islamaumaroc

دفتر مذكرات قبل 45 سنة

  قاسم الزهيري

270 العدد

 تعود بي الذاكرة – ونحن نحتفل بعيد الشباب- إلى الأربعينات حين كان جلالة الحسن الثاني أمد الله في عمره صبيا يتلقى تعليمه بالمعهد المولوي هو وشقيقه الأمير مولاي عبد الله رحمه الله وجماعة من الصبيان اختارهم جلالة محمد الخامس رضوان الله عليه من أباء الشعب، وكان يحرص بنفسه على تعليمهم وتربيتهم، حرصه على نشر التعليم وفتح المدارس والمعاهد لأبناء شعبه، كان يعتبر التعليم والتهذيب، ويردد ذلك في خطبه وتصريحاته، السبيل الأجدى لإنقاذ البلاد مما أصابها بالنهوض بها، فكان من أكد اهتماماته في الرحلات التي كان يقوم بها كل سنة ويختار جهة من جهات مملكته الأربع تدشين المدارس وإصلاح برامج التعليم وتجديد مناهج التربية الوطنية والدينية، وشرع في تقديم نجله الأبر سمو ولي العهد منذ نعومة أظافره لمساعدته في التبشير بأفكاره الإصلاحية هذه تدريبا له على ممارسة المسؤوليات وتوجيها لسموه في طريق الخير والفضيلة.
 كان محمد الخامس متألق الشباب متدفق الحيوية في الأربعينات حين نشبت الحرب العالمية الثانية وهزمت فرنسا في بدايتها، وإذا كانت ملامح عظمة الرجل قد بدت قبل ذلك،فإن الظروف لم تزدها إلا بروزا مع الأيام، حيث كان لهذه الحرب أثر بالغ في زيادة تعميق الوعي الوطني والتأهب لخوف المعارك حينما تتهيأ الفرصة، وكان للمبادئ التي أعلنها الحلفاء ولإعلان دستور الأطلسي سنة 1941 ثم لنشوء هيئة الأمم المتحدة واجتماع دورتها الأولى في سان فرانسيسكو كجزء من الحملة الدعائية ضد المحور، كان لكل ذلك صدى عميق في النفوس، فقوي الأمل في تحرير الشعوب من قبضة الدول الاستعمارية.
 وكان هذا الأمل أقوى ما يكون في نفس محمد الخامس المؤتمن على سيادة بلاده، وكان رحمه الله كالأسد المتأهب للذود عن حماه ضد كل من تسول له نفسه استباحته.
 قرر محمد الخامس خوض معركة الإصلاح الاجتماعي والتعليمي بصورة خاصة في ما شاهدناه ونستذكر بعضه المناسبة، وبما تجلت ملامحه بصورة أوضح مع تقادم العهد، نزل الساحة هو وأبناؤه وخاصة ولي عهده كمرحلة في درب الكفاح الطويل الشاق الذي خاضه في سبيل الحرية والكرامة.
 حتى تتضح الرؤية ويفهم تسلسل الأحداث، أستسمح بالتذكير بأن جريدة"المغرب" لمؤسسها الصحافي اللامع صديقي سعيد حجي رحمه الله كانت في تلك الظروف الجريدة اليومية العربية الوطنية الوحيدة التي كانت تصدر في داخل منطقتنا باستثناء الصحف التابعة لإدارة الحماية، إحداها بالعربية وأكثرها بالفرنسية، وكانت تغطي الأحداث الوطنية وفي طليعتها أنباء القصر الملكي، عملت فيها محررا منذ البداية، بعد اتفاق سابق أن أتسلم إدارتها في مدة أقصاها 1942 على أن يبقى لمؤسسها الإشراف وينصرف إلى مشاريع أخرى كان بصدد إعدادها منها مطيعة عصرية كبرى ودار للنشر والترجمة وإصدار كتب التراث الخ... لكن القدر لم يمهل سعيد حجي فلبى داعي ربه يوم 2 مارس1942، وتوليت إدارة الجريدة من بعده مخاطبا روحه في الافتتاحية الأولى قائلا:" هذا مقال كنت أود أن تكتبه لتقدمني إلى قراء صحيفتك، وكان بودي أنا كذلك أن أحظى بهذا التقديم. لقد كان في عزمك أن تسلمني إدارة هذه الجريدة حينما كنت في أتم عافية، وكانت آمالك في الحياة لا تحد وطموحك لا تعرف توقفا، على أن تبقى مشرفا تدبر الأمور من أعلى ويتسنى أن تختط مشاريع جديدة تخدم بها مصلحة بلادك. لطالما دفعتني إلى ميدان العمل راجيا أن أصبح ساعدك الأيمن، ولكنها الأقدار تفعل ما تشاء، تم الاتفاق بيننا على أن يكون موعد تسليمي إدارة الجريدة يوم 15 مارس1942 ولم يكن بالحسبان أن ظروفا أليمة ستجعلني أخلفك فأتقدم بنفسي إلى القراء، ولكن الله اختارك لجواره فلا مناص من قضاء الله(1).
