا الاقتراح أن خير ما يستعين به المسلم على إجلاء المصائب وتخفيف آثارها الوقوف بين يدي الله في أحسن عبادة وأقربها من الخالق وهي الصلاة وبها يستمد عونه وهداه، واستجابت الأمة الإسلامية ووقفت وقفة ابتهال وتضرع وحسرة في وقت واحد بعد صلاة الجمعة فأدرك العالم كله أن المسلمين قد عرفوا طريقهم وعقدوا العزم على محو ما علق بهم من تراخ وتواكل وتذكروا قول قرآنهم المكنون:(ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم)(آل عمران 101).
 إن الحديث عن الحسن الثاني كرجل ملأ قلبه الإيمان وفتح الله بصيرته، لا يمكن أن ينحصر في صفحات أو يحيط بكل الجوانب فهو حفظه الله عاهد القرآن وتعهده فأنار سبيله وأتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما شاء وصدق فيه قوله تعالى:(يوتي الحكمة من يشاء ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا)(البقرة269) ولست في حاجة إلى الدليل على ما ذكرت وأمام العالم الإسلامي وغيره، مواقف الحسن المسلم وأهمها الدروس الرمضانية التي استقطبت بال الفكر الإسلامي في كل مكان وسعد بولوجها من أفاء الله عليهم بالعلم وحسن اللسان وشارك في إلقائها فطاحل العلم وعباقرة البيان. فكانت حلقات اجتهد محاضروها وعلماء الإسلام فيها ما وسعهم إدراك ليكونوا لرسالة الإسلام مدللين ولأهدافه ومراميه مبلغين رغبة في إعلاء كلمة الله وإرساء دعائم دعوته وصدق الله العظيم:(ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين)(فصلت 33).
 ويكفيه عناية بكتاب الله أن تجد في كل مسجد أو زاوية أو مدرسة عتيقة مجموعة من حفظة القرآن يتلون منه ما تيسر كل يوم بتوجيه وأمر من جلالة الملك الحسن الثاني الشاب الذي يؤخذ قدوة ومفخرة للشباب المسلم في كل مكان.
 مولاي إن اللسان يعجز والقلم يجف عندما يحاول أن يتجرأ بالحديث عن جلالتكم مهما كان الموضوع الذي يريد أن يرسمكم منه، وكيف وأن ما أردته يتعلق بأصالتكم الإسلامية وتربيتكم السامية  ونشأتكم الدينية وهي جوانب حاول غيري أن يطرقها فلم يستطع أن يفي الموضوع حقه ولكني التمست عذري من مناسبة عيد الشباب وذكرى مولدكم الميمون وأردت أن أخالف فلا أتحدث عن الحسن الثاني الوطني الغيور أو الفدائي أو الزعيم المحنك أو الشاب المقتدر بل جعلت موضوعي عقدا مرصعا بكتاب الله الذي قال فيه تبارك وتعالى:(الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء) (الزمر23) ووضعت من بين أصدافه نفحات عطرة من درر جدكم صلى الله عليه وسلم، وكلي أمل أن أكون قد وفيت بعض الواجب وخلدت ما أشعر به من فرح في الذكرى، أحياكم الله و أحيا بكم وخلد في المكرمات الخالدات ذكركم وأدام عليكم نعمة الصحة والعز والسؤدد وحفظكم في ولي عهدكم الأمير سيدي محمد و صنوه الأمير مولاي الرشيد وكافة الأسرة الملكية الكريمة وأدام بوجودكم الهناء والتحرير والتوحيد والحرية لشعبكم وبلدكم، وكل عام وأنتم بخير.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here