islamaumaroc

رواية "ليلة القدر" تملق للمشاعر الصليبية

  أحمد عبد السلام البقالي

270 العدد

مقدمة
حصد(المغرب)، هذه الأيام، جوائز دولية بالجملة، من خارج العالم العربي، منها ما هو طبي، كالتي حصل عليها (البوفيسور عبد اللطيف بنشقرون) من (المؤتمر الفرنسي للأمراض البولية في 18/11/1987) عن أحسن عرض تقني لجراحة المسالك البولية. وهي جائزة لم يمنحها المؤتمر لطبيب أجنبي من قبل!
 وكان البروفيسور(بنشقرون) قد فاز بجائزة أخرى عن طريقته الجديدة في تحويل المسالك البولية لدى المرض بالمثانة، والحابل، والكلية...
 والجائزة الثانية: فاز بها(الحبيب المالكي) أستاذ الاقتصاد السياسي والإحصاء بجامعة( محمد الخامس)، من (جمعية الإحصاء الفرنسية).
 وقد سبق أن نال الأستاذ(المالكي) شرف إلقاء محاضرات بالمؤسسة العلمية الفرنسية المرموقة، (الكوليج-دو-فرانس)، أمام طائفة من علماء الاقتصاد والإحصاء، للاستفادة من نظرياته الجديدة في اقتصاد العالم الثالث.
 والجائزة الثالثة، هي جائزة (الغونكور) الأدبية التي حصل عليها الكاتب بالفرنسية والروائي المغربي،(الطاهر بن جلون)، عن روايته (ليلة القدر) la nuit sacré وهو أول كتاب عربي، ومن العالم الثالث يفوز بهذه الجائزة القيمة ذات الشهرة العالمية، وهي جائزة مزدوجة الفائدة فهي تجلب الشهرة والمجد، من جهة، والكسب المادي للفائز بها، من جهة أخرى، فقد بيع من رواية(ليلة القدر)، بعد أسبوعين فقط من صدورها،271000 نسخة.
 وقد سبق أن حصد العداءان المغربيان، (سعيد عويطة)، و(نوال المتوكل)، باقة من الميداليات الذهبية في المباريات الدولية والأولمبية.
 ومن جهة أخرى، تم ترشيح الدكتور(محمد الحبابي) لجائزة(نوبل)للآداب.
 الغونكور: والذي يهمنا هنا جائزة (الغونكور) التي فاز بها(الطاهر بن جلون). نظرا لشهرتها العالمية، وأقدميتها في الوسط الأدبي، ونظرا لأن الفائز بها غير أوربي.
 فما هو (الكونغور)؟ هذا الاسم الخشن الغريب الذي يشبه أسماء غيلان الأساطير، أو هديل الحمام، والذي أصبحت تخفق له قلوب العشرات من كتاب الرواية الفرنكفونية؟
 سميت هذه الجائزة باسم المؤرخ والكاتب الروائي الفرنسي الذي أوصى بها، وترك لها وقفا من ماله الخاص،(ادمون دوغونكور)Edmond de GONCONRT، المولود سنة 1822 والمتوفى في1896، لتمنح لأحسن عمل روائي يعطي صورة دقيقة ومفصلة عن عصره وبيئته. وترك ثروته لأكاديمية تكونت بمقتضى وصيته، وعهد بها إلى( ألفونس ضودي) و(ليون هينيك على أن تشمل الأكاديمية عشرة أعضاء، يقومون باختيار عمل روائي تتوفر فيه الشروط السالفة الذكر.