 سبق أن أولى جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله عناية خاصة بإصلاح التعليم في جامعة القرويين في غضون سنة 1940 وما بعدها، وتبارى الأساتذة والطلبة في تقديم دراسات قيمة في الموضوع رددت"المغرب" صداها وأجرت حوارات بشأنها. ونجتزئ هنا بقصاصة من مقال قيم طويل كتبه المرحوم العلامة مفتي سلا إذ ذاك السيد أبو بكر زنيبر تحت عنوان" بأيهما أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟" وهي كلمة قالها الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر كاتب المقال في شأنها:" لقد تمثلت بهذه الجملة من كلامه صلى الله عليه وسلم لما فاجأنا مولانا الإمام المنصور بالله بحادثين عظيمين في تاريخ المغرب الأقصى وهو ابتداؤه بإصلاح لكل من العدلية الشرعية وإدارة العلوم الدينية الإسلامية بمعهد القرويين في آن واحد، الشيء الذي لم يكن يخطر ببالنا انتهاز الفرصة فيه دفعة واحدة، ولكن هي الهمم قد نقل الحديد وتفتت الصخر وتصير المستحيل عادة مقدورا والمتعذر متيسرا. وما على مثل همم هؤلاء الملوك شيء بعزيز(2).
 كما نذكر بالتقرير الذي قدمه طلبة القرويين يشرحون فيه آراءهم في الإصلاح وتعليقنا عليه في افتتاحية(3) ثم الحوار الذي دار بيني وبين أخي الأستاذ إدريس الكتاني على أعمدة الجريدة في هذا الموضوع(4).
 والشيء بالشيء يذكر ما دمنا نتحدث عن جامعة القرويين... فلتخط بعض الوقت لنذكر بالزيادة الرسمية التي قام بها جلالة محمد الخامس محفوظا بنجله الكريم سمو ولي العهد في يونيو1943 إلى فاس متعمدا زيارة الجامعة إبان الاختبارات، وقد ذهبت في ركابه لتغطية الحدث. فزار رحمه الله جامعة القرويين على حين غرة بينما كانت الامتحانات تجرى في مختلف أقسامها واطلع على المواضيع المقترحة وعلى سير الاختبارات، وقصد الخزانة وخاصة قسم المخطوطات، وقاعة المطالعة ومقر المجلس العلمي. وما كاد يتسامع الناس بمقدم جلالته حتى غصت جامعة القرويين بالجماهير مكبرة محيية. وفي اليوم التالي دشن محمد الخامس رحمه الله خزانة القرويين ومركز المجلس العلمي ومدرسة مولاي الحسن بينما ألقى سمو ولي العهد خطايا وسط الطلبة في هذه المدرسة التي أبدى الرجاء فيه:" أن تكون الحجرة الأولى في هيكل الإصلاح العظيم الذي يحاول به الجناب الشريف في عهد إصلاح حقيقي يخرجها من الظلمات إلى النور، من الهوان إلى العز، من الجهل العميق إلى العلم الحقيقي الذي يسمو بالأمم إلى أعلى مدارج الكمال(5).
