islamaumaroc

قراءة في كتاب " الفتوحات الإلهية" لسيدي محمد بن عبد الله

  عبد الجواد السقاط

265 العدد

الحديث النبوي الشريف، الذي هو موضوع كتاب الفتوحات الإلهية للسلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله، وموضوع السنة النبوية عموماً من المواضيع التي استأثرت باهتمام العلماء المغاربة وظفرت  من مجهوداتهم الفكرية بالنصيب الوافر،  بدءاً من القاضي عياض صاحب كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، وأبي العباس العزفي صاحب كتاب " الدر المنظم في مولد النبي المعظم"، وغيرهما من الأعلام البارزين الذين كانوا ذؤوبين على تدارس كتب الحديث كالصحيحين، وموطأ الإمام مالك،و مسند الإمام احمد، وغيرها كما كان بعضهم يختم هذه الكتب في احتفال كبير تتقاطر فيه وفود الشعراء والعلماء والمهنيين على العالم الذي قام بالختم"(1) ، بل إن من هؤلاء العلماء من كان يتجاوز التدارس والإقراء إلى التأليف والشرح والتحشية، وخاصة في العصر السعدي، حيث تحظى الخزانة المغربية بأعمال متنوعة في هذا المضمار نثراً و نظماً.(2)
وقد استمر هذا الاهتمام في العصر العلوي بعد ذلك،  بل لقد تطور هذا الاهتمام متجلياً في حرص ملوك الدولة العلوية على العناية بالحديث وعلومه، وتشجيع علمائه مادياً ومعنوياً. ومن الأدلة على هذه العناية وذلك التشجيع ما جاء في المنزع اللطيف من أن المولى إسماعيل أجاز العلامة الأديب علي مصباح على قصيدته التي مدح بها سيدي محمد بن أحمد بن المسناوي حين ختم عليه نجل المولى إسماعيل العلامة مولاي أمحمد كتاب الشفا بكسوة ومائة مثقال، وذلك إذ ذاك من العطاء الباهظ، و نص القصيدة:

يـأهل ودي هـل لــديكم من شفـــا       ممـا غــدا منــه الفــؤاد على الشفــا..(3)
ومن ذلك أيضاً ما تناقلته المصادر من أخبار عن السلطان سيدي محمد بن عبد الله، تؤكد كلها اهتمام جلالته بعلم الحديث، بل يتدارسه إياه وتأليفه فيه (4) ودفع العلماء للاشتغال به و شرح، كما فعل مع السيد التهامي بن عمرو إذ كلفه بشرح الربعين النووية.(5)
ومن ذلك أيضاً اهتمام جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه بالأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم إذ كان كتاب الفتوحات الإلهية للسلطان سيدي محمد بن عبد الله.
أول مخطوط يدشن به جلالته المطبعة المحمدية التي أسسها جلالته عام 1364هـ 1945م، إذ جعله "فاتحة خير لإحياء السنة النبوية، ومبعث رشد انشر المعارف بمملكته الشريفة"(6)
 ومن ذلك أخيراً عناية جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله بهذا المضمار، وتلك العناية التي تبلورت في إحداث جلالته لدار الحديث الحسنية، وعقد جلالته للدروس الرمضانية التي تكون فرصة لتدارس أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وشرحها والتعرف بها سنداً و متنا، وكذلك إعادة طبع جلالته لكتاب الفتوحات الإلهية، وذلك سنة 1400هـ، 1980م بالمطبعة الملكية بالرباط، التي أسسها جلالته لتكون منبعاً من منابع نشر العلم وإحياء الثرات.
 ونظراً لقيمة هذا الكتاب وقيمة موضوعه، نود أن نتعرف في هذه القراءة إلى ما يكمن بين دفتيه من فوائد جمة ومعلومات مفيدة.
