islamaumaroc

السودان الغربي عند ابن بطوطة وابن خلدون

  عثمان بناني

العدد 269 ماي-أبريل 1988

رغم مرور ما يقرب من ستة قرون على ما كتبه ابن بطوطة وابن خلدون عن إفريقيا جنوب الصحراء، فإن كتاباتهما عن السودان الغربي بصفة عامة ومملكة مالي الإسلامية بصفة خاصة ما تزال تعتبر الأساس المتين الذي تقوم عليه البحوث والدراسات الإفريقية حول هذا الموضوع.
ومنذ البداية تجب الإشارة إلى عبارة «السودان الغربي» لم ترد أبدا في كتابات ابن بطوطة وابن خلدون، بل وحتى في كتابات المؤرخين والجغرافيين والرحالة المسلمين الذين سبقوهما بالاهتمام بهذه المنطقة، بل حتى عند هؤلاء الذين جاءوا بعدهما في القرون الخمسة التالية، لأن هذه العبارة لم تظهر إلا في القرن التاسع عشر عندما تم اكتشاف منابع نهري النيل والنيجر، وعرف حينئد أنهما نهران منفصلان عن بعضهما كل الانفصال وليسا نهرا واحدا كما كان يعتقد من قبل. وقد أطلق الأوروبيون اسم « السودان الغربي» على منطقة نهري السنغال والنيجر، بينما أطلقوا اسم «سودان وادي النيل » وكذلك « السودان المصري »على المنطقة الواقعة جنوب مصر، وهكذا ظهرت عبارة « السودان الغربي »، أما الجغرافيون والمؤرخون والرحالة المسلمون ومنهم ابن بطوطة وابن خلدون، فقد كانت كلمة «السودان» تعني منطقة أوسع بكثير من المنطقة المسماة حاليا بالسودان الغربي. وبالنسبة لهم، فقد كانت إفريقيا السوداء جنوب الصحراء عبارة عن ثلاثة أقسام هي : قسم بلاد السودان وهي المنطقة الممتدة جنوب الصحراء من المحيط الأطلسي في الغرب إلى نهر النيل في الشرق، وقد اعتقدوا أن نهر النيل هو نـهر النيجر وأنهما نهر واحد ولذلك سموا نهـر النيجر بالنيل وبحر النيل، والقسم الثاني هو بلاد الحبشة، والقسم الثالث هو بلاد الزنج(1).
أما عن سبب اختيار ما كتبه ابن بطوطة وابن خلدون عن السودان الغربي كموضوع لهذه الدراسة، فذلك يرجع أولا وبالدرجة الأولى إلى :
- تميزهما عن غيرهما تميزا واضحا بمميزات سوف تتحدث عنها فيما بعد، وإلى المنزلة العالية التي يحتلانها في قائمة المؤرخين والجغرافيين والرحالة المسلمين الذين كتبوا عن السودان الغربي واهتموا بشكل مباشر أو غير مباشر بالعلاقات بين المغرب وهذه المنطقة جنوب الصحراء الكبرى
- ثم يرجع أيضا إلى كون الأول مغربيا والثاني مغاربيا، وقد كانا في القرن الرابع عشر الميلادي أكثر الناس معرفة بالعلاقات بين المغرب والسودان الغربي عبر الصحراء التي بينهما.
لقد عاش ابن بطوطة وابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي، هذا القرن الذي تميز بظهور اهتمام عام عارم في المشرق والمغرب بما يجري في منطقة السودان الغربي باعتبارها جزءا لا يتجزأ من العالم الإسلامي وباعتبارها مركزا هاما من مراكز التجارة العالمية.       
وربما يكون من الملائم الإشارة إلى أنه في بداية هذا القرن الرابع عشر الميلادي كانت هناك في القارة الإفريقية ثلاث قوى رئيسية هي دولة المماليك في مصر ومركزها القاهرة، ودولة المرينيين في المغرب ومركزها فاس، ودولة مالي في السودان الغربي ومركزها نياني، وكانت هذه القوى الإسلامية الثلاثة متصلة فيما بينهما اتصالا سياسيا وتجاريا وثقافيا، وكانت كل منها قوة مستقلة كل الاستقلال ومركز دائرة تجارية واسعة النطاق (2).       
