islamaumaroc

بمناسبة افتتاح المجلس الأعلى للماء تحت الرئاسة الفعلية لجلالة الملك الحسن الثاني الاهتمام بالماء في التشريع المغربي.

  عبد الهادي التازي

270 العدد

 وكما قلت فإن المغرب والولايات المتحدة هما البلدان الوحيدان اللذان يتوفران على المعطيات العلمية حول الماء، فإذا لم نتخذ من الآن التدابير اللازمة لاكتشاف الماء الذي لم نكتشفه بعد، ونقوم بتخزين الماء المتوفر لدينا سواء كان جوفيا أو سطحيا، ونبحث عن أحسن طريقة لاستعماله، فإن لم نفعل فسنكون مجرمين إلى أقصى ما يمكن الإجرام، لأننا ندرك أن أمامنا عشرين سنة للعثور على هذا الماء، وحتى نحافظ عليه ونخزنه ونستعمله أحسن استعمال، علما منا أن أمامنا عشرين سنة سجب أن نبدأ اليوم، إن لم نكن قد بدأنا أمس، مع العلم أننا سنصبح أربعين أو أزيد من أربعين مليون نسمة.
                                                                                    الحســن الثــاني.

ظل الاهتمام بالماء هدفا استراتيجيا لسائر الولاة الذين تعاقبوا على الحكم بالديار المغربية... ومن ثمت وجدناهم يعطون الأولوية – عند اختيارهم لعاصمتهم- لهذا العنصر الحيوي. فهم على هذا الأساس يخططون لبناء حكمهم واستقراره واستمراره.
 ولا بد أن نعيد إلى الذاكرة، في هذا الصدد، أن اختيار موقع العاصمة الإسلامية الأولى للمغرب في أول ربيع الأول 192-4 يناير 808 من لدن إدريس الثاني كان على أساس الماء... وأن الأمر كان كذلك بالنسبة للمدن في العهود السالفة...
 وقد تبعت هذا الاختيار، بطبيعة الحال، خطوة التفكير في توزيع الماء بالقسطاس والعدل على سائر المواطنين...
ومن هنا سمعنا الحديث عن شبكات الماء التي عرفتها مدينة فاس منذ عام 388= 998... وعرفتها مدينة مراكش(500=1106)...والرباط(545=1159) وجبل طارق(555=1160) وسبتة(580=1184)...
وقد ضربت الطبول وعزفت الموسيقى في أرجاء اشبيلية عام (580=1184) تكريما للمهندس المغربي الحاج يعيش الذي جلب الماء للمدينة من الخارج...
وقام لأول مرة في تاريخ الأندلس ببناء خزان للماء تبعه إنشاء قنوات توزع الماء على مختلف أطراف المدينة(1)...
 وإلى جانب هذه المنشآت الحضارية في المدن وجدنا أن الدولة تعمل على استغلال الأدوية والأنهار لصالح المزارع والمباقل والحقول المنتشرة التي تغذي المدن، ومن ثم توجه الاهتمام لاختراع العجلات والدواليب التي نصبها المهندسون المتخصصون على شواطئ الأدوية لرفع الماء بالغرافات إلى مستويات أعلى قصد تبليغه إلى الأماكن المحتاجة...
 وإذا كانت آثار هذه "النواعير" قد اختفت في بعض الجهات فإنه ما يزال في استطاعتنا، إلى حد الآن، أن نرى بقاياها في بعض المدن المغربية العتيقة...
 وبالرغم من أن مثل هذه الاحتياطات كان يؤمن وصول الماء إلى كل جهة إلا أن رغبة الإنسان الطبيعية في التوفر على نصيب أكثر من هذه المادة الحيوية جعل الحكام يفكرون في وضع أسس وسن قوانين يرجع إليها عند الفصل في القضايا التي تتصل بالماء...
 وقد وجد الحكام المغاربة هنا في تعاليم الإسلام الأولى ما يشجعهم فعلا على المضي في هذه المبادرة، لقد كان أول حكم صدر فيما يتعلق بتوزيع الماء هو الذي روى عن نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم بعد هجرته المعروفة من مكة إلى المدينة...
 ولا بد، ونحن نقرأ عن وجود وظيفة أمير الماء "في المشرق، ونحن نقرأ عن السجلات التي تضبط حقوق هذا الحقل وذلك البستان في الماء، لا بد أن نلتفت أيضا إلى ما كان يجري في المغرب الإسلامي.
 وهكذا سمعنا بمدينة فاس عن "أمين الماء وشيخ الماء ومولى الواد" كما قرأنا عن أهل فاس أنهم ظلوا يعتقدون طوال التاريخ أن لهم حق ملكية جميع مياه وادي فاس ابتداء من منبعه، منذ أن اشترى المولى إدريس أرض المدينة مع مائها من بني يرغش وزواغة...
 وهكذا أيضا وجدنا الخلافة في المغرب ممثلة في شخص عبد الرحمن الناصر من بني أمية الأندلس الذي كان عندئذ يشمل بحكمه ديار المغرب الأقصى، وجدناه- علاوة على ما قام به من مشاريع عمرانية في مدينة فاس- يقوم سنة318-930 بإنشاء محكمة خاصة بأراضي الري التي  تتصل بنهر توريا (TURIA): الذي يصب في المتوسط في إقليم بلنسية المعروف في المصادر العربية بفواكهه ومزروعاته، ووجدناه يحدث وظيفة أسماها حيان بن خلف (وكالة الساقية)...