 وقد تصدر هذا الكتاب تقديم لفضيلة العلامة السيد محمد الرشيد ملين (7) قارن في مستهله بين الإسلام في عهوده الأولى حيث "سعدت به الشعوب بعد شقائها، وترعرعت الأمم بعد ذبولها وازدهرت الدول بعد انحطاطها(8)، وبين الإسلام في العهود الموالية حيث "انغمس الناس فيما يظنونه دينا و ليس من الدين في شيء، فانكبوا على القشور يريدون فيها غذاءً لروحهم وما أنتحت يوما غذاء، واتبعوا السراب يحسبونه ماء فاشرفوا على الهلاك".(9)
 وبعد ذلك يؤكد صاحب التقديم أن الله تعالى يقيض للأمة الإسلامية بين الحين والحين من يصلح أمرها و يقوم اعوجاجها، " و يرد لدين بهجته، ويعيد إليه بساطته وصفاءه"(10)، وكذلك كان شأن البلاد المغربية من أصول الدين، و يصلون بينها و بين كلام الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سيما السلطان سيدي محمد بن عبد الله " كان أول عاهل مغربي أدرك أن لا صلاح لآخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فعمل في نظام ومثابرة على تطبيق هذا المبدأ، وعلى السير برعيته على هذا المنهج، مستخدماً سلطته و نفوذه لتخطي العقبات، جامعاً حوله علماء مملكته، للاستنارة بآرائهم.(11)
 ومن هنا يشير صاحب التقديم إلى اهتمام السلطان سيدي محمد بن عبد الله بمجالس العلم، تلك التي كان يترأسها بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع، و خاصة في موضوع الحديث النبوي الشريف، سواء تعلق الأمر بدراسة جلالته لصحيح البخاري وصحيح مسلم، وموطإ مالك، أو تعلق باستجلاب مسند الإمام أبي حنيفة من الشرق وجعله محط اهتمام علماء الحديث بالمغرب، وكذلك مسندي الإمام ابن حنبل والإمام الشافعي.
 ولم يكن هذا الاهتمام بالحديث من سيدي محمد بن عبد الله اهتماماً نظرياً، بل كانت دراسته للحديث دراسة تطبيقية، لا تطرح بين يدي جلالته فرصة إلا واستشهد بحديث، ولا أصدر منشوراً إلا ودعا فيه إلى التمسك بالشريعة الإسلامية الصافية، والعودة إلى مصادرها المبسطة، بعيداً عن الكتب الملتوية والتلويحات المبهمة.
 وبعد ذلك يوضح صاحب التقديم موقف السلطان سيدي محمد بن عبد الله من البرنامج الذي وضعه للعلماء والطلبة، والمواد التي يجب تدريسها، بدءاً من كتاب الله عز وجل، وحديث رسوله الشريف، إلى كتب في الفقه وشروح لها معينة، كما أشار إلى تحبيس جلالته الكتب على مساجد المغرب، مساهمة منه في القضاء على الجهل في سائر أنحاء البلاد.
ومن هنا يستعرض صاحب التقديم طائفة من مؤلفات السلطان سيدي محمد بن عبد الله، وهي كالآتي:
• مواهب المنان بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان.
• الجامع الصحيح الأسانيد.
• الفتوحات الصغرى.
• الفتوحات الكبرى، أو الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية.
• الجامع الصحيح الأسانيد، من ستة مسانيد.(12)
 ولم يفت صاحب التقديم أن يقف وقفة قصيرة للتأكيد على قيمة كتاب الفتوحات الإلهية واهتمام العلماء المغاربة والمشارقة به اهتماماً يعود إلى ما يتميز به هذا الكتاب من نظام في الترتيب "لم يسبق إليه سيدي محمد بن عبد الله، على كثرة ما ألف وجمع في علم الحديث والرواية ". (13)
  يختم صاحب التقديم كلمته بالاعتراف بما أسداه جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه من أياد بيضاء للمغرب كان من بينها تأسيسه للمطبعة المحمدية "في وقت اشتدت فيه حاجة المغرب إلى الكتب بجميع أنواعها، فأزال بها ذلك العذر الذي كان يلجئ إليه علماؤنا ومفكرونا، من ضعف سبل النشر.(14)
 ولقد كان برنامج هذه المطبعة موزعاً إلى أقسام ثلاثة هي الآتية:
1) الكتب المدرسية المعتمدة في كل طبقات التعليم الإسلامي.
2) الأبحاث والدراسات التي يكتبها مفكرو المغرب على الأسلوب العصري.
3) المخطوطات والتأليف العتيقة التي يعتبر كتاب الفتوحات الإلهية أبرز نموذج لها، ساهم به جلالة المغفور له من خزانته الفخمة ليكون مثالاً يحذو حذوه أصحاب الخزانات الخاصة.
