islamaumaroc

دور الشباب في الحياة العامة

  مولاي عبد الله لطفي

270 العدد

 من المعلوم تاريخيا أن العالم العربي-والإسلامي- كان مركز إشعاع حضاري في الوقت الذي كانت فيه أوربا الحالية تغط في نومها العميق تحت كابوس الكنيسة وتحت وطأة الجهل والفقر والظلم والطغيان.
 والعامل المساعد على تقدم المسلمين وتحضرهم هو التعاليم الإسلامية المأخوذة من مصادرها الصافية: القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف: وبفضل النهل منها حتى الثمالة نبغ علماء مسلمون، وفقهاء، وأدباء، وشعراء، وفلاسفة، ومخترعون ومكتشفون وبذلك قصب السبق حازوا قصبا لسبق في مختلف المجالات: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، مما جعل بعض المنصفين من غير العرب والمسلمين يعترف لهم باليد الطولي في ميدان التقدم الحضاري بينما تنكر لدورهم الحضاري بعض المتعصبين الذي نسب ذلك كله إلى الأوربيين وحدهم.
 ووراء كل تقدم وتحضر الشباب المسلم بفكره الثاقب وعلمه وعمله الجدي، وطموحه اللامحدود، وإيمانه القوي هذا الشباب الذي أبدع واخترع واكتشف ولعب دورا كبيرا في مجالات العلوم، والتشريع والحرب معية الرسول أو بعده وإلى قيادته-الشباب- وزعامته يرجع الفضل في القضاء على الإمبراطوريتين العظيمتين اللتين تشبهان في الوقت الحاضر روسيا، وأمريكا من حيث القوة المادية واقتسام العالم ألا وهما إمبراطورية كسرى، وإمبراطورية قيصر.
ومن واجبنا أن نفتخر بشبابنا وبتاريخ المجيد الحافل بالأمجاد والبطولات، والمفاخر، والانتصارات والتي كان للشباب فيها نصيب الأسد كل ذلك حفاظا على ديننا، وكياننا ووطنا وسيادتنا ضد الأعداء.
 وللشباب المسلم دور كبير في الدعوة إلى الله وإرشاد العباد إلى أقوم السبل باللين واللطف وطول النفس مما سهل على كثير من الناس أن يعتنقوا الإسلام عن اقتناع إضافة إلى إلى القدرة الحسنية التي كان يتسم بها الشباب المسلم تطبيقا للقرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة.
 وللشباب المسلم دور هام في تحرير البلاد من براثين الاستعمار وفي بنائها والنهوض بها نتيجة نكران الذات في سبيل المصلحة العامة والرسالة الخالدة: رسالة الإسلام.
 ولو رجعنا إلى التاريخ الإسلامي لوجدنا فيه أن كثيرا من الشباب العربي المسلم سخر كل إمكانياته وطاقته لصالح أمته ونذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر:
1)سيدنا عليا كرم الله وجهه الذي كان أول من آمن من الأطفال بعد ظهور الإسلام ولما يتجاوز عمره الثانية عشرة وكيف سخر شبابه-بل وكهولته- دفاعا عن الإسلام والمسلمين والذي كان حضوره دائما مسجلا في ساحة الوغى مع الرسول صلى الله عليه وسلم خلا الغزوة الأخيرة: غزوة تبوك ضد الروم إذ تركه الرسول الكريم في المدينة المنورة خليفته على رأس الدولة الإسلامية الفتية في انتظار رجوعه صلى الله عليه وسلم.