                                                   ***
 وعلى ذكر محكمة المياه في بلنسية، لا بد أن لا ننسى أن نذكر أن أهل بلنسية الذين انتقلوا إلى المغرب في عهد الموحدين أيام السلطان عبد الواحد الرشيد، وهو الذي ملكهم مدينة الرباط بمقتضى ظهير بتاريخ21 شعبان 637 أولئك البلنسيون الذين أصبحوا رباطيين ظهرت هوايتهم الفلاحية في الحقول والسواني التي تملكوها فضبطو سقيها بوسائلهم الموروثة وما تزال إلى الآن ىثار قنوات السقي ظاهرة للعيان في بعض جهات الرباط إلى الآن...
 إن محكمة عبد الرحمة الناصر في بلنسية كما تصورها المصادر الإسبانية إنما تعطي فكرة عن جلسة من جلسات القاضي التي نعرف عنها في مختلف جهات العالم الإسلامي، أي أن يستمع القاضي إلى أطراف النزاع في القضية... ثم يصدر حكمه بعد أن يستوعب الحجج ويستمزج الآراء...
وهكذا نلاحظ أن تقاليد محكمة بلنسية تكتفي بالاحتفاظ بالمظهر والشكل الذي كانت تقوم عليه محكمة المياه في تلك االعصور وفي بعض النوازل المحدودة فقط...
 وكما نلاحظ أيضا أن محكمة بلنسية على شكلها الذي وصلنا الحديث عنه كانت تهتم بالتسويات الظرفية في رقعة معروفة المعالم، وفي فصول معينة محدودة الزمن.
 وكما نلاحظ كذلك أن محكمة بلنسية لا تصحبها وثائق أصيلة تتحدث عن المسطرة الجارية...كما  ولا تقدم لنا أسماء للقضاة الذين كانوا يفصلون في النوازل العارضة... فهل أن محكمة بلنسية هي كل ما في المنطقة من نماذج؟
 إن الوثائق المغربية تتحدث عن نماذج رائعة من تلك المحاكم المائية، فيها ما قرأنا عنه في مدينة اشبيلية وبياسة وغرناطة وجيان، وفي مدينة مراكش وتازة وقرطاج وفاس والقيروان وتلمسان... وفي صقلية كذلك.
 وهذه المحاكم التي تقدمها اليوم تتوفر على تقارير ووثائق مضبوطة تحدد النازلة بما يكتنفها من ظروف مكانية و زمانية كما أنها تدلنا على مصادر أصيلة لعلاج مشاكل السقي والسدود والقناطر...
 إن المحاكم التي نتعرف عليها اليوم تقدم لنا لائحة طويلة بأسماء بعض القضاة والفقهاء والأمناء والمحتسبين وشيوخ النظر الذين كانوا يفصلون في قضايا المياه، وهي بالإضافة إلى كل ذلك تقدم لنا صورا متعددة عن مختلف الوسائل التي كانت المحكمة تلجأ إليها والتي لا تقتصر على الاستماع إلى أقوال الشهود داخل القاعة، ولكنها تتعداها إلى وسائل عملية أكثر ديناميكية وفعالة...
 وقد تعددت مواضيع اهتمامات هذه المحاكم بحيث إننا نلاحظ أنها لا تقتصر على التسديد بين المتنازعين في قضايا السقي ولكنها تتدخل للحسم في القضايا ووضع قواعد صالحة للسير عليها...
 وقد كان في أول ما أثار الانتباه في هذه المحاكم أنها محاكم مفتوحة دائما ومتحركة باستمرار ومتجددة تترصد النازلة وظروفها ومضاعفاتها أينما كانت في الأندلس أو في بلاد المغرب، في المدينة أو القرية في السهل أو في الجبل.
 ومن مزايا هذه المحاكم أن القاضي في مدينة سبتة قد يفصل في قضية تعرض في فاس، والعكس صحيح... كما أن القاضي في القيروان قد يكون له رأي في نازلة تحل في غرناطة، فإنه يكفي الاطلاع على المحاضر التي تكون موثقة مضبوطة...
 وينبغي أن نذكر في صدر الذين أسهموا في إثراء الملف القاضي لمحكمة المياه، القاضي أبا الفضل عياض السبتي الذي وضعت بين يديه عشرة أسئلة كلها تتصل بشؤون سقي الجنات وإنشاء الأرحية...
 ويعتبر كذلك أبو عبد الله ابن الحاج من الفقهاء الأوائل الذين راج اسمهم بكثرة في كتب النوازل الخاصة بالفصل في قضايا الماء...
 كما أن الإمام البرجيني كان من القضاة الذين تولوا الحكم على الذين بنوا الساقية دون أن يعيروا انتباها لمصالح المارة ...!
 وفي حديثنا عن محاكم المياه وتوزيعها نرى من المناسب أن نشير إلى وثيقة في منتهى الأهمية، ويتعلق الأمر بشهادة عدلية صادرة عن: عبد الرحمن اللواتي وحسين بن علي الكندي وهي بتاريخ العشر الأواخر من جمادى الأولى عام 526 الموافق للعشر الأوائل من عام 1132 وهي تتعلق بحصة الماء في صقلية، وبالذات في الفحص الغربي من دينة"باليرم" وهي العين العروفة آنذاك بالمنافي(2).