وربما نستطيع الآن أن نتساءل عن المعرفة الجديدة التي جاء بها ابن بطوطة وابن خلدون عن السودان الغربي والتي كانت تختلف عن المعرفة السائدة حينئذ عن هذه المنطقة. وربما يصبح سؤالنا أكثر بساطة إذا ما صغناه على الشكل التالي: ماذا كان يعرف المغاربة خاصة والمسلمون ماذا كان يعرفه المغاربة خاصة والمسلمون عامة عن السودان الغربي قبل ابن بطوطة وابن خلدون، وماذا فعله الإثنان لتنمية تلك المعرفة أو لتغيير جوانبها السلبية، أي لتصحيح ما فيها من أخطاء وإعطاء صورة شبه واقعية وصحيحة لتلك القوة المتنامية في السودان الغربي؟      
كان المسلمون يعتمدون على مصدرين رئيسين لمعرفة ما يجري خلف الصحراء:
المصدر الأول: الرواية الشفوية، وهذه مصدرها السودانيون أنفسهم والمسلمون المترددون على السودان للتجارة والزيارة، وأحيانا للعمل والاستقرار.
المصدر الثاني: الكتابات التي كتبها كبار المؤرخين والجغرافيين والرحالة المسلمين الذين اهتموا بالسودان الغربي وتحدثوا عنه في كتاباتهم.
أما عن المصدر الأول، فإن الرواية الشفوية إذا لم تكن محكومة بشروط خاصة، كثيرا ما ينتج عنها الخلل والآراء المعتلة العقيمة والمعلومات البعيدة عن الصحة والصدق، وقد امتلأت بذلك كثيرا من الكتابات التي اعتمدت على الرواية الشفوية في حديثها عن السودان الغربي وعن شعوبه وأحواله، وهي الكتابات التي سأشير إليها فيما بعد (3).     
هذا عن المصدر الأول، أما المصدر الثاني وهو الكتابات التي وضعها كبار الجغرافيين والمؤرخين والرحالة المسلمين الذين تحدثوا عن السودان الغربي وأقصد بالذات علي بن حسن المسعودي المتوفى سنة 957 م صاحب كتاب «مروج الذهب »، وأبو القاسم ابن حوقل المتوفى سنة 977 م صاحب كتاب«المسالك والممالك»، وأبو عبيد الله البكري المتوفى سنة 1094 م صاحب كتاب «المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب »، ومحمد بن عبد العزيز الإدريسي المتوفى سنة 1167م صاحب كتاب « نزهة المشتاق في اختراق الآفاق »،ثم ياقوت الحموي المتوفى سنة 1228 م صاحب كتاب معجم البلدان، وأخيرا ابن سعيد الغرناطي المتوفى سنة 1274 م صاحب كتاب « كتاب جعرافية في الأقاليم السبعة ». هؤلاء سبقوا ابن بطوطة وابن خلدون، وهم الذين شكلوا معرفة ناس ما قبل منتصف القرن الرابع عشر الميلادي عن السودان الغربي وعن إفريقيا جنوب الصحراء بصفة عامة بما كتبوه عن هذه المنطقة.
وتجب الإشارة هنا إلى أنه لم تكن هناك معلومات أكيدة عن السودان الغربي ولا عن أحواله وما يجري فيه من أحداث قبل دخول الإسلام إلى شمال إفريقيا، فالفينيقيون واليونان ثم الرومان كانوا يعتبرون المنطقة الواقعة خلف الصحراء الكبرى «أرضا مجهولة مرعبة»، ولذلك لم يترك لنا مؤرخوهم شيئا موثوقا به عن هذا الجزء من إفريقيا. نعم، لقد تحدث الكتاب اليونان والرومان عن الزنوج الأفارقة القادمين من وراء الصحراء الكبرى منذ القرن الثاني الميلادي، ولكن كتابات هؤلاء الكتاب كانت تعتمد أساسا على ملاحظاتهم ودراساتهم لحياة وسلوك وعادات وثقاليد الزنوج العبيد الذين نقلوا من مواطنهم الأصلية إلى شمال إفريقيا ثم إلى أوروبا (4). 