 وبعد هذا التقديم المسهب، نجد بالكتاب ترجمة ضافية للسلطان سيدي محمد بن عبد الله –مؤلف الكتاب– بقلم فضيلة العلامة سيدي المدني بن الحسيني(15) ، تعرض فيها لجوانب متعددة من حياة هذا السلطان العظيم، وفي مجالات مختلفة جاءت كالآتي :
• الولادة والنشأة والحجة

فقد كانت ولادة جلالته عام 1134 هـ بمدينة مكناسة الزيتون، حيث تلقى العلم تحت رعاية والده    وعناية جدته العالمة الفقيهة السيدة خناثة بنت الشيخ بكار المغفري التي كان جلالته قد رافقها،  وهو بعد صغير دون بلوغ، إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج.
• خلافة والده بمراكش
 فعندما بلغ جلالته الخامسة العشرين من عمره، بعثه والده ليكون خليفته بمراكش، فاضطلع بمهمته على الوجه الأكمل، الشيء الذي دفع أهل مكناسة وزرهون يبعثون إليه يستقدمونه إليهم ليبايعوه، ولكنه لم يقبل دعوتهم، وأبى أن ينازع والده الملك، إلى أن كانت وفاة هذا الأخير، فتمت له البيعة عام 1121هـ، " فازدهت به الدنيا وضحكت الأيام بعد عبوسها، وقضى في الملك ثلث قرن من السنين قام خلالها بأعمال جليلة، و سار في الناس سيرة جميلة، وسطر من صحف المجد ما لا يزال على الأيام يتلى، وخلد من المآثر ما لا يبلى، حتى عد مجدد الدين على رأس المائة، وواحد من خيار تلك الفئة، كما عد مجدد الدولة، ومعيدها لمقام العز والصولة.(16)
• إصلاح و تجديد و بناء و تشييد
 فقد اتجهت همة جلالته للإصلاح والبناء في كافة الميادين من إدارة ومال وعمال وقضاة وتعليم ودفاع وغيرها، كما اتجهت همة جلالته إلى تحرير الأساري وفك رقابهم، وخاصة من بلاد الإسبان.
• بين الأستانة ومراكش
 إذ كانت لجلالته علاقة طيبة ممتازة مع الدولة العثمانية، مع السلطان مصطفى الثالث بن السلطان أحمد الرابع، ومع السلطان عبد الحميد الأول، بحيث كان يبعث بالهدايا والأموال الطائلة إلى هذه الدولة، ويعينها عندما تكون في عسر من أمرها.
   السلطان المعطاء
فقد كان كثير العطاء والهدايا، سواء داخل المغرب أو خارجه كبلاد الحرمين والشام ومصر، كما حبس أحباساً على الحرمين وبعض المساجد والقراء والأشراف ليبقى عمله جارياً بعد وفاته.
•     السلطان العالم
إذ كان جلالته قبل الملك متصرفاً إلى الأدب والتاريخ والسياسة وأحوال العرب وأيامها و أنسابها، حتى إنه كان يحفظ الأغاني لأبي الفرج الإصبهاني، وبعد ما صار إليه الملك لم تصرفه أعباؤه عن مواصلة البحث والعلم، وخاصة في ميدان السنة والأحاديث النبوية التي كان يعد لها مجالس خاصة وفي أوقات معلومة.
وهنا يؤكد المترجم أن "هذه المجالس الحديثية المحمدية كانت أساساً للمجالس الحديثية عند ملوك الدولة الشريفة العلوية بعد، فقد اقتفى أثره في مجالسة العلماء ومباحثتهم ومدارسة الحديث والتأليف فيه ولده السلطان العالم المولى سليمان، ثم جاء بعده ابن أخيه وولي عهده السلطان المولى عبد الرحمن بن هاشم بن محمد بن عبد الله، فأصبح مجلس الحديث من العوائد الرسمية و السنن المرعية للدولــــــــــة..."(17).
