islamaumaroc

مع الأستاذ سعيد أعراب في كتابه الجديد "مع أبي بكر ابن العربي".

  عمر الجيدي

270 العدد

تلقيت بامتنان من أستاذي الجليل سيدي سعيد أعراب كتابه الجديد عن القاضي أبي بكر ابن العربي، وقبله كان قد أهدى إلى – حفظه الله- الأجزاء التي حققها من كتابي: (التمهيد) للحافظ ابن عبد البر، (وترتيب المدارك) للقاضي عياض...
وقد كنت عقدت العزم آنئذ على إبداء الشكر والتنويه بالجهد الكبير الذي يبذله أستاذنا في ميدان البحث في التراث، وما يتجشمه من عناء في سبيل إخراجه إلى القارئ العربي، وهو على أتم ما يكون من الدقة والتمحيص، سواء على مستوى الخطة، أم المنهج، أم التناول، ولكنني كنت دائما – كلما هممت – أتهيب الكتابة، فرجل مثل الأستاذ سعيد أعراب بأخلاقه العالية، وبمستواه العلمي الرفيع، يتهيب الكتابة عنه عالم جهبذ في مستواه، فكيف بمن هو مثلي: قلة في العلم، وضحالة في التفكير، غير أن الذي شجعني على رسم هذه الكلمات القصار، هو ما أعرفه في الرجل من سلامة في الطوية، وسماحة في الطبع، ونبل في الأخلاق، وإن كنت أعرف سلفا أنه سينفعل عندما يقرأ هذه السطور، لأنه، وكما أعرفه، يوثر البقاء بعيدا عن الأضواء، ويفضل أن يعمل في هدوء، وتلك صفة الفضلاء...إن ما يمتاز به أستاذنا سعيد أعراب من سجايا حميدة،يجعل المرء في حيرة من أمره، هل يقتحم الصعب، ويجازف بالقول، ويظهر الإعجاب؟ أم يخفي ذلك في نفسه، ويلوذ بالصمت، تاركا الرجل وشأنه...
لقد جمع الله لهذا الرجل العلم والتواضع والتقوى والصلاح، وكره إليه التظاهر والتفاخر والرياء... ديونه على أن يشغل وقته بما ينفع ويفيد، منقطعا إلى العلم، متفرغا له، عاكفا عليه، أتاه الله من الصبر على البحث والقراءة، ما لم يوته إلا القلائل أمثاله، يتحرى الدقة فيما يكتب، ويلتزم بالمنهج العلمي الصارم يطبقه في ميدان البحث تحقيقا وتأليفا، لا يمل من الكتابة، ولا يفتر عن القراءة، يبذل النصح لمن استنصحه، يشجع المترددين، ويوجه الحائرين، ويأخذ بأيدي المبتدئين، تزوره في بيته، فيعطيك من علمه وطعامه، ويفرح كلما شعر أنه أفاد مما أفاء الله عليه من علم، ويشعر بالرضا والسرور عندما يرى طلابه وعار فيه، قد أنجزوا عملا يفيد العلم، ويخدم البحث، ولقد غدا منزله في السنوات الأخيرة موئلا لطلاب العلم وعشاق المعرفة، يستقبل أفواجا ممن يهيئون أبحاثهم ورسائلهم، يسترشدون في ذلك برأيه وعلمه، ويستفيدون من خبرته وتجربته، ويستعينون بتوجيهاته ونصائحه، كل ذلك وهو منشرح الصدر، عريض الابتسامة، طلق المحيا، ما علمت أنه تغير يوما في سلوكه وطبعه، على كثرة زيارتي له، الوجه الذي يقابلك به اليوم، هو الذي يقابلك به الغد، لا يبخل بشيء، ولا يستأثر لنفسه بعلم، ورجل بهذه الصفات وهذه المواقف،  يجد المرء نفسه حتما في حرج، وهو يتحدث عنه، إنه أجل من أن يختصر في سطور ذات كلمات...
أنا لا أريد أن أدون سيرة هذا الطود الشامخ، فذاك شيء يبقى الآن فوق مطمحي، وأبعد من طاقتي، وفي العزم إنشاء الله أن أفعل مستقبلا، لأنني بحكم مخالطتي إياه، وأخذ العلم عنه، أزعم أن لي معرفة به، تخولني فعل ذلك ، وحسبي هنا أن أبرز بعض الجهد الذي بدله في تحقيق التراث – وما يزال-، قبل أن أخلص إلى الحديث عن كتابه الجديد...