                                                   ***
 ونرى من الفائدة أن نبدأ بالإشارة إلى نوع من المحاكم المائية التي لا تقتصر-كما قلنا- على سماع المتداعين سقف المحكمة، ولكنها تتجاوزها إلى تكوين لجان متخصصة وإرسال الخبراء والشهود إلى عين المكان تتبع منابع الماء... وضبط مالكه ومعارجه مستعينة في ذلك بإعطاء أعلام جغرافية للأمكنة والبقاع التي يمر منها الماء... حتى يمكن للقاضي أن يصدر حكمه في اطمئنان ضمير وراحة بال...
 لقد كانت تلك اللجان التحكيمية إلى العهد القريب تتكون من ستة عشر شخصا إلى ثمانية وعشرين عضوا برئاسة قاضي المسلمين.
 أمامنا محاكمة جرت أيام السلطان أبي سعيد الملك الخامس من دولة بني مرين(710-731=1311-1330) وهي تتناول النزاع بين أهل أرجان وأهل مزدغة من نظر مدينة صفرو وأحواز فاس حيث عمد الأعلون إلى قطع الماء على الأسفلين...
 وبصدد هذه القضية نتوفر على رسوم عدلية عديدة تصف النازلة كتابيا... ثم تأتي بعدها بآراء الفقهاء حول الموضوع:
 ويتضمن الرسم الأول: أن قاضي الجماعة بمدينة فاس أذن للجنة بالوقوف على عين الوادي المتنازع على السقي منه بين أهل أرجان وأهل مزدغة باعا باعا، وسدا سدا، ورحى رحى، وحقلا حقلا...(3).
 وقد أرخ هذا المحضر في العشر الوسطى لشهر ربيع الأول المبارك عام أحد وعشرين وسبعمائة= أواسط أبريل 1321.
 ويتضمن العقد الذيليه: المصادقة على تقرير اللجنة من لدن القاضي عبد الله بن أحمد بن محمد الأزدي ثم القاضي محمد بن محمد الصنهاجي.
 أما الرسم الثاني: وهو يحمل تاريخ العشر الأواخر لشهر جمادى الأولى عام ثمانية وأربعين وسبعمائة = أوائل شتنبر 1347...فيتضمن إذن قاضي الجماعة بفاس محمد بن عبد الرزاق الجزولي حول هذه المحاكمة التي يظهر أنها كانت من أهم وأدق المحاكمات لما أنها كانت تشمل مساحة شاسعة وتعني جمهورا كبيرا من الناس ورثوا –منذ عهد الدولة الموحدية(524-663=1129-1269) أعرافا وتقاليد لم تعد صالحة في عهد دولة بني مرين...
 وقد تضمن العقد الذي يلي هذا الرسم شهادة عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد الصنهاجي مصحوبة بمصادقة قاضي الجماعة بفاس: محمد بن محمد الصنهاجي.
 إن هذه القضية بما صاحبها من تعقيدات ضاعف تقادم الزمن وعدم انحصار عدد المتداعين من كبير وصغير وحاضر وغائب ونساء متزوجات وأرامل ومتوزع بين ولاية وأخرى، أقول ضاعف كل ذلك من مشاكلها وكانت تتطلب المزيد من الاستشارات.
 وهنا سجلنا ثروة جليلة من الفتاوى التي تظل دليلا قويا على الزاد العلمي الذي كان ينعم بع الفقهاء فيما يتصل خاصة بالفصل في قضايا المياه...
 هنا جوانب الفقيه أبي إبراهيم إسحاق بن يحيى الورياغلي، وجواب الفقيه أبي الفضل راشد الوليدي، وهنا جواب الفقيه أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الحق البالصوتي، وهناك كذلك جواب أبي الضياء مصباح الذي ورد توقيعه هكذا: محمد بن مصباح بن محمد بن عبد الله البالصوتي(4). وهناك جواب الفقيه أبي محمد عبد الله بن محمد بن موسى العبدوسي، وهناك جواب الفقيه أبي الربيع سليمان بن عبدون السويفي، وهناك جواب الفقيه أبي القاسم محمد بن عبد العزيز التازغدري... 
 أقول هناك آراء هؤلاء العلماء السبعة حول:"مسألة قوم لهم ماء عليه أريحة وجنات ومنازل على قديم الزمان لا يعلم كيف كان أوله لطول الزمان وانقراض الأجيال فأراد الأعلون قطعة على الأسفل".
 لقد كان على الفقهاء هناك أن يبحثوا عن الوثائق القديمة التي ترجع لعهد الموحدين حتى ينطقوا بحكمهم الصحيح على ما يقتضيه المذهب المالكي المتبع في المغرب.
 
                                                   ***
 وللزيادة في التوثيق والاحتياط وجدنا أن العدلين: يوسف الصنهاجي وعب السميع الوليدي يشهد أن على صحة خط بعض الفتاوى التي كانت تعتمد في الأساس على القضية التي أصبحت معروفة تحت اسم "سيل مهروز ومذنيب" وهي التي وقعت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم على ما قلنا في بداية هذا البحث.
 وقد أصبحت تلك القضية مرجعا أساسيا لقضاة محاكم المياه في العالم الإسلامي بل في بعض جهات أوربا التي تأثرت بالوجود الإسلامي على أراضيها على ما يفهم من المؤلف المعروف باسم"كتاب السداد والأنهار..."(5).
 إن الحق في استغلال الماء ليس دائما إلى جانب الأعلين كما يراه بعض القضاة، فإذا كان الأسفلون غرسوا قبل الأولين فليس من المقبول أن يحرموا من السقي ويقدم الأولون لمجرد أنهم أصبحوا أعلين!.
