islamaumaroc

افتتاحية العدد: روائح الجنة في الشباب

  دعوة الحق

270 العدد

 أليس أن أهل الجنة شباب جرد، مرد، كحل، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم؟
 أليس أن أعمار أهل الجنة لا تتجاوز الثالثة والثلاثين؟
 وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا شبابنا نظر الله إليهم في جوف الليل، منثنية أصلابهم بمعاني القرآن، إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة، بكى شوقا إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النار، شهق شهقة، كأن زفير جهنم في أذنيه...
 ثم أليس أن الشباب المؤمن المسلم، في هذه الدنيا يشبه إنسان الجنة؟
 إن إنسان الجنة لا يعرف القلق والاضطراب، ولا يعرف الغل والحسد، والبغض والضغينة، بل طمأنينة في النفس، وصفاء في الروح، وطهارة في الوجدان، وأمنا وسلاما واستقرارا...
 و الشباب المسلم المؤمن، في هذه الدنيا، قد يذكرك بشباب الجنة، فهم أرق أفئدة وأصلح قلوبا وألين عريكة، صدورهم تفيض بالحب، ونفوسهم قريبة إلى الخير والصلاح...
ثم إن في الشباب معنى الحزم والعزم، والوهج والتوقد، والإرادة والإقدام...وكلمة "الشباب" نفسها فيها معنى الحرارة والنور، والتعاطف و التحابب، والرواء والجمال...
 وكثيرا ما كان الفلاسفة والحكماء والشعراء يعتقدون في براءة الشباب، وسماحته وطهارته إلى حد أن الله لا يرد دعاءهم، ولا يخيب لهم رجاء... و هذا ما صوره أحمد شوقي في قصيدته التي افتتح بها عهد عودته من المنفى بالأندلس حيث يقول:
 وحيــا الله فتيانــا سماحــا       كســوا عِطْفَــيَّ، مـن فخـر، ثيابا
 ملائكــة إذا حفــوك يومـا      أحبــك كل مــن تلقــى، وهـابا
 وإن حملتــك أيديهــم بحورا    بلغــت علــى أكفهـم السحــابا
 ثم يخاطبهم قائلا:
 شباب النيــل: إن لكــم لصوتا          ملبـى، حيـن يرفـع مستجابـا
 فهزوا (الــعرش) بالدعـوات حتى     يخفــف عـن كنانتـه، العذابا
                                                      ***
 إن عنفوان الشباب، وحركات الشباب وحماسه تفضي إلى دار النعيم، في الدين والدنيا، ويهب لهم الحق سبحانه، جنات وعيونا وكنوزا في مقام كريم...
 أليس الذين قادوا الدعوات الإصلاحية وساندوها، وآزروا الأنبياء والرسل، وآثروا، بالعون، الزعماء والمصلحين، وأعلنوها ثورة عارمة ضد الأوضاع الفاسدة، فصلوا حرها، وحملوا عبئها، واندفعوا بحماستهم الملتهبة، وإقدامهم الرائع، كانوا من الشباب، الذين خططوا مصارع الأعداء، ورسموا لأمتهم صور التضحية والفداء؟...
 لقد كان للشباب أثر كبير في معظم الحركات السياسية والاجتماعية الكبرى التي غيرت مصائر النظم والأوضاع، فاستعانوا على خوض غمار الحياة بالصبر والعزم، والإقدام والحزم، وتساموا إلى معالي الأمور وإلى عظائمها...
 فالدعوة الإسلامية، لم تقم إلا على أكتاف الشباب الذين كانوا يتدارسون القرآن غذاء أرواحهم، ومنهج حياتهم، وهدى سلوكهم، لا يريدون شهرة ولا دعاية، ولا يحبون أن يطلع أحد على أحوالهم، ولا يشعر بهم مستخف بالليل أو سارب بالنهار...