ولكن بمجرد دخول الإسلام إلى شمال إفريقيا في أواسط القرن السابع الميلادي، بدأت أخبار السودان الغربي تصل بشكل مباشر عن طريق التجار ثم الحجاج إلى الشمال وإلى الشرق الإسلامي. ونظرا لاهتمام العرب الشديد بالدراسات الجغرافية ـ وهو الاهتمام الذي حتمته فتوحاتهم العسكرية واتساع إمبراطوريتهم وتجارتهم الواسعة ثم الحج إلى الديار المقدسة ـ فقد استطاعوا التعرف على العديد من المناطق البعيدة والمجهولة مثل المناطق الإفريقية جنوب الصحراء، وحددوا مواقعها على خرائطهم وربطوها بمراكزهم الحضارية والتجارية في إمبراطوريتهم. وتكفى الإشارة إلى أن محمد بن موسى الخوارزمي المتوفى سنة 844 م هو الذي أضاف مملكة غانة إلى الخريطة التي وضعها بطليموس في منتصف القرن الثاني الميلادي والتي كانت حدودها الجنوبية ثقف فقط عند«جزر كناريا» التي أطلق عليها اسم « جزر السعادة ». ولذلك فإن الفضل الكبير في استكشاف منطقة السودان الغربي وفي كشف أحوالها وأخبارها، وكذلك الحديث عن الصحراء التي تفصل بين شمال إفريقيا وهذه المنطقة، والحديث عن المراكز التجارية بهذه الصحراء، وإبراز كل ذلك في كتابات ولأول مرة في التاريخ، يرجع إلى هؤلاء المؤرخين والجغرافيين والرحالة المسلمين الذين ذكرنا بعضهم. وبفضل هؤلاء دخل تاريخ السودان الغربي ضمن تاريخ العالم، وأصبح في إمكان القارئ العربي والإسلامي أن يتعرف عن هذه المنطقة، في الوقت الذي كان فيه الأوروبيون وغيرهم من غير العرب والمسلمين لا معرفة لهم بما يجرى خلف الصحراء الكبرى (5).
ولكن، ومع ذلك، ورغم الفوائد الجمة التي يجنيها الباحث في الدراسات الإفريقية الخاصة بالسودان الغربي عند الإطلاع ودراسة وفحص وتمحيص ومقارنة ما كتبه هؤلاء، فإنه من الصعب علينا اعتبار كثير منهم مؤرخين أفارقة بالدرجة الأولى وبالمعنى الحقيقي للكلمة، وذلك لأن ما قدمه لنا بعضهم، لم يكن دراسة منهجية للتغييرات التي حصلت بمرور الوقت في السودان الغربي وإنما كان مجرد وصف ومعلومات عن المنطقة أو المناطق التي زاروها إذا كانوا قد زاروها بالفعل. وهذه المعلومات نفسها لم تكن معلومات عن أحداث متوالية خاصة بفترة زمنية معينة ومحددة، وإنما كانت معلومات عن أحداث منها ما هو معاصر للكاتب، ومنها ما يكون قد حصل في زمن آخر وذكرها الكاتب في سياق الأحداث المعاصرة له. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه بصفة عامة ليست لدينا أية إمكانية لتقييم صحة تلك المعلومات ومصداقيتها ومصدرها. وكمثل على ذلك فإننا في كثير من الأحيان لا نعرف هل هي معلومات ناتجة عن شهادة عيان وصل إليها الكاتب شخصيا وبشكل مباشر، أم أنها معلومات وصلت للكاتب عن طريق شخص آخر معاصر له، أم أنها مجرد أخبار متداولة بين الناس وإشاعات، أم أنه نقلها من الكتاب الذين سبقوه (6).
ولهذا يمكننا القول باختصار أن المعرفة التي كانت منتشرة في المغرب وحتى في المشرق عن السودان الغربي وأحواله وشعوبه في النصف الأول من القرن الرابع عشر الميلادي لم تكن رغم أهميتها القصوى تتلاءم مع الشهرة التي أصبحت تتمتع بها هذه المنطقة. وهذا هو الذي جعل ابن بطوطة يسعى لزيارة المنطقة والإطلاع على أحوالها، وهو الذي جعل ابن خلدون يكتب عنها ويشير إليها إشارات عديدة في مقدمته وفي ثنايا تاريخه ثم يفرد لدولة مالي عدة صفحات تعتبر من أهم ما كتب عن تاريخ هذه المملكة الإفريقية.
وقد يكون من المفيد أن نشير إلى أن السودان الغربي كان قد بدأ يتغير منذ منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، فقد بدأ يتوحد شيئا فشيئا تحت زعامة مملكة مالي، ولم تصل نهاية هذا القرن حتى كانت هذه المملكة قد بلغت درجة كبيرة من الظهور والانتشار، وبدأ ملوكها يعتبرون دولتهم جزءا من دار الإسلام، بدأوا يذهبون إلى الشرق ويزورون القاهرة ويحجون إلى البقاع المقدسة، وبدأوا يرتبطون بعلاقات المودة والإخاء مع ملوك المغرب ومصر، ولكن في نفس الوقت بدأت العلاقات مع مصر تقوى وتصبح أقوى من العلاقات التي بين مالي والمغرب، وبدأت دولة مالي تظهر على الساحة الإسلامية، ولم يصل منتصف القرن الرابع عشر الميلادي حتى كانت لمملكة مالي شهرة واسعة النطاق لما تتمتع به من ثروة وجاه (7).
وفي هذه الفترة بالذات زارها الرحالة المغربي أبو عبد الله محمد بن عبد الله الطنجي المعروف بابن بطوطة.