 وهكذا نقف على صورة حية من صور الفقه الصحيح الذي لا يقتصر رجاله على تطبيق النصوص بالحرف ولكنهم يحاولون أن يسترشدوا بروح النصوص وأهدافها البعيدة...
 إن النبي صلى الله عليه وسلم حكم للزبير لأنه كان أعلى... ولكن لهذا الحكم ظروفه الخاصة التي تقتضي أن لا يطبق على سائر الحالات على ما سنرى في واد فاس(6).
                                                   ***
 وقد شهد على فتوى عبد الله العبدوسي السالف الذكر بتاريخ 24 ربيع الأول824=21 مارس1421 محمد المليلي ومحمد بن عبد الله.
 كما شهد على فتوى التازغدري بتاريخ 29 جمادى الأولى 824= 1 يوليه 1421 جماعة من الموثقين: محمد المصباح ومحمد الكناني وأحمد الصباغ.
                                                   ***
 وقد كان من القضايا المائية الهامة التي أثيرت في مدينة تازة الشهيرة بمركزها الهام قسمة الماء المجلوب إلى المدينة حسب وثائق ومستندات ترجع إلى العهد القديم...
 وقد كان الشيخ الذي تولى الفصل في الموضوع هو أبو عمران موسى بن المعطي العبدوسي(ت776=1374-75)(7).
 لقد توجه إليه سؤال من مدينة تازة عن أهل زقاقين من أزقتها رفعوا إلى القاضي بالمدينة المذكورة قضية تتصل بشبكة الماء التي كانوا يستعملونها جميعا في مصالحهم...
 لقد ظهر من خلال البحث أن هناك عقودا قديمة تثبت اشتراء منبع الماء الآتي من مكان بعيد وأنه ليس لأحد فيه الحق سوى أهل موضع واحد لأهله الثلثان من الماء في كل يوم خميس من صلاة الصبح إلى صلاة العصر، وقادوس آخر لمسجد هناك في ذلك الموضع، خمسة أصابع منضمة، وسائر الماء مجلوب لبلدة تازة: لمساجدها وحماماتها وسقايتها وأجيابها ... وسيق الماء المذكور في ساقية إلى قرب سور البلد المذكور، وقسم من هناك على ثلاث سواقي: ساقية تسمى بجهة الرياض الكبير وما والاه، وساقية بجهة القصبة وما والاها، وساقية عظمى هي التي تشق البلد... إلى آخر السؤال الذي يشكو من إحداث ما لم يكن معروفا في قديم الزمان...
 وهناك نجد جملة من الآراء التي تجتهد في التصرف حسب ما تقتضيه المصلحة الآتية... وهكذا يتجلى أن الفصل في قضايا النزاع حول الماء ليس بالأمر الهين... وأنه يحتاج إلى إطلاع واسع ومشاركة شاملة في كل فروع المعرفة وخاصة منها فحص الوثائق وتمحيص تواريخها والعلم بالمواقع الجغرافية المتنازع بشأن الماء فيها علاوة على التمكن من النصوص الفقهية...
 وقد كان من القضايا التي اهتمت بها محاكم المياه في الغرب الإسلامي، علاوة على مسألة التوزيع العادل للماء، قضية لم نسمع بها في محكمة بلنسية، ويتعلق الأمر بعملية تنظيف الوادي مما يترسب فيه من تراب وما يعلق به من غثاء يعطل وظيفته وذلك حتى يزداد ماؤه لسقي الجهات التي تستفيد منه... ويتعلق الأمر بوادي مصمودة...
لقد كادت مدينة فاس أن تكون أغنى مدينة في العالم كله من حيث توفرها على الماء على ما يؤكده المراقب المدني كوسطو: COUSTAU لأن كل واحد من السكان يصل إلى أن يكون له 3000 ليتر في الثانية، بينما القدر الممنوح لكل واحد، من سكان المدن المحظوظة مثل روما ومرسيليا 1000 ليتر في الثانية، وهو يتراوح بين 150 إلى 250 ليتر في الثانية في المدن الكبرى مثل لندن أو باريس أو فيلا ديلفي.
 ومع ذلك فقد كان النزاع على الماء في أبرز ما عرض حومات المدينة للصراع والنزاع لقد كان لكل ناحية من نواحي فاس الثلاث فرع من الوادي يسقيها: فحومة اللمطيين تابعة لوادي الفجالين وناحية الأندلسيين تابعة لوادي الحامية وناحية العدوة تابعة لوادي مصمودة...
 إن هذه الفتاوي بما تشتمل عليه من تفصيلات واستطرادات، تكون مرجعا قضائيا هاما لكل الذين يهمهم أن يعرفوا عن محاكم المياه الخاصة، وهي-إذا طبقت- من شأنها أن تجعل حدا لكل الخصومات والنزاعات التي تشب حول العمل الجماعي الذي يتعين على الشركاء القيام به سواء عند الحاجة لترميم السدود والجسور المشتركة...
 ولقد وضعت القضية بين يدي القاضي أبي إسحاق ابراهيم اليزناسي الذي وجدناه يستأنس بمسألة وادي مهروز ومذنيب التي أشرنا إليها ...ولا يتردد اليزناسي في إثارة موضوع تدخل الدولة في أمر الانتفاع بماء العيون والأنهار التي ليست مملوكة لأحد...
 كما أنه لم يغفل الحديث عن أن الذي يعجز عن متابعة عمله فإن ذلك مما يوجب إخراجها من يده حتى لا تبقى عاطلة...