 ولم يقتصر اهتمام محمد الخامس على التعليم الأصيل، بل شمل كذلك التعليم العصري، حيث زار في النصف الثاني من سنة1941 مدرسة أبناء الأعيان رفقة سمو ولي العهد زيارة رسمية وأنصت في بعض أقسامها إلى إلقاء دروس في اللغة العربية ثم طلب من الفقيه المرحوم محمد أقصبي أن يمتحن بعض التلاميذ، وأنصت إلى ترتيل آيات من كتاب الله. ويعد ما استفسر عن الوقت المخصص للقرآن والعربية حيث المعلمين والطلاب على الاستزادة من الاهتمام بالذكر الحكيم ولغة الضاد، وقام جلالته بزيارة مماثلة رفقة سمو ولي العهد إلى المدرسة المهنية حيث شهد فقيها يلقن التلاميذ أحكام الوضوء، وتجول في أقسام النجارة والحدادة وفتل القنب، وأخيرا اختتم جلالته بمعية ولي العهد برنامج الدراسات ليتفقد جمعية قدماء المدرسة الإدريسية، وقد سبق لجلالته أن قرر في رحلة السنة الماضية جعلها جمعية ذات مصلحة عامة مما سهل عليها جمع التبرعات للقيام بمنجزات اجتماعية، وبعد الاطلاع على ما قامت به هذه المؤسسة تبرع جلالته بصلة سنية تشجيعا لها.
 والرحلة إلى فاس تذكرنا بالرحلة الملكية إلى مكناس في منتصف 1941 حيث تفقد مدارسها ثم إلى مراكش وناحيتها والتي رافقنا جلالته وسمو ولي العهد في غضونها وغطينا وقائعها بالكامل، كما كتبت افتتاحيات عن عاصمة الجنوب. فقد أفردت مراكش لجلالته استقبالا حارا وأدى فريضة الجمعة في مسجد الكتبيين وزار كتاتيب المدينة رفقة سمو ولي العهد ثم جامعة ابن يوسف حيث ألقى سموه خطابا في الطلبة أوضح فيه عناية جلالة والده بالتعليم وما يبذله من جهود ورعاية للمستقبل الثقافي للمغرب، كما أعلن أنه غادر المدرسة المولوية ليجتمع بزملائه الطلبة المراكشيين ثم حث الطلبة ليكونوا عند حسن ظن الملك بهم فينتفع بهم وطنهم المفدى، وزار العاهل الكريم محفوفا بسمو ولي العهد وسمو الأمير مولاي عبد الله تملالت حيث تفقد معهدها العلمي (6).
وفي ربيع سنة 1943 قام صاحب السمو الملكي. ولي العهد بزيارة لنادي سلا الأدبي تلبية لمجلس إدارته النشيط وتقديرا للأعمال الثقافية التي كان يؤديها منذ عدة سنوات. وجاءت هذه الزيارة بمناسبة عيد الشباب الذي كان يصادف آنذاك فصل الربيع من كل سنة، فكان يوما مشهودا احتفلت به مدينة أبي رقراق عن بكرة أبيها، وبهذه المناسبة قيلت قصائد وكلما تشع عاطفة وإخلاصا للعرش رمز السيادة وفيما يلي(7) ندرج القصيدة التي قالها بالمناسبة الأستاذ محمد الناصري نجل المؤرخ الشهير أحمد بن خالد الناصري صاحب الاستقصا:
 عش للشباب فداك الروح والجسد      يا عاهلا بك هذا النشء قد سعدوا
 علتهم بسمة الإخلاص وانشرحت      صدورهم ثم أمست صدورهم غرد
