islamaumaroc

حول ابن أبي الخصال. -2-

  مصطفى الطاهري

العدد 266 محرم 1408/ غشت 1987

نشر الأستاذ المهدي البرجالي مقالا في العدد 259 من مجلة «دعوة الحق» بعنوان: «أدب الجهاد في العد وتين، نموذج الجهاد المرابطي في العدوة لابن أبي الخصال».
ويبدو لي أن حديث الأستاذ البرجالي عـن ابن أبي الخصال ضمن هـذا المقال يحتاج إلى بعض التفصيل:
ـ إن الإسم الكامـل لهذا الأديب الأندلسي هـو : محمد بن مسعـود بن طيب بن فرج بن خلصة بن أبي الخصال ( 1). يكنى أبا عبد الله، ويلقب بذي الوزارتين. وتشير جل المصادر إلى أنه غافقي نسبة إلى قبيلة غانق( 2).
ـ ولد أبو بعد الله بن أبي الخصال في قرية صغيرة تعرف باسم « فرغليط» يشقورة بلنسية،  يقول ابن الأبار:
«أوليته من قرية بشقورة تسمى «فرغليط» وبها نشأ ومنها تردد في طلب العلم والأدب» ( 3).
ـ ورى عنه ابن بشكوال في صلته أن مولده كان سنة 465(4 ).
ـ هنـاك نصوص كثيرة لابن أبي الخصال توضح بأنه قد أخذ علمه عن علماء عصره المشهورين كقوله في إجازة كتبها لمقرئ (5 ).
«فقل إمـام مذكور إلا وقـد شـد إليه لي كور، وتهاذني نحـوه وراح وبكـور،  إلى أن نسقهم سلك إسنـادي، ووريت بلقائهـم زنادي، فصدرت بحمـد الله عن الأئمة والرواة كمـا صدر الظمـآن عن الفرات ...».
ومن بين هـؤلاء العلماء نشير إلى مـرشده الأول ابن مالك اليعمري ( 6)، والشيخ أبي الحسين ابن السراج( 7) والشيخ أبي محمد عبد الرحمـن بن عتاب (8 ) والشيـخ أبي علي الغساني ( 9) والشيـخ أبي علي الصدفي ( 10) وغيرهم.   ون
وجز الحديث عن دراسته فنقول: إنها كانت دراسة متنوعة وشاملة. ويمكن أن نميز في حياته الدراسية ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: اتسمت أولى هذه المراحل بانكبابه على الثقافة الدينية بوجه عام. ونرجح أن ميولاته كلها كانت للأدب ولكل ماله صلة بالأدب ولأستاذه الأول ابن مالك اليعمري دور في تربية وتوجيه هذه الميول.
المرحلة الثانية: وتتميز المرحلة الثانية بإقباله على الدراسات القرآنية المعمقة.
المرحلة الثالثة: أما المرحلة الثالثة فهي امتداد للمرحلة الثانية إذ أن الدراسات القرآنية دفعته إلى التعمق في دراسة الحديث وتفسيره وروايته.
ولا يمكن أن نغفل جانبا آخر مهما في تكوين ابن أبي الخصال وهو اهتمامه بالسياسة والتاريخ، لأنه يدرك تمام الإدراك بأن من يريد الوصول إلى المراكز العليا في الدولة لا بد وأن يمر بهذه القنوات الملتوية ابتداء من العلم وانتهاء بالسياسة.
                                                      * * *
علاقتـه بالمرابطين: ولم يبـق أمامه الآن إلا أن يبحث عـن السبيل التي ستقوده إلى الأوساط العليا ليحقق الحلم الذي رافقه طـوال فترة طلب العلم، وهـو الآن مقتنع كل الاقتناع بأنـه سيصل، خاصة وبيده وسيلة فتحت لغيره أبوابا عريضـة للارتقاء إلى دنيـا الجاه والشهرة الأدبية وسيكون الأمر طبيعيتا إذا رأينا ابن أبي الخصـال يحتل مكانة مرموقة في الدولـة بعد التكوين الذي حصـل عليه، ولم يكن هـذا التكوين يخل بمـا يمكن أن يشترطـه المرابطون في كتابهم وأعوانهـم. وأهم هـذه الشروط القدرة على الكتابـة مع التمكن من الكتاب والسنة فضلتا عـن التمسك والتحلي بالأخلاق الإسلاميـة مستأنسين هنا بالمبادئ التي قامت عليهـا الدولة، ولكننا نلاحـظ أن أبا عبد الله لم يرق سلم الشهرة بالسرعـة التي كان يتمناهـا، ولعل هـذه الرغبة الجامحـة في تسلق هـذا السلم بأقصـى سرعة هي التي حالت بينه وبيـن الوصول إلى مبتغاه في الوقت الذي كـأن يرتضيه.
كان ابن أبي الخصـال مقتنعا بان العلم وحـده لن يوصله  إلى هدفـه. وهـذا ما كان يعتقـده إبان هـذه المرحلة من حياته ـ فدفعه طموحـه إلى خوض غمـار السياسة وكيف لا وقـد تسنت لته فرصـة ثمينة !؟  وتتمثـل هذه الفرصة في موقف القائـد المرابطي ابن الحجـاج من بيعة علي بن يوسف سنة  خمسمائة، وألهمه هذا الموقف لأن يقف في صف ابن الحـاج حاكم قرطبة، ومن ابن الحـاج هـذا؟.  
