islamaumaroc

ثورة القرآن والعقل على أسارى التقليد والنقد[ل؟]

  دعوة الحق

31 العدد

البرنامج الذي جاء القرآن لتطبيقه هو تهيئه البشرية وتأهيلها لحياة أسمى من الحياة التي حيرت منذ القدم الفلاسفة والحكماء والمومنين وغير المومنين لتلك الحياة التي أخبر عنها القرآن في آخر سورة العنكبوت: وأن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعملون. عبر عن الحياة بلفظ الحيوان لما هو معلوم عند أئمة اللغة من أن صيغة فعلان في أصل وضعها تدل على الحركة والاضطراب كالجولان والسيلان والروجان والغليان والخفقان للدلالة على أن حياة الدار الآخرة استجمعت كافة عناصر الحياة في سائر مظاهرها يشهد لأن الإسلام جاء لهذه الغاية الجديرة بمن تشرف بخلافة الله في أرضه أن القرآن الذي هو منبعه ومطلعه جاء على صورة مضمار لتتسابق فيه الهمم تسعى سعيها في ضوء القرآن وتستمطر بنوئه على حد ما عبر عنه عليه صلوات الله: اليوم الرهان وغدا السباق والجائزة الجنة اقتباسا من قوله جل ذكره: والسابقون السابقون سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض. انفروا خفافا وثقالا. ونظيره ما جاء في سورة المائدة في معرض الكلام على الأمم الثلاث المنتسبة إلى كتاب سماوي: اليهود والنصارى والمسلمين. أمتن على اليهود بأنه أعطاهم التوراة وأمتن على النصارى بأنه أعطاهم الإنجيل ثم ختم بالمسلمين وأنه سبحانه أعطاهم القرآن. بعد تذكير الأمم الثلاثة بما أنعم عليهم قال عز من قائل ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات. فالأمر بين الثلاثة كما ترى مسابقة ومساجلة في الخيرات وإحراز أعالي الدرجات.
هذا مع العلم بأنه قل أن توجد سورة في القرآن لم يتعرض فيها لذكر العمل تصريحا أو تلويحا مع إناطة الجزاء بالعمل أذكر من ذلك على وجه الاستشهاد هذه الآيات: ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون- وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين- ولكل درجات مما عملوا- فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون- ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سواء يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا- ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وأن كان مثقال حبة خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين- والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، فلنسالن الذين أرسل إليهم ولنسالن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين والوزن يومئذ الحق- فاستمسك بالذي أوحى إليك أنك على صراط مستقيم وأنه (القرآن) لذكر لك ولقومك وسوف تسالون- يوم كل شيء حسيبا.
فليفكر أهل البصائر في كلمة كل في هذه الآية وليفكر فيما هو من شكلها من أمثال قوله تعالى جده: وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا- بعد هذه الآيات الناصعات التي لا مجال فيها يحال للتأويل والتوجيهات نقرأ لأبن منبه ويا للعجب قوله: (لا يوزن من الأعمال إلا خواتمها) وأعجب من تقبل الجمهور لهذا الأثر وأمثاله المصادم على طول الخط لتعاليم القرآن ومحكمات آياته حتى أصبحنا نسمع: العبرة بالخواتم الأمر الذي جر الدهماء إلى اعتقاد أن الغاية من هذه الحياة هو في الخروج منها بخير في آخر ساعة وأما بقية العمر على طوله فالعمل فيه على التأهل والتسامح والتعايش السلمي مع النفس.
فقلت لعلمي والتنسك والتقى           تنحوا وما بيني وبين الهوى خلوا
ومن وراء ذلك القرآن ينادي: وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن، أمثال هذه الآيات التي سمعت أيها القارئ الكريم هي التي يلوح طابعها على صفوة الصدر الأول الذين يقول فيهم التنزيل: من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا- الذين قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم أيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل- كنتم خير أمة أخرجتن للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر- وعلى ضوء لمعان سيوفهم سار من تبوأ مقعدا في تاريخ الإسلام من أمثال سعيد بن المسيب التابعي الجليل ومن خبره أنه كان فقد إحدى عينيه في إحدى الغزوات ثم بعد حين أهاب الداعي بالخروج لغزوة أخرى فكان في طليعة من ساروا إليها فقال له بعض معارفه: يا سعيد سقطت عنك فريضة الجهاد إن الله سبحانه يقول: لا يستوي القاعدون من المومنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله. وأنت من أولي الضرر فما كان منه إلا أن أجاب سبحان الله أن الله استنفرنا خفافا وثقالا إذا لم يمكني قتال أكثر السواد واحفظ المتاع ونظيره ما يوثر عن أبي خيثمة الصحابي الأشهر ومن خبره: كان ممن تخلف عن الخروج مع رسول الله (ص) في غزوة تبوك لغيبة اعترضته وبعد أيام دخل على أهله في يوم حر فوجد امرأتيه في عريشتين لهما في حائط، وقد رشت كل واحدة منهما عريشتها وبردت فيها ماء وهيأت طعاما فلما نظر إلى امرأتيه وما صنعتا قال رضي الله عنه: رسول الله في الحر وأبو خيثمة في ظل وماء بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء ما هذا بالصنف ثم قال الله لا أدخل عريشة واحدة منكما حتى الحق برسول الله فهيأ لي زادا ثم ارتحل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ثم خرج في طلب رسول الله حتى أدركه، هـ. من تفسير روح البيان عند تفسير قوله تعالى: وقالوا لا تنفروا في الحر في سورة التوبة.
إلى جانب هذه التربية القرآنية التي نشرت أمامك أيها القارئ الكريم نجم قرن تربية أخرى درجت من عش علم الكلام الموصول النسب بفلسفة مجهولة الأصل في معظمها ما فتئت هذه التربية الطارئة أن طوت التربية القرآنية مستبدلة لها بتعاليم نسمع صداها في أمثال كتاب جوهرة التوحيد للقاني التي أظهر فيها الإسلام في مظهر دكتاتورية حيث يقول فيها صاحبها:
 
