islamaumaroc

اختيارات الحسن الثاني.

  محمد ابن تاويت

270 العدد

من مزايا الحسن الثاني- و مزاياه كثيرة- أنه لا يعتمد على غيره في اختياراته، بل إنه يعتمد على نفسه وعلى معلوماته المباشرة-غالبا- في اختيار الناس، للقيام بعمل من الأعمال، يكونون على كفاءة منهم في ذلك، أو على استعداد يؤهلهم هو لذلك. بمعنى أن الرجل لا يبدو، لأول وهلة، مستحقا للقيام بهذا العمل، ولكن إسناد العمل إليه، يحفزه على القيام به، موجها فيه بواسطة أو بدونها، من لدنه.
 وهذه الميزة، ميزة الاختيار، تحلى بها حتى قبل أن يلي الملك، فقد تربى عليها منذ النعومة، فكان، وهو شبل من أشبال الكشافة، يلبس( الشورط) الذي كانت فرقته تلبسه، يوجهه والده طيب الله ثراه، ليفسح له المجال للاتصال بمختلف الناس، وعلى اختلاف الأعمار والصفات، فيخاطبهم ويفاتحهم ويتلقى عنهم ما يتلقاه الكبار عن العلماء الكبار، وفيهم شيخنا الفقيه " أقصبي" رحمه الله رحمة واسعة.
ولا غرابة أن نجده في سنه المبكرة، يخطب في الجماهير المغربية في تلك الزيارة التي قام بها والده المنعم بالله إلى طنجة في الأربعينات.
 ثم لا غرابة أن نجده يعالج المشاكل الحادة عند بزوغ فجر الاستقلال، فيتصل بأقوام ذوي شكيمة عنيدة عتيدة ويفاتحهم في أمور، مفاتحة البصراء الحصفاء الذين يضبطون النفس في تؤده واتزان، ويحملون حملهم وحنكتهم ما لا يتحمل غيرهم.
 كان اختيار مستمر للناس بمختلف جهات المغرب، وعلى مزيد من تلقي المعلومات في حقهم، وحتى من كان منهم بالمنطقة الخلفية بالشمال.
 أذكر أنه حضر في أحد الاحتفالات التي كان الخليفة الراحل رحمه الله ورضي عنه، يقيمها بمناسبة عيد الجلوس، فكان بعد انتهاء الحفل إلى جوار الخليفة، وهو يتلقى التهاني، يقدم إليه الأعيان من الحضور، فكان الحسن الثاني لا يبدو عليه حين التقديم أنه تعرف عليهم لأول هذه المناسبة، بل كان يواجه ذلك التقدم لأناس كأنه كان يعرفهم معرفة ما، أو كانت فراسته بهم تكفيه في هذا التعرف.
 وعلى ذلك كان دوما يختار رجاله، وهو ولي العهد، ليعتمد عليهم فيما بعد.  وكان هؤلاء عديدين عرفهم تلقائيا، أو عرفوا له، فاختبرهم شخصيا بادئ ذي بدء، واعتمدهم حالا، أو هيأهم للاعتماد عليهم مستقبلا.
وأسس مجلس الدستور، مكونا من رجال كان غالبهم غير معروف له، فلم تظهر عليه ملامح الرضى والارتياح، حين حضر مع والده رحمه الله، ليدشن هذا التأسيس فكان الامتعاض باديا عليه، وهو في بذلته العسكرية.
 وزيادة على اختياراته للناس له اختيارات للأعمال والقيام بها، شاملة لدقائقها وصغائرها، كما هي في عظامها وكبارها، مما ينبهر له حتى الصناع والعاملون، الذين نبهوا على ما لم يكونوا متنبهين له من ذي قبل، وهي مزية لها مقوماتها من الشخصية المكتملة التي انبثقت عنها فكرة المسيرة المظفرة والتحدي الذي عصمت على صخرة أطماع الفاتنين المفتونين، فاستحقوا أن ينشد فيهم:
 كناطح صخرة يوما ليوهنهــا        فلم يضرها وأوهي قرنه الوعــل
نعم، تحطمت الأطماع التي حطم أصحابها ذرة الوحدة والوئام، التي كانت تتمتع بها القارة السمراء، فتمزقت كل ممزق وانقسمت فيما بينها وعلى نفسها، فكانت المجابهات الدامية والانقلابات الجنونية، وفقدت الثقة في النفس وحل محلها الاعتماد على الغير والاحتماء به، خشية الغير وخشية النفس كذلك.
 وظل المغرب قلعة صامدة ومنارة يهدى بها في الظلمات الحالكة التي يتخبط القوم فيها واليوم يطل علينا عيد ناصع البياض لا يزداد مع الأيام إن شاء الله، إلا نصاعة، على نصاعة، ولن يزداد المخالفون إلا فظاعة ووضاعة، وتلك عاقبة الذين تنكروا للمثل التي كانوا يدعون إليها، تنكروا للمبادئ التي تسنموا أدراجها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here