 أسلوب جديد. 
 وقد كان(ادمون دوغونكور) روائيا، ومؤرخا ممتازا في أواخر القرن الماضي. وكان يعمل بالتعاون مع أخيه الأصغر(جلول)، إلى أن توفي هذا سنة 1870. ولم يكونا يطمحان إلى أن يكونا روائيين يبتكران نوعا جديدا من التعبير الروائي، فقط، بل مؤرخين، كذلك، وليس مؤرخين عاديين، بل واختصاصيين في قرن معين، بحيث يرصدان خصائصه الخفية والحميمة، وأن يكونا، كذلك، ناقدين فنيين متميزين، ومجددين في جانب من جوانب الفن، ولقرن بعينه، هو القرن الثامن عشر، ولبلدين بعينهما، هما(فرنسا)و(اليابان).
 وفعلا،فقد كانا أول من أدخل على كتابة التاريخ عناصر لم تكن معروفة قبلهما. وتشهد بذلك كتبهما.
  1- صورة حميمة للقرن 18-1857 
  2- المرأة في القرن 18-1862
  3- السيدة دويري-1878
 هذه الكتب، وغيرها من مؤلفاتهما، تتألف من وثائق، ورسائل خطية، وقطع ملابس، ومنقوشات، وأغاني أي من أشياء تبدوا تافهة في حد ذاتها، ولكنها مجتمعة تكشف عن أسرار العصر وخباياه بطريقة انطباعية، ولا شعورية.
وبنفس الطريقة التدقيقية، كان الإخوان (غونكور) يكتبان روايتهما المشتركة، أي يسلطان الضوء على أدق الحقائق الخبيئة والمهملة للحياة المعاصر.
وبنفس الأسلوب كذلك، كتبا مذكراتهما التي تقع في تسعة مجلدات بين سنتي 1887و1896، والتي قد تكون أصدق فصل في تاريخ الإنسان، وأشد تأثيرا حسب(دائرة المعارف البريطانية).
 وقد ألف الكاتبان معا خمس روايات، وكتب، (ادمون) وحده بعد وفاة أخيه(جول)، أربع روايات أخرى.

 سيادة التفاصيل:
 وتتكون روايات(الغونكور) من عدد لا نهائي من التفاصيل مرصوصة جنبا على جنب، ومتساوية في البروز.فبينما تعطي روايات(فلوبير)، بجميع تفاصيلها، انطباعا عن الوحدة، فإن رواية(غونكور) تتخلى عمدا عن الوحدة لتعطي إحساسا بمرور الحياة. فهما يكتبانها فصولا صغيرة، قد لا يزيد بعضها عن صفحة واحدة، أحيانا، وكل فصل هو عبارة عن ملاحظة منفصلة حول حدث مهم، أو عاطفة أو شعور يلقي ضوءا مفاجئا على صورة نفسية. فالإنسانية، بالنسبة للأخوين (غونكور)، شيء يمكن تصويره، مثل العالم الذي تتحرك تلك الإنسانية بداخله. فمهما لا يبحثان في أبعد من" الأساس المادي للحياة"، ويجدان كل شيء يمكن معرفته من تلك القوة المجهولة، مكتوبا بوضوح على أوجه الأحداث الصغيرة المفاجئة، في اللحظات القصيرة المعبرة.
فالنفس بالنسبة للأخوين(غونكور)، هي سلسلة من الحالات المزاجية المتتابعة، وطبعا، بدون منطقهما الاعتباطي المبالغ فيه.
ولا تقوم رواياتهما حول حدث حكائي بالمرة، بل هي عبارة عن معارض لوحات لمظاهر العالم العابرة.
 وقد اشتكى النقاد من كون لغة الأخوين(غونكور) لم تعد فرنسية بالشكل المألوف. وذلك صحيح، وهو الشيء الذي تميزوا به عن غيرهم- وهو أرفع ابتكاراتهم – بمعنى أنه، من أجل التعبير عن أحاسيس جديدة، ونظرة جديدة إلى الأشياء، ابتكر الإخوان لغة جديدة(1).
 جائزة مشروطة.
 وقد حافظت جميع الأكاديميات المشرفة على منح جائزة (الغونكور) على وصية الكاتب. الروائي الراحل بمنح الجائزة لمن يسير في خطه.
 ويعني هذا أن لجنة الجائزة غير حرة في اختيار العمل الإبداعي، بل هي مشروطة ومقيدة بقيود فرضتها عقلية من القرن الماضي لتخليد أسلوب إبداعي معين، أسلوب تدقيقي، وتفصيلي، وتطريزي تجاوزه العصر الحديث، عصر السرعة والثراء الإعلامي الذي غير المقاييس بآلاته السمعية البصرية، وأغنى رصيد الجماهير من التفاصيل، حيث لم يعد الكاتب بحاجة إلى ذكرها، لأنها تنفر القارئ، وتضيع وقته.