 ثم إن المبادئ القويمة، والمثل العليا يكون للشباب فيها النصيب الأوفر، وحظه منها هو الحظ الأوفى... وما الأحداث التاريخية، والأعمال الوطنية، والتحركات التحريرية إلا من صنع الشباب... وهي قلما تقوم على غير سواعد الشباب، لأن التضحية والفداء من مستلزمات هذه الأعمال...
 فنجاح النهضات الكبرى، يرجع في أغلب الأعم، إلى ما بذل فيها من جهود الشباب وهممهم، وإلى مقدار ما ارتبط بها من آمالهم وأعمالهم...
والاستقراء يدلنا على أن الرسالات العظيمة، والمبادئ الكبيرة، كانت، ولم تزل ثمار الشباب، ونتائج الفتوة، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبني عبد المطلب:"إني والله ما أعلم شابا جاء قومه بأفضل مما جئتكم به"...
 فمحمد هنا، وهو في سن الأربعين، سن الرسالة والنبوة، يقر بأنه شاب، وبأن شابا آخر من قريش لم يجئهم بمثل ما جاءهم به محمد أو بأفضل منه...
 فعهد الشباب هو وحده الذي يعيد بناء الأوطان، ويقيم أساسا جديدا للتفكير والتدبير، والتنوير والتطوير، ويجدد اتجاهات الأمة إلى الطريق السليم...
 والرسالات العظمى، والمبادئ القويمة، عموما، لا تكون من خصائص الكهولة أو الشيخوخة، لأن الخروج المألوف، والبعد عن العرف، الذي درج عليه الناس، ومخاصمة الجمهور، تحتاج إلى أعصاب مجدولة، وسواعد مفتولة، لم يرهقها العمل ولم يضنها الجهد، ولم يوهنها اختيار السير في أهون السبل، وألين المسالك...
ثم إن المثل العليا، والمبادئ الهامة، والرسالات الخالدة، لا تحتمل المواربة والمخادعة، والتلطف والمصانعة، والمخاتلة والمداجاة، كما لا تحتمل الإبهام والغمغمة، وعدم الصراحة والإبانة والوضوح...
 ولما كان الشباب، بجملته، مُبَرَّأْ من هذه الخصال، ومنزها عن هذه النقائض، وكان الصفاء والصدق والجرأة أخلص مزاياه، كان اضطلاعه بعبئها، وتحمله لأذى المجاهرة بها، والدعوة إليها، بلا تردد ولا خور، ولا جمجمة ولا استحياء، خلة وسجية من سجاياه...
 والبلد الذي يرزق قادة عقلاء يتفهمون نفسية الشباب، ويتلمسون رغابهم، ويتحسسون مطالبهم، ويناقشونهم، ويأخذون بضبعهم، ولا يوصدون دونهم، بابا، مثل هذا البلد يستقر أمره، ويهنا عيشه، وتسير أحواله على هدي الشيوخ العقلاء ذوي الخبرة والكفاية، والتجربة الطويلة في الحياة...
 وهـدى التجـارب فـي الشيـوخ، وإنمـا أمل البــلاد يكـون في شبابـها
إن فترة الشباب في حياة الإنسان هي أحفل أطوار العمر بالمشاعر الحارة، والعواطف الفائرة، كما أنها أيضا، عهد النزاعات النفسية الجياشة، يمدها الخيال الخصب، ويرفدها الرجاء البعيد...
 على أن هناك رجالا تظل وقدة الشباب حارة في نفوسهم، وإن أنافوا على الستين، لا تنطفئ لهم بشاشة، ولا يخبو لهم أمل، يعلوا صوتهم، وتلمع أعينهم، ويصرخ الدم في عروقهم، لأنهم يومنون بشيء عظيم، أو بشيء يرونه خطيرا...
 فكم من شيخ أبلت الأيام بدنه، ومع ذلك بقي متماسكا، فالشباب أو الكهولة، هما ما انطوت عليه روح المرء من فتور أو نشاط، من نكوص أو إقدام، من خور أو عزيمة، من تردد أو إرادة...
