islamaumaroc

تحديات الفكر الغربي للإسلام "الحقيقة الإسلامية" والصراع بين الاستشراق القديم والحديث"

  عبد العزيز بنعبد الله

العدد 262 جمادى 1 و2 1407- يناير/ فبراير 1987

نعطي في هذه العجالة صورة عن الدور الذي قام به مستشرق إيطالي عاصر لدحض شبهـات الاستشـراق القديم، انطلاقا من دراسة نقدية مقارنة لتاريخ الإسلام وتطور فكره الحضاري.

الأمير ليون كيطاني (Leone Caetani (1869-1935 مستشرق إيطالي بارز، واجه بشجاعة نادرة موجة الشك التي جرفت بأوربا خلال القرن التاسع عشر الماضي، كنتيجة للاتجاه المادي والعقلاني الجديد الذي تزعمه أمثال أوكست كونط Auguste Conte وداروين Darwin وبوكل Buckle، فقد أسهم (كونط) في رسم الخطوط العريضة لفكرة إنعاش الإنسانية عن طريق دعم العلم وعقلنة الدراسات الاجتماعية والثقافية، بينما حاول (داروين) في أبحاثه الاجتماعية الدعوة لمنهجية تستهدف حل مختلف مشاكل وقضايا التاريخ، على ضوء نظرية التطور والارتقاء.
أما الشخصية الثالثة وهي (بوكل) فقد اقترحت في كتابها (تاريخ الحضارة في إنجلترا) (لندن 1857) النظرية الجيوسياسية التي عملت على إقناع رجال الفكر بأن القوانين الأخلاقية ليست هي المنطلق الذي يتمخض عنه تطور الإنسان، بل إن نوعية المناخ والتربة والغذاء والظروف الطبيعية هي التي تحرك وتخلق كل تطور في شقيه الاجتماعي والفكري، وقد كان لهذا الكتاب أثر عميق على الحياة الفكرية في أوربا، إذ لم يكد يظهر للوجود عام 1857 حتى ترجم إلى أهم اللغات الأوربية في عدة طبعات متجددة.
وقد زعزع هذا التيار الداهم من الشك والإلحاد أسيسة فروع المعرفة في جميع هياكلها، فتضعضع بنيان المسيحية، وغارت غطاءاتها في لجج الريبة الغامرة، كاد الناس معها يظنون أن هيمنتها على العقول قد أمست في خبر كان، حتى إن المستشرق (كيطاني) نفسه رغم اعتداله لم يسعه إلا أن يشاطر عالم الفكر الأوربي آراءه العقلانية، وقد حكى عن نفسه أن إيمانه بالكنيسة ومعتقداتها قد تلقى صدمة بلغت درجة من العنف تغلغلت في عقلية الناضجين من رجالات الفكر والمعرفة، مما اضطر معه إلى اعتبار المسيحية كما صلت إلى أوربا، بمثابة بنية مشوهة لتعاليم المسيح عليه السلام، بل ذهب (كيطاني) إلى حد التنبؤ بميقات انهيار الكنيسة وتحرر الناس من قيودها، وقد عبر (كيطاني) على آرائه تلك في كتابين اثنين هما :
1) الكاثوليكية المعارضة للكهنوت والتمرد ضد البابوية الإيطالية (طبعة روما 1911م).
2) الأزمة الخلقية اليوم: دينا وعصرنة وديمقراطية.
وقد انطلق النقد بدون عنان إلى حد نكران وجود المسيح نفسه.
هنا عاد (كيطاني) إلى دراسة الإسلام، فنشر عام 1905م مائتين وخمسين نموذجا لصور إسلامية في الجزء الأول من موسوعته الضخمة " حوليات الإسلام "، فانهال عليه من أصدقائه المستشرقين سيل من الخطابات التي نادت به كأعظم مؤرخ للإسلام في أوربا، وبلغ هذا التأثير كل جنبات دوائر الفكر في القارة الأوربية حداها إلى التهافت على دراسة لغة العرب وثقافتهم وعطاءات الإسلام فكرا وحضارة...
