islamaumaroc

تأملات حول إشكالية الطوائفية بالأندلس

  المهدي البرجالي

270 العدد

مرت الأندلس الإسلامية في مجرى التاريخ الذي عاشته إلى حيث كان منتهاها- بثلاثة أطوار رئيسية:
أولها: الطور الذي عرفته على عهد الفتح الإسلامي، وامتداداته خلال الحقبة ما قبل الأموية.
الطور الثاني: الذي استمر على مدى العصر الأموي وما تلاه حتى مجرى الثلث الثالث من القرن الهجري الخامس، حيث دعا يوسف بن تاشفين لعبور المجاز، والاضطلاع بوقف ثم بصد الكسح الإفرنجي للعدوة، وهو كسح كان مرشحا للإطباق عليها بكيفية حاسمة.
أما الطور الثالث: من هذه الأطوار المتتالية، التي عاشتها الأندلس، فيشمل كل هذه الفترة الطويلة- عبر عهود لمتونة وبني عبد المومن، والمرينيين، إلى حين تصفية الوجود الإسلامي تصفية كاملة في المنطقة: وهي حقبة شاسعة من الدهر، توالت فيما بين القرن الهجري الخامس والقرن التاسع، وتميزت أساسا إلا في غضون استثناءات معينة- بإشراف المغرب- سواء اللمتوني أو الموحدي أو المريني- على شؤون الدفاع عن العدوة، وتقويم مسار الأحوال السياسية فيها، وارتباط بذلك، تحمله جانبا من أعباء تسيير الحياة العامة في بعض مناطقها، ومهام التخطيط الستراتيجي لها، سواء في مداه المباشر أو البعيد.
 وكما يرى، فإن المساحة الزمنية التي انقضت على الأندلس في ظل الإشراف والدعم العسكري المغربي، كانت بالمقارنة مع كل شوط من أشواط التاريخ الأندلسي من أطولها زمنا، وأغزرها أحداثا، وأشدها مجابهات على الصعيد الجهادي، ومن أرفعها كذلك مستوى فكريا وحضاريا.
                                                   ***
 وانطلاقا من الإفادات التاريخية الواردة بهذا الخصوص، وبكل مقاييس التحليل والتقييم المعتمدة فيها، فإن ميزان الربح والخسارة في حسابات المهمة المغربية هذه بالأندلس، لم يكن له من الاعتبار مثل ما كان للحوافز التضامنية التي قادت عمل المغرب في هذا السبيل، باعتباره آنذاك، القوة الدولية الأساسية والوحيدة المؤهلة للتدخل المطروح في خلال الظرف- القيام بهن والموفور لها طول النفس في قدرتها على تحمل تبعاته.
 لقد كان المغرب المرابطي حينما شرع في تحركه التاريخي – عبر المضيق- مستغرقا بمشاغل جمة وحيوية، وجد مكلفة له، منها:
العمل على تركيز وترسيخ بنياته وقدراته واستراتيجياته بعد أن انقضت على المغرب فترة ما بين الأدارسة والمرابطين، التي غشيه خلالها ما غشيه من زوابع وأنواء.
ومن تلك المشاغل أيضا، ما كان مطروحا على المغرب في أثناء الظرف من التزامات تخص روابطه مع غرب إفريقيا السوداء، وما يقتضيه منه الحال حينئذ- من جهد يبذله بشأن رعاية تلك الارتباطات التي اتخذت منطلقا واسعا مع بداية العهد المرابطي، وحماية النطاق الجغرافي، الذي اتسع للإشعاع المغربي في هذا القطاع من القارة.
ومن المشاغل من هذا القبيل كذلك، جملة الملابسات الجيوسياسية والجيوستراتيجية، والتوازنات في عامة البحر المتوسط آنذاك، وهي ملابسات، على قدر من التشعب ساعتئذ  -كحال المنطقة في مختلف العصور، يتمثل ذلك- أثناء الفترة المتحدث عنها- فيما كان يشهده الحوض المتوسطي عموما من مجاذبات مختلفة بين ضفتيه الشمالية والجنوبية، وما كان يحيط بالوجود العربي في بعض جزره(جزر الباليار مثلا، وصقلية) من متغيرات يحسب لها حساب في موازين التقدير العربية-الإسلامية.
وقد كان أمن المضيق وهو بوابة البحر المتوسط واقعا فعلا صميم اهتمامات ابن تاشفين عند عزمه على العبور إلى الأندلس، ومن ثم فهو لم يشرع في تحركه نحو العدوة، حتى ضمن استخلاص سبتة وقد كانت المنطقة تحت نفوذ يحيى بن سكوت البرغواطي، وهذا مظهر يقظة سياسية واستراتيجية في نفس الحال.
على أن كافة المشاغل هذه، لم يكن من شأنها-بالنظر لطبيعة المقومات المتوفرة للمغرب-ان ترجح على ثقل الدواعي التي حملت المرابطين على عبور بحر الزقاق، واقتحام الخضم الأندلسي بكل حدته وتوتراته وتعقيداته، ومما لا بد أن كان له وزن في إلهامات هذه الدواعي:
1-افتراض أن تتكاثف مختلف القوى السياسية بالأندلس في مضمار الجهد المغربي الأندلسي المشترك، للجم المد الاكتساحي الإفرنجي الآتي من الشمال، وتحجيم اندفاعيته.
 2- تصور أن يؤدي الأمر- في حالة نجاح هذا الجهد الإسلامي المتضافر-إلى بلورة مثال نموذجي يحتذيه خط السير الأندلسي في مراحل لاحقة على صعيد المواجهة الدائمة بين الأندلس الإسلامية، وبين المحيط البشري غير الإسلامي، المنغمر في الصراع معها.