لقد حقق أستاذنا لحد كتابة هذه السطور- على ما أذكر- المصنفات الآتية:
1) ديوان الربيع.
2)الجزء الرابع من أزهار الرياض بالاشتراك مع الأستاذ محمد بن تاويت.
3) الجزء الخامس من أزهار الرياض بالاشتراك مع الدكتور عبد السلام الهراس 
4) كتاب المقصد الشريف والمنزع اللطيف للبادسي.
5) درر السمط في خبر البسط لابن الآبار بالاشتراك مع الدكتور عبد السلام الهراس.
6) الجزء 3 من العيار للونشريسي.
7)الأجزاء 2+7+14 من البيان والتحصيل لابن رشد وفهرسه بالاشتراك مع الدكتور محمد حجي.
8)الأجزاء:6+7+8 من ترتيب المدارك للقاضي عياض.
9) الأجزاء: 4+5+6+10+12+13+14+15+16+18+19 من التمهيد لابن عبد البر، والجزء17 بالاشتراك مع الأستاذ محمد بوخبزة، ولا يزال يشتغل بما تبقى من هذه الموسوعة الحديثة الجليلة القدر.
10) الجزء الأول من أحكام القرآن(الصغرى) لأبي بكر ابن العربي... ويغلب على الظن أنه فاتني بعض ما حقق...
على أن أستاذنا أعراب لا يشغل وقته فقط بتحقيق التراث، بل يجمع إلى ذلك كثيرا من الاهتمامات، فبالإضافة إلى الإنتاج الضخم الذي نهض بتحقيقه، قام بإنجاز أبحاث جادة ونافعة نشر منها القليل في المجلات المتخصصة" ويحتفظ منها بالكثير... قلت له مرة وأنا بمنزله: هلا نشرتم ما تحتفظون به من أبحاث تتصل بتاريخ المغرب وحضارته؟ فأجابني- والحسرة تملأ قلبه- يلزمني لذلك، بيع منزلي لتغطية مصاريف الطبع... ومع هذا الاهتمام المتعدد الجوانب، إلا أنه يوثر التعامل مع التراث أكثر، قال لي مرة: لن يرتاح لي بال حتى أرى كتابين قد نشرا وأخرجا للناس: التمهيد لابن عبد البر، والبيان والتحصيل لابن رشد، وها قد حقق الله رجاءه، واستجاب لرجائه...
"مع القاضي أبي بكر ابن العربي"
ابن العربي من العقول الكبيرة في الفكر المغربي، استطاع أن يجادل كبار العلماء، ويناقش أفكارهم وآراءهم، وينازل الفلاسفة وأتباع الملل والنحل، كما استطاع أوتي من علم وسعة اطلاع، أن يشهر ويضعف ويقبل ويرد، ويختار لنفسه، بل ويرقى به قلمه إلى أئمة المذاهب يرد عليهم بقوة الحجة، وبما بان له من رجاحة الدليل، ومن يقرأ كتبه يراه فيها يصول ويجول، ويجهد الفحول، تسعفه في ذلك بلاغة أسلوبه، وسعة اطلاعه، وقوة عارضته، وتجره في كثير من مجالات العلم وجوانب المعرفة، فهو فقيه محدث مفسر أديب لغوي...
ومن ثم فهو جدير بأن يعرف به وبإنتاجه، وإبراز الجهد الذي بذله في سبيل خدمة العلم ونشره تدريا وتأليفا، ولقد وفق شيخنا كل التوفيق إذ قام بهذه المهمة الجليلة، واختار هذه الشخصية الفذة موضوعا لكتابه... لقد سار أستاذنا أعراب في دراسته لشخصية ابن العربي سيرا موفقا فاختار منهجا دقيقا، وحلل بأسلوبه الرائع بعض الجوانب الغامضة في حياة ابن العربي، وألقى الكثير من الأضواء على سيرته في مختلف أطوارها طفلا وشابا وكهلا...