وكانت لكيطاني طريقة جديدة للكشف عما يرومه من حقائق، وذلك من خلال دراسة نقدية متوازية للنصوص العربية والمراجع الأجنبية، فاستطاع منذ عام 1926م نشر المجلد العاشر من حولياته، منهيا بذلك أبحاثه حول الإسلام، إلى أحداث سنة الأربعين من الهجرة، وهو تاريخ مقتل الخليفة الرابع علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه.
وقد أفرد (كيطاني) المجلد الخامس من موسوعته لمعركة " اليرموك " بين الخليفة الثاني عمر بن الخطاب والبيزنطيين عام 15 هـ 636م، غير أن هذا المستشرق الإيطالي الموفق، عرف كيف يستثمر مئات المذكرات التي ملأ بها مجذته أو جزازيته الضخمة Fichier التي كانت لا تزال غمسية، إذ لم تنشر بعد، محتفظا بها لتحرير مصنفاته الثلاثة الكبرى الآتية:
1) " تدوين الأحداث الإسلامية " خمس مجلدات (روما – باريس) 1912-1918 تسلسل الأحداث إلى عام 147هـ/762م.
حيث أصبح الاستعمار النابع من الدول الأوربية يستهدف الكشف عن خبايا عالم الإسلام، وكذلك الأمم والشعوب الإفريقية والأسيوية، فانبرت مدرسة من الكتاب والعلماء شرعت في تجميع المعلومات والمستندات المختلفة بهذا الصدد فظهر أمثال <السير ريتشارد بورتون> Sir Richard Burton ووليام روبرتسون سميث William Robertson Smith وشارل دوغثي Charles Douhrty وسنوك هوركرونج Snouck Hurgronge وكثير آخرين، شجعوا للاتصال بالأراضي والأمم " المقدسة " التي ظلت ألفا من السنين قابعة وراء قلاع حصينة وأسوار منيعة ضد كل توسع غربي في آسيا وإفريقيا.
وفي هذه الفترة كتب سبرنجير (Sperenger (1813/1893 بالألمانية سيرة الرسول (صلعم) في ثلاثة مجلدات بعنوان " حياة وتعاليم محمد " (طبعة برلين 1961-1965)، حيث سخر ما شاءت له السخرية بالأدب الشرقي، ولكنه أكد أن التعرف الكامل على مظاهر الحياة والأدب في آسيا في ظروف القرن التاسع عشر يعتبر مطمحا أساسيا ورغبة ملحة في أوربا، وكانت الجيوش الاستعمارية تنطلق ظافرة يعززها مستشرقون أمثال مارغوليوث D.S Margoliouth (1858/1940) وألفريد كيوم Alfred Guillaum وبيرنار لويس Bernard Lewis وكليفلان دودج Clevland Dodge وأشباههم، فازدوجت هذه الانطلاقة بشعور من الفخر والخيلاء ومركب سمو تمخضا عن تطور العلم والتكنولوجيا بأوربا من جهة، وتدهور الأقطار الإسلامية من جهة أخرى، وقد اتسمت معظم الدراسات التاريخية حينذاك - عن قصد أو غير قصد - بسمات استفحلت مع الزمن ضد الإسلام.
ولم تكن هذه الحركة دائما نتيجة عوامل مغرضة، بل قد أدت إليها أحيانا بحوث ناقصة بتراء لم تستكمل مستنداتها، فتهافتت الأخطاء على عقول أصحابها بصورة التبست فيها خيوط الحقيقة، وقد نتج عن ذلك الخلط والتمويه سوء التأويل وتقليص حجم الرسالة المحمدية والنيل من قيمة ومدى إسهام الإسلام في الحضارة الإنسانية والثقافة العالمية.
أما المناقضة التي تكمن في هذا الاتجاه فهي أنه وسم كمسار " لنزاهة صارمة في صالح المعرفة ".