بدأ ابن بطوطة رحلته إلى «جوف إفريقيا» كما قال، في 18 فبراير 1352 م وعمره 48 سنة، أي بعد تجربة طويلة وخبرة هائلة اكتسبها أثناء رحلة حافلة استمرت سنين عديدة تجول خلالها في معظم بلدان العالم المعروف في وقته. وقد استغرقت رحلته إلى السودان عشرين شهرا عاد بعدها إلى مدينة فاس في أواخر سنة 1353 م. 
وبمجرد وصوله أعطى السلطان أبو عنان أوامره لكاتبه محمد بن جزي لكتابة ما يليه عليه ابن بطوطة من وصف لرحلاته، وبذلك ظهر إلى الوجود كتاب« تحفة النظار في غرائب الأمطار وعجائب الأسفار». وقد أملى ابن بطوطة عن ظهر قلبه ما يذكره على كتاب السلطان، وهذا يفسر لنا ما نلاحظه في سياق رحلته من بعض المبالغات والهفوات الجغرافية، وهذا ينطبق بصفة خاصة على رحلته الأولى إلى الشرق. وبسبب هذه المبالغات والهفوات تعرض ابن بطوطة لكثير من النقد، وفي بعض الأحيان لكثير من التجريح حتى بالنسبة لما ذكره من معلومات عن السودان الغربي، على الرغم من أن ما تلاه على ابن جزي كان ما يزال طريا وحاضرا في ذهنه نظرا لقرب حدوثه، وقد شك الكثير في بعض الأخبار والمعلومات التي أعطاها عن بعض البلدان، بل اتهم بأنه لم يزر إطلاقا بعض المناطق التي ذكر أخبارها في رحلاته (8) وقد هاجمه أيضا معاصروه، وأشير هنا إلى أن ابن خلدون وقد سمعه والتقى به شخصيا في مدينة فاس، استنكر ما يحكيه ابن بطوطة، بل وتحادث مع وزير السلطان أبي عنان المر يني في شأن إنكار أخباره وفضحه، إلا أن الوزير. وهو فارس بن وردار المشهور، نصحه إلا يفعل ذلك لأنه لا يستطيع استنكار شيء لم يره  وكان ذلك درسا بليغا لابن خلدون الذي لم يكن عمره يزيد حينئذ على 21 سنة، وقد ذكره فـي مقدمته في الفصل الذي يبحث «في أن آثار الدولة كلها على نسبة قوتها في أصلها». وربما يكون هذا هو الذي جعل ابن خلدون يكتب في هذا الفصل ما يلي :«…ولا تنكرن ما ليس بمعهود عندك ولا في عصرك شيء من أمثاله …فكثير من الخواص إذا سمعوا أمثال هذه الأخبار بادر بالإنكار، وليس ذلك من الصواب …».(9).
ورغم ذلك لم يعتبر ابن خلدون أحاديث وحكايات وروايات ابن بطوطة ولم ينظر إليها نظرة جدية، وفيما عدا هذه الإشارة الوحيدة التي ذكرناها، لم يشر ابن خلدون إطلاقا في مقدمته ولا في أي صفحة من صفحات كتاب العبر لتحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار».
وبالنسبة لنا، فإن ما جاء به ابن بطوطة من معلومات وأخبار عن منطقة السودان الغربي يعتبر في الدرجة الأولى من الأهمية، وذلك لأن هذا الرجل لم يكن جغرافيا نقالة، أو من أصحاب الموسوعات أو من الأدباء، بل كان شخصا عاديا للغاية، لا يتمتع بأي مواهب خاصة، ولا تنعكس في رواياته أفكار عميقة أو ملاحظات دقيقة، إلا أنه شخص شاهد الكثير وعرف كيف يصور ما شاهده بدقة وبساطة، وقد جعلت منه الأقدار جغرافيا على الرغم منه إن صح هذا التعبير، وصنعت منه لونا من الرحالة نادرا عند المسلمين، ذلك هو الرحالة الذي يستهدف الرحلة لذاتها ويضرب في مجاهل الأرض استجابة لعاطفة جياشة لا تقاوم، ورغبة جارفة في التعرف على الأقطار والشعوب. وهو ـ على نقيض الغالبية العظمى من الجغرافيين المسلمين ـ لم يجمع مادته من صفحات الكتب، بل جمعها عن طريق التجربة الشخصية وعن طريق محادثاته مع شخصيات تعرف عليها عرضا خلال رحلاته. وبصفة عامة فإنه لم يعتمد كثيرا على الرواية الشفوية كما سيفعل ابن خلدون فيما بعد. وقد شغل الاهتمام بالأماكن الجغرافية مكانة ثانوية بالنسبة لاهتمامه بالناس، وهو بالطبع لم يفكر في أن يجري أي نوع من البحث والتحقيق في مجال الجغرافيا، ولعله ـ  ونتيجة لهذا بالذات ـ أصبح كتابه تحفة النظار تحفة حقيقية، إذ أنه صورة معبرة وصادقة للمجتمع الإسلامي في السودان الغربي في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، فهو زانة تمتلئ بمادة غنية لا في مجال الجغرافيا التاريخية أو تاريخ عصره فحسب، بل عن جميع حضارة ذلك العهد، فتراه يعرض لجميع الظواهر الاجتماعية بالسرد حتى تلك التي يهملها المؤرخون عادة، فتمر أمام أنظارنا مراسيم البلاط في مملكة مالي وأزياء الناس المختلفة وعاداتهم وتقاليدهم وحرفهم وأصناف الأطعمة والمواد الغذائية.