هـو أبو عبد الله محمـد بن داوود بن عمر اللمتوني أمير قرطبـة( 11)، من رجالات يوسف بن تشافيـن وذوي السابقة في الأندلس، وكـأن يتمتع باحترام المرابطين وباحترام مشايـخ وفقهاء قرطبة، ومركـز ابن الحاج هـذا في قرطبـة لفت انتباه أديبنـا، فحاول التقرب منـه. ويظهر أن ابن أبي الخصـال صحب أحد أبنـاء ابـن الحاج أول الأمـر، وهـذا الإبن هـو أبو بكـر الملقب بأبي يحيـى، وكان ابـ،ن أبي الخصال يخدمـه.(وقد ذكـر الفتح بين خاقان بأن أبا يحيـى هو الذي لقب ابن أبي الخصـال بذي الوزارتين).
وعندمـا تلكأ ابن الحاج عن بيعـة علي بن يوسف لأول ولايته سلطان أبيه مـالأه من أهل قرطبـة مشيختهـا وفقهاؤهـا، ولعل ابن أبي الخصـال كان  من أوائل هؤلاء الفقهـاء الذيـن رأوا ابن الحـاج ودفعوا إمرة علي بن يوسف سنة خمسمائة.
ونتساءل عن السبب الـذي دفع ابن أبي الخصال إلى رمي نفسه إلى هـذه التهلكة المحققة، فلا نجـد ما يشفي الغليـل إلا ما اشرنـا إليه سابقا وهو تطلعه إلى احتلال مركز مرمـوق في الدولة في اقرب وقت، ويمكـن أن نعتبر مشاركتـه في تمـرد ابن الحاج نزوعـا ورغبة في تكوين إمـارة مستقلة بقرطبـة أو  تكون إمـارة أندلسية تحـت سلطان القرطبيين على الأقل.  ولا نستبعد رغبة أخرى وهـي الأخذ بالثأر بمن تسبب في إبطـاء صعوده،  ويسنـد  زعمنـا هذا ملاحظـة أبداهـا ابن الأبار عندمـا أكد بأن ابن أبـي الخصال   مع كمالـه لم يحظ من أمراء عصره بآامالـه( 12)، ونجـد ابن  الأبـار نفسه يبدي من الأسـى والحسرة لما يصبه  ويصيب أمثالـه من الإهمـال في جميع العصور. فعبارة ابن الأبـار: « هي عاديـة الأيام في أمثالـه تواري مما  بهر وخفي أضعاف مما ظهر»(12م)  يمكن أن ينطبق مدلولها عليه هـو نفسه  وعلى كثير من أمثالـه الذين غمرتهم الأيام.
ويؤكـد ابن الأبـار لأن هذه الثورة التي قام بهـا ابن الحاج وفشل فيهـا كانت سببا آخر من الأسباب التي قعدت بأبي عبد الله بن أبي الخصـال.  ونكب أميره ابن الحاج ثم أعيد له اعتباره. وكانت عودة ابن الحاج للخدمـة نعمة على حاشيته ومن بينهـا كاتبنـا. وقد زادت خطوته عند الأمير بما أبداه من وفاء وإخـلاص، ويبدو أن العفو الذي لحق ابن الحاج كـان نتيجـة السياسـة المرابطية المعهـودة تجـاه أفـراد الأسرة الحاكمة وحاشيتهم، لذلك فإن علي ابـن يوسف لـم ينس لابن الحـاج ما أسلفه في بناء دولـة المرابطين وإخلاصه لوالده.
فابن الحاج من الأمراء المرابطيـن الذين أبلوا البلاء الحسـن في خدمـة الدولة فقد كان من القواد الكبـار الذين شاركوا في حملـة الإنقاذ. فعندمـا تأكـد المرابطون من اتصال ابن عبـاد بالأفرنجـة استفتوا الفقهـاء ، فأفتوا بخلعه، وإثـر هذه الفتوى  أطبقت عليه جيوشهم بقيـادة سير بن أبي بكر فاستولت على إشبيلية سنـــــــــــة 484( 13) واقتحم الأميـر أبو عبد الله الحـاج أسوار قرطبـة واستولى عليها بعد أن قتـل المامون بن المعتمد( 14)، وعندمـا كانت بلنسية في يـد السيد القنبيطـور كان لابن الحاج دور هام في استرجاع المدينة. فقد كـأن المسلمون يحتلون مرسية  وشاطبـة ودانية ، ومكثوا يناوشـون السيد القنبيطـور مدة سبع سنوات، فاستطاعوا أن  يحـدوا من نشاطـه حتى أتم يوسف ابن تاشفين الاستعداد لخوض المعركـة الفاصلـة  التي بدأت نذرهـا تلوح ... وأطبق ابن الحاج على قوات الفونـسو عند كونسوكرا، فأنـزل بها هزيمة ساحقة وقتل ولد القنبيطـور الوحيد كمـا هزم البرهانس عنـد كونكـة،  ولم يكـن ابن الحاج وحده في هـذه الحروب الثغريـة  الشرقيـة شارك فيهـا  قواد المرابطون عديدون وكان حشـد يوسف لهؤلاء القواد في هـذه المنطقة من الأندلس إدراكـا منه لخطوة هـذه المعارك، فعلى نتائجهـا يترتب مستقبل الإسلام والمسلميـن في بلاد الأندلس كلها.