وفي هذه الملابسات الوخيمة بدا <كيطاني> باحثا. [...]
2) معلمة عربية " تاريخ الإسلام تراجم ومنجزات ومراكز " مجلدان اثنان، تسلسل زمني إلى كلمة عبد الله (روما 1915م) (200.000 مذكرة لا تزال غميسة).
3) " دراسة تاريخ الشرق " (روما 1911/1914) مجلدان اثنان حول انبعاث الإسلام على ضوء النظريات الجيو-اقتصادية الحديثة.
ومع ظهور الفاشية اضطر المؤرخ كيطاني وهو آنذاك عضو في البرلمان الإيطالي للهجرة إلى <كندا> حيث قضى في <فانكوفير> السنوات العشر الأخيرة من حياته قبل أن تنطفئ شعلته يوم 24 دجنبر 1935، وقد أوصى بخزانته الثرية للأكاديمية الوطنية في <لنسل> وكان عضوا لها عندما أسس في رحابها عام 1924 المركز الإيطالي الكبير لدراسة الإسلام.
وقد أخذ <كيطاني> على نفسه طوال حياته أن لا يترك أية فرصة لشجب حملات القذف التي انطلقت ضد الإسلام منذ العصور الوسطى، وكانت تدخلاته من خلال محاضرات كالتي ألقاها عام 1910 حول شخصية محمد عليه السلام، مبرزا ما تنطوي عليه مسارات الطعون والافتراءات من آثار وخيمة كمنطلقات أثيمة شكلت السلاح الوحيد ضد الإسلام ورسول الإسلام.
وقد كان لردود الفعل هذه رجة في المجتمعات الأوربية حدت أمثال الكاتب الفرنسي الشهير <بيير مارتينو> Pierre Martino إلى التنديد في كتابه " الشرق في الأدب الفرنسي خلال القرنين السابع والثامن عشر " (باريس 1906) بهذه الصولات الصاخبة التي أجج أوارها أولئك الذين خسروا الحرب ضد الأتراك، فعمدوا إلى أخذ الثأر عن طريق سلاح الأدب، وهو ما عرف بـ " الاقتصاص الأدبي للمسيحية "، وبلغ هذا الشعور حدا من الضراوة وصل إلى منتهاه بعد استيلاء آل عثمان في منتصف القرن الخامس عشر على عاصمة <بزانس> نفسها.
وبتقلبات الحدثان ومعاكسة الحظوظ لدى الشعوب الإسلامية منذ القرن الثامن عشر وانهيار هذه الشعوب أمام الموجة الاستعمارية الجارفة - اتخذ المشكل حجما جديدا غريبا يثير الدهشة والفضول، فبالرغم عن مشاطرته، دون وعي أو شعور، لأحكام مسبقة ولبعض وجهات نظر العصر الذي تخضخض فيه، فقد أخذ بلبه تحمس عارم لمفهوم الديمقراطية في الإسلام، ذلك المدرك التي وصفه في العبارات الآتية: " إن الإسلام قد انتشر في المعمور، حيث ظل - بصورة غريبة - وفيا لبعض المبادئ الأصيلة، فخلف مجتمعا خاليا من كل أرستقراطية، لا نظريا فحسب بل عمليا أيضا - قد تشبع بروح من المساواة الديمقراطية وطابع من السمو الاجتماعي والاقتصادي ضمن طبقات من سلالة وحيدة، اختلفت فروعها، وهي ظاهرة اجتماعية لم يسبق للعالم أن عرف مثيلا لها قبل الإسلام، وليس هنالك ما يدعو إلى الشك في أن هذا النوع من الدين العملي إذا ما اعتنقه رسل الاشتراكية في هندامه المجرد عن كل طابع خارق للطبيعة، فسيكتب له نصر قار في سياقه دون تفاوت أو انحراف، وذلك بإقامة هيكل تكلله مبادئ مساواة حقيقية واقعية كالتي أقامها الإسلام في مساره الظافر".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here