الطاهر بن جلون.
 وقد استفاد الكاتب المغربي(الطاهر بن جلون) من معرفته الجيدة لهذه الشروط. ولا شك عندي في أن الجائز لم تسقط في حجره بعشوائية وصدفة التفاحة التي سقطت على رأس(نيوتن)، فلا بد أن درس جميع الروايات التي اختارتها الأكاديمية الحالية للجائزة، وتعرف على ميول أعضائها وخلفياتهم الأدبية والسياسية واحدا واحدا. فهو يعيش في (باريس) منذ زمن بعيد، ويشتغل هناك، ويمارس العمل الصحافي في جريدة (لموند) الدولية الواسعة الانتشار، والمسموعة الكلمة. واستطاع إبراز اسمه وتلميعه في الأوساط الأدبية والطليعية ككاتب من فلتات العالم الثالث، وكتلميذ مطيع مخلص ومجتهد للثقافة الفرنسية من أبناء العالم العربي، هذا العالم القديم الجديد، المتخلف حاضرا، والتقدم المتحضر قديما، والغامض العامر بالأسرار التي لا تستطيع العين الأوربية النفاذ إليها، حتى بأقوى المجاهر. هذا العالم الحامل لتراث عظيم، وتركة من المجد التاريخي تؤهله لخلافة أوربا، وتسلم الشعلة منها، كما تسلمتها هي منه قبل سبعمائة عام.
 سياسة الجائزة.
 يدرك(الطاهر بن جلون) كل هذا، ويدرك رغبة الفرنسيين المبرحة في الإبقاء على جذوة لغتهم وحضارتهم مشتعلة في دول( المغرب العربي) الذي أوشك على الإفلات من أيديهم ثقافيا، كما أفلت سياسيا، بإقبال أبنائه على التعليم بلغتهم العربية بأعداد هائلة، وبوعيهم بقوتها وقدرتها على استيعاب العلوم والتكنولوجيا وبفرحة المستكشف لما تحمله من كنوز تراثه الديني، والعلمي، والفكري،والحضاري عموما...

 التخطيط بذكاء.
ولا شك عندي في أن(الطاهر بن جلون) أدخل كل هذه المعطيات في حسابه للفوز(بالغونكور)، وزاد على ذلك بروز اسمه ووجهه الجميل الملتحي، والفوتوجنيك، على شاشات التلفزيون الفرنسي، وصفحات الصحف، كاتبا وناقدا، ومدافعا عن قضايا وحقوق المسحوقين من أبناء العالم الثالث، من العمال المهاجرين، ضد حملات العنصرية التي يقودها أمثال(جان ماري لوبين) في (فرنسا)، والتي انقشع عنها غبار الأزمة الاقتصادية الراهنة.
مزايا الكاتب.
وإذا أضفنا إلى هذا كله عنصرا أساسيا، هو موهبة(الطاهر بن جلون) الأدبية المتميزة، ونضجه الفكري، واستيعابه الواعي لخبايا المجتمع المغربي، وقدرته الكبيرة على الوصف، وأسلوبه الفرنسي الجذاب، والأنيق، والمتألق، فإن جميع شروط الفوز بالجائزة الرفيعة، تكون حاضرة.
  وإذا أضفنا كذلك، أعماله الروائية السالفة التي غطت العقد الماضي، وأثارت الكثير من الاهتمام بنكهتها الجديدة القادمة من وراء البحار، مثل:" موحا الحكيم، موحا المعتوه" و"صلاة الغائب"، و" ابن الرمال"،وكلها تحكي عن شخصيات وأوضاع اجتماعية، وبيئة غير مفرنسة، ولكنها قريبة جدا إلى الفرنسيين الذين عاشوا في دول(المغرب العربي)، ويعتبرون هذه الدول ملكا ثقافيا يغارون عليه أشد ما تكون الغيرة، وتعمل مؤسساتهم الثقافية بها على استمرار تلك الهيمنة، وتحصينها من الغزو الأنجلو ساكسوني بكل الوسائل.

ابن الرمال
وقد كان (الطاهر بن جلون) مرشحا للجائزة في السنة  الماضية عن روايته (بان الرمال)،ولكنها أعطيت لكاتبة فرنسية. فلم يفت ذلك في عضده، بل انكب على كتابة (ليلة القدر) التي تعد امتدادا (لابن الرمال)، واستطاع أن ينتزع بها تلك الجائزة المرغوبة والمحسدة.