يقـول ابن عـذاري( 15) في صـدده هـذه الحادثة ( أي تلكأ ابن الحـاج عن بيعـة علي بن يوسف) «وبعد مواراة علي بن يوسف أبيـه (أباه) خرج ويـده في يـد أخيه أبي الطاهـر والمصموديين وغيرهم من زعمـاء القبائل ورؤسائهم فنعيـاه إليهم،  وجـدد أبو الطاهر بيع’ أخيه(16 ) وأخـذ الحضارون بذلك فاستتب الأمـر».
ويذكـر ابن عـذاري الولاة الذين لحقوا بحواضـر مكناس وفاس وتلمسان وإشبيليـة وغرناطة بعد أن جـددوا بيعتهم، ولم يذكـر حاضرة قرطبـة وكان وليهـا أبو عبد الله محمد بن الحاج، فمعنى هـذا أن هـذا الوالي لم يقـدم على مراكش ليجـدد بيعته.
ويخبـر ابن عـذاري بأن أمير المسلمين علي بن يوسف « تحرك إلى الأندلس مع جيوش المرابطيـن والمصمودييـن والجنود والحشود... لتفقـد أهلها وسـد خللهـا... فولى أخاه أبا الطاهـر تميما غرناطـة، وولى أبا عبد الله محمد بن أبي بكـر اللمتوني قرطبـة، وبقي محمد بن الحاج تحت الخمول»( 17).
ويذكـر ابن الأبار موضحـا هـذا الخمول بقوله: « نكب وقبض عليه وفسـد تدبيــــــره»( 18)، ثم يضيـف لكن علي بـن   يوسف « رضي عن ابن الحاج وأخيه على وقومه ومن عليه وصفح عنه».
ولا يذكـر ابن الأبار سبب هـذا العفو  ولذلك فنحـن نميل  إلى الاعتقاد بأن علي بن يوسـف قد أحسـن التدبير عندمـا أعـاد ابن الحاج إلى حضرة الدولة والمشروعيـة ليستفيد من خدمـات هذا القائد الذي حنكتـه المعارك في  صفوف الجيوش المرابطيـة. وهذه المعاملـة التي لقيهـا ابن الحاج من أمير المسلمين أضمن لسلامـة الدولة لأنه فوتن الفرصـة على أولئك الممالئيـن لابن الحاج،  ولا شك أنهـم الذيـن دفعوه إلى مثل هذا الموقف، فقطع علي بن يوسف دابـر هذه المعارضة  التي لا يعرف أحـد عقباهـا بالعفو والحلم، ولا يعزب عـن ذهننـا أننـا في أول ولايته فهو إذن في حاجـة لتأييـد عريض من جميع القواد المرابطين، وسبب للعفـو عنه وإتاحـة الفرصـة ثانيـة أمامـه ليقوم بدوره داخـل الدولة.
ولعل علي بن يوسف كـأن يرى أن إبعاده عن قرطبـة عقاب له كـأن له، فعينـه واليا على مدينة فاس وما إليهـا من الأعمـال( 19 ).
ولم تطـل ولايـة ابن الحاج لفاس،  إذ سرعان ما أعاد علي بن يوسف إلى الأندلس وأعاده إلى المنطقـة الأكثر اضطرابـا،  فولاه مدينـة بلنسيـة سنة ثلاث وخمسمائـــــة (503) أو ( 502)(20 ).
ولكـن الاضطرابات التي حصلت في سرقسطـة  بسبب خيانـة عماد الدولـة عبد الملك بن المستعين بن هـود وتعامله مع إذفونش دفعت أميـر المسلمين  إلى أمر ابن الحـاج بالزحف على سرقسطـة، وقد وصف ابن عـذاري هـذا الزحف  بإسهاب في كتابه ( 21) المغرب، وذكـر بأن جيوش ابن  الحاج ظلت النهـار كله على أهبـة المواجهة ، ولكن الجنـد أخلوا مركزهم آخر النهار وتسللوا إلى المدينـة فظهر الخلل والتسلل، وانتهز ابن  رذميـر الفرصة وقسم جيشـه إلى فرقتيـن وصدمت إحداها ابن الحاج وصدمت الأخرى ابنه أبا يحيى، ولكن جنـد أبي يحيى تفرقوا عنـه واستشهـد أبو يحيى ابن الحاج  في هـذه الموقعـة مع جملة من المسلمين.
وفي سنة  504 استقر ابن الحـاج بسرقسطة، وابن رذميـر يساجله الحرب والظهـور عليه وعبد الملك ابن المستعين معه في جيوش كثيـرة، ومحمد بن الحـاج يُناوشـه الحرب  صباحـا وسماء إلى أن لحق أوب عبد الله بن عائشـة الوالي على مرسية من قبـل أمير المسلمين، فطالبت هـذه الحروب بين المسلمين وابن رذميــرإلى أن استشهـد ابن الحاج سنة 509(22 ) وقد قتله كميـن نصرانـي، وهكذا يستشهـد هذا البطـل وقد سبقه إلى الاستشهـاد ابنه أبو يحي في ساحـة المعركـة مدافعـا عن الإسلام في منطقة من أخطـر المناطق الأندلسية ، وكأن عفو علي بن يوسف قـد فتح مرة أخرى باب الجهـاد أمام هـذا البطل وأمثاله ليبلـوا البلاء الحسن في الدفـاع عن الإسلام والمسلمين في الثغر الشرقـي الأندلسي.