والحقيقة أن ابن بطوطة تحدث حديثا صادقا أمينا عن كل شيء شاهده في رحلته السودانية، وهو في نهاية الأمر لم يكن يستطيع غير ذلك، لأن الحديث عن الرحلة وتسجيل هذا الحديث بيد كاتب السلطان، كان بشكل أو بآخر تقريرا مقدما للسلطان أبي عنان، وهذا بالذات هو الذي جعل الباحثين في مختلف مجالات البحوث والدراسات الإفريقية يهتمون بما قاله اهتماما شديدا ويدرسونه دراسة دقيقة أدت في نهاية الأمر على رد الاعتبار إليه وإلى إعلان الثقة في رواياته، وبصفة خاصة تلك التي تربط برحلته في السودان الغربي. وقد بلغت ثقة بعض الباحثين في ابن بطوطة الحد الذي أصبحوا يشكون في صحة بعض المعلومات التي جاءت في مصادر أخرى ولم يذكرها ارحالة في رحلته. وهكذا أصبح « المسكوت عنه» في رحلة ابن بطوطة يثير الشك ويحتاج إلى إعادة النظــــر(10).
ولابد من الإشارة هنا إلى أن رحلة ابن بطوطة لقيت ما تستحقه من عناية واهتمام عند عبد الرحمن السعدي صحاب كتاب تاريخ السودان، فقد ذكر هذا المؤرخ الإفريقي الفذ اسم ابن بطوطة في كتابه، ولاشك أنه أطلع على رحلته واعتمد على بعض ما جاء فيها من معلومات، وهذا وحده رد اعتبار لا مثيل له من مثقف سوداني لرحالة مغربي زار وطنه وتحدث عنه بأمانة وصدق.
ويمكن القول في نهاية الأمر، أن ابن بطوطة ترك لنا منجما من المعلومات القيمة التي استغلت وتستغل حاليا لتوضيح بعض جوانب التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والفني لمملكة مالي، ويكفي أن نذكر أن هذه المعلومات قد استعملت في تحديد موقع نياني عاصمة مملكة مالي(11) » ومدى استغلال الملح والنحاس في السودان الغربي، ومراكز إنتاج الذهب، ودور الفن الشعبي في الاحتفاظ بتاريخ الشعب في ذاكرة الناس،وانتشار اللغة العربية ومدى انتشار الإسلام والتقاليد الإسلامية، ومدى اختلاط الإسلام كعقيدة بالتقاليد الوطنية القديمة، وعلاقات مملكة مالي بالمشرق من ناحية وبالمغرب من ناحية أخرى، وتحديد الطريق الذي كان يربط منطقة السودان الغربي بمنطقة شمال إفريقيا. ويذكر ابن بطوطة في رحلته أن سلطان مالي منسا سليمان أقام حفله عزاء بمناسبة وفاة السلطان المريني أبو الحسن، وقد حضرها الأمراء والفقهاء والقاضي والخطيب الذين فرأوا القرآن ودعوا للسلطانين أبي الحسن رحمه الله ومنسي سليمان(12). أليس في هذا وحده الدليل على الرابطة الإسلامية القوية التي كانت تربط بين المغرب والسودان الغربي في هذا العصر؟ 
هذا عن ابن بطوطة، أما ابن خلدون، فقد كتب هذا المؤرخ مقدمته بعد إملاء ابن بطوطة لرحلته بحوالي 23 سنة (13)، وإذا كان هذا الأخير قد قام بذلك في وقت كان فيه السودان الغربي مزدهرا، فقد كتب ابن خلدون مقدمته ثم باقي كتاب العبر فيما بعد في وقت كان الانهيار قد بدأ يصيب ليس السودان الغربي فحسب، بل أيضا المغرب ومصر على حد سواء، وبدأت العلاقات تتأثر والتجارة تتعثر، ولم يعد ملوك مالي يزورون القاهرة ويذهبون للحج كما كان يفعل ملوك الفترة من عام 1260م إلى عام 1351م، حيث كان الحج إلى بيت الله الحرام قد أصبح من الفضائل العظمى التي تذكر للملوك الكبار(14).