هيكلة الكتــاب:
يقع كتاب" مع القاضي أبي بكر ابن العربي" في قسمين رئيسين: القسم الأول: خصصه للتعريف بالقاضي أبي بكر ابن العربي ويتضمن أربعة فصول تستغرق 180 صفحة، والقسم الثاني خصصه لتحقيق مختصر ترتيب الرحلة للترغيب في الملة، ويغطي44 صفحة تحدث المؤلف في الفصل الأولى عن نشأة ابن العربي وحياته التعليمية فضبط نسبه وأصله، والأماكن التي نزلت بها الأسرة المعافرية مستندا في ذلك إلى أقوال المؤرخين الثقة، ثم تحدث عن نشأته وتعليمه، مصورا بدايته التعليمية على يد والده وجمع من شيوخ بلده، مستعرضا المؤلفات التي درسها في بلده، والشيوخ الذين كانوا يتولون تدريسها قبل أن يرحل إلى المشرق، موردا السبب الذي دفعه إلى الهجرة صحبة والده، والبلدان التي مرا بها، والتي أقاما فيها، وما صادفه من خلال الرحلة من متاعب... وهكذا يذكر أنهما بدءا رحلتهما من اشبيلية إلى مالقة، ثم غرناطة فالمرية، ومنها إلى بجاية فبونة وسوسة والمهدية حتى وصلا إلى الإسكندرية فالقاهرة ومنها إلى القدس فدمشق فبغداد فالحجاز... وفي كل بلدة أقاما فيها كان ابن العربي( الابن) يأخذ عن الشيوخ، ويختلف إلى مجالس درسهم، وقد عدد منهم الكثير، واصف طريقتهم في التدريس، سواء عندما كان في بلاد المغرب العربي، أم في المشرق وأفاض في الحديث عن مجالس الدرس في العراق بصفة خاصة، على اعتبار أن هذا البلد كان مقصده بالأساس من جهة، ولطول إقامته به من جهة ثانية، وتعدد المشايخ به، وتنوع ثقافتهم، وعلو درجتهم العلمية من جهة ثالثة، واستطرد بذكر الحكايات والمغربات التي صادفها، والمشاهد التي شاهدها أثناء الرحلة، ولم يقتصر المؤلف في حديثه على الجانب العلمي والثقافي، ولكنه أضاف إلى ذلك إبراز الجانب السياسي من الرحلة، واتصالات ابن العربي برجالات الدولة في الشام وبغداد، مشيرا إلى الرسائل والمراسيم التي حملوه إياها، والدعاية التي كان يقوم بها في سبيل توحيد الخلافة الإسلامية، والنتائج التي أسفرت عنها الرحلة...
ثم ينتقل إلى الفصل الثاني الذي عنونه بعودة ابن العربي ووظائفه، وفيه يتحدث عن رجوع ابن العربي من المشرق وتوليه بعض المناصب في الدولة المرابطية، واتصالاته برجالاتها خاصة زعيمها يوسف بن تاشفين الذي استقبل ابن العربي استقبالا يليق بع كعالم فذ، وسفير موفق، فاختير لمنصب الشورى، ثم ولي بعد ذلك قضاء اشبيلية مسقط رأسه، وشارك في جهاد الصليبيين الذين بدأوا – إذذاك- يكتسحون أراضي الإسلام في عدة جهات من شرقي الأندلس، وأضحى الخطر الصليبي يتهدد الثغور إلا أن هذه الأمور ما كانت لتصرفه عن هدفه الأسمى وهو التدريس إذا التف حوله الطلبة من سائر جهات الأندلس، يأخذون عنه، ويستفيدون من عمله...
ويذكر المؤلف أن ابن العربي امتحن بنكبات نتيجة تشدده في أحكامه، والمعروف عن ابن العربي أنه كان متصلبا في مواقفه، صارما في أحكامه، ومن مظاهر هذه الصرامة: أنه اتخذ له" شرطا يتتبعون خطوات الشرايين، ويرقبون كل حركة أو بادرة من طرف السكارى والمخمورين"، كما كان يكسر آلات اللهو ويعاقب أصحابها عقوبات شنعاء، ويحلق شعر الغلمان ويعلنها عليهم حربا شعواء، وابن العربي نفسه يعترف بذلك فهو يقول:" وكنت أيام الحكم بين الناس أضرب وأحلق، وإنما كنت أفعل ذلك بمن يرى شعره عونا على المعصية، وطريقا إلى التجمل به في الفساد، وهذا هو الواجب في كل طريق إلى المعصية".