وعندمـا عين ابن الحاج على فاس صاحبه ابن أبي الخصـال هو « وطائفـة  من رجال انضوت من حرمتـه إلى الحصن الحصين والحرز الحريـز، وذلك  لشفوق هـذا الأمير على أترابـه وخفوق ذاتـه الراجحة  في حقوق أصحابـه(23 )، ويضيـف ابن الأبار بأنهم انتقلوا بانتقالـه إلى سقرسطـة. ويؤيـد هـذه الرواية التي أوردهـا ابن الابار ـ أي انتقال ابن  أبي الخصال وحاشية ابن الحـاج إلى فاس ـ رسالة كتبهـا ابن أبي الخصـال نفسه يصف فيهـا حاله في فاس ويوجـه فيهـا لوما عنيف إلى النفس( 24) . واثارة هـذه الرسالـة كثيرا من شجوه فهي تدل على الخيبـة التي مني بهـا بعد أن طمحت نفسه في تحقيق بعض آمالــه في فاس .                                
وهناك رسالتان كتبهمـا ابن أبي الخصـال تثبتان عودته من المغرب إلى الأندلس بصحبـة ابن الحاج وابنه أبي يحيى،  وكانت هـذه العودة حوالي سنة 503.
وهـذه إحـدى الرسالتين( 25)  التي كتبهـا ابن أبي الخصـال على لسان رجل مرابطـي إلى علي بن يوسف من قرطبـة في الرابع والعشرين منم جمـادى الأخيرة ولا تذكـر الرسالة السنة، ونرجح أن تكون هـي السنة الثانيـة بعد الخمسمائة، وهي السنـة التي عـاد فيها ابن الحاج وابنه أبو يحيى من المغــرب ، وقد اشرنـا من قبل إلى أن ابن الحاج تولى مدينة بلنسيـة سنة 502،  وفي هـذه الرسالة إشـارة إلى ولاية أبي يحيـى، وممـا جاء في شأن هـذه الولاية:
« فتيمـن الناس هناك بولايـة أبي يحيى ... وبقيادة هـذا القائد الذي اقترن الفتح بمأتـاه»
وتخبر الرسالة عن العـدو بالعبارات التالية: « وأبناء العـدو... الآن  خامـدة، وعزائمهم  هامـدة، وأيديهم جامدة».
وعـن المواشي:«إن مواشي تلك الجبال قد أخـذت في الانبساط والإسهال  الدنو من الوادي طلبا للخصب وتحولا مـن البرد إلى الدفء والله يجعلهــا للمسلمين طعمـة ويزيدهم قوة بعزته».
نـص الرسالة: 
« أطـال الله بقاء أمير المسلمين وناصـر الدين مؤيدا بجنوده معناهـا بتوفيقه وتسديـده، ولا زال عدلـه ينعش الأمم وسعده ينهض الهمم، كتبت أدام الله تأييـده من قرطبة،  حرسهـا الله، لست بقيــن من  جمادى الأخيرة، وقبل بثلاث وافيتهـا من الوجهـة التي صحبنـي ومن معي فيهـا يمن أمره واكتنفتهـا عزة نصره بعـد أن اودعنـا حصى أزليـة حماه الله قوتـا موفورا ومرفقــا كثيرا وحطت عندهم الأسعار وعم الاستبشار وتسلم أبو الخيار مسعود الدليل،  سلمه الله، الحصى واحتوى عليـه وصار أمره إليه. ووافينـا فلانـا أبقاه الله قد استقـاق غنيمة ظاهـرة وجملة من البقر وافـرة، وقتل من العـدو، قصمه الله، عـددا وقضـى وطرى وشفى وحــرى، فتيمن النـاس هناك بولايـة الأمير أبي يحيى أعزه الله وبقيـادة هذا  القائـد الذي اقترن الفتح بمأتاه وكانت عند مقدمنـا، هذا  الحصـى، خيل طليطلـة، بددهـا الله، مجتمعة فوقذهـم الرعب وشملهم الصغار والرغم. وتحققنـا هناك أن  مواشي تلك الجبال قد أخـذت في الانبساط والإسهال والدنو من الوادي طلبـا للخصب وتحولا  من البرد إلى الدفء ، والله يجعلها للمسلمين طعمـة سيزيدهم بها قوة بعزتـه.  وأنباء العدو، قصمـه الله الآن خامـدة وعزائمهم  هامـدة وأيديهم جامـدة، استأصـل الله بحـد أمير المسلمين نعمهم وقطف قممهم وأداخ بلادهـم وانتسف طارفهـم  وتلادهـم، وألفيت الحضرة حرصها الله، وقـد أخذ السرور ر من أهلها كل مأخـذ « وسـرى فيهم كل مسرى ومنفذ بولايـة الأمير أبي يحيى أعزه الله،  وكثـر الدعاء لأمير المسلمين أيده الله ممـا جدد لديهـمك من حسن نظره وخلع عليهم من جمـال سيره ولقيته فلفيت كـل ما أبهج وكـأن وفقا لما انتشر ومشاكلا لمـا استذاع  وظهـر،  تمم الله النعمـة وظاهـر عليه الكفاية والعصمة ووافتنـي كتبه الكرام بمـا بلغ الأمل وحسم العلل،  وأنـا ممتثل في كل معنـى ما يجـده  مجتهد فيمـا يقيم ذلكم الثغر ويستره إن شاء الله عـز وجل».
إن هـذه الرسالة دلالـة واضحة على حرص أميـر المسلمين على تلقي التقارير الإخباريـة على كل المسلمين عن المناطق الإسلاميـة ولو كانت بعيـدة عن حضرته مراكش ليكـون على علم بشؤون المسلمين، وخاصة في الأمصار التي تقع على تخـوم العدو.