ليلة القدر
وقبل أن نتحدث عن (ليلة القدر)، نعطي نظرة خاطفة عن محتواها.
فهي قصة فتات ولدت لرجل لا ينجب إلا البنات، فقرر أن يجعل منها ولدا ذكرا، حتى لا يشمت به إخوته.
وتبدأ الراية على لسان الفتاة التي لا نعرف لها اسما، في ليلة القدر، وأبوها على فراش الموت يعترف لها بالخطإ الذي ارتكبه في حقها، وبعقدته التي جعلته ينكر عليها أنوثتها، ويقدمها للناس كولد يحمل اسمه، بل ويتمادى في التمثيلية، فيزوجها من بنت عمها (فاطمة) التي تقبل الوضع راضية لأنه أحسن من وضعها في بيت أبيها.
وتتحرر الفتاة، بعد موت أبيها، وتدفن معه جميع الوثائق المتعلقة بها، وتهجر المدينة لتهيم على وجهها، إلى أن يختطفها فار إلى قرية أسطورية لا يسكنها إلا أطفال مذهبهم نسيان الماضي. ويستدرجها الفارس لتحكي له عن ماضيها، فيطردونها من القرية.
وتهيم مرة أخرى، وتتعرض للاغتصاب من مجهول لا ترى حتى وجهه. وينتهي بها المطاف إلى حمام عمومي للاغتسال من آثار الاعتداء.
وهناك تلتقي بامرأة في منتصف العمر دميمة سمينة تعمل "حمامية" فتأخذها إلى بيتها، حيث تعيش مع أخيها الضرير، وتتصرف في حياته كطفل مدلل. ويوحي الكاتب بوجود علاقة محرمة بين الأخ وأخته.
وتتكون علاقة سرية بين الأعمى والفتاة، فتحس (الحمامية) بأنها مهددة في أخيها، وتبدأ في البحث في ماضي الفتاة، فتعثر على عمها الذي يحكي (للحمامية) أنها كانت رجلا يدعى (أحمد)، وأنها كانت متزوجة لابنته (فاطمة).
وتأتي الحمامية البغيض إلى الدار ليوجه ابنة أخيه بماضيها التعس، فتعود إليها جميع آلام الماضي المشوه، فتطلق النار على عمها، وتقتله، ويحكم عليها بخمس عشرة سنة سجنا.
ويواظب الأعمى على زيارتها في السجن ومواساتها إلى أن تقترب من نهاية مدتها.
ويطاردها ماضيها في السجن كذلك، حيث ترتب الحارسة المرتشية، لأخوات الفتاة "المتحجبات المنتميات إلى الأخوات المسلمات" الانفراد بأختهن التي كانت ذكرا أثيرا عند والدهن، لينتقمن منها بعملية ختان وحشية تعاني بعدها آلاما مبرحة.
ويطلق سراحها فتأوي إلى زاوية، وتصبح امرأة "مباركة" تشفي لمساتها لبطون النساء العقم. وأثناء ذلك تأتيها امرأة تطلب الشفاء، فتكتشف أنها الضرير الذي كان تنقطع عن زيارتها في سنوات سجنها الأخيرة، بعد أن كتب لها يخبرها بموت أخته الحمامية، وتحرره من سلطانها.
وتنتهي الرواية بلقاء الفتاة الحمامية وأخيها الأعمى في تكية أو معبد يوحي بأنه الآخرة.

كثافة الرموز
هذه مجمل أحداث الرواية التي تقع في مائة وخمسين صفحة بحرف دقيق. وهي صعبة القراءة لكثافة رموزها الدينية والفلسفية، رغم جمال أسلوبها، وشاعريتها، في اللغتين، العربية والفرنسية. فقد كانت ترجمة الأستاذ (محمد الشركي) ممتازة ووفية للنص.
ومن أسباب صعوبة قراءتها، وخصوصا في البداية  والنهاية، التزام الكاتب بأسلوب (الغونكور) التفصيلي والتطريز المغرق في الوصف والتحليل، الأمر الذي ينفر قارئ العصر الحديث، صاحب المخزون الهائل ممن الرموز الأدبية التي يستغني بها عن التفاصيل، وينشد الاختزال، نظرا لقلة صبره، وتوزع اهتمامه وتنافس أجهزة الاعلام على وقته.
وتقع الرواية في اثنين فصلا معنونا، تماما كما أوصى بذلك (أدمون غونكور).

