islamaumaroc

على هامش الرحلة الملكية

  عبد الوهاب بن منصور

7 العدد

كانت الرحلة الملكية إلى الولايات المتحدة فتحا معنويا للمغرب، وكسبا ثمينا لا يماري منصف في قيمته الكبرى وأهميته العظمى، بالنسبة للتطورات التي ينتظر أن تطرأ في المستقبل على سياسته الخارجية، ونمائه الاقتصادي.

لقد عاش المغرب طيلة القرون الأخيرة معتزلا العالم، منطويا على نفسه، حذرا على استقلاله أن يمس، واتقاء لعادية المطامع الأوربية التي عصفت بحرية أوطان كثيرة وجرت إلى استعمارها بكل سبيل، وقد حالت هذه العزلة بينه وبين مسايرة الدول الأوروبية في التقدم المادي والأدبي الذي عرفته في القرون الثلاثة الأخيرة رغم قربه الشديد منها، وحرمته من ذيوع الشهرة وانتشار الصيت، فأصبح نكرة بين الأوطان والشعوب، ثم جاءت الحماية فزادت في عزلته وتضييق الخناق عليه، فصار العالم لا يعرف عنه إلا ما تذيعه أبواقها وتنشره ورقاتها من الصور الشوهاء التي تظهره في مظهر مزر يبعد عن الحقيقة والواقع بعدا كبيرا.

ولكن الزيارة الملكية الأخيرة إلى الولايات المتحدة خرجت بالمغرب من عزلته القديمة، ومحت من الأذهان ما كان عالقا بها من الصور المزيفة عنه، وأبرزت شخصيته الدولية إبرازا كشف ما كان يحيط بها من لبس وغموض، ويرجع الفضل في ذلك إلى شخصية محمد الخامس التي لها وزنها الثقيل في الموازين السياسية والدبلوماسية، ومكانها الرفيع في قلوب الطبقات الشعبية، باعتباره بطل كفاح وقائد ثورة، وراعي نهضة وحامل مشعل تحرير؛ والشخصيات العظيمة لها من الفعل ما للمغناطيس، هذا يجذب إليه الحديد، وتلك تستهوي العقول وتملك الألباب، ولقد رأينا رأي العين، وسمعنا سمع الأذن، وعلمنا علم اليقين أن محمدا الخامس من الأفذاذ الخالدين خلود التاريخ، فشهرته طبقت الآفاق، وسيرته الرائعة صارت حديث كل لسان.

كانت الوزارات المختصة أعدت لهذه الرحلة طائفة من الكتب والمنشورات للتعريف بالمغرب ونهضته وكفاح شعبه وحكمة قيادته، وعملت جهدها لتصل في الوقت المناسب وتوزع في الأحوال الملائمة، ولكن المغرب كان له من شخصية ملكه الكريم ما يغنيه عن كل دعاية ويكفيه مشقة أي تعريف، فهو معتبر من شخصيات العالم الكبرى، وأعماله المجيدة وآراؤه الصائبة جعلتاه قبلة الأنظار ومتجه الأفكار، ففي كل محفل وقف فيه جلالته خطيبا، أنصت الناس إليه خاشعين متأملين كأن على رؤوسهم الطير، وعلقوا معجبين مقدرين، لما سمعوا من سمو الفكرة ولمسوا من طيبوبة الروح، لقد كان خير رسول لقومه إلى أهل الولايات المتحدة، وأكبر داع لوطنه في تلك البلاد العظيمة، كان المغرب والمغاربة ملء فكره وقلبه ولسانه، يتحدث بأمجادهم، ويتغنى بمآثرهم، ويعرف بحقيقة حالهم وآمالهم في حاضرهم ومستقبلهم، ويعرب عن وجهة نظرهم في دنياهم ودنيا الناس، ولقد رأيت القوم في كل مرة وقف فيها جلالته خطيبا أو متحدثا يبدؤون الاستماع في اهتمام عادي، حتى إذا خطا جلالته في الخطبة أو الحديث خطوات، اشرأبت إليه أعناقهم،  وقلت حركاتهم، وساروا معه مأخوذين في انتباه كبير، ولا تلبث أن تراهم بعد ذلك يصفقون في جنون ويعلقون باستحسان، ويزحم بعضهم بعضا بالمناكب للاقتراب منه وتحيته وهو يهم بالرجوع إلى المنزل الذي يقيم فيه.