• السلطان المؤلف
و هنا يعرف المترجم بمؤلفات السلطان سيدي محمد بن عبد الله، وهي:
- "مواهب المنان بما يتأكد على المعلمين تعليمه الصبيان"، إذ جمع فيه "مسائل مهمة من علم أمور الدين، قريبة المقاصد شهيرة، الموارد، مقتصراً فيها على الضروري ليسهل حفظه على الصبيان وهي أيضاً نافعة لمن اقتصر عليها في دينه من الشيوخ والكهول والشبان."(18)
- " طبق الأرطاب، فيما اقتطفناه من مساند الأئمة وكتب مشاهير المالكية والإمام الحطاب"، وهو ثمرة إعادة جلالته النظر في مؤلف له آخر وهو:
- "الفتح الرباني فيما اقتطفناه من مساند الأئمة وفق الإمام الحطاب والشيخ ابن أبي زيد القيرواني" الذي كان في أصله تتمة لمؤلفه:
- "بغية ذوي البصائر والألباب في الدرر المنتخبة من تأليف الحطاب" الذي كان قد اقتصر فيه على عقيدة ابن أبي زيد وكتابي الطهارة والصلاة .
- " الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من ستة أسانيد" و هو كتاب استخرجه من الصحيحين والموطإ  ومسند أحمد والشافعي وأبي حنيفة، ورتبه على أبواب الفقه من عبادات ومعاملات"(19)
- " الفتوحات الإلهية الصغرى" وتشتمل على أزيد من ثلاثمائة حديث، علاوة على بعض التراجم،     وذكر آل البيت ومن استشهد منهم.
- "الفتوحات الإلهية الكبرى "وهي أشهر مؤلفاته، اعتنى بها المغاربة والمشارقة تدريساً و شرحاً، لأهمية موضوعها من جهة،  ولقيمة المساند التي اعتمد عليها من جهة ثانية، كما أكد هذه العناية أخيراً السلطان المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه الذي أمر بطبع هذا الكتاب ونشره.
 وبعد هاتين المقدمتين – التقديم وترجمة المؤلف – يبدأ الكتاب بتصدير مختصر تعرض  فيه السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى الدافع الذي حمل جلالته على تأليف الفتوحات الإلهية، مشيراً  إلى مساند الأئمة الثلاثة(20) التي وردت على جلالته، ولم تكن قد دخلت المغرب قط من قبل، ومثيراً كذلك  إلى موطإ الإمام مالك وصحيحي البخاري ومسلم، و هي الكتب التي أضاف درر بعضها إلى بعض في مساق أبدع ونسق أرفع، قسم فيه الأحاديث التي أوردها إلى سداسية، أي التي أخرجها كل من الأئمة الأربعة: مالك و الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة، وكذا الإمامين البخاري ومسلم، ثم إلى خماسية، أي التي لم يخرجها واحد من الستة المتقدمين فرباعية وثلاثية و ثنائية. كما يتعرض جلالته في هذا التصدير إلى بقية محتويات الكتاب، كذكر جلالته للآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين والستة الباقين من العشرة، ثم مسندات الأئمة الأربعة، ملتزماً تقديم أكبرهم سناً. ولم يفت جلالته أن يشير في هذا التصدير إلى عقيدة الإمام ابن أبي زيد القيرواني التي ابتدأ بها رسالته، وإلى تسمية الكتاب كاملة إذ يقول: " وسميته بالفتوحات الإلهية، في أحاديث خير البرية"(21)، وأخيراً إلى الفصلين اللذين ختم بهما هذه الفتوحات: أولهما في بيان قول جلالته في الترجمة المالكي" مذهباً والحنبلي اعتقاداً" وثانيهما في اعتقاد جلالته في الأئمة الأربعة.
 وإذا نحن عدنا بعد هذا إلى الأحاديث الواردة في هذا الكتاب وجدناها تتسم بمميزات متعددة نذكر من بينها:
• غزارة الأحاديث الواردة، التي بلغت ألفين ومائتين واثنين وستين (2262) حديثاً، جاءت مقسمة على الشكل التالي: 
-   حديث "إنما الأعمال بالنيات" الذي وضعه جلالته في مستهل أحاديث هذه الفتوحات "وإن كان رباعياً لأن الأعمال كلها موقوفة على هذا الحديث"(22).
-  الأحاديث السداسية، وعددها خمسون حديثاً (50).