 3- الظن بأن ظروف العزلة القارية التي كانت تحيط بوجود المجتمع الأندلسي حرية بأن تعمق في منظور الفكر السياسي في العدوة، الشعور بالمعوض عن هذه العزلة إلا الالتحام الإيجابي بالمغرب، والتنسيق معه، اعتبارا لمزايا التكامل بين الميدان-في المجال الحربي- وبين العمق الإستراتيجي المتصل به، وما يتيحه ذلك من إمكانات للمعنيين بالأمر، على الصعيد اللوجستي والعملياتي وغيره.
                                                   ***
 أثمر التحرك المرابطي لنجدة الأندلس، نصر معركة الزلاقة، وما أفرزه من دقائق جديدة، كانت لها انعكاساتها على مجمل الأوضاع السياسية والجهادية بالعدوة، مما جعل ما قبل الزلاقة وما بعدها حالتين مختلفتين جذريا وشموليا عن بعضهما في مسار التاريخ الأندلسي جميعه: إلا أن ما أعقب هذا التطور، كان مدعاة لملاحظة أن الفكر السياسي الأندلسي – من خلال بعض القوى المتصدرة آنئذ على الأقل- لم يكن قادرا فرز خلاصات مفيدة من قبيل ما ذكر، خلاصات هي حصيلة استبطان دقيق للمنعطف التاريخي الذي كانت تعيشه الأندلس، وتواجه في سياقه "مفاجأة" اكتشاف أن كل كثافة قدرات العصر الأموي الأندلسين لم تكن كافية، لأن تتبلور في أثنائها بذور حل مستقبلي لإشكالية مصير المجتمع الأندلسي في أفق التاريخ البعيد، من حيث استقرار هذا المجتمع، ومتاعبه النفسية، ورسوخ قواعد ارتكازه الفكري والسياسي، وتجذر إمكانات تعاطيه- عبر تفاعل متبادل- مع النطاق الجغرافي والبشري المحيط-أوروبيا- به.
 والواقع أن مثل هذا التحول، كان أبعد بكثير من أن يؤمل حصوله في حقبة محدودة تاريخيا كالحقبة التي أشرنا إليها، إلا أنه من المفترض، أن يكون التاريخ حينذاك قد سار خطواته الأولى في هذا السبيل، مثلما سار خطوات من قبيل هذا في جهات أخرى من القطاعات العالمية، التي تجذر فيها الحضور العربي-مباشرة أو بكيفية غير مباشرة – على نحو دلت القرون اللاحقة على متانة ثباته واستمراره.
 لقد كان انحسار الامتداد الإسلامي في أوربا عقب وقعة" بلاط الشهداء" إيذانا ببداية العزلة الجغرافية-قاريا- التي ما برحت تأخذ بتلابيب المجتمع الأندلسي منذ بداية وجوده، وكان من الضروري أن يكون لهذه العزلة أثرها في تحديد سلوك هذا المجتمع، بما يتفق مع ظروفه الخاصة، المتميزة عن ظروف غيره من المجتمعات الإسلامية المتماسكة- بحكم منطق الجغرافية- مع بعضها، إلا أن قصور الفكر السياسي الأندلسي، قد كان منه أن حال دون استيعاب المجتمع في العدوة، حقائق أساسية من هذا النمط. وموضوعية استنتاجه منها: ومن ذلك، ضعفت إن لم يكن قد انعدمت قدرة التلاؤم الذاتي داخل هذا المجتمع، بمجرد تسرب عوامل الضعف إلى الإطار الجامع، الذي كان يستقطبه(إطار الدولة الأموية) وفي اتصال بذلك، طفت على السطح –بأقصى قد من الشراسة- النزعة اللاوحدوية داخل الكيان الأندلسي، واندرج بالنتيجة في نفق الوضع الطوائفي الذي كان –لو استمر- داعيا لتحلله في النهاية آنذاك وتفتته.
 والحق أن ظاهرة الانحلال السياسي والمجتمعي التي تميز-في العادة- فترة الضعف الذي يلحق بدولة ما، إذا كانت على مشارف الانتقال من عهد إلى آخر- هذه الظاهرة متواترة وعادية في مألوفات التاريخ، بصرف النظر عن البواعث النوعية الخاصة، ذات التأثير الجوهري في مثل هذه الحال، إلا أنه من المتواتر ومن الطبيعي كذلك، أن تجدد- فيما بعد- الدولة المعرضة لظاهرة من هذتا النوع، وتنبعث في ظروف معينة-على نحو أقوى، مستمدة ذلك من ديناميكيتها الذاتية، ومن قدرتها، كقدرة الجسم على استرداد عافيته، تحت تأثير الحصانة الطبيعية الموفورة له، بيد أن الأمر بالقياس لمجتمع ذي ظروف خاصة، كالمجتمع الأندلسي، يبدو مختلفا اختلافا جذريا عن مثل هذا في مقدماته ونتائجه.