                                                         * * *
 أثبت ابن الأبـار في معجمه( 26) أن ابن أبي الخصال لزم داره بعـد مصرع الأمير أبي عبد الله بن الحـاج مشيرا إلى خوفه من« تلك الأحقاد القديمـة ورضاه بالإياب إليهـا من الغنيمة»، ويضيـف ابن الأبـار مصـدرا مصير ابن أبي الخصال: « وفي أكثر عمـره ارتد على العقب مأمولـه  وامتد بطول مـدة ابن تاشفين خمولـه إلى أن حمت منيته بالفتنـة الحمدينيـة فاستشهد رحمه الله ودفـن يوم الأحـد الثالث عشر من ذي الحجـة سنة أربعين وخمسمائة».
إن هـذا الخبر الذي أورده ابن الأبار تناقضـه رسائل ابن أبي الخصال الكثيـرة التي صدرت  من ديوان علي  بن يوسف في مراكـش وتحمل تواريخ مختلفة، وهـذه التواريخ كلها كانت بعـد سنة ثمان وخمسمائة، السنـة التي استشهـد فيها بان الحاج ـ وسنشير إلى رسالة كبتها ابن أبي الخصـال  صادرة مـن مراكش  سنة 507 أ قبل استشهـاد ابن الحاج بسنة.
ثم إن الخوف الذي يشيـر إليه ابن الأبار لا مبـرر له لأن أسباب  الحوف قـد زالت عندمـا عفا أمير المسلمين  على ابن الحاج وعلى جميع أتباعه، وابن أبي الخصـال منهم، فلم يكن لديـه ما يخاف منه ولو كان يريـد ابن تاشفين الانتقام منه لمـا امتنع عليه.
ثم إن بان عـذاري يورد رسالة كتبهـا ابن أبي الخصال  منت ديوان علي بن يوسف في مراكش،  عندمـا انضافت ولاية قرطبـة إلى تاشفين بن علي بن يوسف وتحمل تاريخ عشـرين بقيـن من رجب الفرد سنة ست وعشرين وخمسمائـة(526)( 27).
وهناك رسالة كتبهـا ابن أبي الخصال من مراكـش في تاريخ سابق عـن هذا بعـدة سنوات وكتبها عن أمير المسلمين جاء في مستهلهـا بالخصوص:
« كتابنـا أعزكم الله بتفواه... من حضرة مراكـش... يوم الإثنين منتصف شوال من سنـة سبع وخمسمائـة (507)(28 ) .
إذن فزعـم ابن الأبار باعتكاف ابن أبي الخصال في داره بعـد مقتل ابن الحاج مردود، ولعل ابن الأبـار  قصـد  الاختصـار في ترجمة أدبية ولا نعتقد أنه كان غافـلا عن أخبار هـذا الأديب الذي اشتهرت رسائلـه في الأندلس  وجمعت حتى أصبحت « ديوانا يدور بأيـدي أهل الأندلس».
إن الرسالـة التي أشرنـا غليها سابقا تثبت وبطريقـة لا يكتنفهـا الشك وجـود ابن أبي الخصال في بلاط أمير المسلمين بمراكش، وقـد كان وجوده بهذا البلاط قبل استشهـاد ولي نعمته الأول ابن الحـاج، ونتساءل الآن عمـن  كان السبب في وصول هـذا التحول الذي طرأ عليه، فقـد كان في إحدى رسائله من فـاس يتبرم من الخدمـة الديوانيـة ويتمنى اعتزالها، وهـا نحن نراه الآن في بـلاط  علي بن يوسف ولم يمض الحاج على لقائه بأبي علي الصدفي ـ أحـد شيوخه ـ بالمريـة إلا سنة واحدة، (أي سنة506) حيث قرأ عليه صحيح مسلـم وجامع الترمذي ومصنف أبي داوود وأكثر صحيح  البخاري( 29).
وقـد يتبادر إلى ذهننـا أن أبا عبد الله بن الحاج هو السبب في هـذه الطفرة التي طرفهـا أديبنـا، ربما كان الأمر كذلك ولكن ليس هناك ما يثبت تدخل ابن الحـاج لصالح ابن أبي الخصـال لدى البلاط المرابطي، وكل ما  هناك فيمـا يخص هـذا التحول إشارة وردت في كتاب المعجب لعبد الواحد المراكشي( 30).
لقد أشـار عبد الواحد المراكشي إلى اهتمام علي بن يوسف باستدعـاء أدباء الأندلس، ويقول: « ولم يـزل أمير المسلمين من أول إمارته يستدعي أعيان الكتاب من جزيرة الأندلس، وصرف عنايته إلى ذلك، حتى  اجتمـع له منهم ما لـم يجتمع لملك كأبـي القاسم بن الجد المعروف بالأحـدب، وابن القبطرنـة، وأبي عبد الله ابن أبي الخصال وأخيه أبي مروان، ,أبي محمد بن عبد المجيد بن عبـدون في جماعة  يكثـر ذكرهم».
يؤكـد النص على أن أبا عبد الله وأخـاه أبا مروان كانـا في خدمـة المرابطين، وحددنـا تاريخ بدء هـذه الخدمة بسنة سبع وخمسمائة بالنسبة لأبي عبد الله، وتوجهنـا نقطة أخرى متعلقة بتحديد مـدة هـذه الخدمـة، متى انتهت وما هي الظروف التي انتهت فيها؟.