-  الأحاديث الخماسية، وعددها أربعون حديثاً (40).
-  الأحاديث الرباعية وعددها (100) حديث. 
-  الأحاديث الثلاثية وعددها مائتان وسبعة وثلاثون (237) حديثاً.
-  الأحاديث الثنائية، وعددها مائة وأربعة و تسعون (194) حديثاً.
-  الأحاديث المرتبطة بآل البيت ومناقبهم، وعددها أربعون (40) حديثاً.
-  أحاديث مسند الإمام حنيفة، وعددها أربعمائة (400) حديث.
-  أحاديث مسندات الإمام مالك، وعددها ثلاثمائة وخمسة وتسعون (395) حديثاً.
-  أحاديث مسندات الإمام الشافعي، وعددها ثلاثة وأربعمائة (403) حديثاً.
-  أحاديث مسندات الإمام أحمد و عددها اثنان وأربعمائة (402) حديث.
-  تنوع الأحاديث الواردة من حيث الموضوعات التي تعالجها من عقيدة ومعاملات وغيرها. ففيما يتعلق بأركان الإسلام مثلاً، وردت أحاديث كثيرة تعالج الصلاة والزكاة والحج وغيرها، كالحديث التاسع الذي أخرجه "الإمام أبو حنيفة عن ابن عباس ومالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة.(23)
وفيما يتعلق بالمعاملات مثلاً نشير إلى واحد من أحاديث كثيرة وردت في الموضوع هو الحديث الثاني والثمانون بعد المائة الذي أخرجه الإمام مالك وأحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يومن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، من كان يومن بالله و اليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت".(24)
• اختلاف الأحاديث الواردة طولاً و قصراً، فإذا كان الحديثان السابقان(25) يمثلان الأحاديث القصيرة، فإن أحاديث أخرى كثيرة تتميز بطول نفسها كالحديث الثامن والعشرين بعد الثلاثمائة (328) الذي أخرجه "الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أكثرنا من الحدث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، ثم غدونا إليه فقال: عرضت علي الأنبياء الليلة بأممها، فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة، والنبي ومعه العصابة، والنبي ومعه النفر، والنبي  ليس معه أحد،  حتى مر علي موسى معه كبكبة من بني إسرائيل، فأعجبونني فقلت: من هؤلاء؟ فقيل لي: هذا أخوك موسى ومعه بنو إسرائيل، قال: قلت: فأين أمتي؟ فقيل لي: انظر عن يمينك فنظرت فإذا الظراب قد سد بوجوه الرجال، ثم قيل لي: انظر عن يسارك. فنظرت فإذا الأفق قد سد وجوه الرجال. فقيل لي: أرضيت؟ فقلت: يارب، رضيت يارب، قال: فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فداكم أبي وأمي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين الألف، فادخلوا، فإن قصرتم فكونوا أهل الظراب، فإن قصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم ناسا يتهاوشون. فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله لي يا رسول الله أن يجعلني من السبعين، فدعا له، فقام آخر فقال: ادع لي يا رسول الله لأن يجعلني منهم، فقال: قد سبقك بها عكاشة،قال: ثم تحدتنا فقلنا : من ترون هؤلاء السبعون الألف؟ قال: قوم ولدوا في الإسلام، ولم يشركوا بالله شيئاً حتى ماتوا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:هم الدين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يستطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.(26)
•  اختلاف الأحاديث الواردة بين عنصري السرد والحوار، ولعل النماذج المستشهد بها أنفاً تدل على هذا الاختلاف.
