islamaumaroc

أزمة الوجود العربي

  دعوة الحق

31 العدد

العربي الذي أفاق على النداء الرهيب منبعثا من صميمه، يهيب به ويستصرخه للذود عن كيانه الذي أشرف على الانهيار، ويدعوه إلى حماية واقعيته الأصيلة، المستكنة في أعماق نفسه والتي كانت هي الأخرى لقمة تتناتفها مناجل التمزق، ويرهقها سيل جارف من القلق اللانهائي، ويلفها ليل الأباطيل والأقاويل.. هذا العربي الذي شهد بأم عينيه وجوده ينسحق على رصيف الذل والمهانة.. وألفى كرامته تداس تحت أقدام الاستعمار الأنجلو-فرنسي والموجات البربرية الضارية، هذا الذي شهد أرضه تجود بأسخى ما تملك، وتفرس ساحات المعارك وميادين الوغى بأضاحي الحق المقدس، بفلذات أكبادها، والذي أحس عمق المأساة.. هذا العربي يكتنفه صراع رهيب مفزع، ويقض مضجعه سراب كابوسي غاشم، يجثم على صدره ويرعد فرائصه، وينوشه بأراجيفه، ويخنق جوه بنظراته النهمة، وتنبعث في أعماقه صرخة منطلقها أصالته الضاربة جذورها في أعماق التاريخ السحيقة، وسداها المستقبل اللامتناهي، ولحمتها معطيات الحاضر المتفتح المشرق، هذا النداء يوقظ في جوانحه أخيلة انتحار الحق المقدس، ويثحن في أحشائه جرح المأساة المندمل، ويثير في كوامن نفسه جذوات اللهب الثوري الفاعل، فتمتزج كل عناصر اليقظة وتختمر مقومات البقاء لديه من أصالة وإحساس وتوثب، فيأخذها جاهدا في إبراز استعداده لتأكيد نفسه، وتأهبه لاستعادة نضارته وإشراقه، ويقولبها في حقيقة وجودية ثورية متمردة على هذا الضيم الخانق الذي ظل فترة من الزمن يخنق أنفاسه ويختضر مطامحه ويثبط عزيمته: إنه يدرك كيف نسجت هذه المآسي، وكيف حيكت هذه المؤامرات على وطنه العربي، ويعرف كيف تمزق كيانه العربي من خلال الانتحار الفظيع الذي ذهبت ضحيته قطع عزيزة من وطنه العزيز.
وإذن فإن فترة الارتخاء والكسل لم تعد ذات ارتكاز، وعليه فإن مرحلته هذه تضع أمام عينيه مسؤولياته، تبعات استعادة التلاحم الوجودي لأمته، وتهبه انبثاقات واعية جديدة تشكل لديه الخطر الثوري الذي ينبغي له اتباعه والانضباط فيه، حتى يؤدي دوره في إثبات وجوده وتأكيد ذاته، وحتى يعمل على تعميق منطلقه وإرساء نزوعه إلى الانعتاق على نحو من الجدية والرصانة، وفي تربة خصبة تستطيع خلق البذور الانقلابية في أعماق نفسه.
لم يعد هذا العربي صدى لفكرة خارجية تمليها ظروف غربية عنه، ولم يعد انعكاسا لتجارب أمة أخرى لا ناقة له فيها ولا جمل، وليس في إمكانه ابتسار إيديولوجية لا تناغمه شكلا ولا مضمونا، ولا تواكب تطوره التاريخي، بل أصبح الآن ذا مضمون ثوري انقلابي جذري خاص، يخضع لإملاءات الشحنات الوجودية الأصيلة المستكنة في طوايا نفسه، ويستجيب للأخلاقية والقيمية والروحية حيث تمد جذورها إلى طفولته الوجودية التكوينية، وتنبثق من إدراك شمولي لمستنبطات المرحلة التاريخية المعاصرة، تلك التي تستدعي الإلمام الكامل بنفسية هذا العربي اللامطمئن، حيث يمكننا اتخاذها منطلق الثورة العربية التقدمية، ذلك أن أي تهمين حولها، وأي دوران حول محورها، لا يؤدي في النهاية إلا إلى الرجوع الانكماشي نحو نقطة البدء، ولا يقود إلى شيء سوى الانقسام الرهيب في تلاحم الوجود العربي، وفقدان الأصالة. وتكون من نتائجه أيضا التبعية والإلحاق، والتقليد الأعمى. من هذه الحقيقة ننطلق؛ إن العربي اليوم بين أجواء القلق والخيبة، وتنتابه موجة من إعجاب بالحضارة الغربية، منسحقا أمامها انسحاقا غريبا، وترن في أذنيه بشكل مرعب نغمة مسفوحة، هي ذكرى الوجود المبعثر، فهو متعثر مضطرب متقزز. أيستهويه عجيج الآلة، وضجيج الأفران الكهربائية وملامح الحضارة الغربية المادية، فيتقمصها متجاهلا سماته وخصائصه؟ فيغدو تابعا، لا ظل له، لاحقا لا يملك كيانه، سطحيا لا جذر لديه..؟ أم ينبهر بتجارب شعب غريب في سحنته، مغاير في ظروفه، مختلف في مفاهيمه وذهنيته، فيغدو بذلك تجاوبا جافا في تجويف هائل يكتسح خصائصه ويلتهم مقوماته، ويستحق طابعه، وليس ذلك فحسب، بل هو يذيب في أحشائه كل مقدرة على الانتفاض، وكل استعداد للتوثب والتحفز؟ أم أنه يتوسط حالا مشكلته بالأخذ من كلا الطرفين فتستقيم له حلوله، وتتسق نظرته حين يحسن الأخذ والاقتباس، ويصبح في مقدوره الاحتفاظ بشخصيته وأصالته دون أن يلحق بهما زيف أو تشويه؟
ما فتئت هذه التساؤلات تعصف بالعربي اليوم. إنه يجهل واقعه، ويصعب نتيجة لذلك أن يتمرد عليه، إنه مهبول أمام استفاقة الغرب، ولكن دون بصيرة، فيذهب ضحية الإعجاب الطفولي، ذلك الذي تنميه عقد النقص ومركبات الإحساس بالقصور والضعة. إن الإنسان العربي معقد، إنه يصرخ ويتألم، وهو يتأوه، وينقد، بل يبلغ به العبث الذي يحس به أن يغتال ويهدم دون تنظيم وانضباط، إنه يفكر في لقمته ويأخذ عليه الكفاف جل تفكيره فينسى واقعه، ويستصغر أخلاقيته ليمرغها في وحل الواقع المريض، فما هو الحل إذن لمشكلته؟ بل كيف نستطيع إيجاد الوصفة الطبية الناجعة لهذا العربي المتمزق؟
ليست مسألة الانقسام الوجودي إلا صدى لفترات الذل والعبودية اللذين غط فيهما العربي قرابة ستة قرون كانت كلها تتراقص أمام عينيه نجيعا وأشلاء، ويبرزها التاريخ نصب عينيه حروفا كتبت بماء الغدر والخيانة، وشتها أصابع العبث والتشويه، وحملتها حروف النعي المجنحة إلى مسمعيه، لتصمه عن نداء الوجود اليقظ المستتر.
إن واقعه المتخثر الذي يلفه في سراديبه، يحمل طابعين اثنين، وإن تمزقه هذا ذو وجهين مختلفين يتجليان كلاهما في الاحتلال بأوسع معانيه، فهو إذن مسلوب الحرية، لا يملك حق التنفس، فليس من حقه أن ينفرط من عقد الواقع المقيت، وليس في إمكانه أن يستقل، فيفكر كيفما شاء، ويناقش أني أراد، ويدرك على سليقته، ويوحي من ذاته، من هنا يبدو أن الاحتلال يتخذ شكلا معنويا روحيا، فإن جوانب العقلية العربية ما انفكت عرضة للتناتف والتنابز، وهي مجال لإخصاب الهراء وتكاثر الأساطير والأشباح، ومسرح تتراقص عليه المسوخ الميتافيزيقية، لتملأ عالم الفكر العربي حلكة، وتبعده عن الطريقة الموضوعية التجريدية، فإذا فكر فلأن العبث يدعوه إلى التصدي لسفاسف الأمور، والعناية بما هو خارج إطار كيانه، وإذا أدرك فإن إدراكه منخور مريض، تنقصه الدقة، ويعوزه الشمول، ويفتقر إلى النظرة التجريدية، في حين يغص بانعكاسات الرؤى العاطفية، والمعاناة الرومانسية... من تأوه وتألم وتوجع، يؤدي به ذلك كنتيجة إلى التثاؤب الممل واللجوء إلى الزوايا التي طالما استمرأ في أجوائها المزكومة عيشه ورضع منها لبانات الذلة والمسكنة.