 وقد كان من اهتمامات محكمة المياه مراجعة الأحكام المتعارف عليها متى ظهر فيها حيف على حقوق المستضعفين من النساء والصغار وهكذا وجدنا أهل حصن شنتقروس يتوجهون إلى القاضي أبي عبد الله محمد بن علي ابن علاق الأندلسي الغرناطي (ت806=1403-104) حول رأيه فيما اتفق عليه رأيهم من الالتزام بأن يتم السقي على نوب معلومة بأخذه الأعلى فالأعلى من كل ساقية، فإذا أخذ الأعلى النوبة المتفق عليها بالساعات... وإذا تم عدد تلك الساعات بالسقي أرسل الماء إلى جاره الأسفل فيمسكه أيضا على قدر ما صار له من الساعات، فإذا تمت أرسله، هكذا واحدا بعد واحد إلى آخر السؤال.
 لقد تناولت أجوبة ابن علاق عددا من القضايا التي كانت من اختصاص محكمة المياه...
 وقد كان مما عالجته محكمة المياه ما يترتب مثلا على وفاة أحد الملاك مما يحدث تغييرا في خريطة التوزيع عندما لا يتصل الورثة إلى اتفاق فيما بينهم... كما أن من اختصاص هذه المحكمة ما يتصل بسرقة المياه التي كانت تعتبر من الجرائم الكبرى...
 وقد كان الهدف الأساسي للذين يعهد إليهم بالفصل في قضايا المياه هو الوصول إلى إرضاء الكل واقتناع الكل بضرورة تحمل الغرم بنفس المرونة التي يتقبلون بها الغنم... وهكذا فصلوا في أحداث الأرحية ورفع السدود، وتحويل مجاري المياه حسبما تقتضيه مصلحة الناس.
                                                   ***
 وقد كان مهام المحكمة أن تقارن وتفارق بين الحجج والمستندات...كما أنه كان عليها أن تعتمد على المبدأ الأصولي القائل بالالتجاء إلى ارتكاب أخف الضررين عند معارضة ضمان السقي لضمان مصلحة أخرى... ونذكر على سبيل المثال الاجتهادات التي كانت تعطي الأولوية لسقي الثمار قبل أن تعطيها لاستعمال الأريحة لأن النبات لا يتحمل الصبر بينما طحن الحبوب يمكن أن يؤجل لما بعد...
 وكثيرا ما كان الحكام في قضايا الماء يلجأون إلى القرعة للفصل بين المتنازعين حول أوقات السقي:الليل والنهار... إن فائدة السقي عند العصر غيرها عند الزوال مثلا...!
  وقد كان من المواضيع التي سمعنا عنها في محكمة المياه، موقف الشرع في تسليف أهل القرية لبعضهم من بعض حظه ليتمكن من إعداد أرضه على أن يسترجع حظه عندما تحتاج أرضه للسقي.
 ومن الطريف أن يحرص الفقهاء هنا أيضا على منع السلف الذي يجر المنفعة، وهو في هذه الحالة أن يسلف المرء نوبته لزميله في فصل الشتاء على أن يردها إليه في فصل الصيف...!
 ولقد أسهم فقهاء اشبيلية وجيان بدورهم في إثراء الفقه فيما يتصل بالنزاعات التي تتصل بالماء حيث سجلنا ظهور اسم أبي الوليد الباجي وأبي بكر بن الجد وابن رشد.
 ومن القضايا التي اهتمت بها محكمة المياه في غرب الحوض المتوسط ما ينبت على شاطئ للساقية مملوكة للغير من شجر... وهل أنه أي الحق يكون لصاحب الساقية باعتبار أن الشجر ناشئ عن الماء أم أنه لصاحب الأرض التي أنبتت الشجر...!
 ومن القضايا التي عرضت على محكمة الماء ما يتصل بحفر الجار بئرا على مقربة من بئر جاره فأثر ذلك على عطاء بئر الجار وسبب له نقصا في الرزق...
 وقد كان من القضايا التي عرضت على أنظار رجال القضاء استغلال الساقية للملاحة من لدن بعض الملاك الذي يتوفرون على مركز خاص... وهل من حق الوالي أن يتدخل في ضبط المسالك المائية على نحو ما يضبط المسالك البرية؟!
 وإن الظاهرة البارزة في هذه المحاكم أن في استطاعتها أن تصدر الحكم على خلاف ما ينتظره رجال الحكم، الأمر الذي يدل على استقلال القضاء...
 وقد ضمنت(محكمة المياه) حقوق أصحاب الساقية حتى في حال مغادرتهم الاضطرارية للمكان وهكذا وجدناها تطلب من والي الأمر أن يعوض أولئك المبدعين عن أوطانهم لسبب من الأسباب.
وقد كان من ذيول نوازل الساقية ما يتصل بالأضرار الناشئة عن الحمامات ودور الدبغ إلى آخر اللائحة الطويلة التي استخرجناها من كتب النوازل....
 ونرى-بهذه المناسبة –أن نشير للنوازل التي تحمل اسم المعيار المعرب، والجامع المغرب عن فتاوي أهل افريقية والأندلس والمغرب، وهي من تأليف أبي العباس أحمد الونشريسي(ت 914=1518) الذي نراه بفاس يجيب زميله أبا عبد الله محمد بن عبد الله المغيلي الذي كتب إليه من تلمسان حول ساقية أثارت جدلا بين الناس هناك.
                                                   ***
 من الوثائق التي تتعلق بتوزيع الماء:
 ومن أقدم الوثائق التي تتصل بتوزيع الماء في فاس، نجد هذه الوثيقة التي تعود لتاريخ سادس صفر845=26 يونيه1441 عهد آخر ملك من ملوك بني مرين...