بخالق لعبده وما عمل                          موفق لمن أراد أن يصل
وخاذل لمن أراد بعده                          ومنجز لمن أراد بعده
فوز السعيد عنده في الأزل                    كذا الشقي ثم لم ينتقل
فإن يثبنا فبمحض الفضل                       وإن يعذب فبمحض العدل
أقل ما يقال عن عقيدة كهذه أنها هدم للتكليف من أسه وأبطال لحكمه إرسال الرسل وهنا أعرض على أنظار طلاب الحق ما جاء في أصول العقائد المسيحية وهو أن السعادة لا تنال بالأعمال بل بمحض الفضل (لاجراص) من أراد الوقوف عليها فليطلبها في تاريخ الديانات العام لمؤلفه جول لابوم وفي كتاب ما لتتبعن بعد الموت لصاحبه ليون دونيس –صدق رسول الله: لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه فليختر من أراد الاختيار بين الذي هو أدنى والذي هو خير والمجال هنا فسيح للتفنن في ضروب التأويل والترويم ويرحم الله القائل: 
 لي صاحب أفديه من صاحب                    حلو التاني حسن الاحتيال
لو شاء من رقة ألفاظه                            ألف ما بين الهدى والضلال
من عجيب ما كشف عنه الزمان أن العقيدة المقررة في جوهرة اللقاني رحب بها المستشرقون أيما ترحيب وسارعوا إلى ترجمتها اخص بالذكر من بينهم المستشرق ج. د. لو سيأني الذي لم يقنعه ترجمة المتن حتى ترجم شرح المنظومة لصاحبه عبد السلام الباجوري طبعت الترجمة بالجزائر عام 1907 بمطبعة بيار فنطاته والمترجم يشغل يومئذ منصب مدير للأمور الأهلية لعموم القطر الجزائري ولأمر ما أدخلت الحكومة الاستعمارية هذا الكتاب في برنامج التعليم الإسلامي في المدارس العليا الثلاث قسنطينة والجزائر العاصمة وتلمسان- فليتأمل ذوو البصائر وليأخذوا حذرهم من أهل الكتاب والحذر والحزم إنما هما في إقامة العقيدة على تعاليم القرآن ومبادئه التي هي الطريق الذي لا يخاف صاحبه دركا ولا يخشى تلك المبادئ التي سردت منها نبذة من الآيات على أني لا أنسب إلى الغلو أن قلت أن ما ذكرته من الآيات تغنى عنه فيها نحن فيه آية واحدة هي قوله تعالى جده: وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا. إذا كان الابتداء هو الغاية من وجودنا في هذه الحياة ترتب عليه لزاما إن الابتداء لا يعقل ولا يتصور إلا في حق من يصلح للابتلاء وعليه بني التكليف المشار إليه في قوله سبحانه: إنا عرضنا على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنا وأشفقن منها وحملها الإنسان- ومن هنا ندرك السر في تفاوت الدرجات يوثر عنه عليه السلام أنه قال: (رأى رجل في الجنة عبده أعلى منه درجة فقال يا رب هذا عبدي ما باله أعلى مني درجة فيقول الباري سبحانه: جزيته بعمله جزيتك بعملك. ولأمر ما يقول عليه السلام: الإيمان والعمل شريكان في قرن لا يقبل الله أحدهما إلا مع صاحبه.