 لما أتيت إليهــم معلنـا لهــم             عواطفا شع منها النصح والرشـد
 تبغي اتصالا بهم حتى تقــودهم         إلى النهـوض بعـزم ماله نقــد
 تحنوا عليهم وتأبى أن يظلوا            بــلا مشجع يتولى شكر ما قصـــدوا
 شرفتهم فانبروا يبدون ما كمنـوا        والحب نحمــد أحيانــا ويتقد
 قالوا: وقد عجبوا يرمى إلى غايـة     يرمي إليها أبــوه ذلك الولــد
 فقلت لا تعجبوا يا قوم فاعترضـوا     فقلت شبـل أبوه ذلك الأســد
 أبوك يبني صروح المجد في لهــف   وأنت تعلي وهــذا الشعب يعتمد
 رمز الشباب وفخر النشء يا حسن    أنا نريد نهوضها ما لــه أمــد
 آمالنا فيك لا تحمي وليس لهــا         حد وليس يعيها كلهـــا خلــد
 (نادى) الشباب غدا يهتز من طرب    تيها بما نالـه منكـم وما يجــد
 قوموا واهتفوا لعيش فخر الملوك     ومن حاز الخصال التي لم يحــوها أحد
 كذا سمو ولي العهــد قائــدنا           إلى الرقي بفــكر زانــه السدد
 في شهر يونيو من نفس السنة قام جلالة محمد الخامس طيب الله ثراه رفقة صاحب السمو الملكي ولي العهد برحلة رسمية إلى مكناس ثم فاس ثم وجدة وتاوريرت وكرسيف وتازة، وأسعفني الحظ بمرافقه جلالته فرأيت القلوب تفيض إحساسا والصدور تنبض حبا والشعب، بشيبه وشبابه، بشيوخه وأطفاله، بنسائه ورجاله، ملتفا حول ملكه وذلك ما صورته في مقال افتتاحي(8).ذكرت فيه أن عروقنا "إذ تنبض بالوفاء لشخص الملك إنما تنبض في الحقيقة  لوحدتنا المقدسة فتعبر أبلغ تعبير عما تختلج في ضمائرنا من وفاء وإخلاص لبلادنا وتطلع جدير بماضينا. لذا يجب أن نكون واثقين من مستقبلنا وثقتنا بالله".
 وفي كل مكان كان يقف جلالة محمد الخامس وسمو ولي العهد على المعاهد والمدارس، وفي خطاب سموه في مدرسة أبناء الأعيان بالعاصمة الإسماعيلية قال:
 " أبت علي أواصر الأخوة الدينية وعهود المحبة الواجب اتصالها بيننا أن ألازم الدروس المتكاثرة عند دنو الامتحان السنوي، بل تغلبت على كل واجب وجئت لزيارة تلامذة العاصمة الإسماعيلية لأحييهم ولو اختلاسا وأحمل إليهم شذا النصائح التي أرجو أن تحيي قلوبهم وتنير أفكارهم حتى تعود بالخير العميم على الدين والأمة والوطن بما يزهر نورها ويخصب بحول الله بذورها". وزاد سموه قائلا:
" إن سلفنا المقدس كان بالعلم مجليا في ميدان الحضارة والعرفان وأن علمائنا يضرب بهم المثل في علوم اللسان والأديان والأبدان فهدوا لطرق التقدم، فهل يجمل بنا أن نفتخر بهم إذا لم نقتف أثرهم في الجد والاجتهاد وتحصيل أسباب سعادة العباد وتيسير وسائل الرقي بالبلاد؟ ذلك ما يرجوه منكم سيدنا المنصور وينتظر من هممكم".