ولم يكن محمد الخامس الرئيس السياسي، والزعيم القومي، هو كل ما يجذب إليه قلوب الأمريكيين ويحببه فيها، لقد كان محمد الخامس الإنسان يفعل فيها فعل السحر أيضا، فبساطته في معيشته، وابتعاده عن التكلف والفخفخة في أحاديثه وتصرفاته، وامتلاء قلبه الكبير بالعواطف النبيلة، والإحساسات الشريفة جعلت منه الرجل المثالي الذي يتحدث عنه الفلاسفة والأخلاقيون، فحمل جلالته لطفل، ومداعبته لطفلة، ورفقه بعجوز، وتلطفه مع خادم، ومنحه توقيعا لطالب، كانت تعدل لدى الرأي العام الأمريكي مسامرة في ناد سياسي، وخطابا في مجمع أممي، ولقد كنا نشفق عليه من كثرة الوقوف للمصورين وهو يسعف هذا العدد العديد من الرجال والنساء الذين يجيئونه بأطفالهم وطفلاتهم طالبين منه حملهم في ذراعه للتصوير، ولكنه لم يضق ذرعا بشيء من ذلك، بل كان يجيب كل راغب إلى مرغوبه ولا يرد أحدا خائبا، وكان في ذلك من الدعاية للمغرب وديمقراطية أسرته المالكة ما فيه من الخير الذي يقدره كل عالم بقيمة التعريف وفائدته للأمم ولا سيما الناشئة منها، فالمغرب قد استفاد كثيرا من جولة ملكه بين المحيطين الأطلسي والهادئ، إذ أصبح ذكره يجري على ألسنة عشرات الملايين من البشر وصار لديهم حقيقة ملموسة بعد أن كان عندهم خيالا، حتى قال أحد كبار موظفي الأمم المتحدة: إن هذه الجولة التي استغرقت ثمانية عشر يوما كانت خيرا للمغرب من دعاية عشرة أعوام.

ولم تكن الرحلة الملكية رحلة بروتوكولية كتلك التي يقوم بها عادة رؤساء الدول إلى البلدان التي يستدعون لزيارتها، فيقتصرون على حضور المآدب، والوقوف على المشاهد والمعاهد، وتبادل الهدايا والأوسمة والرسائل الودية، لقد كان جلالة الملك يعلن للناس في كل مكان عن طموح المغرب إلى حياة كريمة، ويفصح عن رغبته في الإصلاح والبناء، فالحرية التي كافح لنيلها والشعب المغربي من ورائه -لم تكن في حد ذاتها غاية، ولكنها وسيلة لخلق مغرب جديد ينفض عنه غبار القرون البالية ويدخل إلى معمعة الحياة الحضرية ينشئ فيها ويشيد، ويستغل خيراته الطبيعية وثرواته الباطنية لفائدة سكانه ليضمن لهم العيشة الرغيدة والحياة الآمنة التي تكتنفها الحرية وتشملها السماحة، وقد قدر الشعب الأمريكي وحكومته هذه المطامح واستحسنوها، وتقدم المسؤولون في واشنطون بعروضهم لمساعدة المغرب على التطور والتجهيز والازدهار، من غير أن يطلب منهم المغاربة شيئا تصريحا أو تلويحا، وهذا يبين أهمية هذه الجولة في تمهيد سبل تعاون حر بين الدولتين خال من القيود والشروط، فقد جرت العادة أن تتقدم الدول المتخلفة بطلبات المساعدة إلى الدول المتقدمة، وتظل هذه الطلبات بين أيدي الاختصاصيين أوقاتا مديدة للدرس والتمحيص، حتى إذا حظيت بالقبول وضعت الدول الطالبة أمام شروط وقيود قد تحد من حريتها في التصرف، وتجعل أرضها قاعدة لجنود وأساطيل الدولة المعينة، وهذا ما لم يحدث منه شيء هذه المرة، فقد كانت الولايات المتحدة هي الطالبة لا المغرب، وكان عرضها خاليا من أي شيء يمس سيادته وحريته من قريب أو بعيد، وفي هذا دليل على ما تناله من عطف مطامح المغرب الجديد الذي لن يستغفله أحد.

