islamaumaroc

الرعاية الاجتماعية للشباب

  محمد الإدريسي

270 العدد

الإسلام دين اجتماعي، والدليل على ذلك ما فيه من فروض جماعية وتعاون على البر والتقوى ودعوة للتعارف والتوادد وأوامر لصالح الجماعة والمجتمع، نذكر على سبيل المثال هذه الآيات البينات: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين).(البقرة 238) (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (المائدة 2).
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)(الحجرات 13).
إنه بحكم اجتماعية الإسلام فإننا نقول بحتمية الرعاية الاجتماعية للشباب ابتداء من مرحلة الطفولة ليصلوا إلى فترة المراهقة وهم في صيانة ووقاية، وتحقيق هذا الثنائي يكون بواسطة الأسرة فهي المكلفة بتربية الطفل وتهيئته جسما ونفسا وخلقا للقيام بوظائفه المختلفة في خدمة قومه ووطنه كما قال الأستاذ محمد جاد المولى:
ومسؤولية الأسرة الكبرى هي العناية بالأولاد وتربيتهم هذه التربية الصالحة وهي من أكبر واجبات الأبوين التي يفرضها الشرع ونظام الاجتماع عليهما، كما أن إهمالهم والتفريط في تربيتهم من أكبر الجنايات التي يأباها الدين الإسلامي وتعاقب عليها القوانين الوضعية، استمعوا إلى قوله صلى الله عليه وسلم وتأملوه كما يجب" أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم فإن أولادكم هدية إليكم"(1).
 فما أعظمه من توجيه نبوي كله حنان ووفاء ورحمة بفلذات الأكباد، ليت الآباء يلتزمونه والأبناء يقدرونه.
 إن الرعاية الاجتماعية للشباب هي الأساس في تكوين الجيل وإعداده الإعداد اللائق والملائم ليكون صالحا، والذي يجعله في المستوى المطلوب من حيث تشبعه بالروح الدينية العميقة ومواكبته وقبوله للتطور المعقول بدون انبهار أو غفلة عن دينه.
وبما أن الأسرة هي إحدى المؤسسات الاجتماعية الأولى في ميدان رعاية الشباب فإن الأمل سيبقى دوما معقود عليها في هذا الشأن لكونها لبنة أساسية في هذه الرعاية فمسؤوليتها عظمى ودورها أعظم.
إن الأسرة هي المدرسة الأولى للطفل ورجل الغد، فهي مسئولة عن تربيته على أسس سليمة مسؤولة عن توجيهه الوجهة الصحيحة.
 وهكذا ستبقى العائلة هي صاحبة الحل لمشاكل الشباب والمسؤولة عن رعايتهم في المجتمع الإسلامي فالعملية التربوية المرضية منوطة ولا مناص لها منها لأنها تكليف رباني وأمر نبوي:
(يا أيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون).(التحريم 6)
 وقال صلى الله عليه وسلم( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها..)(2).
ولن تنجح الأسرة في دورها ولن تقوم بمسؤوليتها على أكمل وجه إلا إذا وعت وأدركت جسامة ما هو منتظر منها وهو ألا  يفلت الزمام منها: فالأسرة الحكيمة هي التي يستعمل ربها الشدة في الوقت المناسب واللين في الوقت المناسب، هو أن يسود جوها الحب، هو أن يكون الأب متفاهما مع أولاده بأن يتيح لهم باستمرار جو التفاهم، هو ألا يكون ديكتاتورا داخل البيت ومستبدا ومتسلطا فيصير البيت كالسجن أو المعتقل، لا يطاق العيش فيه والأم هي الأخرى يتحتم عليها أن تكون صديقة لبناتها، تهتم بما يساورهن من خواطر وتستمتع لبنات أفكارهن وتستقبل مشاكلهن بالحلول لا بأنصاف الحلول، وليس بالرفض أو النهر، وحتى إذا اضطر الأب أو الأم إلى ضرب الأولاد فليكن في المرحلة الأخيرة وضربا غير مبرح لا يشوه أو يؤذي ولا يؤثر على نفسية الابن أو البنت بأن يحولهما إلى إنسان محطم لا إرادة له ولا وجود، والحقيقة أن الضرب هو وسيلة العاجز، والمعروف أن أسلوب القهر وطريقة القصر في تربية الأبناء لا يرضاهما ديننا ولا تقرهما سنة الرسول المربي صلاة الله عليهن فما أحكم التوجيه المبني على التفاهم والإقناع والتودد والتحبيب، وما أحسن الرعاية المدعمة بالمحبة والعطف والاستقطاب ورحابة الصدر من طرف الآباء نحو الأبناء، فإذا تطلع الأب إلى طاعة ابنه فليعنه على تحقيق ذلك، ولنتأمل في هذا الصدد قوله صلى الله عليه وسلم:" رحم الله والدا أعان ولده على بره"(3). ولا تتحقق الإعانة هذه وهي بيت القصيد إلا بالتربية الواعية ومعرفة حقوق الآباء على الأبناء وحقوق الأبناء على الآباء وإلى هنا يكون البر بالوالدين واقعا ملموسا وخلقا يلازم أبناءنا.