 في نهاية سنة 1943 الدراسية أقام جلالة، محمد الخامس رحمه الله حفلة توزيع الجوائز على تلاميذ المدرسة المولوية، وانتهزها مناسبة للاحتفال بجميع الطلبة والتلاميذ الناجحين في اختبارات التخريج من القرويين والمدارس الثانوية العربية والفرنسية حيث دعاهم إلى رحاب القصر من مختلف مدن المملكة وقُراها وضم إليهم أعضاء جمعيات قدماء التلاميذ كما دعا العلماء وكبار الشخصيات وجال المخزن، (الحكومة) والسلطة، فكانت تظاهرة لم يسبق لها نظير في ضرورة العناية بتعليم الناشئة أثبتنا وقائعها(9)، وكان جلالته محفوفا بنجليه الكريمين وبسمو الأميرة عائشة وقبل توزيع الجوائز ألقى سمو ولي العهد خطابا ركز فيه على مزايا تحصيل اللغات:" مع كثرة الفنون التي نتلقاها في اللغات الثلاث التي نتعلمها في آن واحد أمكننا بفضل جهود معلمينا المتواصلة أن نستبين القصد الذي حاول إدراكه، بدلنا كل جهودنا لنميز خصائص كل لغة من اللغات الثلاث: العربية والفرنسية واللاتنية... والأمل أن نزيد عليها لغة رابعة في السنة الآتية، وهي اللغة الانجليزية... وكلما أمكننا أن نتقدم في تعلمها، يسهل أن نشرف عليها عن كثب... وستكون هذه النتيجة أحسن ما يفتخر به المعهد السلطاني إذا أمكنه أ، يشارك في إنشاء برامج التعليم العمومي بتجريب الطرق المختلفة واستعمال أحسنها في كل المدارس المغربية التي يلقن فيها التعليم المزدوج". ثم وجه سموه الخطاب لأساتذته قائلا:" إن آيات الشكران التي تكنها أفئدتنا لكم، لا تزال تقوى كلما نمت أجسامنا، فعقولنا تدرك بنموها كل ما تبذلونه من الجهود لتتعهدوا ثقافتنا وتخرجوا منا تلامذة أكفاء أن يكونوا رجال غد وعمل ينتفعون وينفعون.
وبعد أيام قليلة شخص سمو ولي العهد بنفسه إلى مدرسة محمد جسوس في موكب رسمي ليترأس حفلة توزيع الجوائز بجانب مديرها الأستاذ الحاج أحمد بلا فرج شفاه الله، والجدير بالذكر أن المدرسة التي أنشأت سنة 1935 كانت من المدارس الرائدة النموذجية التي أخرجت خلال ثلاث وخمسين سنة أفواجا من الطلاب الذي كان لهم دور في شتى مجالات الحياة العمومية والأعمال الخاصة، وما يزال عطاؤها سخيا، وقد سبق أن قمت بتحقيق عن مساهمتها في إعداد رجال الغد مع مؤسسها(10).
 لم يفتأ جلالة الملك محمد الخامس وسمو ولي عهده يؤسسان معاهد التعليم في شتى ربوع المملكة، بكد ومثابرة، من ذلك تدشين جلالته لمدرسة العالم سيدي محمد بن عبد الله العلوي في الدار البيضاء، وتدشين مدرسة الأمير مولاي عبد الحسن بفاس وفتح مدرسة قرآنية على أحدث طراز في العاصمة العلمية. وقد روت" المغرب" تفاصيل هذه الأحداث المتتابعة، وتجدر الإشارة بالمناسبة إلى بعض الفقرات الواردة في خطاب سمو ولي العهد بمناسبة تدشين مدرسة الأمير مولاي عبد الله لما تبينه من أهداف العاهل الكريم من وراء منجزاته التعليمية، قال سموه (11).
" جعل –نصره الله – مهمة نشر العلم وتكثير سواد المتعلمتين بأيالته من آكد الواجبات وأجل المهمات. فهو أعزه الله يصرف أكثر أوقاته في الاهتمام بشؤون التعليم، وذلك بتأسيس المدارس الجديدة وتوسيع نطاق المدارس الموجودة القديمة والسعي وراء إصلاح برامج التعليم بالمعاهد العتيقة والحديثة، وأن عنايته لا تخص نوعا من المدارس دون نوع، فكما يهتم بالمدارس الحديثة التي تهيئ شباب المغرب لتعاطي الدراسات العليا بكليات الآداب والعلوم والطب وغيرها، إذ المغرب في حاجة إلى الأطباء والمهندسين والأساتذة، فهو في حاجة كذلك إلى الفقهاء والأدباء، لكن يجب أن ترتكز كل الدراسات كيفما كان أمرها على أساس اللغة العربية إذ بالمحافظة عليها، نحافظ على كل مقوماتنا ومميزاتنا الخاصة، فلذلك كان اهتمام مولانا المنصور بالله بالمعاهد التي تحافظ على الثقافة الإسلامية كبيرا، وعلى رأس هذه المعاهد جامعة القرويين التي أخذ سيدنا على عاتقه أمر إصلاحها وتسهيل الإقبال عليها... وأيضا جامعة ابن يوسف التي لا يقل اعتناء سيدنا بها عن اعتنائه بالجامعة القروية".