 ويتعلق الأمر بوثيقة كانت عبارة عن قرار صدر عن المحكمة في شأن خصام بين أرباب الجنات وأرباب الأرحى حول توزيع ماء وادي مصمودة السالف الذكر...
 وهل تعطي الأسبقية للمنتجين للمادة الأولية أو للصناع الذين يستعملون هذه المادة؟ وتتضمن هذه الوثيقة كما كان الأمر بالنسبة للوثائق التي أشرنا إليها من قبل عددا من الأسماء التي كانت تسهم في محكمة المياه على هذا العهد...أمثال الصنهاجي والورياغلي واليزناسي والمغراوي، والموسوي والشافي، والزرهوني والعمراني وابن رحمون وابن إبراهيم(8).
 ونحن نعلم فعلا عما أثارته قضية هذا الوادي من نزاع أيام العهد السعدي، هذا النزاع الذي حكم فيه الشيخ عبد القادر الفاسي القادم على المدينة عام 1025=1616 من مدينة القصر الكبير،  والذي وجدناه يؤلف كتابا يحمل عنوان:" النتيجة المحمودة، في الرد على زاعم ملكية وادي مصمودة..."  وقد كان من الوثائق الحضارية التي تعالج الحكم في قضايا الماء تلك التي كتبت في عهد السلطان مولاي إسماعيل(9).وقد ابتدأت هكذا بعد الحمدلة:" سئل كتابه محمد العربي بن عبد السلام ابن إبراهيم، وختمت بهذه الكلمات :" وفي شهر رجب الفرد الحرام سنة سبع وعشرين ومائة وألف(3 يوليه-1 غشت 1715).
 ولا بد لنا – ونحن نتحدث عن محاكم المياه أن نعيد إلى الذاكرة خبر لجنتين تحكيميتين اجتمعتا في دولة السلطان عبد الرحمن (1240-1825) ودولة السلطان مولاي الحسن عـــــام (1301=1883)(10).
 كانت الأولى مؤلفة من ستة عشر عضوا برئاسة القاضي مولاي عبد العلوي، فقيهان وممثلان لعدو القرويين وممثلان لعدوة الأندلس وتسعة تقنيين من بينهم خبير بدون تخصص معين، وفلاحان وثلاثة نجارين، وطحانان، ومستخدم في القنوات: قوادسي...
 أما اللجنة التحكيمية الثانية في قضايا المياه فقد كانت ذات مهمة أوسع... لأنها كانت مكلفة بشبكة توزيع ماء المدينة كلها تقريبا، ولهذا تألفت من ثمانية وعشرين شخصا برئاسة شيخ الماء عبد الله بن أحمد بن الرئيس أحمد السوسي، ثلاثة من الأعيان وعدلان، وأمين الحاج عبد السلام المقري، ومفتشان للأحباس وفلاحان، ومستخدمان في القنوات وثلاثة طحانين وخبيران في الماء وخمسة تجار وخمسة أشخاص، ينتمون لمهن مختلفة، وفيما يخص بعض المسائل فقد أضيف إلى اللجنة أربعة ممثلين عن حومة اللمطيين وأربعة ممثلين عن حومة الأندلس...
                                                   ***
ولا بد ونحن مع هذه المحاكم التي انعقدت خصيصا للفصل في قضايا الماء أن نتعرض هنا لقضية شغلت الرأي العام في المغرب عموما وفي فاس على الخصوص، ويتعلق الأمر بالمحاولات التي كانت تجري بين وقت وآخر للانتفاع بوادي فاس من لدن بعض الذين يسكنون في أعالي المدينة على مقربة من المنبع.
 لقد ظل أهل فاس يعتبرون تلك المحاولات سطوا على واديهم باعتبار أن الإمام إدريس باني المدينة اشتراها ضمن واديها على ما أسلفنا، ومن ثم فإنه لا يحق لأحد أن ينتفع بذلك الوادي غيرهم ولو سكن في" الأعالي"!!. وهم مقتنعون بأن حديث سيل مهروز ومذنيب لا ينطبق عليهم لأن الماء ملك خاص لهم وليس ملكا عموميا... فكانوا يقاومون بإصرار كل من أخذ الماء في عالية المدينة، ولا يترددون في رفع الشكايات لتكوين لجان بحث حقيقية للتأكد من أن أهل الحقول في الأعالي يحترمون فعلا حقوق الحضرة الفاسية... وكانت هذه اللجان تتألف في الماضي من عامل المدينة مع بعض الجنود وقائد المائة، وأمين الطحانين وقائد الحمارة(11)وشيوخ الفلاحين.
 وكان ملك البلاد أيضا يعترف من حين لآخر، وبصفة رسمية بحقوق أهل فاس في واديهم. ويأمر بتحطيم ما شيد من سدود لأخذ المياه في عالية المدينة(12).
 الرسالة التاريخية لجلالة الملك الحسن الأول بتاريخ 27 ربيع الثاني 1301-25 يناير 1883 إلى عامل مدينة فاس حول توزيع مجاري ماء وادي فاس بالعدل وعلى ما يراه أرباب البصر، ويستدل العاهل بالآية الكريمة:" أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر" طالبا إلى عامل المدينة أن لا يتساهل في عقاب المعتدين وإيقافهم عند حدهم...