يقول عبد الواحـد المراكشي( 31) : « فلم يزل أبـو عبد الله... وأخـوه كاتبين لأمير المسلمين إلى أن أخر أمير المسلمين أبا مـروان عن الكتابة لموجـدة كانت منه عليه سببهـا أنه أمره وأخـاه أبا عبد الله أن يكتبا عنه إلى جندي بلنسية حين تخاذلوا وتواكلوا حتى هزمهـم ابن رذمير هزيمـة قبيح’ ، وقتل منهم مقتلة عظيمـة، فكتب أبو عبد الله رسالته المشهورة في ذلك، وهي رسالة كـاد أهل الأندلس قاطبـة أن يحفظـوها ، أحسن فيهـا ما شاء ... وكتب أبو مروان رسالته  في ذلك الغرض أفحش فيهـا على المرابطيـن وأغلظ لهم في القول أكثر من الحاجة».
يشك الأستاذ عبد الله كنون في صحـة هذا الخبر، وقد نشر مقالتـه حول هـذا الموضوع في مجلة دعوة الحق سنة 1960.
لقد عـاد أبو عبد الله إلى الأندلس بعد أن أعفاه أمير المسلمين ويظهر أنهى بقي في مراكـش بعد هـذا الإعفاء الذي كان في العشر الأوائل منش شهـر شعبان سنة 523هـ، وأن صلته بالبلاط المرابطـي لم تنقطع بدليل رسالة  كتبهـا عن علي بن يوسف من مراكش لخمس نقين من ذي الحجـة 523هـ، كتبها بعد مرور مـا يقرب من خمسة اشهـر من  إعفائـه. وهـذه الرسالة موجهـة إلى أبي محمد عبد الله بن أحمـد الوحيدي المالقي قاضي مالقـة( 32)، وهـذا الإعفاء لم يمنعه من الكتابـة عن الأمـراء المرابطين في الأندلس عندمـا  عاد إليها كما سنبين ذلك.
ونرجح أن يكـون أبو عبد الله قد عـاد إلى مراكش عندمـا علم بمرض أخيه ومكث بجواره إلى أن فارق الحيـاة وعـاد إلى قرطبة.
يقول المراكشي: « رجع إلى قرطبـة بعدمـا مات أخوه أبو مروان بمراكش، وأقام هو بقرطبة إلى أن استشهـد في داره أول الفتنـة الكائنـة على المرابطين »( 33).
فالفترة التي يشيـر إليهـا المراكشي هي السنة أو السنتين الأخيرتين من حياة أبي عبد الله، لأن وفـاة أبي مروان كانت سنة  539(34 ).
ووفاة أبي عبد الله كانت سنـة 540، أمـا قبل هـذه الفترة أي منذ نهاية سنة 523  إلى وفـاة أبي مروان،  فالمراكشي لم يشر إ‘ليهـا في خبره، ولعل سبب هـذا الإغفال راجـع إلى كون المنصب إلي شغله أبو عبد الله بعـد مغادرته ديوان مراكـش كان أقل أهمية، أو لعل هـذا الإغفال عائـد إلى أن عبد الواحد المراكشي لم يطلع على الرسائل التي كتبهـا ابن أبي الخصـال سنة 523، أو لعله قصـد الاختصار كما يشير إلى ذلك في ثنايـا كتابه، وليس بوسعه أن يورد جميع الأخبار المتعلقة بشخص واحــد.
ونشير الآن إلى بعض الرسائـل التي كتبها ابن أبي الخصال بعد سنة 523:
ـ فقـد كتب رسالـة يخاطب فيهـا القائـد أبا يعقوب ينتـأن بن علي مهنئـا بقتله غشتون والبشنقـة، وذلك سنة 524( 35).
ـ  وهناك رسالـة كتبها ‘ن أهل جزيرة شقر يهنئ الأمير أبا محمـد تاشفين بن علي بن أمير المسلمين بولايـة العهد سنة 533هـ، كما  كتب عن أهـل الجزيرة يعزي أمير المسلمين في وفـاة الأمير  أبي محمد سير ولي العهد.
ـ ثم إن صاحب الإحاطـة( 36) يذكـر أبا عبد الله من بين كتـاب أبي محمد تاشفين بن علي، فوصفـه بالرئيس العالم، كما أثبت له في الجزء الثانـي قصيدة مدح فيها الأمير أبا محمد(37 ).
ـ  وهناك رسالة أخـرى كتبها إلى الرئيس أبي زكريـاء يحيى بن علي (ابن غانية) يهنئه بعد عودتـه من بعض  متوجهاته، وذلك في أخريـات محرم أربع وثلاثيـن وخمسمائة (534)( 38).
وهكذا تؤكـد هـذه الوقائع كلهـا بأن أبا عبد الله عندمـا عاد إلى قرطبة إثر مصرع ابن الحـاج لم يلزم داره كما ذهب إلى ذلك ابن الأبـار.
وفاتـــــــه:
يقول ابن الأبـار في معجمه( 39): «لقـد حمـت منيته بالفتنـة الحمدينية، فاستشهـد رحمه الله ودفـن يوم الأحد                   
الثالث عشر من ذي الحجـة سنة أربعين وخمسمائـة وكان دفنه ضحـى بمقبرة ابن عباس».
أمـا ابن الخطيب فقد أورد في الإحاطة(40 ) خبرين عن مصرع ابن أبي الخصال.