لقد استكمل ابن خلدون معلوماته عن السودان الغربي عندما انتقل إلى القاهرة سنة 1382 م وأطلع على ما كتبه ابن فضل الله العمري في كتابه مسالك الأبصار وممالك الأمصار(15)، ثم ظل يستكمل معلوماته ويضيف معلومات جديدة كان يستقيها من الحجاج السودانيين القادمين للحج والمارين على القاهرة، أي أنه اعتمد الرواية الشفوية في ما كتبه عن السودان الغربي، أي أنه اعتمد الوسيلة التي يعتمدها حاليا المؤرخون الأفارقة والمتأفرقون باعتبارها أحد العناصر الأساسية لكتابة تاريخ مملكة مالي. ونظرا لقيمة المعلومات التي جاء بها ابن خلدون، والسياق الذي قدمت فيه تلك المعلومات، وما جاء في المقدمة من تفسير للتاريخ على ضوء تطور الأوضاع الاقتصادية للمجتمع  البشري في صورته البدوية والحضرية والمدنية، فقد اعتبره المؤرخون الأفارقة مؤرخا إفريقيا عظيما بل ومؤسس علم التاريخ الإفريقي، ليس فقط لأنه خصص في مقدمته حيزا هاما لجغرافية إفريقيا ولتاريخها، وإنما أيضا لأنه أثار مسائل وقضايا لم يحدث أن أخضعت قبله لفحص منظم، وكذلك لأنه تميز عن كل من سبقه من العلماء المسلمين، ليس فقط بكونه قد وضع فلسفة للتاريخ، وإنما – وبصفة خاصة – لأنه لم يكن يصدق كل المعلومات التي كانت تصله عن السودان الغربي، بل كان يغربل تلك المعلومات ويحاول الوصول إلى الحقيقة خطوة، مستعملا في ذلك النقد والتحليل والمقارنــــــــة (16).
ولهذا – ولهذا بالذات – يعتبره المؤرخون الأفارقة مؤرخا إفريقيا معاصران وإليه يرجع الفضل في معرفة كثير من الحقائق عن السودان الغربي وبصفة خاصة عن مملكة مالي وعلاقاتها مع الأقطار الإسلامية شمال الصحراء الكبرى.
والحقيقة أن ما كتبه ابن خلدون عن مملكة مالي يعتبر القاعدة الصلبة المتينة التي يقوم عليها تاريخ هذه المملكة ، ولابد من الإشارة إلى أن ابن خلدون توقف في حديثه عن مملكة مالي عند عام 1390 م، فهو لم يذكر الأحداث التي جاءت بعد ذلك، بل سكت عنها رغم أنه ظل يجمع الروايات الشفوية عن هذه المنطقة حتى قبيل وفاته سنة 1406 م. ومن العجيب أن المصادر الأخرى كلها نهجت نهج ابن خلدون ولفها الصمت فيما يتعلق بأخبار ملوك مالي بعد سنة 1390 م، بما في ذلك تاريخ السودان للسعدي وتاريخ الفتاش لمحمود كعت التنبوكتي.
وقد اهتم ابن خلدون بإبراز العلاقات التي كانت بين المغرب في عهد السلطانين أبي الحسن وابنه أبي عنان من بني مرين، ومملكة مالي في عهد ملكيتها الكبيرين منا موسى ومنسا سليمان اللذين زارا مصر وذهبا للحج وتركا وراءهما سيلا من الأخبار التي أصبحت أساطير وحكايات في حوليات المشرق العربي.
ونفهم من حديث ابن خلدون أن العلاقات بين المغرب ومملكة مالي بلغت أوج ازدهارها بصفة خاصة في الربع الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي، وهو يشير إلى ذلك بقوله : «…كان بين هذا السلطان منسا موسى وبين ملك المغرب لعهده من بني مرين السلطان أبي الحسن مواصلة ومهاداة سفرت بينهما فيها الإعلام من رجال الدولتين واستجاد صاحب المغرب من متاع وطنه وتحف ممالكه مما تحدث عنه الناس …وتوارثت تلك الوصلة أعقابهما»(17).
