islamaumaroc

حول كتاب "المستفاد في مناقب العباد.."

  بنعلي محمد بوزيان

العدد 262 جمادى 1 و2 1407- يناير/ فبراير 1987

يحدثنا الأستاذ محمد المنوني في كتابه عن مصادر تاريخ المغرب(1)، عن مؤلف اعتبره الآن في حكم المفقود بعدما استمر معروفا حتى نهاية القرن الهجري الحادي عشر، عند كل من ابن القاضي الذي نقل عنه بإسناد وبغير إسناد في أكثر من ثلاثين موضعا من جذوته(2)، وابن عيشون وقد استأنس به أيضا في سبع تراجم من روضة العاطر الأنفاس(3)، ويحمل الكتاب عنوان " المستفاد في مناقب العباد بمدينة فاس وما يليها من البلاد ".
ومن غريب الاتفاق أن يكون الذي نعى إلينا الكتاب هو نفسه الذي استطاع بعد مقارنات وتحريات أن يكتشف قطعة منه مبتورة الطرفين، شاركت بها في المعرض الذي أقيم بكلية الآداب بوجدة طيلة أيام الندوة المخصصة لموضوع المغرب الشرقي بين الماضي والحاضر.
ومن جهتنا سعينا لإثبات هذا الاكتشاف وإقرار نسبته إلى صاحبه، فتبينا دليلين لا يرقى الشك إلى أولهما على الأقل، وهما :
1- إشارته إلى مصنف آخر وضعه قبل المستفاد ونسبه إليه صاحب الذيل والتكملة، قال بعدما أورد جزءا من حديث للرسول عليه السلام " ...الحديث بكامله، فمن أراد الوقوف عليه وعلى أمثاله من الأخيار من ذلك فليطلبه في كتابنا المسمى بكتاب أدب المريد السالك والطريق إلى الواحد المالك "(4).
2- إشارته إلى اسمه " محمد " في غير ما موضع، ثم تصريحه مرة واحدة بأن محمدا هذا هو مؤلف الكتاب : " قال محمد المؤلف... "(5).
واسمه الكامل هو : أبو عبد الله : محمد بن قاسم بن عبد الرحمان بن عبد الكريم التميمي الفاسي، أخذ ببلده عن شيوخ جلة، ثم رحل إلى المشرق رحلة حافلة أقام فيها خمسة عشر عاما ولقي نحوا من مائة شيخ أكثر من الرواية عنهم(6)، وضمن ذكرهم برنامجا أسماه " بالنجوم المشرقة في ذكر من أخذنا عنه من كل ثيت وثقة ".
أما تلامذته فكثيرون جدا، نذكر منهم على سبيل المثال فقط ابن فرتون، ومحي الدين ابن عربي الذي سلم بمشيخته في الفتوحات المكية، بل وصرح أنه سمع عليه كتاب المستفاد بقراءته، وأبا مروان عبد الملك بن أبي القاسم التوزري ابن الكردبوس صاحب كتاب الاكتفاء في أخبار الخلفاء(7).
  ولقد رماه ابن الأبار بعدم الضبط لأنه وقف بخطه على أوهام وأغلاط، ووافقه على ذلك صاحب الذيل والتكملة إذ قال : " وكان محدثا حافظا، ذاكرا للحديث ورجاله وتواريخهم وطبقاتهم، ولم يكن في ضبطه بذلك، وحدث بالمشرق والمغــــــرب ".(8)
ثم إنه نسب إليه أربعة عشر مصنفا، ألمح بعدها بما يوحي بأن مؤلفاته تفوق العدد المذكور.
وقد توفي صاحب الترجمة بفاس آخر سنة ثلاث أو أربع وستمائة هجرية.
ونبادر بهذا التعريف الموجز : الملتقط من كتب التراجم والأعلام : إلى عرض الكتاب فنذكر أن صاحبه ترجم أزيد من ثمانين علما، فيهم من لا يحتاج إلى إقامة الحجة على نبوغه وشهرته، وفيهم من لا نعرفه إلا بواسطته، وهم بين زاهد منقطع بكاء... وفقيه مدرس أو إمام... وواعظ ناصح أمين... ومولع بالسياحة وطلب الرجال...وتاجر صدوق... ومحترف عامل... فمسلم الحبشي(9) كان إذا صلى بكى وإذا تكلم بكى، وعلي بن هراوة(10) كان إماما ومعلما لكتاب الله، وكان ابن هـــــران(11) مولعا بالسياحة وطلب الرجال... على حين كان عبد الرحمن الحاج الملاح(12) يبيع الملح بالقرب من منزل سكناه، بالأرض دون حانوت، وأبو زيد عبد الرحمان الخراز(13) مقبلا على حرفته : فإذا جاء الصيف خرج للحصاد يحصد بيده عند من يرضى حاله، ولا يأخذ زائدا على إجارته المعلومة.