 ولا بد أن نذكر هنا أن المعمريين الفرنسيين قاموا بمحاولة السطو على وادي فاس لصالح ضيعهم التي أخذت تنتشر بين منبع الوادي ومدخله إلى المدينة، وقد مهدوا لهذا باستصدار مرسوم ملكي(ظهير) يحمل تاريخ 11 محرم 1344=الموافق أول غشت 1925 يقضي بأن منابع المياه تكون جزءا من الممتلكات العمومية.
 ومن هنا قام الوطنيون قومة رجل ضد هذا العدوان، الأمر الذي أرغم السلطات الفرنسية على احترام التقاليد العتيقة للمدينة(13)...
 ونرى من البرور بالتاريخ أن نشير هنا للقطة هامة في النضال الوطني المغربي، ففي أعقاب صدور هذا المرسوم سجلت أول مواجهة مع المستعمرين حيث رأينا أن الأستاذ الهاشمي الفيلالي يقوم خطيبا في مسجد سيدي أحمد الشاوي في جمع حضره الأستاذان علال الفاسي والحاج الحسن بوعياد وعدد من أعضاء المجلس البلدي الذي كان مقره لا يبعد عن المسجد المذكور. لقد كان الجميع مقتنعا بأن تحويل مجرى الوادي فيه مساس بالحق الخاص لأهل فاس وكذلك بالحق العام الذي يمثل في اعتماد المساجد على الماء... ومن المعروف لدى موثقي فاس أنهم يحررون صكوكا بملكية الماء علاوة على تحريرهم الصكوك بملكية العقار، وأن عليهم أن ينصوا في الرسوم الأولى على نوعية ملك الماء، هل هو ملك تام أو إنما هو ملك الغرف فقط عندما يمر الماء ببيت الإنسان...
 وإلى جانب ما سمعناه عن أطراف النزاع في فاس نأخذ مثلا آخر من جنوب المغرب.
 ونشير إلى ما عرفته مدينة مراكش منذ أن مدت إليها السواقي من الأنهار المحيطة بها في العهد الأول من إنشائها(462=1069)، وهكذا فعلاوة على الخطارات التي عرفتها عاصمة الجنوب، ذكر الشريف الإدريسي إحدى هذه السواقي التي جلبت من وادي أوريكا على عهد السلطان علي بن يوسف بن تاشفين وبمساعدة أحد المهندسين البارعين عرف باسم عبيد الله بن يونس، والراجح، يقول أحد الباحثين، أن تكون الساقية المشار إليها هي ساقية "تسلطانت" التي عرفت أطوار من الحياة والاندثار في تاريخها تبعا للظروف السياسية التي عاشتها...
 وقد احتاط رجال الحكم لما يمكن أن ينشأ من خصومات ومنازعات بسبب الماء فوزعوه على المرافق العمومية والمنازه بصفة عادلة ودقيقة، وقد كانت تتخلل مسيرة الماء نقط للمراقبة تسمى(المعدة) لتتبع مواقع الخلل...وغالبا ما تكون هذه المعدة مغلقة لا تفتح إلا عند الحاجة ومن لدن جهات يهمها أمر المعدة(14)...
 وأن من أطرف ما عثر عليه مما يتصل بالتشريعات العرفية الخاصة بالمحاكمات المتعلقة بالماء بعض النصوص التي تحدد بدقة بعض المخالفات وأنواع العقوبات فتجعل بذلك حدا لكل التجاوزات التي يمكن أن تحدث: (15)ابن الشرقي أحمد: ارتسامات ومعطيات تاريخية حول مدينة مراكش1986ج/1/ص:16.
 وإذا كانت المياه في فاس ملكا لأهل المدينة، فإنها في مدينة مراكش ملك للأوقاف ويتولى الإشراف عليها ناظر الأوقاف، وفي استطاعته أن يبيع الفائض منها لأرباب المنازل(16).
 وقد كان المقياس التي تقاس به كمية الماء المبيع هو الأصبع أي مقدار أنبوب سعة قطره أصبع يصب في أحواض صغيرة في الدور يتجمع فيها لسقي الأشجار أو الاستعمال المنزلي، والماء يشترى بصك يضاف إلى العقود العقارية كما أسلفنا عند الحديث عن وادي فاس.
 أما أصحاب الرياض الفسيحة فإنهم يشترون نصيبا من ماء العيون الجاري فوق الأرض، يأتيهم دوريا في كل أسبوع أو على رأس خمسة عشر يوما بكمية أوفر، مثلهم في ذلك مثل الحقول الكبرى المعدة للزراعة داخل المدينة وخارجها، وهي ملك خاص يتقاسمه ملاك العيون، كل حسب ما يملك من "فردية" (أي فترة يوم وليلة).
 وعلى نحو ما سلكناه عندما تحدثنا عن أحواز فاس نرجع هنا للنظام الفريد الذي اشتهرت به قبيلة مزوضة في معالجتها لمشاكل السقي في أعقاب النزاعات التي رفعت إلى رجال السلطة.
 ويتعلق الأمر بنظام توزيع الماء بين قبائل مزوضة وكدميوه ومجاط، لقد ضبط هذا التوزيع بعد رفع النزاع إلى المحكمة ضبط بوحدات زمنية(فردية) حسب نظام منسوب بين القبائل وعريق في القدم لا يعلم أحد متى أخذ العمل به...
 وكان أهل مزوضة يعتمدون على مجموعة من العقود المتعلقة بشراء حقوق الماء علاوة على نصيبهم"التقليدي" ومن جهتها فإن قبيلة كدميوه لا تنكر وجود ذلك النصيب ولكنها تستند إلى أولوية حقوق الأعلى Les droits de l’amont وقد ظهر جليا أن النزاع بين القبيلتين لم يكن تاريخيا ولكنه كان سلاليا...
