islamaumaroc

الرمز الخالد لسيادة المغرب ووحدته.

  محمد العثماني

270 العدد

إن المغرب ، لم يسبق أن فقد سيادته، وإن فقد استقلاله في ظروف خاصة، وإنه بفضل العرش بقي بمنأى عن أيدي العابثين بسيادة الشعوب ووحدتها...

لقد عجز الاحتلال الأجنبي سابقا ولاحقا أن يحول تاريخ المغرب عن مساره الذي خططه الإسلام منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا، وأن يغير وجهه الحضاري المشرق، وقد تعاقبت عليه أحداث وأهوال، ومرت به قرون-وهو على طولها- تزداد حضارته تألقا وروعة، ويزداد تاريخه شموخا ورسوخا لا تقوى على تهميشه وتقزيمه.
دار الزمان دورة بعد دورة، فسقطت ممالك وثلت عروش، واختفت أمجاد وآثار، ونجمت بدائل تمحو وتدمر لتجد مواقع لها في التاريخ، إلا هذا الوطن الذي كان وما زال جسرا يربط بين قارتين، ومعبرا للحضارة أخذا وعطاء، وليس معبرا لها فقط، بل هو مركز إشعاها الثابت، صدر إلى مختلف الأقطار عبر القرون علماء وفنانين وجغرافيين وفلاسفة في مختلف مجالات العقل.
الواقع أن المغرب،-بفضل العرش-لم يستطع أي غاز أو مؤثر خارجي أن يغير موقعه في التاريخ، ولا أن يسلبه سيادته وكيانه الدولي، وان فقد استقلاله حينا من الدهر، وهو- حتى في هذه الحالة الاستثنائية- محافظ على هويته الدولية ونظامه الإداري، وليس من الشعوب التي وجدها الاحتلال بلا هوية ولا نظام، أو بدون (البوصلة) التاريخية كما عبر جلالة الحسن الثاني منذ سنوات في ندوة صحافية وهو يحلل الفوارق بين شعب جاءه الاحتلال وله ماض وحضور دولي، وبين شعب وجده الاحتلال بلا نظام ولا حكم ذاتي استقلالي.
لذلك عجز الغزاة عن تركيع المغرب وجره إلى التنكر لتراثه وحضارته بفضل التفافه حول الرمز الخالد لسيادته ووحدته، وهو العرش الذي حمى للإسلام حضارته بهذه الديار، وأبقى على وحدة المغرب أرضا وإنسانا، وجهة ووجدانا، فلم يستطع أي غاز للحضارات أن يؤثر في عقيدته ولو حمل إليه من المذاهب المموهة بالتهاويل العلمية والصناعية ما يغري ويفتن الشعوب عن تراثها وأصالتها. لقد حاول الاستعمار في أوائل هذا القرن أن يعامل المغرب بما عامل به الشعوب الأخرى، وبالأخص الشعوب القائمة على القومية والثغرات الطائفية، ولكنه بهت أمام عظمة عرش وحضارة لم يقدر على صراعهما والتطاول عليهما، فسمى تدخله في المغرب بتاريخ 1912 حماية، أي حماية وحدة الشعب وسيادته التي تتمثل في مؤسسة العرش العليا.
لم يستطع أن يفعل غير ذلك، ولا أن يبرر تداخله إلا بحماية العرش الذي هو نفسه حام لسيادة المغرب ورمز لكيانه الدول، وما حدث بعد ذلك من المخالفات إنما هو نقض للعهود والمواثيق، وذلك ما فجر المواقف بين الشعب العريق والدولة التي كانت تسمى نفسها حامية متعاونة تؤطر المغرب وتؤهله للحياة المعاصرة.
لقد شرح مفهوم الحماية أول مقيم عام لفرنسا بالمغرب المارشال" ليوطي" الذي كانوا يسمونه آنذاك (خالق المغرب) فقال:
" إنها بلد يحتفظ بمؤسساته وحكومته وإدارته لنفسه، بأجهزته الخاصة، ولكن تحت إشراف بسيط لدولة أوربية تحل محله في التمثيل الخارجي، وتتولى بصورة عامة إدارة جيشه وماليته، وتقوده في طريق التطور.
كان العرش المغربي حاجزا لا يقهر أمام الغزاة والمستعمرين، فوقفوا دون أن يجعلوا المغرب إقليميا ملحقا بأوطانهم، أو مستعمرة منفصلة عن جذورها التاريخية والحضارية، أو ممزقا إلى طوائف على كل طائفة عميل، رئيس أو أمير، كما فعلوا في بلدان أخرى مزقوها شر ممزق، فزرعوا فيها وباء التفرقة وألغام الصراع، ثم يتحول الاستعمار إلى موقع جديد، وهو يتشفى ويضحك ساخرا من المجانين وهم يتصارعون ويتناحرون، فكانوا أشد عنفا وشراسة على أنفسهم وأبناء جنسهم من الاحتلال القديم والجديد.