وعلى الرغم من هذا الاختلاف البين في الشواغل والاهتمامات الدنيوية، فإن القاسم المشترك الذي جمعهم على الهدى يتمثل في إسلام النفس لله، وتحكيم دستوره عز وجل في سلوكهم العملي، يتفرع عنهما ما شئت من خلال حميدة : تقلل من الدنيا... وتواضع... واحتمال وصبر... وكرم وإيثار... وورع متين... ونـزاهـة ... ومحاسبة نفس... وبعض هؤلاء بلغ درجة في الولاية واليقين قصر عنهما الآخرون، ومن ثم نسب لهم ضروبا من الكرامات والخوارق التي تخرج عن العادات والطبائع السائرة، وقد كان في طوقه أن يزيد لولا أنه تنبه إلى وجود منكرين لكرامات أهل اليقين، فلم يشأ أن يكون لهم عونا على الوقوع في أولياء الله تعالى(14).
واستنادا إلى حرفية العنوان من جانب، وإلى ما ورد في المخطوط من جانب ثان، يكون أغلب المترجمين من سكان مدينة فاس قبلة العلم وكعبة القصاد، وقليل أولئك الذين استوطنوا أحوازها كرباط تازا... والكندريين... وصفروي – أي صفرو – على نحو اثني عشر ميلا من فاس حسب تحديده(15)، ولا نعدم فيهم غرباء نزحوا أو آباءهم من الأندلس، ومما يحمد لجل هؤلاء أن تميزت حياتهم بالحركة الدائبة بحيث لم يخرجوا عن الناس أو ينقطعوا عنهم بالخلوة والانفراد على عادة الزهاد حتى إن منهم من أدركته الوفاة خارج وطنه بالمشرق.
وفيما يتعلق بالمنهج الذي اتبعه المؤلف، يبدو من خلال الكتاب المفقودة ديباجته أنه لم يرسم في ذهنه أية خطة واضحة وهو يتأهب لجمع مادته، فهو لم يصنف مترجميه – مثلا – بحسب النسق الأبجدي أو التدرج الزمني لحياتهم، بل إنه لم يفرد شيوخه الذين اجتمع بهم واستفاد من علمهم بأية خاصية كأن يصدر بهم تأليفه... وفي المقابل أورد أخبارهم بتلقائية تغلب عليها الفوضى التي تسود بعض المؤلفات القديمة والمعاصرة له.
وكل ما يمكن الإشارة إليه في صدد المنهج أنه كان يذكرنا بين الفينة والفينة بوعده في المقدمة : أن يجعل من الإيجاز غايته الأساسية. فبعد كلامه عن أبي الحسن علي بن السكاك قال ما يلي : : " ... قال محمد : وشهرة الشيخ وكراماته معروفة، فلهذا لم أشبع القول في ذلك ولشرطنا المقدم في الاختصار "(16).
هذا، إلى أنه كان يورد شواهده الشعرية خاصة بغير نسبة في معظم الأحيان، ففي كل القطعة التي تحت أيدينا لم يسند إلا مرة واحدة حينما قال عن الشيخ أبي الحسن علي بن حسون اللواتي : " ولقد كان يذكرني بحاله قول ابن شبرمة :
لـو شئـت كنـت ككـرز فـي تعبـده        أو كـابن طـارق حول البيـت المحـرم 
قـد حـال دون لذيـذ العيـش خوفهمـا      وسارعـا فـي طـلاب الفـوز والكـرم
ثم علق على البيتين بما يلي : " وكان كرز بن وبرة لا يرى في ساعة قط إلا مصليا، وكان محمد بن طارق يطوف في اليوم والليلة سبعين أسبوعا فكأ تعدل بعشرة فراسخ(17).
وما من شك في أن القارئ الكريم سيدرك معي أن هذه الشواهد ليست شواهد باحث دارس أو ناقد مميز، يقدمها للاستدلال وقطع الشك بسيف اليقين، وإنما هي من قبيل الاستطراد المقصود الذي لا يخلو من فائدة، والذي نراه ظاهرة تكاد تكون متواترة في الكتابات ذات الطابع الصوفي الزهدي كالمدهش لابن الجوزي والتشوق لابن الزيات.