ـ الخبر الأول نقله عن ابن بشكوال جاء فيه: « ومـن خط الحافظ المحدث أبي القاسم ابن بشكوال رحمه الله:  كـأن ممن أصيب أيـام الهرج بقرطبة فعظـم المصاب به الشيخ الأجل... أبو عبد الله ابن أبي الخصـال، ألفـي مقتولا قرب باب داره بالمدينة، وقد سلب ما كان عليه بعـد نهب داره واستئصـال حاله وذهاب ماله، وذلك يوم السبت الثانـي عشر من ذي الحجة من سنة أربعيـن وخمسمائة... ونعى إلى النـاس وهم مشغولون بما كانـوا بسبيله من الفتنـة فكثر التفجع لفقده والتأسف على مصاب مثلـه، وأجمعوا على أنه كان آخـر رجال الأندلس علما وحلما....».
ـ والخبر الثاني لم ينسبـه إلى مصدر معين فاكتفى بعبارة: قال غيـره جاء فـــــــــي: « قتل بداخـل مدينة قرطبة يوم دخلهـا النصارى مع مليكهم طيلطلـة، يوم قيـام ابن حمديـن  واقتتالـه مع يحيى ابن علي بن غانيـة المتوفي يوم الأحـد لثلاث عشر مضـت من ذي الحجة عام أربعين وخمسائة( 41)، فقتلـه بربر المصامـدة لحسن ملبسـه ولم يعرفوه وقتلوا ابن أخته».
تشيـر هذه المصادر كلها إلى أن وفاته لم تكن طبيعيـة وتؤكـد على أن مصرعه زامـن « فتنة الحمدينيـة» أو «أيام الهـرج بقرطبة» أو «يوم دخلهـا النصارى يـوم قيام ابن حمدين، واقتتالـه مع يحيى بن علي بن غانية»
يتبيـن لنـا  من هـذه العبارات أن الظرف الذي كـان يسود قرطبة كـأن دقيقا وصعبا.
ـ فمن جهة هناك الفتنـة الحمدينيـة. وقد قام بهـا القاضي أبو جعفر بن حمدين بن محمد بن علي بن حمدين، كان قاضيــا لقرطبـة ثار بها عندمـا ضعف أمر المرابطيـن سنة 539، وأعلـن نفسه أميرا عليها، وتلقـب باسم المنصور بالله وحكمهـا في البداية نحو أسبوعين ثم انتزعها منه سيـف الدولة بن هود لأيـام قليلة، وعـاد ابن حميدين إلى رئاستهـا واستمر في رئاسة قرطبة زهـاء عشرة أشهـر، ثم انتزعها منـه ابن غانية، وفر ابن حمدين ناجيـا بنفسه وتوفي سنة 546( 42).
ـ  ومن جهـة أخرى فقد رأى النصارى في اضطراب أحوال الملثميـن فرصة يضغطـون فيها على أمراء المرابطيـن المتبقين في الأندلس. ومن هؤلاء القائد أبو زكريـاء يحيـى ابن علي المسوفي المعروف بابن غانيـة، وكان يحكم قرطبـة ، فتحرك  الفونشـو نحوها بعد أن استولى على حصـون عديدة، ونزل له ابن غانيـة عن بياســة وأبدة، وتغلب على أشبونـة وطرطوشـة والمرية ، ماردة، وافراغـة وسنترين وشانت مرية، وطالب ابن غانيـة بالزيـادة على ما بـذل  له أو الإفراج على قرطبة. وهنا يقـف القائـد المرابطي وقفـة راعى فيهـا أولا شؤون المسلمين قبل شؤون أمر الدولـة المرابطية، إذ ارسل ابن غانيـة إلى بدران ابن محمـد أمير الموحديـن، واجتمعا باستجـة، وضمن له بدران أمـان الخليفة عبد المومن علي أن يتخلى لـه عن قرطبة وقرمونـة، ففعل ثم لحق بغرناطـة وبها توفي سنة 543.  
وانتهـز النصارى الفرصـة للاستيلاء على قرطبـة ولكن ثوار الأندلس سارعوا لحمايتها، كمـا أرسل عبد المومن الموحدي جيوشـا لنجدتهـا وأفرج عنها الفونشو بعـد أيام  من مدخله.
ليس هناك حالـة أصعب ممن هـذه الحـالة التي مرت بهـا قرطبة:
فابن غانية يريـد أن يقر النظام ويخمـد الفتن، والفونشو يريـد أن يستولي على المدينة، والموحدون في صراعهم مع الزمـن لاستكمال سيادتهم على الأندلس،  وهكـذا فقد اختلط الأمـر على القرطبيين: فمن يحكمهم؟. ابن غانيـة؟ ابن حمدين؟ ابن هـود؟ الفونشو؟ الموحدون؟                  
وهـذا الغموض سيدفـع ولا شك الكثيرين مـن المغامرين إلى الاستهتـار بالسلطـة ويندفعون إلى النهب والسلب والقتل، وقـد راعت هـذه الحالـة  من كان يميل إلى النظام واحترام سيـادة الدولة كابن أبي الخصـال، فعز لعيه أن يرى قرطبـة فريسـة هذه الفوضى العارمة ،  فبـادر إلى العمل  على التخفيف  من هـذه الاضطرابات مقتنعـا بان صوته سيسمـع نظرا لمكانتـه في نفوس القرطبيين، فخرج إلى باب داره ناهيـا  وزاجرا، يقول ابن الابار(43 ): «فمر بـه بعض المصامـدة وقد ارتكبوا منى الجرائم واستحلوا  من المنكرات ممـا حمل ابن أبي الخصال على زجرهم والإغلاظ لهم ثقـة بمكانته وفضله، وبينمـا ابن أبي الخصال مشتغل بمن أمامــه من الثائرين غـدره آخـر من ورائه فذبحـه، ثم طرح لتوه صريعـا»، نص صريح في تصوير الحالة المترديـة التي عمت قطربة وغالبا مـا يسود هـذا الاضطراب الفترات التي تنتقل فيهـا السلطة منى  حاكم إلى آخـر، ولا غرابة إذا رأينـا حياة الأفراد في خطر فيسقط عـدد كبير من الأبرياء، ومن هؤلاء الذيـن سقطوا أديبنـا أبو عبد الله بن أبي الخصال، وكان لمصرعـه صدى عميق في نفوس القرطبيين عامة.