2) أسامة بن زيد الذي عينه الرسول صلى الله عليه وسلم على سرية متجهة نحو"ابني"(1) مقتل والده زيد بن حارثة – وفي هذه السرية كبار المهاجرين والأنصار منهم أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة وسعد يأتمرون بأوامر أسامة الذي لم يتجاوز عمره السابعة عشرة الأمر الذي أثار انتقاد جماعة من المسلمين والذي حسمه الرسول الكريم بقوله:" أما بعد: أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أباه من قبله؟ وايم الله إنه كان لخليقا بالإمارة وأن ابنه من بعده لخليق بها وأنه كان لمن أحب الناس غلي وإنهما لمظنة لكل خير فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم" ومما تجدر الإشارة إليه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين مخاطبتهم لهؤلاء كان في حالة غضب شديد.
 على أن هذه السرية لم تنفذ ما كلفت به بسبب شدة مرض الرسول الكريم الذي التحق فيه بالرفيق الأعلى نعم نفذتها أيام أبي بكر الصديق بعد توليته مباشرة.
 والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو لماذا عقد الرسول الكريم اللواء لأسامة رغم وجود أمثال أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وسعد كما ذكر أعلاه أليس في الجيش الذي على رأسه كفء غيره؟؟
  الجواب –الله ورسوله أعلم- يكمن في كون الرسول الكريم أراد بذلك إتاحة الفرصة للشباب ليتمرس على تحمل المسؤولية وهو في عنفوان شبابه ثروة الذهب الأسود والأصفر.
 وتتجلى أيضا إتاحة الفرصة للشباب من طرفه صلى الله عليه وسلم حينما أخبر باقتراب المشركين من المدينة المنورة وعددهم ثلاثة آلاف قال عندما استشار أصحابه:" إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن هم أقاموا أقاموا بشر مقام، وأن هم دخلوا علينا قاتلناهم" ذلك هو رأيه الخاص لكن لما رأى إصرار الشباب على الخروج لملاقاة العدو دخل منزله ولبس لباس الميدان: درعين الميدان: درعين وسيفا وترسا وفي فترة وفي فترة توجهه إلى منزله استلباسه لباس الميدان- كما سبق- خاطبه الشباب بقوله: يا رسول الله نتبع رأيك فأجابه صلى الله عليه وسلم بقوله:" ما كان لنبي لبس سلاحه أن يضعه حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه..."(2).
 وللشباب دور أساسي في النهوض بالبلاد وتحريرها من ويلات الجهل والفقر والمرض لأنه على عاتقه تقع المسؤولية الكبرى التي تفرض عليه أن يعمل ليل نهار لكي يتبوأ بلده المكانة اللائقة بين الدول.
 وللشباب دور مهم في الحياة العامة: سلما وحربا: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا وعسكريا وعليه فيجب أن تستغل قدراته وطاقاته وإمكانيته في كل ما يفيد المجتمع لأن طاقته تلك أشبه شيء بالنار المتأججة فإذا لم تقع المبادرة باستغلالها فمن المحتمل جدا أن تهب رياح هوجاء فتطفئها بسرعة
 كما قال الشاعر:
 إن الشبيبة نار إن أردت بها     أمرا فبادر فإن الدهر مصطفيها
 وعلى الشباب أن يدرك جيدا أن فتوته طاقة ثمينة أن أهدرها لا تعوض ولا تعود وإنما تعود وإنما الحسرة والندم عليها ولات ساعة مندم كما قال الشاعر:
 ألا ليت الشباب يعود يوما       فأخبره بما فعل المشيب
 وإن طاقة الشباب أغلى من الذهب لأن الذهب إذا ضاع لسبب أو لآخر يمكن تعويضه والحصول عليه آونة أخرى أن عاجلا وإن آجلا بخلاف الشباب.
 وعلى الشباب أن يستثمر هذه الطاقة ويؤدي دوره الحيوي في مختلف المجالات بإخلاص، وتفان ونكران ذات آخذا بعين الاعتبار آراء الشيوخ الذين لهم تجربة رائدة في ميدان الحياة وآراء صائبة لا ينقصها إلا وسائل التنفيذ التي يتوفر عليها الشباب: أمل البلاد والعباد كما قال الشاعر:

 إنما التجارب للشيوخ وإنما  أمل البلاد يكون في شبانها
ومن الملاحظ أن كثيرا من الشباب – مع كامل الأسف- يهدر شبابه في اللف والدوران، وفي المقاهي والحانات، وفي أماكن اللهو وبؤرة الفساد فلا هو استفاد ما ينفعه حاضرا ومستقبلا؛ ماديا وأدبيا. ولا هو أفاد الآخرين وكأن الوقت الذي يضيعه عدوه اللدود جاهلا أو متجاهلا أن الحياة عبارة عن دقائق وثوان كما قال الشاعر:
 دقات قلب المرء قائلة له       إن الحياة دقائق وثوان
 وصدق الشاعر حين قال بأن الشباب والفراغ والغنى يفسد المرء إفسادا كبيرا قال:
 إن الشباب والفراغ والجاه     مفسدة للمرء أي مفسده
ومن جهة أخرى فعلى الشباب أن يقهر الشيطان ويحفظ دينه وذلك بالزواج عند ما تتوفر شروطه مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم" أيما شاب تزوج في حداثة سنه عج شيطانه: ياويله عصم في دينه.
وقوله أيضا تنفيرا من مساوئ العزوبة "شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم"(4).
 ومن واجب الشباب أن يبتعد عن كل ما يضعف جسمه وعقله ويغصب ربه، ويستنزف ما له ويقلق راحته، وينغص حياته وذلك كالخمر –أم الخبائث- والقمار، والمخدرات والزنا الذي بدأت نتائجه السيئة في الوقت الحاضر تقض مضجع العالم وتبدل أمنه خوفا وراحته تعبا بعد ظهور داء "السيدا" والذي أصيب به في الولايات المتحدة زهاء %40 .هذا الداء كان نتيجة عدم تطبيق نواهي الله الذي يدعونا إلى الابتعاد عن الزنا لأن من رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه حيث قال:" ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا"(5).
ومن واجب الشباب أيضا أن يتمسك بدينه ولغته، وتقاليده الصالحة ويبتعد عن التقليد الأعمى بالنسبة للأجانب، نعم يفيد تقليدهم في ميدان العلم والمعرفة والإخلاص والإتقان والابتكار، والاختراع والاكتشاف بحيث مثلا لو رجعنا إلى لائحة الذين غزوا الفضاء شرقا وغربا لوجدنا أعمارهم لا تتجاوز الثلاثين سنة غالبا.
 ومن واجب الشباب أن يترك جانبا الكسل والخمول ويعمل لديناه كأنه سيعيش أبدا، ولآخرته كأنه سيموت غدا.
 ونظرا لما لفتوة الشباب من أهمية بمكان وصف الله بها سيدنا إبراهيم محطم الأصنام قال وهو أصدق القائلين:" قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهــــــــيم(6).وكما وصف بها سيدنا موسى عليه السلام في قصة بنات شعيب قال:" يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين(7).
 وكما وصف بها أصحاب الكهف حيث قال:" إنهم فتية –آمنوا بربهم وزدناهم هدى" (8). وكما نجد نفس الوصف لدى يوشع بن نون خادم ورفيق سيدنا موسى في رحلته العلمية بحثا عن سيدنا الخضر ليتعلم على يديه قال تعالى: " وإذ قال موسى لفتاه لا ابرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقـــــبا"(9).
 وبمناسبة حلول ذكرى عيد الشباب الذي يخلد هذه السنة الذكرى التاسعة والخمسين لميلاد رمز الشباب وعزيمة الشباب جلالة الحسن الثاني نتقدم بتهانينا الحارة إلى السدة العالية بالله راجين من الله جل شأنه أن يطيل عمره، ويسدد خطاه. والذي مافتئ يرعى ويوجه ويرشد- ويخطط- الشباب تذليلا للعقبات ووصولا به إلى الأهداف المنشودة، والمطامح المرجو ة (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون). صدق الله العظيم.


1) محل قريب من مؤتة (نور القين في سيرة سيد المرسلين للخضري بك/270-171)
2) نور اليقين في سيرة سيد المرسلين 134-135 .
3) لأبي يعلى في مسنده عن جابر(حديث ضعيف) الجامع الصغير1/456.
4)لأحمد في مسنده عن أبي ذر ولأبي يعلى في مسنده عن عطية بن يسر(حديث حسن)نفس المصدر نفس المصدر السابق ص 76
5) سورة الإسراء /32.
6)سورة الأنبياء 59-60.
7) القصص 26.
8) الكهف 13.
9) الكهف 59.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here