• اختلاف هذه الأحاديث بين أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأعماله، فقد جاء في الحديث السادس والأربعين بعد الثلاثمائة (346) الذي أخرجه "الإمام أبو حنيفة ومالك وأحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الدية في الخطإ إخماساً.(27)
• تنوع صيغ الأحاديث الواردة بين أمر ونهي ودعاء وغيرها، ويكفي أن نمثل لأسلوب الدعاء بالحديث الواحد بعد الستمائة (601) الذي أخرجه "الإمام أحمد ومسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفة واليقين (28)
•  تنوع الأحاديث الواردة بين أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم والأحاديث القدسية، هذه الأخيرة التي تمثل لها بالحديث الواحد والسبعين بعد الخمسمائــــــــــــة (571) الذي أخرجه " الإمام أحمد ومسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: إني حرمت على نفسي الظلم وعلى عبادي، ألا فلا تظلموا، كل ابن آدم يخطئ بالليل والنهار ثم يستغفرونني فأغفر لهم ولا أبالي، وقال: يا بني آدم كلكم كان ضالاً إلا من هديت، وكلكم كان عارياً إلا من كسوت، وكلكم كان جائعاً إلى من أطعمت، وكلكم كان ظمآناً إلى من سقيت فاستهدوني أهدكم، واستكسوني أكسكم، واستطعموني أطعمكم، واستسقوني أسقكم، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم و جنكم وإنسكم وصغيركم وكبيركم وذكركم وأنثاكم على قلب أتقاكم رجلاً واحد، لم تزيدوا    في ملكي شيئا،ً ولو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم وصغيركم وكبيركم وذكركم وأنثاكم على قلب أكفركم رجلاً لم تنقصوا من ملكي شيئا إلا كما ينقص المخيط من البحر"(29)
• بعض الأحاديث جاء تطعيماً لجملة التراجم التي ساقها السلطان سيدي محمد بن عبد الله على الشكل الآتي:
- آل الرسول صلى الله عليه وسلم.
عبيدة بن الحارث.
حمزة بن عبد المطلب.
جعفر بن أبي طالب.
علي بن أبي طالب.
- زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم وذريته و حفدته:
السيدة خديجة رضي الله عنها.
زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم.
رقية بنت الرسول صلى الله عليه وسلم.
أم كلثوم بنت الرسول صلى الله عليه وسلم.
فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم.
إبراهيم ولد الرسول صلى الله عليه وسلم.
الحسين بن علي بن أبي طالب.
-  عودة إلى بعض آل الرسول صلى الله عليه وسلم.
العباس بن عبد المطلب.
-  الخلفاء الراشدون.
أبو بكر الصديق.
عمر بن الخطاب.
عثمان بن عفان.
علي بن أبي طالب.
- بقية العشرة المبشرين بالجنة.
الزبير بن العوام.
طلحة بن عبيدة الله.
أبو عبيدة الجراح.
سعد بن أبي وقاص.
سعيد بن زيد.
عبد الرحمان بن عوف.
 وتدل هذه التراجم على ثقافة واسعة لدى السلطان سيدي محمد بن عبد الله، تلك الثقافة التي ساهمت فيها عناصر مختلفة أدت إلى تضلع جلالته دينا وسيرة وتاريخا وأنساباً...
• حرص السلطان سيدي محمد بن عبد الله على إيراد الحديث النبوي الشريف بجميع رواياته، وفي ذلك دليل على دقة جلالته، ورغبته في أن يكون كتاب الفتوحات الإلهية جامعاً لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم مهما كان اختلاف روايتها أو سندها. وكمثال على ذلك نشير إلى حديث أدرجه السلطان ضمن الأحاديث السداسية برواية معينة، ثم رواه بعد ذلك ضمن الأحاديث الخماسية (30) برواية ثانية، فأما الرواية الأولى(31) فتقول "وأخرج الإمام أبو حنيفة و مالك عن غبن عمر و الشافعي و أحمد عن عائشة و البخاري و مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل للأعقاب من النار، فإذا غسلتم أرجلكم فابلوا بالماء أصول العراقيب.(32)
 وأما الرواية الثانية(33) فتقول: " و خرج الإمام أبو حنيفة ومالك عن ابن عمر، وأحمد عن عائشة، والبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل للعراقيب  من النار، فإذا غسلتم أرجلكم فأبلغوا بالماء أصول العراقيب.(34)