 وهكذا يلقي ابن أبي الخصال مصرعـه وهو الذي ناضل منذ شبابه لأجل تحصيل العلم والأدب، وخلال اكتمال رجولته طمـع في الظهور بسرعـة عن طريق المؤامـرة واللاشرعية، ولكن  هـذه الشهرة التي رغب فيهـا واتته عندمـا كان  كاتبا في ديوان علي بن يوسـف من سنة 507 إلى سنة 523، أمـا  المرحلة الثالثـة فقد استمت بنوع من الاستقرار،  إذ نراه يعـود إلى الأندلس وبالذات إلى قرطبـة حيث يواصل الكتابة عن بعض ولاة المرابطين، ويقدم في آخـر حياته في سبيل الحفـاظ على هـذه الدولة التي عاصرهـا منذ ظهورهـا إلى عهد سقوطها.
 وقد أوصى أبو عبد الله في قصيدته المعروفـة بالمسمطـة في منادب قرطبـة والزهراء بأن يدفـن في قرطبة(44 )
فيا  صاحبي إن  كان  قلبك  مصرعي  *    وكنت  على  عهد الوفاء والرضا معي
فحـط بضاحي ذلك الترب  مضجعي    *     وذرني  فجار القوم غير  مروعــي
                          وعندهـم للجـار امــن ومرحــــب

1 ) أنظر القلائـد للفتح بن خاقان، ص 199، والذخيرة لابن بسام ق3. مجلد 2، ص 786، الفهرسة لابن خير، ص 502، و573، الصلة لابن بشكوال، ق2، ص 588. بغية الملتمس للضبي ، ص 131، المعجب للمراكشي، ص 255. المعجم لابن الابـار، ص 149، المغرب لابن سعيد ،ج2، ص 66. أزهار الرياض للمقري، ج5، ص 156، نفح الطيب، ج1، ص 294، الإحاطة لابن الخطيب، ج2، ص 382.
 2) لقد نص ابن حزم على أن قبيلة غافق نزلت في الجوف في شمال قرطبة بعد الفتح الإسلامي( جمهرة أنساب العرب: ص 328).
 3 )  المعجم لابن الابار ، ص 149.
  4) الصلة لابن بشكوال، ق 1، ص 588.
  5) أنظر المخطوط رقم  519، بخزانة الاسكوريال، ص 40.
  6) الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي، س 5، ق1، ص 158.
  7) المعجم لابن الأبار، ص 318.
 8 ) الصلة،  ق2، ص 348.
  9) نفس المصدر، ق1، ص 142.
 10 )  المعجم، ص 80.
  11) المعجم، ص 138.
  12) المعجم ص 151.
  13)  الذخيرة ، المجلد الأول القسم الأول : ص 388/ المعجب ، ص 207.
 14 ) القلائد، ص 19.
  15) البيان المغرب لابن عذاري، ج1، ص 48.
  16) يذكـر ابن عذاري أن يوسف جاز إلى الأندلس سنة 497 وصدر إلى غرنـاطة وعقد عليها لعلي بن الحاج وجمـع أعلام المرابطين والرؤساء الأندلسيين في حالة البيعـة (لابنه علي).
  17) البيان، ج4، ص 48 ـ 49.
  18) المعجم، ص 138.
  19) نفس المصدر والمكان، البيان ج4، ص 340.
  20) يذكر صاحب روض القرطاس بأن ابن الحاج ولي بلنسية سنة 502، ص 104.
  21) البيان المغرب ، ج4، ص 54.
  22) نفـس المصدر، ص 61.
  23) المعجـم، ص 138.
  24) المخطوط رقم 519، بخزانة الأسكوريال (ص 71-72).
  25)  نفس الرسالة التي وقف عندهـا الأستاذ البرجالي.
  26) المعجم، ص 152.
  27) البيان المغرب، ج4، ص 87.
  28) وثائق تاريخية جديـدة لمحمود علي مكي .
  29) المعجم ، ص 150.
 30 ) المنجم لعبد الواحـد المراكشي ، ص 258.
 31 ) نفس المصدر ص 259، ط/ البيضاء.
 32 ) أنظر وثائق تاريخية جدية لمحمود علي مكي.
 33 ) المعجب، ص 260
 34 ) الذيل والتكملة السفر، 5، ق1، ص 47.
  35) أنظر مخطـوط بن منصور ورقة: 22 بالخزانة الملكية.
  36) الإحـاطة ج1، ص 450.
  37) نفس المصدر ج2، ص 392.
 38 ) أنظر مخطوط بن منصور: ورقة 31.
 39 ) المعجم، ص  152.
  40) الإحاطة، ج2،/416.
  41) نفس المصدر 2/418.
  42) الحلة السيراء لابن الأبـار.
  43) المعجم، ص 152.
 44 ) أنظـر المخطوط رقم 519، ص 112.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here