 وقبل نحو من قرن وجدنا أن الوالي بمراكش من قبل السلطان سيدي محمد بن السلطان مولاي عبد الرحمن يقوم عام 1285=1868 بتسوية النزاع حول الماء في المنطقة.
 تفاديا لكل نزاع يعكر صفو العلاقات بين القبائل أصبح التوزيع تابعا لجدول زمني مضبوط ولكأنما يسير بسير عقارب الساعة...(17)
 إن هذه الأمثلة التي ضربناها لبعض الجهات في المغرب يوجد لها نظائر مماثلة في كل موقع يتوفر على ساقية ماء يحتاجها الفلاحون أو غيرهم وهكذا ففي كل مكان محكمة، وفي كل عهد تسن تشريعات وتوضع قوانين، وهكذا أيضا في كل جهة قضاة يفصلون في النازلة. معتمدين على تلك التشريعات وتلك القوانين ومستفيدين من خبرة المتمرسين وشيوخ النظر...
 لقد تجلى من خلال البحوث التي قمت بها في هذا الموضوع على الأقل فيما يتصل بالمغرب أن ما يوجد بهذه الديار من النوازل والأحكام يفوق الحصر والعد، لقد تبين لي أن بالمغرب مئات النماذج من محاكم المياه، هناك نوازل عديدة بل ومتجددة.
 وأرى بهذه المناسبة أن أشير إلى المرسوم الملكي السالف الذكر المؤرخ في أول غشت 1925 والمتعلق بنظام الماء والذي أصبح يطبق في مجموع التراب المغربي بمقتضى القرار الوزيري المؤرخ يوم 19 محرم 1381=3 يوليه 1961، وهو ينص في فقرته الأولى على أن منابع المياه تكون جزءا من الممتلكات العمومية...
 وهذا ما يعني ما قلته من أن محاكم الماء بالمغرب محاكم متطورة ومتجددة... وليست محكمة رتيبة لها فقط صبغة فلكلورية!.
 وإلى الآن فإن الكلمة الأخيرة في قضايا توزيع الماء ترجع لهذه المحاكم التي تظل مفتوحة، متحفزة لتطويق كل خلاف ينشب حول السقي، بل ولحسمه بسرعة متى كان ذلك ممكنا، وتستمد هذه المحاكم مصداقيتها من أنها تعتمد على التجربة الحية والرافق المعاش والتأقلم مع التطورات والإدراك الذي يتميز به المستهلكون للماء وهم يعيشون أخبار أحوال الطقس في الصباح والمساء.

 
1) ابن صاحب الصلاة : تاريخ المن بالإمامة ، تحقيق .ع التازي، الطبعة الثالثة دار الغرب الإسلامي بيروت ص 378.
2) د. التازي : التاريخ الدبلوماسي للمغرب، المجلد 5 ص 213.
3) الباع: مقياس ما بين امتداد اليدين
4) توفي مصباح عام 750 بمدينة فاس وإليه تنسب المدرسة المصباحية.
د. التازي القرويين ج 2 ص 359.
5)المعيار 8 ص 11.
6) على نحو هذا  قام احتجاج أهل فاس-  على ما سنرى – ضد الذين كانوا  يحاولون أن يأخذوا من وادي فاس: أولا من الأعراب الذين كانوا يخيمون في أعالي الواد... ثانيا من المستعمرين الأجانب الذين أنشأوا لهم ضيعات عند منابع الواد، كان أهل فاس يحتجون بأن الإمام إدريس اشترى الوادي من بدايته إلى نهايته لحساب فاس!!.
7) د. التازي: جامع القرويينج2 ص 496 طبع دار الكتاب اللبناني بيروت 1973.
8)محمد مزين:وثيقة جديدة حول توزيع المياه بفاس: مجلة كلية الآداب بفاس،العدد الثاني والثالث1379=1980ص 388-402
9)L.S Ablouch : un plan de cannalisation de FEZ ,Hes 1934
ع. زمامة: وثيقة حضارية عن شبكة توزيع المياه في فاس القديمة مجلة البحث العلمي عدد31 أكتوبر 1980.
10)تقرير بتاريخ 5 رجب 1301= فاتح ماي 1884 ذكره ماسنيون  في بحث بعنوان:Enpoete sur les connortion p231  11) هو الذي يشرف على سفر القوافل من مدينة إلى أخرى.
12) يذكر كوسطو قرار اتخذ هكذا ضد الوزير با حماد الذي بنى فأخذ ماء على النهر( ظهير 18 شعبان 1300=24 يونيه 1883) وقرارا آخر اتخذ في دولة السلطان مولاي عبد العزيز يقضيان بتحطيم السدود المشيدة في عالية فاس" لأن المياه المذكورة أعلاه ملك خاص للمدينة فيجب أن لا يمسها أحد.
 تعريب محمد الأخضر ومحمد حجي :341.
13)علال الفاسي: الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، 1948- نشر عبد السلام جسوس ، طنجة ص 140.
14)عبارة عن آبار جوفية تتسرب مياهها من واحد لآخر.
15) LARBI mezzine : Ta QQITI de ALI OTMAN Hesp 1980-81vol XIV P 89
16) بن الشرقي حصري أحمد: ارتسامات ومعطيات تاريخية حول مدينة مراكش 1986 ج1 ص 16.
17) Vacques Berque : de L’Euphrate à l’Atlas ,puis 1976 VOL1 pag250
.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here