 وكمثال آخر على هذا الاختلاف متناً وسنداً، وعلى حرص السلطان سيدي محمد بن عبد الله تتبع الفروق والاختلافات ولو كانت بسيطة، الحديث(35) الذي أورده جلالته خماسياً وهو: "وأخرج الإمام أبو حنيفة عن جابر بن عبد الله، والشافعي عن أبي هريرة، وأحمد والبخاري ومسلم عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويوتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله"(36)، والحديث نفسه (37) أورده جلالته رباعياً (38) برواية أخرى تقول: "وأخرج الإمام الشافعي وأحمد عن أبي هريرة والبخاري ومسلم عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلى الله، فإذا قالواها، وصلوا صلاتنا، و استقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، و حسابهم على الله".(39)
 وهكذا إذن يتضح أن كتاب "الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية" يعد موسوعة هامة ضمت عددا هائلاً من الأحاديث النبوية الشريفة، كما أنه يعتبر معلمة بارزة من معالم البحث في مجال الحديث   والتجديد في تناوله والتطرق إليه وقد سبقت الإشارة إلى هذا الترتيب الذي اعتمده السلطان سيدي محمد بن عبد الله يعد جديداً بالنسبة للترتيبات والتبويبات التي كانت معتمدة من قبل، وفي هذا دليل على روح الاجتهاد التي تطبع هذا التأليف، والتي تؤكد أن المجهودات المغربية في هذا المجال، لم تكن لتقتصر على الاجترار والإعادة وإنما كانت ترمي إلى الجدة والابتكار وإضفاء شخصية العالم الباحث على ما يصدر عنه من إنتاج وخاصة في ميدان الحديث النبوي الذي يعتبر المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية بعد لقرآن الكريم، والذي صدر عن خير البرية الذي قال أبو الطفيل عامر بن واثلة في مدحه  و الثناء على آله:
إن النبـي هـو النـور الـذي انكشفت      بـه عمـاية بـاقينـا  و مـاضينــا
ورهطــه عصمتــه في ديننــا ولهم      فضـل علينـا و حـق واجـب فيـنا (40)


1) الشعر الدلائي ص 62.
2) أنظر الحركة الفكرية للدكتور محمد حجي، ج 1 ص ،142 مطبعة فضالة 1398 هـ 1978م.
3) المنزع اللطيف لعبد الرحمان بن زيدان، مخطوط بالخزانة العامة بالرباط ج 595، ص72.
4) انظر تأليف جلالته في هذا الموضوع في صفحة لاحقة من هذا المقال.
5) الفتوحات الإلهية، الصفحة الثامنة عشرة من الترجمة.
6) الفتوحات الإلهية ص أ.
7) الفتوحات الإلهية ص أ.
7)انظر ترجمته في كتاب " التأليف و نهضته بالمغرب في القرن العشرين " للمرحوم عبد الله الجراري، مطبعة النجاح الجديدة 1406 هـ 1986م ص 154 -156.
8)الفتوحات الإلهية ص ج.
9)الفتوحات الإلهية ص د.
10) الفتوحات الإلهية ص د.
11)الفتوحات الإلهية ص هـ.
12 ) هو غير الجامع الصحيح المتقدم
13) الفتوحات الإلهية، ص م
14)  الفتوحات الإلهية ص ن
15)  انظر في كتاب " الحافظ الواعية محمد المدني بن الحسني " للمرحوم عبد الله الجراري سلسلة شخصيات مغربية (2)، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء 1397 هـ 1977م.
16)   الفتوحات الإلهية، الصفحة الخامسة من هذه الترجمة.
17)الفتوحات الإلهية، الصفحة السابعة عشرة  من الترجمة.
18) الفتوحات الإلهية، الصفحة التاسعة عشرة من الترجمة.
19)الفتوحات الإلهية، الصفحة العشرون من الترجمة.
20) وهم الإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة والإمام أحمد بن حنبل،
    21) الفتوحات الإلهية ص 3
22) الفتوحات الإلهية، ص8.
23) الفتوحات الإلهية، ص 10.
24)الفتوحات الإلهية. ص 53.
25)الحديث 9 والحديث 182.
26)الفتوحات الإلهية ص 88
27)الفتوحات الإلهية، ص 92.
28)الفتوحات الإلهية ص 149.    
29) الفتوحات الإلهية  ص143.
30) بسقوط الإمام الشافعي.
31)  الحديث رقم 38.
32) الفتوحات الإلهية  ص 17.
33)  الحديث رقم 63.
34) الفتوحات الإلهية ص 25.
35) الحديث رقم 90.
36) الفتوحات الإسلامية،  ص :30.
37) الحديث رقم 102.
38) بسقوط الإمام أبي حنيفة.
39) الفتوحات الإلهية، ص 33
40) الفتوحات الإلهية،  ص 460.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here