لما فرضت الحماية على المغرب بتلك الصورة التي شرحها (ليوطي) ألغيت جميع المعاهدات التي كانت بين المغرب والدول الأجنبية، بحكم أن فرنسا هي المسئولة عن السياسة الخارجية للمغرب، ولكن أمريكا وحدها قد امتنعت من إلغاء المعاهدة المبرمة بينها وبين الدولة المغربية بتاريخ 1836م لأن المغرب في نظرها وفي الواقع لم يفقد سيادته، وبالتالي فلا يحق لفرنسا ولا غيرها أن تلغي الصفة الدولية عن بلد ذي سيادة كالمغرب، وبالأخص، فإن عقد الحماية ينص على سيادة السلطان واستمرار التنظيمات الإدارية للمملكة، فلا مشروعية قانونية لأي مرسوم لم يؤشر بتوقي السلطان، وأن مهمة الدولة الحامية تنحصر في التمثيل الخارجي وتطوير الحياة الإدارية والاقتصادية وتنظيم الجيش والشرطة وما إلى ذلك...
موقف أمريكا هذا ناشئ عن واقع ومفهوم من صميم القانون الدولي، فقد استمرت أمريكا تعتبر نفسها مرتبطة بآخر معاهدة بينها وبين السلطان المولى عبد الرحمان، وقد كان السلطان محمد الثالث أول من اعترف باستقلال الولايات المتحدة.
من أجل ذلك كان جلالة محمد الخامس رضوان الله عليه طلب الاجتماع مع روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأسبق سنة 1943 أثناء المؤتمر الشهير الذي عقده الحلفاء بأنفا، والحرب العالمية تقترب من نهايتها، وقد احتجت فرنسا بواسطة مقيمها العام بالمغرب على هذا الاستقبال الرسمي، ولكن الرئيس الأمريكي تجاهل احتجاج ممثل فرنسا التي لم تستكمل حريتها بعد من الاحتلال النازي، فكان وعد روزفلت المعروف بأن أمريكا سوف تعمل على إعادة الحرية إلى المغرب بعد انتصار الحلفاء، واندحار دول المحور.
لم آت بهذا الحديث التاريخي المعروف إلا لتأييد ما قلت آنفا بأن المغرب لم يسبق له أن فقد سيادته وأن فقد استقلاله في ظروف خاصة، وأنه بفضل العرش بقي بمنأى عن أيدي العابثين بسيادة الشعوب ووحدتها.
إن الاحتلال الأجنبي في كل زمان ومكان لا يفي بالوعود، ولا يحترم المواثيق والعهود، لذلك مارس الحكم المباشر لأول يوم من عهد الحماية، فخالف بذلك صك الحماية الذي أملى بنوده نصحا وروحا، فقاوم الشعب هذا الواقع من أول يوم، فقامت المعارك بينه وبين جيش الاحتلال في كل مكان، فلو كان هناك تنظيم موحد لما استطاع جيش الاحتلال أن يستمر في إخضاع القبائل طيلة23 عامـا، لقد استمـرت الثورات المسلحة في الأطلس المتوسط وفي الريف وقبائل تسول، وفي الأطلس الصغير حيث قبائل جزولة التي كانت آخر من قاوم الاحتلال، فلم تلق سلاح الدفاع والمقاومة إلا في سنة 1943 أي بعد توقيع عقد الحماية ب 22 سنة، وقبل الانتفاضة الشعبية الكبرى 18 سنة فقط.
في التاريخ شواهد على أن المقاومة المسلحة كانت من أول يوم لعهد الحماية، وأصدق شاهد ما سجله (ليوطي)نفسه في برقية رفعها إلى حكومته وهو كما وصل مدينة فاس لأول تعيينه مقيما عاما لفرنسا، وقائدا أعلى لجيوشها بالمغرب، تقول البرقية:" إنني أعسكر في مدينة محاصرة".
    واللهجة التي كتبت بها هذه البرقية تدل على الاستغاثة وطلب المدد إلى جانب منطوقها الذي لا يحتاج إلى توضيح.
اختصار معروف في برقيات الاستعجال، وكلمات ذات مدلول يترك أثرا عميقا في نفس المخاطب:" إنني أعسكر في مدينة محاصرة".
كأنه يقول:
- أغيثوني بمدد وقوة إضافية على استعجال.
- إن الشعب الذي غزوناه لم يقبل حمايتنا.
- إنه يقاوم ويقاوم، ولن يزال يقاوم

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here