 الكلمة للنقاد.
 فماذا سيقول النقاد عن رواية(ليلة القدر)، بعد أن يستقر الغبار، وتسكت أبواق الاعلام، وتخفت أضواء المهرجان؟
 أغلب أدباء( المغرب) تقدموا بعاطر تهانيئهم وثنائهم على الرواية وكاتبها، وأغلبهم فعل ذلك آليا، وقبل أن يقرأ الرواية...
 ف(الغونكور) في نظر بعض الناس، في هذه البقعة من العالم، لا تقل عن(نوبل) إلا ببضعة أشبار!
ولم يرتفع صوت مخالف لأصوات التهاني والتبريك، إلا صوت الكاتب المغربي المعروف(عبد الكريم غلاب) رئيس تحرير جريدة العلم، الذي حمل حملة عنترية على ( الطاهر بن جلون) فقط لكتابته الرواية الفرنسية، دون أن يكلف نفسه عناء مناقشة موضوعها، وتدخل بين الكاتبين الأستاذ(قاسم الزهري)، رئيس التحرير السابق" العلم" كذلك، لتلطيف الجو، فأيد(غلاب)، دون أن ينتقص من قيمة الجائزة المعنوية بالنسبة(للمغرب)، والأمة العربية عموما.

لماذا أرفضها؟
ومن قراءتي الأولى لرواية(ليلة القدر)، أستطيع أن أقول إنها لن تعجب السواد الأعظم من المغاربة، بل والعرب والمسلمين، وهذه أسبابي:
 1-الرواية مكتوبة ومحبوكة بعقل ميكيافيللي يؤمن بأن" الغاية تبرر الوسيلة". والغاية هنا هي الحصول على الجائزة بأي ثمن. والثمن الذي دفعه الكاتب عال جدا، بحيث نالها على حساب التعريض بعدد من القيم الروحية، والأخلاقية، والاجتماعية الإسلامية العزيزة على المسلمين. فالرواية مبنية في جوهرها لاسترضاء وتملق المشاعر الخاصة، والأحكام المسبقة التي يكنها الفرنسي- بصرف النظر عن مستواه الثقافي والاجتماعي- للأمة العربية والإسلامية. وهي مشاعر صليبية ترقد هامدة تحت سطح رقيق من النفاق العنصري، لا تكاد تهب نسمة أزمة حتى تكشف عن وجهها البشع الخبيث. وقد أسقطت الأزمة الاقتصادية الراهنة(فرنسا) القناع عن وجهها في شخص(جان ماري لوبين) العنصري الرهيب الذي يدعو إلى طرد جميع الأجانب من(فرنسا)، وخصوصا أبناء (المغرب العربي) رغم دورهم الفعال في بناء (فرنسا)، وخصوصا أبناء (المغرب العربي) رغم دورهم الفعال في بناء(فرنسا) ما بعد الحرب.
 - ينزل الكاتب إلى أسفل طبقة اجتماعية ليختار فيها واقع وأشخاص روايته. وتدور أحداثها في جو مأساوي مظلم حسا ومعنى، تسود الكراهية، والحسد، والظلم، والشعودة، والقسوة، والشراسة، وانتهاك الأعراض، ولا إشارة فيه إلى طبع أهل(مراكش) و(أكادير) المرح السمح، وجوها المشمس المشرق العامر بالبهجة والمسرات، والموحي بالدعة والطمأنينة والسلام.
- يحرص (ابن جلون) دائما على أن يزاوج بين الانحراف، والفواحش، والانحطاط الأخلاقي، وبين الرموز الدينية، والطقوس الإسلامية معربا عن جهله ببعضها.
(ويسري هذا الجهل، كذلك على المترجم" الشركي" والمراجع" محمد بنيس" فهو حين يصف صلاة الجنازة على والد الفتاة، يقول على لسانها:" وفي الجامع الكبير، عينت، طبعا لأؤم صلاة الجنازة" ومعنى"طبعا" هنا؟ فصلاة الجنازة غالبا ما يؤم الناس فيها إمام عارف بطقوسها المختلفة عن الصلاة العادية. وليس ضروريا أن يكون ابن الميت. ويضيف:
 وعندما كنت ساجدة..."وهل في صلاة الجنازة سجود؟... لم أتمكن من منع نفسي من التفكير في الرغبة الحيوانية الذي كان جسدي- البارز بذلك الوضع- سيشيرها لدى أولائك الرجال، لو علموا بأنهم يصلون خلف امرأة،" ويستمر في التخيلات التي نتحاشى عن ذكرها في هذا المقام(صفحة27-28).