والذي يوحي به الكتاب بشكل قوي أن مادته أصل لا مصدر له غير روايته ومعاينة المؤلف نفسه. فعن الرواة نقل أخبار أولئك الذين لم يدركهم، أو أدركهم وهو صغير حدث، أو أدركهم ولم يسعد بمخالطتهم، وكانوا إما جيرانا للمؤلف أو من أصحابه المبرزين. ومنهم أيضا من ارتبط بالمترجم بعلاقة حميمة : قرابة (حفيد – ابن أخ)، صداقة، خدمة... ولقد ظفر معظم الذين خالطهم المؤلف بعناية خاصة منه، ونقل إلينا صورا مختلفة عن حياتهم اليومية العادية وشواغلهم العلمية والصوفية. فهناك من خرج معه لجنان دعاه إليه صاحبه، وثمة من سافر معه، أو " مشى إليه زائرا " أو بات عنده ليلة في بعض شهور رمضان. بل وفيه من سمعه في بعض مجالس وعظه " أو وجده على غاية من الاجتهاد، أو في الكتاب مع الصبيان ".
أما من روى عنهم أخبار مترجميه فهم يزينون لنا الحكم بكونه ثبتا ثقة، أحاديثه تشي بالنزاهة والموضوعية والتجرد كما في هذه الرواية : " أخبرني الشيخ أبو محمد قاسم بن محمد الشيخ أبي عمران عرف بابن تاندلست، وكان من الصالحين. أدركته وصحبته ولم أسمع هذا منه "(18) أو في إشارته إلى مواقفه الصريحة مما يرتاب فيه : " ... قال محمد - أي المؤلف – وسمعته – يعني ابن الرمامة – في بعض مجالسه يقول إما عن نفسه أو عن من حدثه، الشك معي (؟) أنه... "(19) ونادرا ما كان يسند إلى نكرة، ففي كل القطعة التي نحن بصدد دراستها ورد ما يلي :
- أخبرت في ثلاثة مواضع.
- أخبرني بذلك من حضره وشاهده : مرة واحدة.
- ذكر عنه أنه : مرة واحدة أيضا.
- سمعت غير واحد من أصحابنا يقول : مرة واحدة.
- أخبرني بعض الإخوان : مرة واحدة.
- أخبرني غير واحد من جيراني : مرة واحدة.
- أخبرني غير واحد من أصحابنا : مرة واحدة.
على حين وقع الإسناد إلى أزيد من خمسين عالما من جملتهم : والده وأبو الحسن علي بن عتيق وقاسم بن محمد القضاعي وابن الطويل وقاسم بن محمد القيسي وإبراهيم ابن أبي بكر العجمي وسواهم. ينضاف إليهم أعلام آخرون ذكروا عرضا في تدخلات المؤلف واستطرداته المفيدة القيمة التي تؤكد أنه فعلا من المحدثين الكبار والعلماء الأثبات فحينما أشاد بقراءة الأستاذ أبي العباس أحمد بن محمد المرادي المعروف بالدراج قـال : ولقد ذكرني بقراءته ما روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول لأبي موسى الأشعري : شوقنا إلى ربنا : أو خوفنا ربنا. قال : فيقرأ لما كان عليه من حسن القراءة وتحسينهــــــــــا...(20) .
ولتتميم معلوماتنا عن هذا المصنف : نشير إلى أن القطعة التي تحت أبصارنا لا تحتل إلا حيزا ما في الجزء الثاني من المستفاد. ولعله من المفيد أن أقدم هنا الترجمة المختتم بها، وهي للشيخ الفقيه " أبو الحسن علي بن أحمد الكتاني " رحمه الله تعالى : كان شيخا فاضلا مقرئا روى الحديث بالأندلس، ثم رحل إلى المشرق لقضاء فريضة الحج، فالتقى بالإمام أبي حامد الغزالي بمكة، سمعته يذكر ذلك. ولقي بمكة وبيت المقدس علماء منقطعين. وكن يعلم القرآن بالمسجد المعروف بابن حنين، له عبادة واجتهاد. أخبرني الفقيه أبو محمد قاسم بن محمد القضاعي، قال : أخبرني الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن يبقى(21) عن الفقيه أبي الحسن الكتاني : إنه يختم القرآن في اليوم والليلة دائما نفعه الله تعالى بذلك، ثم إنه قال : آخر الجزء الثاني يتلوه الثالث(22).
وهو مبدوء – بعد البسملة والتصلية – بالفتى الزاهد العابد : منغفاد فتى حديث السن : وتلك ترجمة ساعدت كثيرا على ضبط هوية الكتاب، إذ بها حصلت المقارنة بما ورد عند ابن القاضي(23) الذي اتكأ كلية على الكتاني، واتفق معه بذلك في ألفاظ الترجمة خلا بعض المفردات، وتصحيفا في قوله عن الفتى " ... فإذا بصبي نظيف عليه دراعة زرقاء مرقعة بخز وصوف(24) خلافا لما جاء في الأصل " …خرق صوف" وهو الصحيح بلا ريب.