 لقد كان توقع مجتمع العدوة، موقع طليعة متقدمة، في قلب عالم مغاير لها إلى حد بعيد(أوربا) ويفترض فيه- أي في هذا العالم الأوربي- أنه مرشح ليكون مجالا لتلقي الإشعاع المحملة به الطليعة المذكورة، والمرتبط مستقبل فاعليتها، وبالتالي مصيرها بحسن اضطلاعها بهذا الإشعاع، وهذا وضع ثقيل الوطأة، بحكم ما يطرحه من أعباء، تتحمل مثيلها في العادة كل قوة طليعة أو ما في مدلول هذا الوصف، ومن هذه الأعباء، أن تكون الطليعة هذه قادرة على الاحتفاظ بمناعتها ضد عوامل الوهن التي يمكن أن تتسرب إليها على نحو أو غيره، أو أن يكون في وسعها بالأقل تجاوز حالة الوهن هذه، ومغالبة السلبيات التي تنجم عنه، ذلك أن اللحظة التاريخية محسوبة على كيان كهذا، أكثر مما هي محسوبة على غيره؛ وبالنتيجة، فإن المطلوب دائما من هذا الكيان، أن يكون باستمرار معيا ضد التيارات الخارجية المضادة له، وأكثر أهمية من ذلك، أن يكون معيا لتدارك نقائصه الذاتية وتصحيحها قبل أن تصبح ثغرات فاغرة ألفاه، يقع النفوذ منها إلى مقاتله.
 وتشكل ضرورة وجود هذه " الاستعدادات الخاصة" حالة استثنائية لا تقارن بها حالة مجتمعات أخرى، تعيش أوضاعا تاريخيا" عادية" ومن زاوية النظر هذه، يجد المرء أن النظام الطوائفي الذي حل في صدر المائة الخامسة الهجرية، محل النظام المركزي الأموي بالأندلس، كان حالة مناقضة لمعطيات المنطق العادي للأشياء، المرئي من خلال تحليل الظرف التاريخي الموجود، وقراءة مترتباته، والمظهر الرئيسي لهذه المناقضة، أنه – بدلا من أن يثير هذا التواقت الذي جمع- تاريخيا- في نفس الحال- بين انحلال السلطة المركزية الأموية، وبين فترة التقهقر في المغرب قبل ظهور المرابطين، بدلا من أن يثير ذلك حوافز تعبوية بالأندلس لمواجهة عواقب العزلة التي أصبحت تعيشها حينئذ في إطار المنطقة، فإن وضعا مضادا لروح التعبئة كان هو" الرد" الأندلسي غير الملائم على ما حصل، الأمر الذي لم يكن من شأنه إلا أن يستدعي وقوع التراجعات الأندلسية التي وقعت، وكادت تؤدي حينها إلى نهاية الأندلس الإسلامية كليا، لولا التطوع المرابطي لإنهاضها من كبوتها.
                                                   ***
 ظاهرة تعدد المحاور السياسية بالأندلس، أو ما يعرف تاريخيا بنظام الطوائف شغلت- كما يعلم- حيزا واسعا من نطاق التفاعلات التي ما برحت تؤثر في تغيير أوضاع الخريطة السياسية بالعدوة، وصاحبت العديد من الفترات التي استوعبها الوجود الإسلامي في الضفة الأخرى من المضيق على النهاية.
 ولو أننا أدخلنا في اعتباراتنا الأساسية التي بنينا عليها تقسيم أطوار التاريخ الإسلامي بالأندلس، المدد التي سادت الجزيرة أثناءها –كلا أو بعضا، الوضعية الطوائفية، لجاز لنا في هذه الحالة، عد أطوار التاريخ الأندلسي أربعة، لا ثلاثة، ذلك أن النظام الطوائفي بالعدوة، قد استغرق فعلا –مسافات زمنية غير يسيرة، تحسب بعشرات السنين، ساد الأندلس خلالها سيادة شاملة تقريبا، وبالتحديد، خلال ما بين العقد الأول إلى الثاني من القرن الهجري الخامس، وما بين العقد التاسع(سنة 484) حيث بلغت نهايتها إمارة المعتد بن عباد بإشبيلية، وقد استمرت رواسب الوضع الطوائفي بعد ذلك قرونا تحت أقنعة مختلفة، وعادة ضمن حدود جهوية تتقلص أحيانا وتمتد أحيانا، تبعا لتغيرات الأحوال الأندلسية الداخلية، ومعادلات الصراع مع القوى الإفرنجية المتعددة.
على أنه من الوارد أن يلاحظ المرء من جانب معاكس-أنه- باستثناء الفترة التي أعقبت انهيار دولة الأمويين، حيث استأثرت نظام الطوائف حينذاك بالأندلس استئثارا يكاد يكون كليا، وأيضا باستثناء المراحل الختامية للوجود العربي في العدوة، وقد كانت الطائفية السياسية الأندلسية، قد تقاسمت أثناء ذلك هي والإفرنج، مناطق نفوذ متعددة، قبل أن تؤول الأندلس برمتها إلى هؤلاء، باستثناء ذلك، فإن الوضع الطوائفي في عموم الأحوال التي ظهرت فيها، لم يتعد- من حيث العمق- كونه مجرد عرض مرضي موجود على هامش القاعدة الرئيسية للاستقطاب والمحورة والتركيز والتأصيل في النطاق الأندلسي العام، هذه القاعدة المتمثلة في تماسك الجهد المغربي الأندلسي المشترك، للأخذ أخذا ناضجا وفعالا بزمام الأمور في العدوة، وتأطير سكناها، وحشد المقدرات العامة لضفتي المجاز، ضمن نطاق العمل الدفاعي الإسلامي، الذي قاده العهد المرابطي، وما تلاه من عهود؛ ومع كل هذا، فيتعين القول، على أي حال، أن بقاء مظاهر ولو محدودة للطفائية السياسية  بالعدوة خلال العهد الموحدي والمريني، رغم جهود التوحيد الفكري والسياسي التي بذلها العهد المرابطي، وابن تاشفين بالذات، على الساحة الأندلسية، إنما كان يعكس حالة يمكن وصف مسبباتها