 وفي مشهد آخر، حين تخرج البطلة مطرودة من قرية الأطفال(التي ينزلق الكتاب في وصفها إلى القول:"كانوا يعيشون بعيدا عن المدينة... وبعيدا عن الله نفسه."(الصفحة 33)وتختلي في غابة يتبعها رجل ليغتصبها برضاها، وهو يردد" باسم الله الرحمن الرحيم،وصلى الله وسلم على آخر الأنبياء، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه.باسم الله الأعلى. الحمد لله الذي جعل المتعة العارمة..."
وفي نفس السياق تقول الفتاة:" كان يرتجف ويتمتم ببعض الصلوات..."(ص 47).
ويلقى بعض الأسئلة المشبوهة على ألسنة الأطفال بأحد الكتاتيب:" هل حقا سيدخل جميع النصارى النار؟ " " وبما أن الإسلام هو أفضل الديانات، فلماذا انتظر الله طويلا لكي ينشره؟" و"لماذا وصل الإسلام متأخرا جدا؟" وعلى لسان المعلم – الفقيه- الذي يلقي عليه الأطفال هذه الأسئلة يقول:" أحب أن أعلمهم القرآن كما لو كان شعرا رائعا".
وفي صفحة (74) يحكي عن مكتبة حية هي عبارة عن بنات جميلات تحفظن نفائس التراث الإنساني، وترددنه لمن يريد سماعه بثمن. وفي نهاية المطاف بالمكتبة، يدنو من الزائرة شيخ من ليقول لها:" أنا لست سوى قارئ بئيس للقرآن" ويضيف:" إذا كنت بحاجة إلى أحد يقرأ بعض الآيات على قبور أهلك، فأنا من يخدمك..."
- ويبرز الكاتب بشكل مقصود ومبالغ فيه معاملة الرجل العربي المسلم القمعية للزوجة التي
لا تنجب له ذكورا. وتقابل هي قسوته بخنوع يؤدي بها إلى مستشفى المجانين، في غياب زوجها، ودون علمه، بل ودون أن يشعر بغيابها.
- وموضوع المرأة حساس جدا عن الفرنسيين والغربيين، على العموم. وبمعاملة الرجل لها
يقيسون المستوى الحضاري للشعوب!
وينشر(الطاهر بن جلون) الآيات والأحاديث النبوية بين سطور هذه الرواية فتبدو مقحمة في غير مكانها، كما بدت المناقشة حول الإسلام ومذهب"الزن" الهندي شاذة بين الفتاة شبه الأمية، والأعمى معلم القرآن، وفوق مستواها الفكري الذي حدده الكاتب.
ويكلل (الطاهر بن جلون) هذه الرواية الرهيبة التي تعطي أسوأ انطباع عن المجتمع العربي والإسلامي باسم( ليلة القدر) التي هي خير من ألف شهر، ليجعل من الكتاب مأدبة دسمة لأعداء العرب والمسلمين، يصابون منها بالتخمة، في أعياد رأس سنتهم!. 
  
مواضيع بديلة.
هذا قليل من كثير...
فهل، يا ترى، كان(الطاهر بن جلون) ينال الجائزة الفرنسية، لو كان كتب روايته عن عائلة مغربية مهاجرة في (فرنسا) وما تعانيه على أيدي العنصريين من اضطهاد؟ هذا الاضطهاد الذي قد ينتهي أحيانا بذبح عائلة بأسرها في غياب الزوج الكادح؟
هل كان ينال الجائزة لو كتب روايته عن كبار السن من الآباء والأمهات(بفرنسا) الذين يهجرهم أبناؤهم إلى مصيرهم في دور العجزة؟ أو عن عشرات الآلاف من مدمني الخمر، الشراب الأول في (فرنسا)؟ أو عن السبعة آلاف فيه الألمان(باريس)؟
ولن أذكر قصة طرد(صلاح الدين الأيوبي) للصليبيين من(فلسطين) ولا قصة مقاومة شعوب المغرب العربي للاستعمار الفرنسي البغيض، وهي قصص عامرة بالمواقف الإنسانية والبطولية التي كان أولى(للطاهر بن جلون)أن يتألق فيها!