إن نظام الاجتماع يقوم على عاملين أساسين لا يمكن الفصل بينهما، وهما نشاط الشباب، وحكمة الشيوخ، وليس النظام والرقي إذا هو استند إلى عامل واحد فقط منها، فحركة التقدم والرقي، تحتاج إلى نشاط يدفع إلى الأمام على الدوام، ولكن هذا الدفع، لا يفضي إلى رقي صحيح حقيقي، إلا إذا اقترن بالتجربة الواعية، والحكمة البالغة...
من أجل ذلك أبى صاحب الجلالة الحسن الثاني "إلا أن يبقي هذا العيد، عيد 9 يوليوز عيدا للشباب، ويسمى بعيد الشباب، حتى يمكننا كل سنة كيفما كانت سننا، أن نشرب من كوثر الشباب إرادة وعزما وحلما وإيمانا، وعلما منا، أن الأمة وأجيالها، مثل السلسة المرتبط أولها بآخرها" "وعليك شعبي العزيز أن تحتفل في نفسك، وكل أيامك بعيد شبابك، فالدولة التي تشيب محكوم عليها بالانقراض".
 "فنحتفل، كما هي العادة بعيد الشباب، وقد سمي بعيد الشباب حتى يمكن أن يبقى للمغرب، بلدنا العزيز، فرصة يتاح له فيها أن يشيد بالشباب، وينصحهم، ويخطط لهم" من أجل ذلك" أصبح عيد الشباب ليست احتفالا بعيد ميلاد رجل واحد، ولا بعيد ملك، بل أصبح عيد تجديد، وتجدد الشباب، كل سنة في هذه المناسبة، مناسبة 9 يوليوز وتجدد الشباب له معاني كثيرة، وله فلسفة عميقة، ذلك أن الشباب ينطوي أولا على سريرة نظيفة طاهرة، وكلما طهرت النيات تجلت الغايات والمقاصد، وسهل، إذ ذاك، الوصول إليها وبلوغها".
 فلا عجب، إذا كانت روائح الجنة في الشباب...
                                                     ***
 إن الشباب توثب روح، واستنارة فكر، وطفرة أمل، وصلابة عزيمة، وفترته هي القوة الظاهرة بين ضعف الطفولة، ووهن الشيخوخة...
 فالشباب هو الأمل والرجاء المرجو في حياة الشعوب والأمم للنهوض بها...
 ولا وسيلة للنهوض بالمجتمع إلا بتربية جيل من الشباب، تربية قويمة سليمة، تكون فيصلا بين جيل فسدت تربيته، فنزلت رتبته، وأجيال قادمة صاعدة تكون أرقى وأنقى وأتقى وأبقى... وهذه الأجيال لا تتوالد إلا من أصل كريم، ولا تنشأ إلا في جو، من التربية، سليم، ولا تسير إلا على هدي العلم الصحيح، والخلق المتين...
 والشباب هم البسمة المشرقة المتألقة التي ترتسم على ثغر الدولة الرشيدة الملهمة بالصواب، لإحسان تربية شبانها الذين هم مناط الأمل، ورجال الغد، وعدة الحاضر، وحصنها المنيع ضد التيارات الوافدة التي تحاول جرف فضائلها... وسيفها البتار القاطع لكل ملثمة أو نقيصة، كما أنهم أماتها النطاسيون إذا أثخنتها الجراح، وعدت عليهم الأيام، وتواثبت في وجهها الخطوب، وتفاقمت أمامها الأحداث، وهم في الأخير المنى الباسمة، والآمال المتبلجة الذين يضفون على الحياة جوا من المرح السعيد، والعمل الرشيد، واليمن والسعادة والعيش الرغيد...
              

  
*الكلمات الواردة بين هلالين من خطب صاحب الجلالة في مختلف المناسبات لعيد الشباب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here