وبالإضافة إلى ذلك  كانت هذه الرحلة ضرورية لتصفية التركة التي خلفتها الحماية بعد موتها، وإزالة التباس بقي ينسج غشاوة على سيادتنا الوطنية، فمن المعلوم أن فرنسا أذنت للولايات المتحدة بتأسيس قواعد جوية في المغرب من غير علم ملكه ولا موافقته، ووضعت لها أنظمة تستفيد منها قوتها عسكريا وجاليتها ماديا، ولما أعلن الاستقلال وجد المغرب نفسه أمام أمر واقع لم يكن له بد من دفعه، فليس من المعقول أن يعترف به وهو الحريص على التخلص من آثار الاستعمار وفي مقدمتها وجود جيوش أجنبية فوق ترابه بغير علمه ولا رضاه، وقد أمكنه خلال هذه الرحلة، لما له من حق، ولجلالة ملكه من تأثير أن يصل إلى اتفاق مؤقت مع الولايات المتحدة في شأن هذه القواعد، وسيتفاوض معها قريبا عليها من غير مشاركة طرف ثالث، لأنها اعترفت بأنه صاحب الشأن الذي يعنيه الأمر وحده، ولا شان لغيره، وبذلك زال الالتباس وارتفع الغموض، وأصبحت سيادة المغرب الوطنية وحريته في التفاوض المباشر واضحتي المعالم، وحقيقتين مقرونتين مسلما بهما من طرف الدول.

وكما كان لشخصية جلالته أثرها الكبير في حل هذه المشكلة العويصة كان لها أيضا أثر كبير في جعل ساسة الولايات المتحدة ومندوبي الدول في منظمة الأمم المتحدة يصغون باهتمام إلى وجهة نظر المغرب في كثير من القضايا التي تشغل بال العالم، ولا سيما قضية الجزائر صاحبة المغرب بالجنب، وشريكته في المعتقد واللغة والعاد ومقادير التاريخ، وقد زكت شهرة جلالته بالحكمة والرفق والرغبة في حل المشكلات عن طريق المفاوضات الحرة -أقول زكت هذه الشهرة جميع أقواله وآرائه ورجحت كفتها عند ما نصبت موازين الأقوال والآراء، وهذا ما يعلل الموقف الأخير لحكومة واشنطون والأمم المتحدة الذي في صالح الجزائر، وليس في صالح الاستعمار كما يفهم من التصريح المشترك وقرار الجمعية العامة.

وكانت الرحلة من جهة أخرى نافعة جدا، فالمغرب اليوم على عتبة نهضة جديدة، وجلالة محمد الخامس هو واضع أسسها ومغذيها وراعيها، ومن الخير لها أن يزور بلدا ضرب بسهم مصيب في ميدان الرقي والتقدم، ومن الخير لها كذلك أن يكون مصحوبا بأفراد أسرته الكريمة الذين لهم من الأمة مكان الصدارة بحكم مركزهم السياسي وما يباشرون من مهام اجتماعية كبيرة، لقد وقفوا على عدد المنشآت، ما بين ثقافية واقتصادية وعسكرية واجتماعية، ودرسوا كثيرا من الأنظمة والقوانين ووسائل العمل، واعتبروا بالتجارب التي اجتاز بها الناهضون قبلنا، ومن المؤكد أن ذلك سينير أمامنا السبل المستقيمة في المستقبل ويجعلنا نسير فيها على بصيرة من الأمر لا متخاذلين ولا متعثرين.

وعلى الجملة، لقد كانت الرحلة من بدايتها إلى نهايتها نجاحا للمغرب مئة في المئة، وفوائدها لا يستوعبها مقال أو يغنى فيها حديث، وسيميط التاريخ النقاب قريبا أو بعيدا عما أسدى بها جلالة الملك محمد  الخامس لأمته من العوارف وأولى من النعم، وما سيكون لها من آثار محسوسة في نهضة المغرب المترقبة، ولا يسع من رافق جلالته في هذه الرحلة، ولازمه بالغدو والآصال، واطلع على سني خصاله، وجميل أفعاله، وامتلاء قلبه الكبير بالنبل والفضل إلا أن يجدد الشكر لله عز وجل على أن وهب هذه الأمة ملكا رشيدا، وقائدا حكيما، يجد الراحة في التعب من أجلها، والمتعة في مواصلة السعي لترقيتها وإعلاء شأنها، وإلا أن يتمثل فيه بقول أبي تمام وهو به أجدر :
خليـفة الله جازى الله سعيــك عـن                  جرثومة الدين والإسـلام والحسـب
بصـرت بالراحة الكبرى فلـم ترهـا             
   تنـال إلا علـى جسر من التعــب
إن كان بين صروف الدهر من رحـم              موصولة أو ذمـام غيـر منقضـب
فبين أيامـك التـي نصـرت بهـا                     وبيـن أيـام بـدر أقرب النســب
أمد الله في حياته، وأمتعه بنجاح مساعيه، وتحقيق أمانيه.

عز الأدب
قال حكيم يوصي ابنه : (يابني... عز المال للزوال، وعز السلطان يومان يوم لك ويوم عليك، وعز الأحساب مآله الذهاب، وأما عز الأدب فلا يزول بزوال المال، ولا يتحول بتحول السلطان، وهو دائما فوق الأحساب والأنساب).
                      

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here