وملابساتها بالاستعصاء والإزمان، مما يبدو معه أن الظاهرة كانت بمثابة لازمة من لوازم التفكير السياسي في المجتمع الأندلسي، موصولة أحيانا- كما يلوح- بجملة ترسبات نفسية واجتماعية، قد تكون منحدرة في بعض جوانبها- من جذور العقلية" القبائلية" التي عرفها المجتمع العربي الأندلسي في خلال الفترات الأولى التي انقضت قبل أن يستكمل تكوينه وتبلوره، بل في الوسع مع شيء من التجاوز –طبعا- أن نلتمس بعض الجذور المفترضة لمثل هذه الظواهر الانشقاقية التي غص بها المجتمع الأندلسي عبر نظام الطوائف- أن نلتمس هذه الجذور في مجال أوسع نطاقا، هو المجال "الإيبري" بغض النظر عن المكونات الإثنية والثقافية والحضارية والإيديولوجية للجماعات المتواجدة في شبه الجزيرة أثناء الحقبة التاريخية موضوع نظرنا، فإذا ساغ لنا هذا، نخلص منه إلى إمكانية اصطناع نوع من الربط غير المباشر بين الحوافز الانفصامية التي ما برحت تفرز الأوضاع الطوائفية المتعددة في الأندلس الإسلامية، وبين نزوعات انفصامية مماثلة في المحيط الإفرنجي، أنجز عنها –في أحوال عدة- ظهور أنظمة ذات ملامح إقليمية محددة، متميزة بعضها عن بعض في التوجه السياسي والتخطيط الإستراتيجي، وفي نوعية المصالح والأهداف، والعلاقات، ومختلف الحوافز المتصلة بذلك. بل إن نمطا من السلوك، اعتبر دوما –سواء عند المسلمين أو الإفرنج- نمطا سلبيا انحرافيا-كل بحسب منظوره الخاص به- كان كثيرا ما يحصل من خلال تشعب الأحداث وتشابكها في الأنحاء الإيبيرية، ويتمثل ذلك فيما كان يستسيغه البعض من طائفتي المجتمع الإسلامي الأندلسي، الاستعانة بالإفرنج على خصومهم السياسيين من شركائهم في الدين، بعيدا عن أي فكر تضامني أو تكافلي تقتضيه الأواصر الجامعة، وتماثل المصالح العليا بين هؤلاء وأولئك، تماما مثل استعانة بعض الإفرنج بالمسلمين ضد إفرنج مثلهم، متأثرين في ذلك هم أيضا، بحوافز واقعة في نطاق الطائفية السياسية وما في حكمها.
 وإذا كان نمط السلوك هذا، مشاعا سواء عند الإفرنج أو لدى المسلمين خلال الحقبة بشبه الجزيرة الإيبرية، فإن انعكاسات المضار المترتبة عن مثل هذا السلوك، كانت أدهى وأشد على المجتمع الإسلامي منها على المعسكر الآخر، وذلك لاعتبارات، ينم عنها السياق فيما ذكر آنفا عن الصعوبات الحتمية الملازمة آنذاك للوجود الإسلامي بالعدوة، ومما كان من شأنه أن يضاعف من حدة الصبغة السلبية لهذه الانعكاسات:
1-الشكل والإطار الذي اتخذته الأوضاع الطوائفية، لم يكن من قبيل ما يمكن إدراجه في نطاق صيغة من صيغ الجهوية أو اللامركزية أو نحوها، إذا استعملنا- للتقريب- اصطلاحين مستحدثين كهذين، لقد شكلت كل وحدة من هذه الوحدات الطوائفية- في منظور القائمين عليها، محورا مركزيا للحكم وبناء العلاقات"الخارجية" قائما بذاته ولذاته؛ وفضلا عن هذا، فإن أية فكرة يمكن إقامة اعتبار لها- عن التكامل بين هذه الوحدات في دائرة مركزية جامعة، لم تكن مطروحة كما يبدو في الأعم الغالب، وكان البديل عن كل ذلك في أكثرية الحالات، الانسياق وراء إغراء التنافس إن لم يكن التشاحن والتناحر.
2- لم يكن هناك من بين هذه الطائفيات، من كان مؤهلا-فيما يرى من منظور الواقع الذي شهده التاريخ-ل " ترقية" مجال نفوذه الطائفي، إلى نفوذ مستقطب لمعظم أراضي وسكان العدوة، ومن ثم، بقيت الأندلس خلال الفترة، تفتقد الزعامات المؤطرة للمجتمع كافته، فيما كانت العدوة تغص بالزعامات ذات الأفق المحلي الضيق.
3- لا يبدو من خلال عملية تحليل دقيق لأصول هذه الطائفيات وانتماءاتها السياسية والاجتماعية-مجال معقول لاستخلاص وشائج موضوعية كفيلة بتقريب بعضها من بعض، خارج إطار الاعتبارات التكتيكية والمرحلية الصرفة، فمراجع هذه الطائفيات واستمداداتها كانت متغايرة إلى حد التناقض، ومثل ذلك مفاهيمها وقناعاتها، وكمثال، فقد كان البعض من هؤلاء الطوائفيين، من مخلفات الدولة الأموية(ابن صمادح بالمرية) فيما كان آخرون يمارسون طائفيتهم ممن منطلق كونها بناء سياسيا قائما على أنقاض الأمويين، وكبديل-في النطاق المحلي-عنهم؛ وهكذا دواليك، ومن الجلي أنه إذا كانت هناك مراحل في تاريخ الأندلس، خفتت فيها-بقدر ما- النوازع الطوائفية في المحيط الأندلسي الإسلامي، واختفت انعكاساتها إلى حدما- كما تم  في غضون فترات طويلة من عهود الرعاية المغربية للعدوة، فقد كان مرد ذلك في الواقع، مفعول التقويم السياسي والتنظيمي، المرتبط بهذه الرعاية، ولا سيما، ما تفوق فيه المغرب- وهو ينهض بالعبء الأندلسي الباهظ- من تأطير لفاعليات المجتمع في أرجاء العدوة، وتوجيه لها على درب الدفاع، وشحذ لهممها باتجاه الاندماج في المجهود المغربي الشامل، المبذول من أجل القضية.