إنه فقد أول حق له في الوجود، بل انفلت عن عمود الوجود الفقري نفسه، وحين طفرت منه صرخة التشبث بحريته المسلوبة لم يكن ذلك إلا لأنه أدرك العلاقة التبادلية الحتمية بين الوجود والحرية، زاد ذلك معطيات الماضي النضر نفسه، إذ ما فتيء يمده بدفقات الاستقلالية، ويشيع في نفسه جوا بهيجا من الأمل والثقة سرعان ما تذهب خواء وتتبخر، ذلك أنها تأتيه وهو في حالة الانقسام الوجودي العميق، فهو لا يوجد لأنه لا يفكر، وهو لا يفكر لأنه سليب الحرية، ولم يكن هذا الاستعباد ليتناول الجانب الروحي، بل تعداه إلى النطاق الحي، فأصبح يمد أصابعه إلى وجوده المادي، إلى يومياته، فهو لا يملك حق التمتع في خيراته، وليس له في طيوب أرضه ومكتنزاتها غير ما يجود به السادة (السوبرمين)، ولأنه فقد الحرية فقد مات شعوره بوطأة الكابوس الذي يعيشه، ولم يستشعر ثقل الجاثوم البغيض الذي يثقل كاهله، فالعجز المادي يعوزه، لأنه يستغل ويستنزف، ولأن هذا الاستغلال والاستنزاف مدا جلابيبهما إلى أرجاء فكره، كالأخطبوط المخيف، فلم يجد ما يمكنه من استعادة توازنه، وضبط استقامة وجوده، بل لم يبق في مقدوره إعادة تصالح الأجزاء المتناثرة العاطبة من وجوده. إنه يقف كل يوم أمام اتهام جديد يجرده من عروبته، ومن وجوده، ويفصله عن التربة التي نشأ تحت سمائها، وزكا عوده في ربوعها، بل أكثر من هذا أنه يهاجم في صميم ذاته، ولأنه لا يملك الحرية فليس في مقدوره إذن أن يجابه هذا التحدي السافر، أو يصد تلك المؤامرة الغربية الصهيونية على وجوده، ومحاولة سلخه عن مهاده وطرده من أرضه، وينقل بصره يمنه ويسره نحو الأجزاء الداخلية لواقعه، فيندهش إذ يلقاه يغص بمختلف ضروب النشاط الفكري، وتكتسحه أول ما يدلف تيارات مذهبية ودعوات حزبية، حين يتبصرها ويمعن النظر في أغوارها، تفجأه الحقيقة المفجعة؛ فالنظرية الماركسية المادية، بانحلالها وتفسخها تغاير انطواءاته الأخلاقية، وأصالته الروحية وهي بتمرغها في جوابي الوحل المادي تناقض المفاهيم التي حملها منذ أن كان يجوب الصحراء بحثا عن الكلأ والماء، إذ هي نقيض الأفكار المتغلغلة في خلاياه السارية في خلجات نفسه، فهو يفهم العطف والرحمة، ويدرك الشرف والإباء، ويقدس التضحية والإخلاص، ويعتز بالأمانة والإخلاص، ويذود عن عرضه وحرمانه، وهي ترقص هذه القيم الأخلاقية المطلقة على نغمات القرش أو الدولار، وهو حين يفكر في النظام والفرد والدولة يمقت نظرتها التي تجعل من الفرد مسمارا في جهاز ضخم هو الدولة، ويفاخر بشخصيته ويأبي لها الذوبان، ويرى في الماركسية تآمرا على أخلاقه وروحه ووجوده، ودسيسة أريد بها طمسه والقضاء عليه، فيلوي كشحه عنها، ويعرض عن دعوتها الداعرة، فتصدم عينيه نشاطات الرأسماليين والأوليغاركيين والطبقات المترفة، ممن ذهب بهم التنافس الاقتصادي إلى القضاء عليه وحرمانه لقمة العيش التي تسد رمقه، بل كان من جراء ذلك أن رقص المستهلكون من أمثاله على سمفونية الحرمان، وذهبت دماؤهم وأموالهم، نهبا على شفير المصنع ليتلقى المنتجون والملاك دماءهم في أواني الجشع والطمع والنهم التي تغص بها بطونهم، وإذن فإن عليه أن يقف بعيدا عن هذه النظرة أيضا، إذ أنها رغم ادعاءاتها الروحية، وتشدقها برسالة بث الحضارة والمدنية، ترتكب في حق وجوده القومي الجرائم التي يقف هو رغم ما أوتي من خشونة أمامها، ذائبا متصلبا لما فيها من وأد الضمير وتحلل من أبسط الوازعات الإنسانية، فهو إذن مطلوب ليرفض الحضارة الاستعمارية المتآمرة كما رفض النظرة المادية قبلا، أما عن الصيحات التي تبدو لأذنيه أحيانا كنعيق الغراب، فإنه يرى فيها قصورا فكريا وعجزا عن  التصور الكلي المحض لقيم الجمال، ولذا فهو لا يأبه بالقومية السورية أو المصرية الفرعونية، ويركلها ساخرا بملء قدميه، ولا يأبه للنظرة التقهقرية التي تريد أن تعود الأدراج بعقارب الساعة وعجلات الزمن، ويحاول أن يتعدى ذاته هازئا بالنظرات الإقليمية المحدودة والنظرات التقلصية التي تسعى جاهدة إلى بث الأشواك وزرع العقبات في طريقه، غير أن شبح المأساة مازال ماثلا أمامه، فكيف ينطلق؟، وما هي ملامح الطريق التي يتحتم عليه اتباعها؟