وهذا في ميدان الأحكام، أما في غير ذلك، فقد كان رفيقا بالضعفاء رحيما بالأرامل والمساكن على نحو ما يحدثنا عن نفسه قائلا:" وقد كنت في أعوام المجاعة أدعو الأغنياء والولاة إلى ذلك، فيأبون علي، لأن الله أبا عليهم أن يفلحوا، فكنت أرجع إلى تقدير الأغنياء والمساكين فآخذ من جملتهم قدر ما يمكن أن يلزمني على التقسيط فأضمهم إلى نفسي، وأجعلهم من معارفي".
كما يذكر أيضا "كنت بأَيلانَ في مجاعة سنة خمس أو ست وثلاثين وخمسمائة، وقد ضاقت الأرض برحبها على المساكين ومادت بعطفي شرقها وغربها على المحتاجين، فحشر إلينا زمر منهم وعمهم البلاد، وكنت بدار غربة في حال كربة، فرأيت أن الذي يلزمني واحد منهم، فأخذت اثنين، وكنت أقوتهم كل يوم رغيفين إلا أن تأتيني زائدة من فائدة، فيكون عليهم منها عائدة"...
ويشير المؤلف في هذا الفصل إلى بعض المشاريع والإصلاحات التي قام بها ابن العربي منها: بناء سور مدينة اشبيلية، الذي أنفق عليه من ماله الخاص، حتى إذا نفذ ما كان بيده، اغتنم فرصة عيد الأضحى فدعا الناس إلى التبرع بجلود أضحيتهم لإتمامه، ويسبب ذلك ثأر الحسدة عليه ودفعوا العامة إلى الشغب، وحرضوهم على التمرد والعصيان، وهاجموه في داره، ونهبوا كتبه وماله، وكادوا يفتكون به لولا تستره بحريمه،وهي من جملة النكبات التي أصابته(ص87).  
ويعزى ابن العربي موقف خصومه هذا إلى نفورهم من الحق، وعدم الخضوع لأحكام الشرع لا إلى ما ألزمهم به من النائبة، وتراه في ذلك يقول: ولقد حكمت بين الناس فألزمتهم الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على أهل الفسق الكرب، فتألبوا وألبوا، وثاروا إلي فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي أن لا يدفعوا عن داري، وخرجت إلى السطوح بنفسي فثاروا علي، ولولا ما سبق من حسن المقدار، لكنت قتيل الدار". ويظهر أن صلابته في تطبيق الأحكام هي التي عجلت بانصرافه عن القضاء بحيث لم يمض فيها إلا سنة وبضعة أشهر، وإن كان الدكتور حسين مؤنس يذكر أن الموحدين عزلوه لما أغضبهم بجوابه عن أخذ المهدي ابن تومرت عن الغزالي( انظر شيوخ العصر في الأندلس ص88).
بعد هذا ينتقل المؤلف إلى الفصل الثالث الذي يخصصه لذكر تلاميذه وأسرته ووفاته، ففيما يتصل بتلاميذه، استعرض منهم مائة وواحدا وعشرين تلميذا، كما تطرق إلى الحديث عن شهرة ابن العربي العلمية وموقف خصومه منه، والحديث عن أسرته وحفدته، ومكان وفاته... وينتقل بعد هذا إلى الفصل الرابع والأخير، ليخصصه لإنتاج ابن العربي العلمي فيستعرض من مؤلفاته اثنين وتسعين مؤلفا في مختلف مجالات المعرفة: فقها ولغة وتفسيرا وحديثا وأصولا وأربا، ولم يكتف فقط بسرد هذه المؤلفات، وإنما وقف طويلا عند بعضها يحللها تحليلا علميا بقصد تقريبها إلى ذاكرة القارئ، موضحا المنهج الذي سار عليه في تأليفه وقيمتها العلمية...
ثم يختم الدراسة بفهارس للموضوعات والأعلام والكتب والقبائل والشعوب والطوائف والبلدان والأماكن ومصادر التحقيق...
وأخيرا، فإن على قدر الكاتب يأتي الكتاب، وبما أن أستاذنا متمكن من علمه، لغة وأسلوبا وقواعد، فلا ننتظر مما كتب إلا أن يكون في الذروة والسنام، وجزى الله شيخنا على الجهد الذي يبذله خدمة للعلم ويديم النفع به.
بقيت الإشارة إلى أن الكتاب طبع في دار الغرب الإسلامي بيروت 1987 ومعظم فصوله سبق نشرها في مجلة دعوة الحق الغراء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here