هدية مجانية.
وقد قدم الكاتب لليمين الفرنسي العنصري هدية بمناسبة سنة1988 لم يكن يحلم بها. وحين رفعت مخرجة سينمائية دعوى على(ابن جلون) بأنه سرق فكرة روايته من سينواريو أحد أفلامها واتهم هو اليمين الفرنسي بالمشاغبة عليه، لأنه كاتب من العالم الثالث. ولو أن( جان ماري لوبين)، أي زعيم العنصريين الفرنسيين، قرأ الرواية، لقدم (للطاهر ابن جلون) جائزة أخرى أكبر من (الغونكور) فهي شهادة مجانية على تخلف الشعوب العربية، والإسلامية، وشعوب العالم الثالث عموما، بقلم واحد من ألمع كتابها.

 الماضي البسيط.
 ولا بد أن(الطاهر ابن جلون) يعرف جيدا قصة الكاتب المغربي : (ادريس الشرايبي) الذي يكتب ومثله بالفرنسية، مع الإدارة الاستعمارية الفرنسية في الأربعينيات. فقد كتب(الشرايبي) روايته(الماضي البسيط) (le Passé Simple) التي كانت عبارة عن سيرة ذاتية تحامل فيها على المجتمع المغربي، وصوره في أبشع صورة، وخصوصا أيام تعمله القرآن بالكتاب(بفاس)، وكيف كان المعلم قاسيا على الأطفال الأبرياء، وكيف كان جو الكتاب كئيبا يسود فيه الانحراف الجنسي، والتخلف الاجتماعي. وقد أعطت هذه الرواية آنذاك، ذخيرة سياسية حية لليمين العنصري الاستعماري الفرنسي الذي كان يطالب بتمديد فترة الحماية(للمغرب) بحجة أن(فرنسا) لم تتم رسالتها الحضارية بعد في المنطقة!
وما أشبه اليوم بالأمس، والعالم العربي والإسلامي تتكالب عليه الصليبية المقنعة، والصهيونية العالمية من كل جانب، وهو في أشد الحاجة إلى إعطاء العالم صورة أكثر إشراقا ونظافة من الصورة التي تعطيها عنه(ليلة القدر)،و(الماضي البسيط)، و(الخبز الحافي)(لمحمد شكري) التي ترجمها(الطاهر ابن جلون) نفسه إلى الفرنسية، وسعى إلى تقديمها، ومؤلفها في برنامج(أبوستروف) الشهير بالتلفزيون الفرنسي.

 لعنة النجاح الملغوم.
وكثيرا ما تلاحق لعنة نجاح هذه الروايات المشبوهة أصحابها ف( إدرسي الشرايبي) فضل الاغتراب على العودة إلى أرض الوطن بعد فعلته. وهو الآن يعيش في جزيرة(جيرزي في القنال الإنجليزي).
و(محمد شكري) انتهى إلى نفس المصير الذي توقعه لنفسه، فقد تنبأ مرة بحق، بأنه سيكون بعد روايته(الخبز الحافي)، مثل قطعة العلك(اللبان)، "يبصقها الناس بعد امتصاص حلاوتها!"

 لعنة الغونكور
 ولا أدري ماذا سيكون موقف (الطاهر ابن جلون) بعد أن يكتشف القراء الثمن الباهض الذي دفعه من قيم أمته، وسمعتها، للحصول على(الغونكور)، هذه الجائزة التــي قال عنها(جان كاريير( Jean Carrier)) الذي حصل عليها سنة 1972:"إنها قطعة حلوى تراكم عليها الذباب، يكسر عليها أكلها أسنانه.


1) الموسوعة البريطانية ص 512 الجزء العاشر 1960.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here