 إن هذا التأطير الذي كان واقعا في صميم اهتمامات القيادة المغربية، لم يفتأ يشكل عنصرا جوهريا من عناصر التخطيط السياسي والعسكري، الذي اعتمدته تلك القيادة في أدائها لمهامها بصدد العمل على حماية العدوة، وقد كان المبدأ الذي صدر عنه-أساسا- التدخل المغربي لإنجاد الأندلس على عهد ابن تاشفين، تحقيق هذا التأطير بالذات، ووضع قاعدة سليمة-من منطلقه- لدفع المجتمع الأندلسي متكامل القوى، متجانسا، إلى إثبات وجوده في أرضية الصراع القائم هناك، وتأكيد مناعته أمام التيارات التي كانت تتقصد اجتثاث هذه المناعة وإلغائها.
 وصحيح أن الجو النفسي بالأندلس، الذي نجم عن سقوط طليطلة، إذ أصبح الطوائفيون آنئذ يلمسون لمس اليد، خطورة التهديد المشترك المحيق بهم، كان ملائما لحصول تجمع جهادي أندلسي لمواجهة الوضع، نظير ما حصل فعلا عندما اقر الطوائفيون بعد استفحال التهديد الإفرنجي لهم جميعا( تهديدات الادفونش) مبدأ اطراح المنازعات بينهم، ومواجهة الإفرنج صفوفا متراصة، إلا أن هذه اليقظة التي حصلت للقوى السياسية المتنابذة في العدوة ذلك الحين، لم تكن-موضوعيا- في مستوى المس بجوهر الوضع الطوائفي السائد عندئذ، كما أنها لم تكن كافية لخلق محور مركزي، يستطيع استقطاب الطاقة الجهادية الأندلسية في اتجاه حسم مادة الاكتساح الإفرنجي، أعقب سقوط طليطلة.
 ومن ثم، كان أمام المجتمع الإسلامي الأندلسي –ساعتها-اختياران أساسيان معروض عليه أن يأخذ بأحدهما كطريقة لمعالجة الموقف: اختيار انصهار القوى السياسية الأندلسية في بعضها، ضمن نطاق تجمع قوي ومتماسك، يتبلور في صورة متجددة للعهد الأموي، الذي كانت قائمة به البنية الدولية للعدوة، أو الاختيار الآخر،  الماثل في امتداد المهمة التاريخية للمغرب بالأندلس، لتتصل بحلقاتها الأولى التي شهدها التاريخ قبل ذلك ببضع قرون، يوم أن تصدر المغرب عملية الفتح الإسلامي للضفة الشمالية من بحر الزقاق، وكان لموقعه ولرجاله ولإمكاناته العديدة، أثر رئيسي في ذلك يذكر له، ويعرف به.
ولا جرم أن الأخذ بالاختيار الثاني، أي سلوك سبيل امتداد المهمة المغربية، كان يعني –بالضرورة- أن يمسك المغرب بناصية الأمور في العدوة، ويتحمل همومها، ليتمكن من تركيز الوضع التاريخي والحضاري القائم فيها انطلاقا من عهد الفتح، وليسعه تأطير الطاقات التي كان يتعين حشدها باستمرار لتوطيد ذلك الفتح، تمتين مناعة الحال الناجمة عنه.
 لقد كان استصراخ الطوائفيين لقوات لمتونة غداة سقوط طليطلة، استصراخا من الأندلس للمغرب بإطلاقيته، استصراخ للمهمة التي اضطلع بها المغرب منذ البداية حينما انتشرت من سواحله المراكب التي وضع منها المسلمون أقدامهم على البر الإيبري.
 والواقع أن الطوائفيين عندما آثروا في مجرى القرن الهجري الخامس، الحل المغربي لمواجهة المعضلة، فإنهم اختاروا بذلك الممكن على غير الممكن، والسهل الميسور، على الممتنع المستعصي، وتنبئ قولة أحدهم(1) عندما تداولوا في أمر الاحتمال بالمغرب المرابطي-عن إدراكهم لسلامة هذا الاختيار وموضوعيته، علما بما تنم عنه القولة من شعور بشدة حاجتهم إلى هذا الاحتماء كوسيلة وحيدة للخلاص، وهذا الشعور بإلحاح الحاجة، يمكن فهمه من زاوية الاعتبارات السياسية الخاصة بالطوائفيين، أما إذا وضع الأمر خارج هذه الزاوية فسنجده موصولا وصلا موضوعيا بمجرى الرسالة التي أخذها المغرب على عاتقه بأرض العدوة منذ اللحظات الأولى من تاريخها الإسلامي (لحظة العبور والفتح  بقيادة طارق بن زياد).