يقول الدكتور محمد الأخرس:" إن طريقة القس المتبعة في تربية الأطفال لا تعطي مردودا إيجابيا في كل الأحوال، فالأب الذي ينهر ابنه لأي شيء ودون مبرر كاف للعقاب يسيء إلى ابنه ونفسه وإلى المجتمع. وأن العلاقة بين الوالدين والأبناء يجب أن تبنى على عقلية يحكمها المنطق، وتغذيها العاطفة وبعيدة عن الاستشارات والانفعالات العصبية، وهذا ما يشير إليه تطور أسلوب التربية"(4).
وهذا التطور الذي أشار إليه الدكتور الأخرس ليس جديدا على مجتمع المسلمين لأن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم طبقه واتبعه مدة حياته وركز عليه في سنته، في معاملاته مع أولاده وأحفاده،  ومع خدمه ومواليه، ومع المحيطين به، كما نراه بجلاء في أحاديته وتوجيهاته للناس، فقد كانت نداءاته صلى الله عليه وسلم للآباء هي أن يكونوا رحماء بأولادهم مشفقين عليهم، فالشباب أرق أفئدة وهم سريعو العودة إلى الصواب، إذا وجدوا من يأخذ بأيديهم ويحسن الصلة بهم، وهم يحتاجون أكثر إلى منتهى الرقة منذ نعومة أظافرهم، وهي رقة تجمع بين الترغيب والترهيب بدون هيمنة أو شدة مغالية، وحتى لو فرضنا بأن مشاكلهم مستعصية على الحل فإن مسؤوليتنا نحوهم توجب علينا أن نفعل المستحيل لإنقاذهم من وهدة الانزلاق وتخليصهم من حمأة الرذائل، وما كانت مشاكلهم في غالب الأحيان إلا بسبب تقصير الآباء وسوء تدبيرهم وضيق أفقهم وبعدهم عن معاناة فلذات أكبادهم وهروبهم من حلول مشاكلهم.
إذا انحرف الصغير فالسبب هو انحراف الكبير، وذلك يعود لغياب القدوة الصالحة وسط الأسرة التي من المفروض عليها أن تنشئ جيل المستقبل تنشئة اجتماعية صالحة تربطه بوسطه الصغير وتصله بمجتمعه الكبير وهي تنشئة يعرف بواسطتها كيف يتصرف، وكيف يتعامل وكيف يتكيف مع الغير على أساس أخلاق اجتماعية طيبة عمدتها حب الخير للآخرين شعارها" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"(5).ولنمثل للانحراف الكبير وارثه البعيد المدى على الصغير بظاهرة الكذب المتأصلة في الناس فهو كمرض اجتماعي يعتبر خطيرا ويلازم الكثير من البشر وإذا لم يعالج منذ الصغر بالتزام الصدق ظهرت آثاره في مرحلة الكبر، وحجتنا دراسة نشرتها صحيفة الواشنطن بوسط نقلا عن مجلة أمريكية متخصصة في علم النفس، وتركز الدراسة على الدور الذي يلعبه الكذب في حياة الإنسان، تقول الدراسة: " إن الأطفال يلجئون إلى الكذب لنفس الأسباب التي تدفع الكبار إليه مثل تجنب العقوبات على الأفعال أو لأنهم يريدون الحصول على شيء معين"(6). وتؤكد الدراسة "أن متوسط عدد المرات التي يلجأ فيها الكبار إلى الكذب لا يقل عن 12 مرة كل أسبوع فما بالك بالصغار.
والصغار الذين ينشئون بين أبوين مبدؤهما الغاية تبرر الوسيلة عادة ما يلجئون إلى الكذب مقتدين بآبائهم الذين لا يترددون أبدا في اللجوء إليه للحصول على ما يريدون كما يقول الدكتور "بول اكمان" الأستاذ بجامعة سان فرانسيسكو بكاليفورنيا، ولكن هناك وجهة نظر أخرى في الكذب يعرفها الدكتور" أورلاند جولد بيرغ" أستاذ علم النفس في جامعة شيكاغو تتلخص في أن الكذب عند الأطفال يعتبر مرحلة طبيعية من مراحل نموهم مثلها مثل الصدق(7).
وتقول الدراسة " إن التجارب أثبتت أن الأطفال الذين دأبوا على الكذب وأصبح سمة من سماتهم المميزة وقعوا في مشاكل أكبر عندما تقدم بهم العمر ودخلوا في مرحلة الشباب ثم الرجولة"(8).
 و كم أمر الله في كتابه الكريم بالصدق ودعا المؤمنين على التزامه لأنه خلق رفيع ومن مكارم الأخلاق ومن فضائل الدين الحنيف وصفات المجتمع الإسلامي، وصدق الله العظيم:(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).(التوبة 119).