وتجب الإشارة إلى أن ابن خلدون أورد في مقدمته معلومات في منتهى الأهمية عندما تحدث عــــــن « الجزر الخالدات » (18)،وقد اعتبرها ضمن منطقة السودان الغربي، وهذه المعلومات التي ذكرها تهم الباحثين في الانثروبولوجيا، ولكنها تهم أيضا وبالدرجة الأولى الدارسين المهتمين بالمحاولات المبكرة التي قام بها الأوروبيون للتغلغل في جنوب المحيط الأطلسي في محاذاة الشواطئ الغربية للقارة الإفريقية (19).
أما عن المعرفة التي أضافها ابن بطوطة وابن خلدون إلى ما كان يعرفه الناس عن السودان الغربي، فبالنسبة لابن بطوطة فقد أشرت إلى موقف ابن خلدون منه، والواقع أن عامة المؤرخين والجغرافيين المسلمين الذين عاصروه أو جاءوا بعده، نظروا إليه نظرة استخفاف شديد لا يستحقها، وقد اعتبرت رحلته وربما حتى الآن عند الأغلبية الساحقة من المثقفين والمتعلمين المسلمين رحلة مغامرات وتسلية فقط لا غير، بينما على العكس من ذلك، فقد استفاد منها الأوروبيون استفادة كبرى، إذا ترجم الألمان في سنة 1808 م الجزء الخاص بمالي من موجز للرحلة كان قد وضعه شخص اسمه البيلوني في القرن السابع عشر الميلادي، وقد سمى الألمان هذا الجزء ب« الرحلة الإريقية ». ولاشك أن الرحلة هنريش بارث ( BARTH) أطلع عليه قبل أن يبدأ رحلته المشهورة إلى السودان الغربي في سنة 1850 م، وأنه استفاد من وصف ابن بطوطة الدقيق للطريق الصحراوي الرابط بين شمال إفريقيا وغربها.
ولكن يبدو أن الفرنسيين هم الذين استثمروا الرحلة واستفادوا من معلوماتها أكثر من غيرهم، فقد عثروا على مخطوطة كاملة لتحفة النظار في إحدى مكتبات الجزائر عندما احتلوها سنة 1830 م، وقام (20)، ثم استطاع المستشرقون الفرنسيون في عام 1858 م إخراج أول طبعة كاملة للرحلة مصحوبة بترجمة فرنسية في أربعة أجزاء، ولاشك أنها أعطتهم حينئذ صورة واضحة عن المناطق الصحراوية جنوب المغرب وعن منطقتي نهر النيجر وتمبكتو التي احتلوها في نهاية القرن التاسع عشر.
أما عن ابن خلدون، فإنني أحيل القارئ الكريم على أعمال ندوة ابن خلدون الممتازة التي عقدتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط في فبراير 1979، وبصفة خاصة على البحث القيم الذي قدمه أستاذنا الكريم العلامة سيدي محمد المنوني، فإن في ذلك ما يكفي للاطلاع على مدى استفادة الذين جاءوا بعد ابن خلدون من المعرفة الجديدة التي قدمها للإنسانية.
 

 1)  سنستعمل في هذه الدراسة عبارة «السودان الغربي» لأنها أكثر تحديها من كلمة «السودان»  ولأنها هي المنطقة التي جرت فيها الأحداث التي اهتم بها وأشار إليها ابن بطوطة وابن خلدون في كتاباتهما.
2) هذا هو الذي دفع ابن فضل الله العمري إلى الاهتمام في كتابه «مسالك الأبصار من مسالك الأمصار» بذكر أخبار مملكة مالي وأفراد لها الباب العاشر بأكمله، ويدل على ذلك ما ذكر» في فاتحة كتابه أنه لم يقصد »… من المعمورة سوى المسالك العظيمة…».
(ابن فضل الله العمري: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ـ القاهرة، دار الكتب المصرية، 1924. ص 4).
3) وكنموذج أذكر ما كتبه ابن خلدون في مقدمته عن حكاية أوردها أبو عبيد الله البكري في كتابه «المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب»:  «…وهذه الحكاية من مذاهب العامة ومباحثهم الركيكة، والبكري لم يكن من نباهة العلم  واستنارة  البصيرة بحيث يدفع مثل هذا أو يتبين خرقه فنقله كما سمعه » ( ابن خلدون : المقدمة ـ بيروت، دار الكتاب البناني، 1967). ص 448.