وفي الختام أقول على وجه الاستنتاج بأن أولادنا الذين أصبحوا اليوم يتخرجون من الجامعات والكليات لا تتسع أفكارهم ولا تستسيغ عقولهم إلا ما زكاه المنطق وأيده الواقع وماجريات الحياة وإلا جفلوا من حظيرة مجتمعهم جفول النعام بالرجل وبالجناح ولهم العذر وعلينا الوزر فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، اللقاني يقول: فإن ينبنا فبمحض الفضل. مفهوم هذا الكلام بدلالة الالتزام أن الثواب لا يترتب على العمل وإن كليهما لا يمت إلى الآخر بسبب والقرآن يقول: قل إذ لك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا- ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين- والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هو المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون- من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها. والنبي عليه السلام يقول من جهته: ويل لمن غلبت آحاده على اعثاره.
أما التهويل والترهيب بأن هذا الاعتقاد يشعر بالإيجاب على الله فهو تهويل يرمي لغير هدف إنما يرتب الجزاء على العمل بمقتضى ما سنه سبحانه في جملة ما سن من السنن وشهد عليه شاهد من كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون، وإن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى، إنما الغاية من التهويل والترهيب تبرير مذهب الأشعرية والانتصار له مع نسيان صاحبه أو مناسيه لما تكرر في القرآن على طوله.
وكم من فقيه خابط في ضلالة                  وحجته فيها الكتاب المنزل
كيف يخطر ببال من هو العوبة الحوادث وفريسة الديدان أن يوجب على من يقول فيه أحد الشعراء: رأى البحر عرش الرحمان مرة واحدة فهو إلى الآن سكران ثمل. وما قدروا الله حق  قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه -فإذ نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم  يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية. وهنا أذكر بحكم الاستطراد هذه النادرة وهي أن الأمريكي بنجما فرنكلا أوصى أن يكتب على قبره هذه الكلمات: (جسمي أصبح تحت التراب في صورة كتاب بال إفراغ من مضمونه تلاشى تهذيبه واندرست حروفه لكن لا بأس لأن هذا الكتاب سيعاد طبعه في صورة أبهى من الأولى بعد المراجعة والتصحيح من المؤلف).
أخواني الأعزاء أن العهد الجديد الذي تفتحت أبوابه في سائر الميادين على الجهات ألست لا يرضيه منكم إلا مبادئ تستنهض الهمم وتفتح الطريق إلى القمم أنكم تعيشون في عصر يقول فيه أحد قادة الإنجليز نحن قوم أن لاحت لنا فرصة نطمح فيها أن نربح مائة في المائة سرقنا، فإذا كان الربح مائتين في المائة قتلنا، وإذا كان ثلاثمائة في المائة ألقينا بأنفسنا في مهالك، وبإزائه سياسي آخر يقول: إنما أعطينا اللسان لنموه به عن نوايانا:
فالسباق السباق قول وفعلا              حذر النفس حرة المسبوق

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here