                                                   ***
 لقد تموضع ذلك الفتح الذي تم قل أواخر القرن الهجري الأول(92) في دائرة التحري العربي الإسلامي، لربط ضفتي المتوسط ببعضهما، ضمن محيط المفاهيم والقيم التي صنعت الصيغة الحضارية الجديدة، التي عرفتها المنطقة في العصر الوسيط! كان الفتح انتقالة نوعية ذات أبعاد تاريخية ضخمة، عبر من خلالها المفهوم العربي الإسلامي للحضارة، حواجز الزمان والمكان، ليستوعب عالما مختلفا تماما عن كل ما تعرف إليه العرب والمسلمون من عوالم في مشرق ومغرب!وباعتبار هذا، استمرت مسؤولية حماية مترتبات الفتح بهذا المعنى واقعة على المغرب من حيث المبدأ، وإن كانت هناك أحوال لا حقة، نشأ عنه فيما بين أوائل القرن الهجري الرابع وأواسط الخامس، ضعف المغرب عن القيام بهذه المهمة الثقيلة، واضطلاع الأندلس نفسها بها على عهد الأمويين.
غير أن المبدأ، مبدأ ضرورة استئناف المغرب لرسالته الأندلسية، كان لابد أن يفرض نفسه في نهاية المطاف، أثناء القرن الهجري الخامس تحت تأثير الظروف الطارئة على المنطقة، خاصة ظروف الأندلس بالذات؛ وإذ حمل المغرب على كاهله-هكذا- أمر العدوة في هذه الحقبة الجديدة من التاريخ، فإنه لم يكن بذلك قد استعاد بالضرورة حقا له، بل اضطلع بواجب كان متعينا عليه،- لحيثيات شتى- أن يضطلع به؛ وسند أهم هذه الحيثيات، موقع العدوتين الأندلسية والمغربية بالنسبة لبعضهما البعض وموقع منطقة غرب المتوسط- حيث توجدان-من العالم العربي الإسلامي من جهة، ومن العالم الأوربي من جهة ثانية.
لقد كان موفورا للإفرنج خلال القرن الهجري الخامس –وهم يلحون في استراتيجيتهم الهجومية على الحواضر الأندلسية لإسقاطها بالتتابع-إلى حيث توصلوا إلى إسقاط طليطلة، الأمر الذي شكل منعطفا له خطورته البالغة على مجمل معادلات الصراع وملابسته في أرض العدوة-كان للإفرنج في خلال ذلك- عمق استراتيجي مهم جدا ذو أبعاد سيكولوجية وسياسية و استراتيجية وغيرها،تهيأ لهم بفعل تواجدهم على اتصال مباشر-عبر جبال" البرانس" مع عامة غربي أوربا... واستطرادا، توفرت لهم بموجبه إمكانية مبدئية لوجود مجالات أرضية ومدد بشري محتمل يستطيعون-في حالات معينة- أن يتعضدوا به ويتآزروا عند الحاجة، ولو من الناحية النفسية فقط، وهي ذات أهمية كبرى في أحوال كهذه.
أما الأندلس الطوائفية، فعلى افتراض أنه كن من الجائز أن تستطيع-عند الاقتضاء- استجماع قواها، ولم شعثها لتوفير شروط تعبئة وتأطير جاد في حالة مواجهة حاسمة، فإنه كان ينقصها-مع ذلك – حتى في صورة هذا الافتراض-وجود عمق استراتيجي يعادل إمكانات العمق الإستراتيجي عند الإفرنج؛ ولم يكن للأندلسيين في خلال الظرف، من عمق كهذا، سواء من منظور سياسي أو استراتيجي أو لوجستيكي أو غيره، إلا المغرب وليس غيره.
ببداية تقهقر العهد المرابطي بالمغرب، وانعكاس الحال على صورة الأوضاع بالأندلس، أخذت تتضح أكثر فأكثر، هشاشة التزام الفكر السياسي الأندلسي بروح التعاضد الذي انبثق عنه بقيادة المغرب-نصر الزلاقة؛ التعاضد بين العدوتين وعلى صعيد الدفاع عن الأندلس، وحماية مستقبلها؛ وكما سيقع كذلك في حقبة لاحقة- عندما سيضعف أمر الموحدين بعد تألق نفوذهم عشرات السنين، فإن الطائفة الأندلسية قد كانت مستعدة في كلتا الحالتين وفي الحالة المرينية أيضا، لأن تسفر عن وجهها في الأفق الأندلسي بمجرد ما تبدو لها ثغرة من الثغرات، تمكنها من التجاوب مع حنينها الدائم على معاودة ممارساتها المألوفة، والدفع بهذه الممارسات أكثر ما يمكن.
لقد كان لهذا الخلل على صعيد التكافل الدفاعي الأندلسي المغربي-آثار بعيدة على مستوى توازن القوى بين طرفي الصراع الإسلامي الإفرنجي، وحظوظ كل طرف في إطار هذا الصراع؛ وبطبيعة الحال، فإن مترتبات معركة "الأرك" الموحدية التي عززت نتائج"الزلاقة" المرابطية، قد وفرت ظرفا ملائما لتدارك سلبيات هذا الخلل الذي كان أمره قد تفاقم خلال أواخر المرابطين وأوائل الموحدين، وأعادت-ضمن ذلك- كثيرا من التوازنات إلى مستوى معقول؛ إلا أن استمرار فاعلية النزعة الطائفية-وإن لم يكن قد بلغ حد عرقلة النتائج الأساسية للجهاد المغربي في العدوة، فإنه-مع ذلك –كان من بين الدواعي الجوهرية التي يظهر أنها حالت دون أن تبلغ الجهود المغربية بهذا الشأن، درجة التأثير الحاسم في تقويم الاختلالات الذاتية الأندلسية المزمنة، وبالتالي فقد قصرت هذه الجهود عن ضمان مناعة مستديمة للمجتمع الأندلسي، تغنيه عند الحاجة إلى الاحتماء بالعدوة المغربية، وهي الحاجة التي ظلت دوما-وبإلحاح- ملازمة له.