 إن الدور الإيجابي للأسرة يتمثل دائما في القدوة الحسنة، فليكن الوالدان دوما مثلا يحتذى، يدعو إلى البر تلقائيا ويشجع على فعل الخير عن طواعية والتزام السلوك الطيب في الحياة على الدوام، و هنا أفسح المجال لصاحب مناهج الفلسفة، يقول:" إذا شئت أن يكون ابنك مؤدبا فكن مؤدبا وإذا شئت أن يكون مرتبا فكن أنت كذلك ولست بعد ذلك في حاجة إلى شيء آخر، إنك حين تلجأ إلى اللغة العنيفة والألفاظ المثيرة توجهها إلى الطفل، حتى تحت ضغط الإثارة الشديدة إنما ترسخ في نفسه بالمحاكاة ذكرى العبارات النابية فآداب السلوك لا يمكن أن تعلم إلا مع الصبر بالمثل المستمر، وهذا شيء صعب يكاد يتطلب منا أن نعيد تربية أنفسنا، وبهذا الطريق يربينا أطفالنا. وكم نزل رجال الأخلاق في العصر الحاضر من هذه المبادئ الرفيعة إلى حضيض التصالح المبتذل وفقدوا صوابهم وذكاءهم ولجأوا إلى الأوامر والعنف، إنني أسوق هذه النصائح الداعية إلى الكمال لتشجعني حتى أطبق ذات يوم  ما أبشر به".(9)    
هكذا يقول ول ديو رانت" حتى أطبق ذات يوم ما أبشر به" ولكن رسول الإسلام قد طبق ما بعث به وما أمره به من مبادئ وتعاليم وفضائل وأخلاق، وكانت التلبية الفورية للمؤمنين به لأنه صلى الله عليه وسلم كان مثالا حيا ونموذجا واقعيا، ويكفينا في التدليل على واقعيته وأخلاقيته الرفيعة التي تستقطب وتحفز الإنسان للتأسي به والاهتداء بهدية قوله تعالى:(وإنك لعلى خلق عظيم )(القلم 4).
كان صلوات الله عليه أسوة لأن ربه أدبه فأحسن تأديبه كما قال عن نفسه، وهو تأديب للتطبيق لأن المؤدب بشر مبعوث إلى البشر، وكانت سرعة الاستجابة له لأنه كان قدوة صالحة وهذا ما يحتاج إليه بإلحاح المربون والوعاظ والدعاة والمصلحون، ورعاية الصغار واستجابتهم للكبار لا يمكن أن تتحقق حتى تكون في الكبار الناحية الخلقية والتربوية مجسمة فيهم، فهذه العملية التطبيقية هي التي تؤكد بصدق رحمة الكبار بالصغار وتدعو الصغار لاحترام الكبار، وهذا ما لمسناه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان عمليا وواقعيا في دعوته للاهتمام والعناية بأجيال الغد.
إن الرعاية الاجتماعية التي يحتاج إليها شبابنا من الصغر تجمعها كلها هذه الأحاديث النبوية الرائدة: "أرجعوا إلى أهليكم فكونوا فيهم وعلموهم وبرهم"(10)" من كان له صبي فليتصاب له"(11). " بيت لا صبيان فيه لا بركة فيه"(12).،" إن الله يحب أن تعدلوا بين أولادكم حتى في القبل"(13). "ساووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء"(14)." لا تكرهوا البنات، فإنهن المؤنسات الغاليات"(15)." إن من لا يرحم لا يرحم"(16).وهذا الحديث الشريف التوجيهي الذي يفيض حنانا وحبا خاطب به الرسول المربي الأقرع ابن حابس حينما رأى رسول الله يقبل ولده الحسن، فقال له متعجبا:" إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم" فكان توجيه الرسول الكريم له بأن فعله مع أولاده يدل على عدم الرحمة وفقدان عنصر الحب في قلبه لهم.
والرعاية الاجتماعية لكي تتحقق لا بد أن تكون مرتبطة بالقدوة، والقدوة المطلوبة يمكن تحقيقها من جديد بتأمل السيرة الشريفة واستلهام الآية الكريمة: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا).(الممتحنة:6).


1)رواه البخاري
2)جزء من حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي.
3) أبو الشيخ في الثواب عن علي.
4) عن مجلة العلوم الاجتماعية بالكويت أكتوبر 1973 العدد 1 السنة 1 صفحة 24 بتصرف
5)رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد.
6) عن صحيفة عمان العدد الأسبوعي رقم 2565 بتاريخ 10 شوال 1408 موافق 26 مايو 1988 بتصرف.
7) نفس المرجع بتصرف.
8)نفس المرجع يتصرف
9) عن كتاب مباهج الفلسفة المشار إليه ج، 1 من 245-246 لصاحبه ول ديورانت طبعة 1955 ترجمة الدكتور أحمد فؤاد الأهواني.
10)رواه البخاري ومسلم.
11) رواه ابن عساكر عن معاوية.
12) أبو الشيخ ابن حبان.
13) ابن النجار عن النعمان ابن بشير الأنصاري.
14) رواه الطبراني والخطيب.
15) رواه أحمد والطبراني عن عقبة ابن عامر.
16) رواه أحمد في مسنده.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here