ولم يبق من هذا الجزء الثالث غير خمس تراجم للأعلام الآتية :
1- منغفاد فتى حديث السن : ص (114-116).
2- الشيخ أبو محمد عبد الله بن معلا : ص (116/121).
3- الشيخ الحاج أبو الحسن علي بن حسون اللواتي : ص (122-127).
4- أبو العباس أحمد بن طوال : ص (127-128).
5- الشيخ أبو جعفر أحمد بن علي بن أبي بكر بن إسماعيل عرف بالفنكي أصله من قرطبة واستوطن بمدينة فاس مع أبيه وهو إذ ذاك صغير السن : ص (128...).
زد على ما سبق تراجم لا نعلم مواقعها الصحيحة في الكتاب، وأغلبها لشخصيات لها قدم راسخة في التصوف كأبي يعزى وابن حرزهم وأبي مدين وغيرهم.
ولا نودع الحديث عن هذا المصنف النادر دون أن نشير إلى أن لغته سليمة على العموم، "وأحيانا" أحيانا كانت تتدنى لتقترب من الأحاديث الشعبية أو تلامسها، وحتى تكون على بينة من ذلك نقرأ ما يلي من ترجمة الشيخ حجاج بن يوسف الكندري وقد كان ساكنا رحمه الله تعالى بالكندريين من أحواز مدينة فاس : ...قال أبو يعقوب الحاج البستاني، وكان حجاج رباه، قال : كان يزبر العنب في جنانه، فخطرنا عليه أنا وولده يحيى فقال لنا : ادخلوا عاونوني في الزبير. فقال له : لو كان العنب إلا ودخلنا. قال : ادخلوا تأكل الكنب إن شاء الله تعالى. فقلت لولده : ادخل نزبروا معه. فدخلنا فزبرنا(25)... إلخ.
والمقول في آخر المطاف : أن تحقيق هذه القطعة النادرة من المستفاد سيسد بعض النقص الذي سببه ضياعه. وسيكون حافزا للبحث عن أوليته وبقيته.


1  الإشارة إلى كتابه المصادر العربية لتاريخ المغرب من الفتح الإسلامي إلى نهاية العصر الحديث ص : 95 ترجمة 104 طبعة بنميد.
2  ينظر على سبيل المثال الصفحات : 101-102-107-107-154-180 ...إلخ (طبعة دار المنصور – 1974)
3  هو محمد بن محمد ابن طاهر ابن عيشون الشراط توفي 1109 هـ : الروض العاطر الأنفاس بأخبار الصالحين من أهل فاس.
4  المستفاد ص 70، مخطوطة خاصة (انظر الذيل والتكملة، السفر الثامن القسم الثاني ص 356 مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية. المعارف الجديدة الرباط.
5  المصدر السابق ص 82.
6  ابن الآبار : تكملة الصلة : ترجمة رقم 1720 من طبعة عزت العطار.
7  محمد ابن عبد الملك المراكشي : الذيل والتكملة السفر الثامن القسم الأول ص 355 مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية.
8  الذيل والتكملة السفر الثامن القسم الأول ص 355.
9  المستفاد ص (4 – 5).
10  المصدر السابق ص : (105-108) وله ترجمة في جذوة الاقتباس رقمها 514 – ص 468.
11  المصدر نفسه ص : (3-4).
12  المصدر نفسه ص : (109/111).
13  المصدر نفسه ص : (70) وترجمة قصيرة جدا.
14  المصدر نفسه ص : 99.
15  المصدر نفسه ص : 29.
16  المستفاد ص : 90.
17  المصدر السابق ص : 29
18  المستفاد ص : 91 وفي ص : 103 قال : أخبرني غير واحد من جيراني عن الشيخ أبي الحسن علي بن ملولة الفارسي جارنا، وأدركته أنا ولم أسمع منه ذلك لصغر سني في ذلك الوقت.
19  المصدر السابق ص : 14.
20  المصدر نفسه ص : 8
21  له ترجمة في المستفاد ص : 102.
22 المستفاد ص 114، وهذا دليل على أن الكتاب يقع في ثلاثة أجزاء على الأقل، وهو سفران عند صاحب الذيل والتكملة.
23  جذوة الاقتباس – القسم الأول : ص 335، ترجمة : 353، دار المنصور للطباعة والوراقة – الرباط/ 1973.
24  المصدر السابق ص 336 – المستفاد ص : 115.
25  المستفاد ص : 50.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here