وقد بلغ مسار التاريخ بعد ذلك أوائل القرن الهجري السابع، ليؤكد أكثر من أي وقت مضى-هذه الحقيقة، حقيقة استمرار هذا التآكل في الحصانة الذاتية للمجتمع الأندلسي، وتوالي تلقائية تأثره-سلبا- بالتحولات التي تجري في منطقة غرب المتوسط حوله، وتهافت مواقفه- نتيجة ذلك-سواء من حيث موضوع دفاعه عن نفسه، أو موضوع التناسق مع المغرب، الذي كانت تطرحه الظروف كضرورة حيوية؛ ومما يلاحظ بهذا الصدد، فيما تعبر عنه ظواهر السلوك السياسي الأندلسي آنئذ:
1)عدم الاكتراث عند القوى السياسية الأندلسية بمحاولة ملء الفراغ السياسي والعسكري-محليا- الذي نتج –مباشرة أو بصورة غير مباشرة- عن حالة التقهقر الموحدي في أعقاب موقعة العقـــــــاب(609) هجرية، وذلك على منوال جاد ومتناسق، لو أنه كان قد تحقق، لكان المفترض أن يتقمص به البديل الأندلسي بعض فاعلية الوجود الموحدي بالعدوة، والوجود المرابطي قبله.
2- انصراف قطاعات من أهل الأندلس، إلى المشاركة في صراعات فترة الانتقال من العصر الموحدي إلى العصر المريني بالمغرب !
وواضح أن الصيغة الطبيعية، التي كان الأجدر أن تأخذ بها القوى السياسية بالأندلس، هي أن تعنى تلك القوى بتجربة مقدرتها-في ظرف الفراغ السياسي والعسكري الحاصل- على سد ذلك الفراغ بممكناتها الخاصة، وموالاة المهمة التي كان المغرب مضطلعا بها بصدد المواجهة مع الإفرنج، وذلك-بالأقل- في انتظار استعادة المغرب زمام المبادرة الجهادية في عين المكان، بعد انجلاء غبار رجة الانتقال فيه على العهد المريني.
3) تأرجح مواقف مجتمعات الحواضر الأندلسية خلال الظرف –بين التبعية لتيار أو لآخر، من متناقض التيارات المحلية التي عرفتها العدوة مجددا، أثناء أواخر الموحدين، مثلما في فترات أخرى من قبل.
4) تجدد ظاهرة التنابذ التقليدي بين الفئات السياسية المتواجدة على الساحة، واتخاذ الحالة-ساعتها- شكل حرب داخلية، على غرار ما كان من حروب من هذا المعنى في تاريخ العدوة، واشتداد الحوافز التي كانت تقليدية أيضا عند المتنابذين-على اعتماد لا معقولية المحالفات الانتهازية مع بعض الجهات في معسكر الإفرنج.
5) تهافت الشيع السياسية المختلفة في العدوة- تأثرا بحوافز اعتباطية غير مضبوطة بضابط- على التماس الاستظلال بظل دولة أو أخرى من الدول الإسلامية القائمة حينئذ، كالخلافة العباسية(المنتصر العباسي). دون أن تكون الدول المخطوب ودها بهذا الخصوص-ذات قدرة ما- ولو جزئيا-على حماية الأندلس، بل وحتى حماية فصيل من الفصائل السياسية، طالبة ذلك الاستظلال.
ومن أبرز الطوائفيات التي أفرزتها النزعة الانشقاقية الأندلسية في عهد الإشراف الموحدي على الأندلس، طائفية ابن "مردنيش" في الشرق الأندلسي وما غليهن والذي تفاقم أمره أحيانا حين استحوذ على جيان وبياسة وأبذة، وجاس عبر أواسط الأندلس حتى مشارف إشبيلية، ثم هناك طائفية "ابن هود" الذي مدد نفوذه حتى قرطبة ومالقة وغرناطة وغيرها، هذا إلى طائفية "ابن همشك" ب "جيان" وأعمالها، وبداية طائفية" ابن الأحمر" بوسط العدوة وسوى هؤلاء.
ومن خلال طائفتي" ابن مردنيش" و"ابن هود" تتجلى إحدى الصور المعبرة عن مبلغ"تمدد" بعض "الحالات" الطوائفية عبر الأزمنة التي عاشتها الأندلس، ومواكبتها-بحكم ذلك- اكثر من حقبة واحدة من حقب التاريخ بالمنطقة، ومثال"بني هود" ذو دلالة في هذا المقام، فقد كان هؤلاء من بين وجوه المرحلة الأولى في تاريخ الطوائفية الأندلسية التي أنهاها ابن تاشفين المرابطي، وقد عاود، "بنوهود" هؤلاء، الكرة بعد ذلك في أثناء العصر الموحدي ليصيروا من أبرز الطوائفيين الاندلسيين خلاله، أما المثال الثاني فيتعلق ب" بني الأحمر" النصريين الذين هم أبرز ممثلي الطوائفية الاندلسية اثناء العهد المريني بالمنطقة، إلا أن الطفرة الأولى التي أبرزتهم على الساحة الطوائفية بالعدوة، تقع قبل ذلك بكثير في غضون الحضور الموحدي بالأندلس، وقد خاضوا خلال ذلك غمرات أبقت لهم في ظل ظروف معينة-قدرة على الاستمرار دون غيرهم، إلى حين حلول نهاية الوجود العربي بالأندلس سنة 897 هجرية.