 وقد توج جلالة الملك المنعم محمد الخامس حملته التعليمية بدعوة حارة في حفلات عيد الفطر عام 1362 التي أقامها بالقصر الملكي لتعليم الفتاة المغربية مما أشارت إليه في افتتاحية تحت عنوان"عيد العلم"(12) و مما جاء في هذا المقال:" اكتسى عيد الفطر صبغة خاصة استحق معها أن نسميه العيد العلم، فلم تقتصر أيامه على إقامة الأفراح التقليدية... بل لأول مرة شاهدنا عيدا ينصرف انصرافا جديا ويكون هذا الانصراف نحو العلم بصفة عامة ونحو تعليم الفتاة المغربية بصفة خاصة، حيث نصب جلالة الملك نفسه داعية بين المهنئين من رعاياه المخلصين وحمل راية العلم بين أقوامه مناضلا عنها منافحا عن حوزتها بلسانه وسديد رأيه...فراح يقنع الوفود من أنحاء مملكته بتعليم الفتيات وتهذيبهن بحيث يصبحن خير رفيقات لبعولتهن وخير مربيات لأطفالهن وأحسن خادمات لوطنهن".
خمس وأربعون سنة مرت على هذه الدعوة... وعلى هذه المنجزات التي سجلت من بين أعمال محمد الخامس رحمه الله، وساهم فيها وارث سره وهو في معية الشباب جلالة الحسن الثاني أطال الله بقاءه، لئن كان أصبح من المألوف اليوم فتح مئات المدارس العمومية والخاصة والمعاهد التخصصية في كل سنة، فالحال غير ما كانت عليه في عهد الحماية مما يعزب عن علم الجيل الذي رأى النور في عهد الاستقلال فلقد كان الإدارة الاستعمارية قبل نصف قرن تنهج سياسة التجهيل مستهدفة استبعاد المغاربة عن سبيل المعرفة والتكوين لدرجة أن أحد مديري التعليم إذ ذاك أعلن صراحة:" ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا أننا إنما نستهدف تكوين أعوان لإدارة إسلامية بحتة، ولا نريد مطلقا تكوين الأهالي للوظائف التي تناسب الفرنسيين.
 لقد كان المغرب في تلك الظروف في أمس الحاجة إلى من يحيط هذا المخطط... مثلما كان في أشد الحاجة إلى من يفشل المخططات الاستعمارية الأخرى... مستهينا بالقوة الغاشمة. مضحيا بكل شيء، مؤمنا بقدر الله، موقنا بمطامح هذا الشعب، متجاوبا معها... فكان ما كان مما وعته ذاكرة التاريخ.


1) جريدة"المغرب" عدد 979 تاريخ 16/6/1942
2) جريدة المغرب عدد346 تاريخ 4/2/1940.
3) جريدة المغرب عدد 715 و716
4) جريدة المغرب عدد 738 و771 و 775.
5)جريدة المغرب عدد 1267 و 1268 و 1281
6) جريدة المغرب عدد 947 و950 و 951 و 952 و 956 و 960 و 961.
7) جريدة المغرب عدد 1202 بتاريخ 1/4/1949
8) جريدة المغرب عدد 1283 بتاريخ 3/7/1943.
9) جريدة المغرب عدد 1287 بتاريخ 13/7/1943.
10) جريدة المغرب عدد 1356 بتاريخ 20/10/1943.
11) جريدة المغرب عدد 1322 بتاريخ 31/8/1943
12) جريدة المغرب عدد 1349  بتاريخ 12/10/1943

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here