4) BABA IBRAHIMA KAKE : GLOSSAIRE CRITIQUE  DES EXPRESSIONS GEOGRAPHIQUES CONCERNANT   LE PAYS DES NOIRS ( D’Après LES SOURCES DE LANGUE ARABE  DU MILIEU DU VIH A LA FIN DU XIII,     SIECLE (PARIS, PRESENCE AFRICAINE,!) 1965).P.10
5) أفضل مرجع يمكن الاطلاع عليه للتوسع في هذا الموضوع هو كتاب :
CUOQ, JOSEPH : RECUELL DES SOURCES ARABESCONCERNANT L’AFRIQUE OCCIDENTALE DU VIII AU XVI SIECLE ( BILAD ALSUDAN ), ( PARIS, EDITIONS DU CENTRE NATIONAL DE LA RECHERCHE SCENTIFIQUE
1985)  .515 p.                                                                                           
6) FAGE, J.D. : «L’EVOLUTION DE L’HISTORIOGRAPHIE DE L’AFRIQUE », HISTOIRE GENERALE DE L’AFRIQUE, TOME I.( PARIS, UNESCO, 1980).P.47.                                      
7) يقول محمود كعت في تاريخ الفتاش ( ترجمة هوداس والمنشور سنة 1913 )في الصفحة 67 »… كانت مملكة مالي غنية جدا، ولم يكن هناك أجمل منها  في العالم بأسره سوى الشام».
8) هاجم أبو القاسم الزياني ابن بطوطة هجوما عنيفا في كتابه «الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور برا وبحرا»، وذكر أن أحد طلبة السلطان سيدي محمد بن عبد الله ( 1789 ـ 1757 ) أخبره أنه  « كان يسرد على السلطان رحلة ابن بطوطة وساق كلام ابن تيمية في الاستواء والنزول … فقال له السلطان سيدي محمد، أطو ذلك الكتاب وبعه في السوق وكل ثمنه لحما، هذا رجل كتاب من أهل التجسيم كمن نقل عنه، فوا لله لو حضر بين يدي لأضربن عنقه، فقد تحقق عنه ما وسمه به أهل الأندلس من الكذب، وسيما إذ هو من أهل البدع ».( أبو القاسم الزياني: الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور برا وبحرا » الرباط، وزارة الأنباء، 1967. ص 581 ـ 582).
9) ابن خلدون : المقدمة ( بيروت ، دار الكتاب اللياتي، 1967). ص 322  وما بعدها.
10)
KI-ZERBO,J :«INTRODUCTION GENERALE»,Op.CIT,PP 25-26.
11) حول مشكلة تحديد موقع نياني عاصمة مملكة مالي انظر :
MAUNY, RAYMOND :TABLEAU GEOGRAPHIQUE DE      
L’ouest AFRICAIN AU MOYEN AGE, (DAKAR, IFNA, 1961)
P.P.122,123,124.                                                                             
12) رحلة ابن بطوطة . بيروت، دار صادر، إد.تأ. ص 282.
13) حرر ابن خلدون «المقدمة» بقلعة بني سلامة بالمغرب الأوسط سنة 780 هـ الموافق لسنة 1378 ميلادية، ثم استكمل كتاب العبر عندما سافر إلى مصر سنة 1382 م.
14) آخر ملوك مالي الذي زار مصر وذهب للحج كان هو الملك منا موسى ، وتم ذلك في عام 1351 م. وفي عهد هذا الملك زار ابن بطوطة مملكة مالي. وبعد هذه
      السنة توقف ذهاب ملوك السودان  الغربي للحج لمدة 145 سنة، إلى أ، قام ملك
      السنغاي الاسكيا محمد بالحج إلى مكة المكرمة سنتي 1496 / 1497 م.
15)– FAGE,J.D. :Op.CIT,P.48
16)  انظر المرجع السابق، ص 47
17)  ابن خلدون : كتاب العبر ـ (بيروت دار الكتاب الليناني، 1967).
        المجلد السادس. ص 416.
18) هي جزر الكناريا، وكانت تعرف أيضا بجزر السعادة.
19) إننا نعلم أن بعض البحارة من مدينة جنوة الإيطالية كانوا قد وصلوا إلى جزر الكناريا سنة 1336 م. وبدأ الأوروبيون منذ هذا التاريخ يزورون هذه الجزر ويكتسبون الخبرة الثمينة والتجربة الناتجة عن الإبحار في المحيط الأطلسي الذي كان يسمى حينئذ ببحر الظلمات، والذي لم يكونوا يعرفون نظام رياحه ولا اتجاه تياراته. وقد كان الوصول إلى جزر الكناريا هي القفزة الأوروبية الهائلة من الشواطئ الشمالية للبحر الأبيض المتوسط إلى جزر في المحيط الأطلسي جنوب مضيق جبل طارق، وقد كانت تلك هي البداية الحقيقة لحركة الاكتشافات العظيمة التي أوصت البرتغال والإسبان إلى شواطئ السودان الغربي الأطلسية ثم الأمريكتين والشرق الأقصى في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي.
DESLANE : JOURNAL ASIATIQUE,MARS 1843,p.p .181-246.(20

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here