وعلى العموم، فإن الظواهر التي ارتسمت من خلال سلوك الطوائفيين أثناء العهد الموحدي، لم تكن تختلف في العمق، -إلا في بعض التفاصيل- عن ظواهر الطوائفية الأندلسية أثناء المرابطين. غلا أن تعتقد الأوضاع بالأندلس، على إثر موقعة العقاب، قد انعكست بسلبيات أكثر، على صعيد السلوك الطوائفي، الأمر الذي نجم عنه مزيد من اتساع الخرق على الواقع أمام الموحدين بصدد رغبتهم في الحفاظ على حد أدنى من التناسق المغربي الأندلسي في مواجهة الوضع الناجم عن خطورة التحالفات السياسية والعسكرية الإفرنجية ضد المناطق الإسلامية.
ولم يكن لهذا الحد الأدنى أن يستكمل شروطه بعد أن اتخذت التطورات على الساحة الأندلسية أبعادا مثيرة، من بين مظاهرها ازدياد تهافت بعض الطوائفيين(طائفية ابن مردنيش مثلا) على موادة الإفرنج والتآزر بهم إلى حد اصطناع مرتزقة منهم للاستعانة بهم في متاهات الحروب الطوائفية، ولقد تصاعدت التعقيدات الأندلسية على هذا الخط بصورة أكثر في خلال القرنين الهجريين الثامن والتاسع حيث كان على المغرب المريني أن يواجه ظروف المرحلة الأخيرة من الوجود الإسلامي بالعدوة، وبكل ما يحتشد في إطار الظروف تلك، من معضلات، في صميمها المعضلات الطوائفية.
                                                   ***
ومما لا جدال فيه، أن عزيمة المغرب المريني على موالاة العمل الجهادي بالأندلس، وتركيزها عليه، لم تكن بأقل من عزيمة مغرب المرابطين والموحدين. فالإرادة بهذا الخصوص، كانت إرادة مغربية موصولة عبر الأجيال والدهور، والاستعدادات والقدرات المنبثقة عنها كانت هي ذاتها، بحكم عمق الجذور والحوافز الفكرية والنفسية لهذا التوجه الذي طبع سلوك المغرب على مدى أكثر بكثير من ثلاث قرون.
غير أن المنعطف الذي كان التاريخ الأندلسي-في تفاعله مع التيار العام للتاريخ العالمي- قد اتخذه انطلاقا من القرن الهجري السابع- لم يكن في حقيقة الأمر مما يسمح بعودة ما إلى الخلف في مسلسل الأحداث على أرض العدوة، بحثا عن استعادة أمجاد "الزلاقة" و"الأرك" وإعادة إقامة المعادلات والتوازنات هنالك على نحو ما كانت عليه أثناء تلكما الملحمتين:
وفي مضمون الانحسار المثير الذي تميز به الحضور الإسلامي الأندلسي، خلال الفترة، كانت خريطة هذا الحضور قد تقلصت من مختلف أطرافها بصورة شاملة، وقد غمر هذا التقلص دررا متألقة في منظومة الحواضر الأندلسية الكبرى ك"قرطبة" التي سقطت سنة 633 و"بلنسية" سنة 636 و"اشبيلية" سنة 647 و"مرسية" سنة 665 هذا إلى المواقع الحضرية الأخرى ك"شلب و"قادس" وغير هاته كثير.
                                                   ***
نرى من هذا، أن التفكير الطوائفي، كان حالة مرضية مزمنة في الفكر السياسي الأندلسي لم تستطع سنوات التجميع والتوحيد التي اشرف عليها المغرب في العدوة خلال المرابطين والموحدين أن تجثت جدوره أو تخفف-بالأقل من غلوائه ومؤثراته، كما لم تستطع ذلك الحقبة الأموية ولو أنها تعتبر من حيث المبدأ-حقبة تشكل شخصية الكيان الأندلسي، وانصهار المكونات الأساسية لبنيته الاجتماعية والسياسية وغير ذلك، بعضها في بعض، بل نجد أكثر من هذا، في سياق رصد أعراض هذه الحالة السلبية، أن اتجاه الطوائفيين الجدد، الذين برزوا على الساحة الأندلسية أواخر عهد الموحدين، إلى منح ولائهم بسخاء في تلك الفترة العابرة-لدول إسلامية غير المغرب، رغم بعدها الجغرافي عنها، وعدم كفائتها للدفاع عن الحمى الأندلسي، قد يكون من أهم دواعيه، محاولة التخلص من فكرة التجميع والتوحيد التي كانت قوام نهج العمل المغربي في العدوة وذلك عن طريق ربط المنطقة بجهات غير مؤهلة –عمليا- لخوض الملحمة الأندلسية المفتوحة على شتى المتاهات.
ومن ثم، يستطيع الطوائفيون من طراز هؤلاء أن "يستفيدوا" ضمنيا- من السند المعنوي للجهات التي وجهوا لها ولاءهم دون أن يتعرضوا لنتائج عملية تجميع جديدة على منوال ما حصل في غضون العصر المرابطي.
وفي تتبعنا للأوجه الصلات المغربية الأندلسية خلال الظرف، يسعنا أن نتبين مزيدا من الملابسات الخلفية من هذا الصنف، ضمن نطاق المجاذبات الكبرى التي وجد التاريخ الأندلسي نفسه واقعا في خضمها، قبل أن يبلغ هذا التاريخ- غداة التصفية النهائية للمجتمع الإسلامي الأندلسي –آخر أشواطه.

  
1)الإشارة لقولة المعتمد بن عباد الشهيرة:"... رعي الجمال خير من رعي الخنازير"(انظر الاستقصاء للناصري ج2ص31 طبعة الدار البيضاء

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here