إن مشكلته هي مشكلة الوجود المتمزق، الوجود الذي يعلوه ركام الأتربة والأساطير والحذر، وعليه إذن أن يعري هذا الوجود ويأخذ به إلى مستوى المعركة التي ينوي إشعالها، ثم يمضي في تحليل الداء.. إنه متمزق ويجب أن تتصالح أجزاؤه، ومستغل ولابد من إعادة الحق إلى نصابه، ومتخلف كنتيجة للاستغلال وسلب الحرية وعليه أن يلحم أجزاء كيانه. إن وحدته هي الضمان الوحيد لاستمرار حيويته، وهي وحدها التي يمكن أن تهبه ارتكازا في هذا المعمور، ويلقي نظرة عميقة في أعماق التاريخ السحيقة، ليعرف ما إذا كان التاريخ يجيب بمستنداته على سؤاله اللحوح.. أعربي أنا؟؟
وفجأة تتهلل أساريره، وتنبسط تجعدات اليأس على وجهه، إن التاريخ يجيب واثقا، نعم، وإذن فليس العربي بحاجة إلى إثبات هذه البدهية ، إذ هي إحدى المسلمات والمقررات التي هي في غنى عن المجهود العقلي، إنها من الحقائق الأولية.. غير أن واقعه يتصدى له كالوحش الكاسر، فالأحكام الرجعية والتخلف العلمي، ومجموعة الأوهام، والطراز الاجتماعي القديم، وموجة الاستغلال التي تلفه في جرابها وتقف عائقا عن تقدمه، فما عليه إذن إلا أن يحرر نفسه منطلقا من إسار هذه الأغلال التي أرهقت كاهله، وحزت على عاتقه. إن استعادته لحريته هي الحل الأول لإثبات وجوده، ولا يعتم أن يفاجأ بسؤال رهيب: وماذا بعد تحقيق وحدتك وحريتك؟ إنه سؤال خطير، غير أن طرحه غير ذي انسجام أو وفاق، إن حريته ووحدته مرتبطان ارتباطا حياتيا من إعادة خيراته المسلوبة، وتحقيق المستوى المعيشي الذي يتطلبه، وعليه فيجب ألا يفصل هذه الأقانيم الثلاثة عن بعضها، فارتباطها هو ذلك الذي نلمسه في علاقة الداء بالدواء، أو الغريق بقارب النجاة، أو البذرة بالماء، وإن أي فصل في صميمها يعتبر ضربة موجهة لكيانه، غير أن لديه أساليب مختلفة لتحقيق العدالة الاجتماعية. هل ينجرف مع التيار الاشتراكي الخيالي الذي نما وترعرع على يد سان سيمون وأضرابه في فرنسا؟ أم تأخذه الاشتراكية العلمية بما فيها إجابات مادية حتى على أبسط تساؤلات الفكر؟ أم أن له في الاشتراكية الغابية مأربا؟ ويظل يسأل نفسه هكذا مستعرضا كافة الأساليب الإصلاحية الاجتماعية، ناقدا محللا، حتى يسمع في أعماقه نداء إلى الاستقلال الفكري، إن عليه أن يصلح ذات نفسه بما يتلاؤم مع  هذه الذات، لا ينبغي له أن ينتحل منهجا في الإصلاح لا يطابق ظروفه وأوضاعه، وليس جديرا به أن يأخذ تجربة أمة غريبة لها ظروفها ومحيطاتها ليطبقها بحذافيرها، إن مالك بن نبي الفيلسوف الجزائري يقول في كتابه " مشكلات الحضارة" (على أنه لا يجوز لأحد أن يضع المناهج والحلول مغفلا مكانة أمته، وظروفها وأوضاعها).
هذا ما قاله الفيلسوف العربي، وهو إذ يستعرض هذه الأفكار إنما تزكم أنفه رائحة التقليد والاتباع ويبحث جادا عن شخصيته خلالها فلا يجدها، إن اشتراكيته هذه نابعة من ذاته لتعيد إليه ذاته، إنها الحركة التلقائية التي تقوم بهذا الذات النازعة إلى التحرر لتعيد تصالحها وانسجامها، وإذن فإن تمزقه وضياعه سيتلاشى أول ما يتخذ من الوحدة والحرية والاشتراكية العربية ميسما يتسم به حتى سلوكه اليومي، ويكون دافعا له نحو الخلق الحضاري والإبداع الفكري الشامل.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here